المعنى

[ و لم يخل اللّه سبحانه خلقه من نبى مرسل ، أو كتاب منزل ] لقد سبق منا القول في قاعدة اللطف ، و انه لا بد من حجة للّه على الناس ، و هم الأنبياء كما تقدم لاحتياج الناس الى عالم معصوم ، يأخذون منه معالم دينهم و يتعلمون منه تكاليفهم ، و لهذا اول بشر خلقه اللّه تعالى هو آدم ابو الأنبياء و اولهم ، فما كان زمان خاليا من الأنبياء ، أو من الصحف الالهية و الكتب السماوية كصحف ابراهيم و الزبور و التوراة و الانجيل و القرآن في أزمنة الفترة ، و هي الأزمنة التي لم يكن نبي مبعوثا فيها ، [ أو حجة لازمة ، أو محجة قائمة ] قد مر آنفا كلام العلامة ( ره ) حيث قال : ان لكل نبى وصيا ، و معنى الحجة و ان صح اطلاقها على النبى و الكتاب ، الا أنه هنا ليس المقصود من الحجة النبي أو الكتاب لتقدم ذكرهما ، بل لا بد ان يكون المقصود هو الوصى اي الامام المعصوم ، و كلما بيناه في قاعدة اللطف و وجوب بعثة الأنبياء كذلك نقول في نصب الامام و الخليفة و الوصي للناس بأمر اللّه و تعيينه و هذا من مسلمات عقائد الشيعة استنادا الى الاخبار الصحيحة و الأحاديث الواردة المتواترة عن اهل البيت الذين اذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا . فانها تصرّح : بأن اللّه ما ترك ارضا منذ قبض اللّه آدم الا و فيها امام يهتدى به الى اللّه ، و هو حجة على

[ 81 ]

عباده ، و لا تبقى الأرض بغير إمام ، حجة للّه على عباده ، و ان اللّه اجل و اعظم من ان يترك الأرض بغير إمام عادل ، الى غير ذلك من مئآت الروايات ، و اما حديث الثقلين المشهور بين جميع علماء المسلمين و هو قوله صلى اللّه عليه و آله : [ اني تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه و عترتي اهل بيتي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ] فجملة لن يفترقا دليل واضح قاطع على وجود الامام في كل زمان الى ان ينقطع زمن التكليف ، و تقوم القيامة ، فالمقصود من الحجة هو الامام المعصوم ، سواء قام بالخلافة أو قعد ، أو كان ظاهرا مشهورا أو غائبا مستورا .

فحاصل الكلام ان امير المؤمنين عليه السلام انتقل من بيان النبوة الى ذكر الامامة ، و ذكرها إجمالا و يأتي منه التفصيل في المستقبل ان شاء اللّه .

و اما تفسير الحجة هنا بالعقل فهو أوهن من بيت العنكبوت ، و لا اعتبار به و لا ينبغي النقاش حوله ، و ان كان العقل حجة باطنة إلا انه هنا غير مقصود قطعا كما يظهر من سياق الكلام و ايضا لا تتم حجية الحجج . إلا بحجية العقل ، و العقل لازم في كل زمان و مكان ، فلا يصح التعبير ب [ أو ] . [ و أما المحجة القائمة ] فهي جادة الطريق و لعل المقصود منها هي الشرائع كشريعة عيسى [ ع ] في زمان الفترة ، أي قبل ولادة النبي صلى اللّه عليه و آله و بعثته . و اعلم ان هذه الأربعة قد يجتمع بعضها في زمان واحد ، كاجتماع القرآن و النبي و أمير المؤمنين عليهما السلام و الشريعة الاسلامية .

[ رسل لا يقصر بهم قلة عددهم ، و لا كثرة المكذبين لهم ] ذكر إمامنا [ ع ] شدة مقاومة الأنبياء في التبليغ ، و ثباتهم و استقامتهم ، و رجائهم بارشاد الناس و هدايتهم الى عبادة اللّه تعالى فقال : ان قلة عددهم لا تكون سببا لتقصيرهم عن الدعوة و لا كثرة الذين ينسبون اليهم الكذب و السحر و الجنون [ من سابق سمي له من بعده ، أو غابر

[ 82 ]

عرّفه من قبله ] يعني ان بعض الأنبياء سمى اللّه له النبى الذي يأتي بعده ، أو الوصي الذي يقوم مقامه ، أو غابر أي لاحق عرّفه النبى الذي قبله و بشر به كما بشر عيسى ( ع ) الحواريين بنبوة نبينا محمد صلى اللّه عليه و آله ، كما قال تعالى : و إذ قال عيسى بن مريم يا بنى اسرائيل : اني رسول اللّه اليكم مصدقاً بما يديّ من التوراة و مبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه احمد و قد قيل في تفسير هاتين الفقرتين غير ما ذكرنا و لا بأس به .