المعنى

( على ذلك نسلت القرون ، و مضت الدهور و سلفت الآباء و خلفت الأبناء ) ما ذكره امير المؤمنين عليه من بيان بعثة الأنبياء و وظائفهم و إستقامتهم ،

و كيفية إحتجاجهم و تبليغهم الناس ، و عدم خلوّ الأرض من نبي أو كتاب أو إمام

[ 83 ]

أو شريعة ، و غير ذلك فقال عليه السلام : على ذلك نسلت القرون أي على ذلك النسق و الأسلوب و هذا المنوال و الترتيب انقضت القرون ، و مرت الأيام و الليالي و تبدلت الأجيال ، و تصرّمت الأعوام ، و انقرضت الأمم ، و استأنفت الأقوام حتى بعث اللّه تعالى نبينا محمدا صلى اللّه عليه و آله [ الى أن بعث اللّه سبحانه محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لانجاز عدته ] لأن اللّه تعالى وعد أنبيائه و أمرهم أن يخبروا أممهم بأن اللّه سيبعث نبيا اسمه محمدا صلى اللّه عليه و آله [ و تمام نبوّته ] قال تعالى : ما كان محمد ابا احد من رجالكم و لكن رسول اللّه و خاتم النبيين ختم اللّه تعالى النبوة برسول اللّه [ ص ] ، و قد اشتهر بين علماء المسلمين الحديث النبوي الصحيح : حديث المنزلة حيث قال [ ص ] : [ يا علي انت منّي بمنزلة هارون من موسى ، الا أنه لا نبي بعدي ] [ مشهورة سماته ] أي صفات رسول اللّه و علاماته كانت مذكورة في الصحف السماوية ، و الكتب المنزلة على الأنبياء ، من توراة موسى عليه السلام ، في مواضع عديدة منها ، و كتاب حيقوق و حزقيل النبي و كتاب شعيا النبي ، و زبور داوود عليهم السلام . و اما الانجيل : ففيه اسم نبينا .

و ان عيسى بن مريم قد بشّر الحواريين مرات و كرات و نكتفي هنا من الانجيل بهذه القصة العجيبة التي تزيد المؤمنين ايمانا و تثبيتا و هي قصة فخر الاسلام مؤلف كتاب : انيس الأعلام ، الذي كان من علماء النصارى و القسيسين ، و لكن اللّه تعالى هداه الى الاسلام فأسلم ، و حسن اسلامه فأصبح من أعاظم علماء المسلمين فلنذهب اليه حتى يقص علينا قصته كما ذكرها في مقدمة كتابه المذكور يقول هذا القسيس سابقا المسلم فعلا : اعلم بأني و آبائي و أجدادي كنا من أعاظم القسيسين و اكابر علماء النصارى ، ولدت في كنيسة ارومية و تلمذت عند عظماء القسيسين و العلماء و المعلمين من النصارى و من جملتهم : « رابي يوحنا بكير » و القس

[ 84 ]

« يوحنا جان » و « رابي غازو » و غيرهم من الرهبان و الراهبات التاركات للدنيا ،

و لما بلغت من العمر اثنتي عشر سنة فرغت من تعلم التوراة و الانجيل و سائر العلوم المسيحية ، و بلغت درجة القسيسين ، فعند ذلك أحببت ان اطلع على عقائد مذاهب المسيحيين المختلفة ، و بعد التفحص و المتاعب الشديدة و الضرب في البلاد ، ساعدني حظي و ساقني مقدوري الى زيارة احد القسيسين العظام ، الذى صار مطرانا ، و هو من الفرقة الكاثوليكية ، و كان ذا قدر جليل و شأن عظيم ، و اشتهر بالزهد و التقوى و العلم بين أهل ملته ، و الكاثوليكيون على اختلاف طبقاتهم من القريب و البعيد ، و الدني و الشريف ، كانوا يوجهون اليه الأسئلة الدينية يصحبها الهدايا الثمينة على مقدار مهديها ،

فتلمذت عنده و قرأت عليه أصول عقائد المذاهب المسيحية المختلفة و فروعها ، و كان يحضر في مجلس درسه غيري من التلامذة ما يقارب من اربعمائة أو خمسمائة ، و جماعات من الراهبات المعتكفات في الكنيسة ، التاركات للدنيا ، حتى يغص المجلس بأهله ،

و انتخبني القس من بين هؤلاء ، و اختارني لأن أكون من أخصائه ، و سلم إلى مفاتيح المساكن و خزائن مآكله و مشاربه ، إلا مفتاحا واحدا كان لغرفة صغيرة أو مخدع فانه لم يسلمه إلي ، فكنت أسي‏ء الظن به ، و كنت أقول فى نفسي : لعل فى هذه الغرفة أموالا طائلة و أشياء ثمينة للقس ، و هو من عبيد الدنيا ، و زهده و تقواه مصائده و شبكاته فلم أزل ملازما لخدمته حتى بلغت السابعة عشر أو الثامنة عشر من عمري ، و في يوم من تلك الأيام اصيب القس بمرض ، فلم يحضر مجلس الدرس ، و حضر الطلاب ،

و جعلوا يتذاكرون بينهم حول كلمة : [ فارقليطا ] فى اللغة السريانية و [ پركلوطوس ] فى اللغة اليونانية و هو الذي نقل يوحنا عن عيسى عليه السلام : ظهوره و بشر به بني اسرائيل فى الانجيل الرابع فى الباب الرابع عشر و الخامس عشر و السادس عشر ،

حيث يقول عيسى عليه السلام : [ يأتي بعدي فارقليطا ] .

[ 85 ]

و اختلف الأقوال حول صاحب هذا الاسم ، و طال الجدال و المحاورة بين الطلاب فذكر كل واحد منهم رأيّا و اختاره و انتهى المجلس بلا جدوى و لا فائدة تعود إلي كما قيل : اذا كثر الجواب خفي الصواب . فذهبت الى القس فسألني : يا بني فيم كنتم تتذاكرون هذا اليوم ؟ . فذكرت له موضوع البحث و اختلاف التلامذة في كلمة فارقليطا و ذكرت له أقوالهم و آرائهم له فسألني : فما كان رأيك فى هذا الاسم ؟ فذكرت بأني اخترت رأي فلان المفسر فقال القس : لا بأس و لكن الصحيح غير هذه الأقوال كلها ، إذ لا يعلم تفسير هذا الاسم إلا الراسخون فى العلم و هم قليلون . فألقيت نفسي على قدم القس و قلت له متضرعا : ايها الأب انك تعلم اني لا زلت و لا أزال مجدا فى تحصيل العلوم من أوائل عمري فى خدمتك منقطعا عن اهلي شديد التمسك بدينى لا أفارق الدرس الا حين الصلاة و الوعظ فما يضرك لو اخبرتنى بتفسير هذا الاسم و المقصود منه ؟ فبكى القس بكاء شديدا ثم قال : يا بنى انت اعز الناس عندي و لا اخفى عنك شيئا و ان كان فى معرفة هذا الاسم فوائد عظيمة و لكن اذا انتشر هذا الخبر بين المسيحيين عمدوا الينا و قتلونا فلا اخبرك الا بعد العهود و المواثيق المؤكدة ان لا تخبر احدا بهذا الخبر فى حياتي و بعد مماتي فاني اخشى ان يأتوا الى قبري و يخرجوا جثتي فيحرقوها . فحلفت له باللّه العظيم و بحق الانجيل و عيسى و مريم و جميع الأنبياء و الصلحاء و جميع الكتب المنزلة و بحق القديسين و القديسات ان لا افشي هذا السر لا في حياته و لا بعد مماته . فلما اطمئن بكلامي قال : يا بني اعلم بأن هذا إسم من أسماء نبي الاسلام و معناه : احمد و محمد . فألقى الي مفتاح ذلك المخدع الذي تقدم ذكره و قال : اذهب الى تلك الغرفة الصغيرة ، و افتح باب الصندوق الفلاني و أتني بالكتب ، فأتيته بالكتب . فأخذ كتابين قديمين عتيقين كتب احدهما بالخط السرياني و الآخر بالخط اليوناني ، و قد كتب هذان الكتابان على الجلد قبل

[ 86 ]

ظهور نبي المسلمين ، ففتحهما فوجدت فيهما تفسير كلمة فارقليطا هو : احمد و محمد فقال القس : اعلم يا بنى أن العلماء و المفسرين و المترجمين من المسيحيين الذين كانوا قبل نبي الاسلام قد اجمعوا كلهم على ان المقصود من هذه الكلمة هو نبي الاسلام و لكن القسيسين و المفسرين الذين جاؤا بعد بعثة محمد « ص » حرّفوا هذا الاسم و أخفوه عن الناس ، إبقاء لرياستهم و تحصيلا للمنافع و جلبا للأموال . و عنادا و حسدا فاخترعوا لتفسيره معاني لم يقصدها صاحب الانجيل ، و ليست تلك المعاني من سبك الانجيل و ترتيب آياتها إذ لم يظهر جليا : ان الوكالة أو الشفاعة أو التسلي أو التعزي لم يكن مقصود صاحب الانجيل ، و ليس المقصود من [ فارقليطا ] الروح النازلة يوم الدار إذ المقصود بها روح القدس إذ هي نزلت على عيسى و الحواريين ، و قد أخبر عيسى عن فارقليطا و قد قيد مجيئة فارقليطا بذهابه عيسى حيث قال : [ ما دمت انا فيكم فان فارقليطا لا يأتي ، لأنه لا يجوز اجتماع رسولين مستقلين صاحبى شريعة عامة فى زمان واحد ] . فثبت ان ليس المقصود من فارقليطا روح القدس . . . فان كان فارقليطا هو روح القدس لكان هذا الكلام لغوا ، و لا ينبغي للحكماء اللغو فى الكلام فكيف بالأنبياء ؟ و حاصل الكلام : ان فارقليطا هو احمد و محمد ، و هو معنى هذا الاسم فقط . قلت له : ايها القس ما تقول فى دين النصارى ؟

قال : يا بنى دين النصارى منسوخ بدين الاسلام كررها ثلاثا . فقلت له : فما الطريق المستقيم المؤدي الى اللّه ؟ فقال : طريق النجاة الوحيد منحصر فى اعتناق الدين الاسلامي ، و متابعة نبي الاسلام محمد فقلت له : هل متابعو محمد هم الناجون ؟

فقال : اي و اللّه ثلاثا فقلت : فما يمنعك من الدخول فى دين الاسلام ،

و متابعة محمد « ص » و انت تقول هكذا ؟ فقال : يا بنى ما عرفت فضائل الاسلام إلا بعد ان كبر سني ، و طال عمري ، و انا الآن مسلم قلبا و باطنا ، و لكن اترك هذه

[ 87 ]

الرياسة و الجلالة . . . ثم جعل يبكي بكاء شديدا و بكيت انا أيضا ، و لما فرغنا من البكاء سألته : هل تأمرني ان أعتنق الدين الاسلامي ؟ فقال : يا بني ان كنت تريد الدار الآخرة و النجاة فعليك بالاسلام ، فانه لا بأس عليك فأنت في عنفوان شبابك ، و لعل اللّه تعالى يسهل لك الأمور فتعيش عيشة سعيدة مرضية ، و انا أدعو اللّه تعالى لك دائما بشرط ان تشهد لي يوم القيامة بأني مسلم من امة محمد « ص » [ و اعلم ] بأني لم انفرد بهذا الاعتقاد وحدي ، بل عليه أغلب القسيسين . فانهم مسلمون باطنا مثلي .

فلما رأيت الكتابين المذكورين و سمعت ما سمعت من القس وقع حب محمد « ص » فى قلبى و غلبني و بهرني فصارت الدنيا كالجيفة عندى ، فقمت من ساعتي و ودعت القس فأهدى إلي نفقة السفر ، فقبلت منه ، و خرجت من البلدة ، و ليس معي إلا ثلاث مجلدات من الكتب ، و تركت كل مالي هناك و بعد المشقة و الشدائد دخلت بلدة ارومية نصف الليل ، و ذهبت الى دار عالم من علماء المسلمين و أخبرته بقصتي ، فأظهر الفرح و الانبساط و ألقى عليّ كلمة الشهادتين و قرأت عليه الأحكام الاسلامية . . . الخ و كانت صفاته « ص » مشهورة عند اليهود و النصارى مذكورة في التوراة و الانجيل كما مرّ ، و في الأشعثيات : باسناده عن علي عليه السلام : ان يهوديا يقال له : حوبجر ، كان له على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، دنانير فيقاضي النبي فقال له : يا يهودى : ما عندي ما اعطيك فقال : اني لا أفارقك يا محمد حتى تعطينى فقال : إذا اجلس معك . فجلس معه فصلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في ذلك الموضع الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الغداة . و كان اصحاب رسول اللّه يتهددونه و يتوعدونه ففطن رسول اللّه « ص » فقال : ما الذى تصنعون به ؟ فقالوا :

[ 88 ]

يا رسول اللّه يهودى يحبسك ؟ فقال : سحى 1 تبارك و تعالى اظلم معاهدا و لا غيره فلما ترحل النهار قال اليهودى : اشهد ان لا اله الا اللّه و اشهد ان محمدا عبده و رسوله و شطر مالي في سبيل اللّه ، أما و اللّه ما فعلت بك الذي فعلت الا لأنظر الى نعتك في التوراة ، فاني قرأت في التوراة : محمد بن عبد اللّه ، مولده بمكة ، و مهاجره بطيبة و ملكه بالشام و ليس بفظ و لا غليظ و لا سحاف في الأسواق و لا مرس بالفحش و لا قول الخطأ . . . الخ .

[ كريما ميلاده ] قيل : اشارة الى سعادة طالعة وقت ولادته و غير ذلك مما هو في اصطلاح المنجمين قال شيخنا المجلسي « ره » في السادس من البحار : اعلم انه اتفقت الامامية الا من شذ منهم على ان ولادته في السابع عشر من شهر ربيع الأول و ذهب اكثر المخالفين الى انها كانت في الثاني عشر منه و اختاره الكلينى رحمه اللّه على ما سيأتي اما اختيارا او تقية و ذهب شاذ من المخالفين الى انه ولد في شهر رمضان لأنهم اتفقوا على ان بدو الحمل به صلى اللّه عليه و آله كان في عشية عرفة أو أواسط ايام التشريق ، و اشتهر بينهم ان مدة الجمل كانت تسعة اشهر فيلزم ان تكون الولادة في شهر رمضان و سيأتي الكلام فيه و ذهب شرذمة منهم الى ان الولادة كانت في ثامن ربيع الاول .

فأما يوم الولادة فالمشهور بين علمائنا ، و مدلول اخبارنا انه كان يوم الجمعة ،

و المشهور بين المخالفين يوم الاثنين ، ثم الأشهر بيننا و بينهم انه صلى اللّه عليه و آله ولد بعد طلوع الفجر و قيل : عند الزوال . و ذكر جماعة من المؤرخين و ارباب السير :

انه كان فى ساعة الولادة غفر من منازل القمر طالعا ، و كان اليوم موافقا للعشرين

-----------
( 1 ) هكذا وجدنا فى النسخة المطبوعة فى طهران صحيفة 182 و لعله : نهانى اللّه ان اظلم الخ .

[ 89 ]

أو للثامن و العشرين أو الغرة من شهر نيسان الرومي ، و السابع عشر من ديماه بحساب الفرس ، و كانت في عهد كسرى انوشيروان ، بعد مضي إثنين و اربعين من ملكه ، و بعد مضي إثنين و ثمانين و ثمانمائة من وفاة اسكندر الرومي ، و كان في عام الفيل بعد مضي خمس و خمسين أو اربعين [ يوما ] من الواقعة ، و قيل : في يوم الواقعة الخ و اما مكان الولادة فقد ذكر الكليني [ ره ] انه في شعب ابي طالب في دار محمد بن يوسف في الزاوية القصوى عن يسارك و انت داخل الدار ، و قال الطبري في بيت من الدار التي تعرف اليوم بدار يوسف ، و هو اخو الحجاج بن يوسف ،

و كان قد شراها من عقيل ، و ادخل ذلك البيت في الدار حتى أخرجته خيزران و اتخذته مسجدا يصلى فيه .

و لعل المقصود من [ كريما ميلاده ] هو محاسن الولادة و فواضلها ، لأنه يطلق الكريم من كل شي‏ء على أحسنه ، و على كل ما يرضى و يحمد في بابه . كطهارة المولد ،

و شرف العشيرة ، و إصالة الآباء و الامهات من أصلاب طاهرة و أرحام مطهرة ،

ما مسهم كفر و لا شرك ، بل كانوا موحدين مسلمين ، كما في تفسير قوله تعالى :

[ و تقلبك فى الساجدين ] . بعث اللّه نبينا [ و أهل الأرض يومئذ ملل متفرقة ، و أهواء منتشرة ، و طرائق متشتتة ] إشارة الى اختلاف الأديان في ذلك اليوم من اليهود و النصارى و المجوس و عبدة الأصنام و الأوثان و الدهريين أي الملاحدة و الزنادقة الذين أنكروا الصانع و جحدوا الخالق ، و كان انتخاب الدين و المبدء في ذلك الزمان أمرا إختياريا ،

فكل قبيلة تصنع لنفسها صنما تعبده ، أو تنحت من الجبال أوثانا فتظل لها عاكفة ،

كما قال عليه السلام : [ من مشبه للّه بخلقه ، أو ملحد في اسمه ، أو مشير الى غيره ] المشبهة هم المجسمة أي الذين شبهوا اللّه بالمخلوقات ، و أثبتوا له جسما ، و اعضاء و جوارح

[ 90 ]

و نسبوا اليه التوالد و التناسل ، و أسندوا اليه البنات و البنين ، و هم على أديان و مذاهب كاليهود ، حيث قالوا : عزير ابن اللّه اي ولده الذي تولد منه ، و زعموا ان اللّه تعالى حينما خلق السموات و الأرض ، تعب فاستراح يوم السبت ، و رد اللّه تعالى عليهم هذا القول بقوله تعالى : و لقد خلقنا السموات و الارض و ما بينهما فى ستة ايام و ما مسنا من لغوب أي من تعب ، و يعتقدون بأن اللّه جالس على عرشه قد أدلى رجليه ينظر الى خلقه ، كما حدثني بذلك بعض اليهود .

و منهم النصارى فانهم قالوا : المسيح ابن اللّه و كأن هذه النظرية الفاسدة و الاعتقاد الكاذب و هو القول بالتجسم قد فشى بين جميع الأديان و المذاهب و حتى في بعض المذاهب الاسلامية . كالبكرية و غيرهم كما ذكرهم ابن ابى الحديد فى المجلد الرابع من كتابه ، و لعلنا نتطرق الى ذكرهم بالمناسبة .

أو ملحد في اسمه ، و هؤلاء فرقة اخرى من الكفار و المشركين ، و هم الذين سمّوا أصنامهم بأسماء اللّه تعالى مع زيادة و نقصان . و تغيير فى الاسم مثلا [ اللات ] مأخوذ من [ اللّه ] و [ العزّى ] مشتق من [ العزيز ] و [ منات ] أصلها [ المنان ] و غير ذلك .

قال اللّه تعالى : و للّه الأسماء الحسنى فادعوه بها ، و ذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون 1 و قال عز و جل : ان الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا . . . الآية 2 .

و لعل المقصود من الالحاد في أسماء اللّه تعالى : هو وصف اللّه تعالى بغير ما وصف به نفسه ، كنسبة الشريك و الصحابة و الولد اليه ، بل كل اسم لم يرد الاذن به من الشارع كالممطر و الآبي ، المأخوذ من [ أمطرنا ] و [ يأبى اللّه ] و غير ذلك و حاصل

-----------
( 1 ) سورة الأعراف الاية 179 .

-----------
( 2 ) فصلت الاية 40 .

[ 91 ]

الكلام ان أسماء اللّه توفيقية .

[ أو مشير الى غيره ] كنسبة أفعال اللّه تعالى إلى غيره ، كنسبة الاهلاك الى الدهر ، إذا قالوا و ما يهلكنا إلا الدهر . و نسبة خلق السماء و الأرض و نظام الأفلاك و غيرها من الفصول الأربعة ، و الأمطار و غيرها الى الدهر و الطبيعة .

و كان في ذلك الزمان شرذمة من الموحدين و هم : عبد المطلب و ابو طالب و جماعة من غيرهم .

[ فهداهم به من الضلالة ، و أنقذهم بمكانه من الجهالة ] لقد مر عليك شي‏ء من أحوال أهل الجاهلية من حيث العقيدة و المبدء ، و أما الحياة الاجتماعية الفاسدة و الأخلاق الذميمة ، و العادات الهمجية عندهم فلا تسئل عنها ، مثل دفنهم البنات و هن أحياء بلا ذنب و لا جرم ، و جرمها الوحيد انها انثى . قال تعالى : [ و إذا الموؤدة سئلت ، بأي ذنب قتلت ] . و ما زالت هذه العادة الوحشية جارية مستمرة الى أواخر القرن الأول من الهجرة و قد ورد التوبيخ و النهي من اللّه تعالى عن هذه السنّة السيئة بقوله تعالى : و لا تقتلوا أولادكم بناتكم خشية إملاق خوفا من الفقر نحن نرزقهم و إياكم إن قتلهم كان خطأ كبيراً . و قال عز و جل : و إذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسوداً و هو كظيم ، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أ يمسكه على هون أم يدسه فى التراب ؟ الا ساء ما يزرون .

و قد أشارت سيدتنا فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها في خطبتها الى الحالة الاجتماعية في ذلك الزمان حيث قالت . . . و كنتم تشربون الطرق ، و تقتاتون القد و الورق ، أذلة خاسئين ، تخافون ان يتخطفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم اللّه بأبي محمد صلى اللّه عليه و آله . . . الخ كما و ان مهيار الديلمي الشاعر أشار إلى نبذة من تلك المخازي فقال :

[ 92 ]

ما برحت دنياكم مظلمة
حتى أضاء كوكب من هاشم

بنتم به و كنتم من قبله
سرا يموت في ضلوع الكاتم

و عاد هل من مالك مسامح ؟
تدعون : هل من ملك مقاوم ؟

يخاطب مهيار بالبيت الأخير العرب بأنكم كنتم تبيعون أولادكم و تقولون : هل من مالك مسامح ؟ أي هل يوجد من يشتري أولادنا و يسامحنا في أثمانهم ، و أصبحتم اليوم في اوج العزة و القدرة تدعون : هل من ملك مقاوم ؟

أي هل يوجد ملك يستطيع أن يقاومنا و يحاربنا ، كل ذلك ببركة النبي محمد صلى اللّه عليه و آله و الاسلام .

فهدى اللّه الناس من الضلالة بسبب نبينا ، و نجّاهم من تلك الجهالة الجهلاء بوجوده ، فأرشدهم النبي صلّى اللّه عليه و آله الى الطريق الواضح و الصراط المستقيم .

[ ثم اختار سبحانه لمحمد [ صلّى اللّه عليه و آله ] لقائه ، و رضي له ما عنده ] عاش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثلاثا و ستين سنة ، إذ انه بعث و هو ابن اربعين سنة و دعا الناس الى التوحيد و الى عبادة اللّه تعالى ثلاثا و عشرين ، الى أن صار الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا ، و اصبحوا بنعمته إخوانا . فاختار اللّه تعالى له لقائه للّه و في الحديث : من احب لقاء اللّه احب اللّه لقائه ، و من كره لقاء اللّه كره اللّه لقائه . قيل : المراد بلقاء اللّه المصير إلى دار الآخرة ، و طلب ما عند اللّه .

رضى اللّه تعالى أي احب لنبيه صلى اللّه عليه و آله ما عنده في الآخرة من الأجر و الثواب ، و الدرجات الرفيعة [ فأكرمه عن دار الدنيا ، و رغب به عن مقارنة البلوى ] و ذلك كما لو كان شخص في محل غير لائق به ، فنقله آخر الى محل لائق به فانه يقال اكرمه عن محله الأول ، أي رفعه عن خساسته ، و حيث ان الانسان

[ 93 ]

مجبّل على حب الحياة ، أي يحب البقاء في الدنيا و لا يميل الى مفارقتها و الانتقال منها ، لهذا رغب اللّه برسوله عن الدنيا و مقارنة البلاء و المصائب و النوائب فقال عز من قائل له : [ و للآخرة خير لك من الاولى ] .

[ فقبضه اليه كريما صلى اللّه عليه و آله ] مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فى اليوم الثامن و العشرين من شهر صفر ، بناء على الخلاف المتقدم فى يوم ولادته ، إذ العامة يعتقدون : ان وفاته [ ص ] كانت يوم ولادته أي اليوم الثاني عشر من ربيع الأول ، و وافقهم الكليني في وفاته كما اختار كلامهم في ولادته قبضه اللّه كريما اي نقي الثوب طاهر الصحيفة ، حسن الحديث .

و انما المرء حديث بعده
فكن حديثا حسبا لمن روى

لم يكن لأحد عليه مظلمة ، أدّى ما كان واجبا عليه من التبليغ و الانذار و التبشير و إبلاغ الرسالة ، و ما ترك امته بعده حيارى لا يدرون الى من يفزعون فى مهماتهم ، و الى من يلجأون فى مشاكلهم ، و ممن يأخذون معالم دينهم .