المعنى

[ و خلف فيكم ما خلفت الأنبياء في اممهم إذ لم يتركوهم هملا ] إذ ان الأنبياء خلفوا الأوصياء في اممهم بأمر من اللّه تعالى و تعيينه و قد سبق منا القول فى النبوة في قاعدة اللطف بوجوب بعثة الأنبياء و كذلك القول بنصب الخليفة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على تلك القاعدة و انى يمكن لامة فى العالم ان تنتخب لنفسها خليفة و الخلافة منصب الهي روحاني و لم يعرف الناس احدا الا بالظواهر و لا يمكن لهم الاطلاع على حقائق الأشخاص و منويات القلوب و الضمائر و لا يعلمون عواقب الامور ، فهذا موسى بن عمران على نبينا و آله و عليه السلام اختار من قومه سبعين رجلا لميقات اللّه تعالى و انتخب السبعين من السبعين الف اي من كل الف واحدا فقالوا [ ارنا اللّه جهرة فأخذتهم الصاعقة ] و لقد راينا في زماننا هذا الانتخابات التي وقعت في العالم و ما كان هناك من مفاسد و اضرار عمت العباد و البلاد كتشكيل الوزارات و سقوطها و حل المجلس النيابي و تبديل رؤساء الجمهوريات فى العالم في كل خمس سنوات و غير ذلك و كل هذا دليل على عدم كفائة الانسان لأن ينتخب غيره في الامور المهمة و المناصب الخطيرة و لا سيما في المناصب الالهية و سنذكر في المستقبل قصة الشورى و نتائجها و لو أمعنت النظر في تأريخ الخلفاء الأمويين و العباسيين لظهرت لك حقائق لا مجال للقلم لذكرها و تحليلها ، و كانت سنة اللّه و حكمه هكذا انه يصطفي

[ 95 ]

من خلقه نبيا ثم يصطفي له وصيا و خليفة و تكون جميع الأمور امور أهل العالم كلها بيده و بيده الرياسة العامة و التصرف المطلق فينصب الخليفة للناس حكاما و ولاة و قضاة صالحين مؤمنين و لا أقصد الدكتاتورية بهذا الكلام .

إذ فرق بين الدكتاتورية و النبوة و الامامة ، فان الدكتاتور إنسان يخطي و يصيب و لا يحق له ان يستبد برأيه في النفوس و الأموال و الأعراض ، و الحال ان رأي الأكثرية الساحقة يخالف رأيه ، و لذا فالانسان مهما كان يحتاج إلى مشورة و استظهار الرأي الصحيح .

و الأمثلة للدكتاتوريين الذين أفسدوا و احرقوا و دمروا و هدموا و اهلكوا الضرع و الزرع . . . مما لا تحصى .

اما مقام النبي و الامام عليهما السلام ، فهو مقام رباني ، فالامام لا يتحرك و لا يسكن و لا يعطي و لا يأخذ ، و لا يفعل و لا يترك . . إلا بأمر من اللّه و هدى من الوحي .

يقول اللّه تعالى في وصف نبيه : [ و ما ينطق عن الهوى ، ان هو إلا وحي يوحى ] . و يقول النبي [ ص ] في وصف علي عليه السلام : [ الحق مع علي و علي مع الحق ] . . الى غير ذلك .

و اللّه منزه عن كل خطأ ، فممثلوه كذلك معصومون [ لا يسبقونه بالقول ،

و هم بأمره يعملون ] .

إذا فليس حكم النبي أو الامام من قبيل حكم انسان يخطي و يصيب و لذا كلما يتقدم العلم تظهر حكم الأحكام اكثر فأكثر .

و حاصل الكلام ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما زال يبين للناس وصيه و يعين لهم خليفته من أول يوم بعث نبيا و دعى قريشا الى طعامه و ندبهم الى التوحيد

[ 96 ]

فما اجابه احد إلا ابن عمه علي عليه السلام فعرّفه لقريش في ذلك اليوم و من ذلك اليوم ، فاستهزأت به قريش جهلا و استخفافا و لم يزل يكرر كلامه فى المشاهد و المواطن سرا و اعلانا ، ليلا و نهارا فكان تارة يوجه كلامه الى شخص واحد كبعض زوجاته أو بعض اصحابه ، و تارة ينادي برفيع صوته يسمع كلامه 000 120 مسلم : [ من كنت مولاه فهذا علي مولاه . . . الخ ] و لم يمت حتى غرّز هذه الكلمة في قلوب اصحابه ، و قد روت علماء المسلمين بأجمعهم تلك الكلمة كما و ان بعضهم لعب بهندام الرواية و فسّر بعض جملات الحديث فليكن كل هذا ، فالحق واضح يعلو و لا يعلى عليه و نور اللّه لا يطفى‏ء و لو . . .

و الحديث هذا .

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : اني مخلف [ تارك خ ل ] فيكم الثقلين :

كتاب اللّه و عترتي اهل بيتي ، و انهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، كهاتين « و ضمّ سبّابتيه » . . . الخ [ بغير طريق واضح ، و لا علم قائم ] لم يترك النبي الأقدس امته سدى بغير امام يقتدون به و يستضيئون بنور علمه بل خلف فيهم القرآن و العترة [ كتاب ربكم مبينا ] في بعض النسخ بكسر الياء على انه إسم فاعل حال من فاعل [ خلف ] و معناه ان النبي خلف كتاب ربكم قد بين حلاله و حرامه و في نسخة اخرى مبينا بفتح الياء و هو حال من الكتاب فبناء على الأول فحلاله و حرامه الخ كلها منصوبة على المفعولية و على الثاني فحلاله و حرامه الخ مرفوعه على الفاعلية ، و كيف كان فقد ذكر امير المؤمنين عليه السلام احد الثقلين العظيمين و هو القرآن ، و قد قسّمه على اربعة و عشرين نوعا و نذكرها مجملا ثم مفصلا .

[ مبينا حلاله و حرامه ] أي معلوما عند اهله ، فالحلال : ما أذن اللّه تعالى

[ 97 ]

في فعله كالبيع الصحيح و الحرام : ما ورد فيه النهي من اللّه تعالى كالزنا و الربا .

[ و فضائله و فرائضه ] الفريضة : ما أوجبها اللّه تعالى على الناس كالصلاة و الصوم و غيرهما . و الفضائل : الصفات الحميدة كالعفو ، أو الأعمال المستحبة كالنوافل و الصدقة و غيرهما .

[ و ناسخه و منسوخه ] الناسخ : الحكم الذي جاء لرفع حكم سابق ، و بعبارة اخرى : النسخ شرعا : الاعلام بزوال الحكم الثابت بالدليل الشرعي ، بدليل شرعي آخر متراخ عنه ، على وجه لولاه لكان الحكم أولا ثابتا ، كنكاح المرأة المشركة فانه كان جائزا ثم نسخ الجواز ، و المنسوخ قد عرفته .

[ و رخصه و عزائمه ] الرخصة هي التخفيف من اللّه تعالى رفقا بالناس ،

و تسهيلا لهم كافطار من يضره الصوم في شهر رمضان و اكل الميتة للمضطر .

و العزائم أو العزيمة : ما وردت فيها إرادة مؤكدة شديدة من اللّه تعالى ،

و لا نسخ فيها و لا يحتمل التأويل .

[ و خاصه و عامه ] الخاص : هو الحكم المخصوص في مكان خاص لشخص معين كهبة المرأة نفسها للنبي ان اراد النبي ان يستنكحها و بعض خصائص النبي صلى اللّه عليه و آله .

و العام هو الحكم الشامل لجميع افراد المكلفين كالصلاة و الحج .

[ و عبره و أمثاله ] العبرة : ما يعتبر بها الانسان و هي مأخوذة من العبر ، و هو انتقال الجسم من موضع الى موضع آخر ، و المراد : ما ينتقل به الذهن من المصائب الواقعة بالغير ، أو الامور المكروهة عند نفسه فيقدرها كأنها نازله به ، فيحصل له انزعاج عن الدنيا و ذلك كالسلاطين و الملوك الذين جمعوا الأموال ، و عمروا البلدان و سكنوا القصور ، و اعتنقوا الحور ، فأخذهم الموت فأصبحوا ترابا ، لا يدرى أين

[ 98 ]

قبورهم و لا تعرف اجسادهم ، و ما بقي منهم باق ، و لا تسمع لهم ركزا كالفراعنة و العمالقة و غيرهم .

و امثاله لا يخفى ان المثل له اثر عجيب في النفس ، مثلا كلنا نعلم ان الظلم قبيح و ان الظالم لا يدوم ، و لكن إذا سمعنا قصة عن ظالم ظلم الناس فابتلى بالأمراض و البلايا أو ابتلى برجل اظلم منه ينتقم و يسقيه كأسا مصبرة ، كانت لهذه القصة أو المثل أثر كبير في النفس .

و كذلك كقصص الأنبياء و الامم و الأقوام السالفة المذكورة في القرآن .

[ و مرسله و محدوده ] المرسل : الكلمة المطلقة بلا قيد تقول : رأيت رجلا ، فكلمة [ رجلا ] مطلقة لأنك لم تذكر شيئا من أوصافه كما أن اللّه تعالى امر بني إسرائيل ان يذبحوا بقرة ، أية بقرة كانت و لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم كما فى الخبر .

و محدوده : ما كان مقيدا بقيد او شرط ، كالأمر بعتق رقبة مؤمنة .

[ و محكمه و متشابهه ] قال تعالى : هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أمّ الكتاب و اخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه . . الخ .

فالمحكم : ما اتضح معناه ، و ظهر لكل عارف باللغة محفوظا من النسخ او التخصيص مستقيما نظمه خاليا عن الخلل .

و المتشابه عكسه اي ما خفي معناه و احتيج الى التأويل .

و هذا تقسيم آخر للقرآن [ مفسرا جمله و غوامضه بين مأخوذ ميثاق علمه ] إذ ان المطالب المجملة و الأمور الغامضة قد فسرها النبي صلى اللّه عليه و آله فمنها :

المأخوذ ميثاق علمه . اي كلف اللّه عباده العلم به ، كالعلم بوجود اللّه تعالى و العلم

[ 99 ]

بالواجبات و التكاليف .

[ و موسع على العباد جهله اي لا يجب على الناس علمه ] كمعرفة اوائل السور ، و غيرها .

« و مثبت في الكتاب فرضه و معلوم في السنة نسخة » و هو ما كان ثابتا في القرآن و لكنه نسخ بالسنة النبوية كهذه الآية : و اللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفيهن الموت . . . فمعناها ان الزانية تحبس في البيت الى أن تموت . و لكنها نسخت إذ الزانية إذا كانت ذات بعل ترجم و ان لم تكن ذات بعل تحد و تجلد مائة جلدة .

[ واجب في السنة اخذه و مرخص في الكتاب تركه ] أي كان واجبا في صدر الاسلام و لكن لا بأمر من القرآن ثم نزل الاذن في تركه ، كالتوجه الى بيت المقدس فانه كان قبلة للمسلمين في أول الاسلام ، فنزلت الآية و أمرت المسلمين أن يجعلوا الكعبة قبلة لهم ، و ان يتركوا بيت المقدس .

[ واجب بوقته و زائل في مستقبله ] كالواجبات الموقتة التي تفوت بفوات وقتها كالعهد و النذر و اليمين المقيد بالوقت و غيرها ، أو كصلاة الجمعة و العيدين في وقت وجوبها فانه يرتفع الوجوب بعد زوال الوقت ، أو كالحج و العمرة الذان يجبان فى العمر مرة واحدة .

[ و مباين بين محارمه : من كبير أوعد عليه نيرانه ] كالكبائر التي اوعد اللّه لمن يرتكبها نار جهنم .

« أو صغير ارصد له غفرانه » كالصغائر التي يغفرها اللّه لمن تاب منها .

« و بين مقبول في ادناه موسع فى اقصاه » كتلاوة القرآن فان القليل منه مقبول ، و الكثير منه موسع فيه .

[ 100 ]