المعنى

يستفاد من « منها » ان السيد الرضي « ره » حذف من الخطبة شيئا عمدا أو قهرا و لعل المحذوف هو ذكر آل محمد العترة الطاهرة عديل القرآن و أحد الثقلين ، فكيف كان فلقد انتقل أمير المؤمنين عليه السلام الى بيان ركن من أركان الاسلام ، و كفى في عظمته ان تارك الحج لا لعذر يموت على غير دين الاسلام كما في

[ 103 ]

الحديث النبوي و غيره من الأحاديث الواردة عن أهل البيت عليهم السلام .

« و فرض عليكم حج بيته الحرام » أوجب اللّه تعالى على الناس حج بيته الحرام ، و انما سمي حراما لأنه يحرم فيه أشياء يحل في غيره ، أو بمعنى انه يجب احترامه ، و يحرم انتهاكه .

« الذي جعله قبلة للأنام » جعل اللّه البيت قبلة للناس وجهة يتوجهون اليها في الصلاة و غيرها كالذبح و حالة الاحتضار و الدفن و غيرها بقوله تعالى : فلنولينك قبلة ترضاها ، فولّ وجهك شطر المسجد الحرام و حيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره . . . الخ [ يردونه ورود الأنعام و يألهون اليه ولوه الحمام ] فيأتي الناس اليه و يدخلونه .

كالأنعام أي البهائم إذا أرادت ان تشرب الماء من كثرة الازدحام ، و يشتاقون اليه إشتياق الحمام « الطير » و وجه الشبه : شوق الطير الى وكره و فرخه ، كما قيل :

ان الحمام يطلب وكره و لو أرسل مائة فرسخ ، بل و إن غاب عن وكره سنين عديدة فيظهر الحجّاج هذا الاشتياق ، فيكون « علامة لتواضعهم لعظمته » لأن طواف البيت نوع من التعظيم ، و تعظيم البيت تعظيم للّه تعالى ، و يكون نوعا من التذلل و التواضع لعظمة اللّه العظيم الأعظم « و اذعانهم لعزته » و اعترافا لجلالة اللّه و به يعرف الطائع من العاصي و المتواضع من المتكبر ، كما ان بعض الزنادقة كان يعترض على بعض الأئمة عليهم السلام مستهزئا بمناسك الحج و طواف الحجاج حول البيت و هرولتهم في المسعى و غير ذلك ، فأجابه الامام عليه السلام بكلام طويل و منه أن يعرف الفرق بين الطائع المتعبد أي الذي يطيع و يعمل حسب أمر الشارع ، لا اعتمادا بفهمه و استنادا بعلمه ، و بدون ان يعرف الحكمة في تلك الأفعال .

و حيث ان توفيق العبادة رحمة من اللّه و فضل منه ، و اللّه يختص برحمته من

[ 104 ]

يشاء و يؤتي فضله من يشاء لهذا فقد أنعم اللّه تعالى بهذه الرحمة و هي حج البيت على بعض عباده دون بعض « و اختار من خلقه سماعا اجابوا له دعوته » و في بعض النسخ :

اجابوا اليه دعوته . و انتخب من عباده من سمع نداء ابراهيم عليه السلام حينما فرغ من بناء البيت ، أمره اللّه تعالى ان ينادي في الناس بالحج كما قال تعالى : و اذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا و على كل ضامر يأتين من كل فج عميق . فنادى ابراهيم : « هلمّ الى الحج » . فأجابه من أجابه ، في أصلاب الرجال ، « لبيّك داعي اللّه » مرة و مرات ، فحجوا كذلك ، و من لم يلبّه لم يحج ، كما في الخبر .

و يمكن أن يكون المقصود من دعوته هي الآية الشريفة : و للّه على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا .

« و صدقوا كلمته و وقفوا مواقف أنبيائه » لأن تصديق كلمته أي أمره بالمجي‏ء الى بيته و امتثال أمره ، فوقفوا فى أماكن قد وقف فيها انبياء اللّه ، لأن الأنبياء اكثرهم قد حجوا و ان البيت كان موجودا من قبل آدم عليه السلام كما فى الحديث :

ان آدم لما قضى مناسكه ، و طاف بالبيت ، لقيته الملائكة ، فقالت يا آدم : لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام .

و لعل المقصود من تلك المواقف هي الوقوف بعرفه ، أو عند رمي الجمرات أو غيرها ، فهي مواقف الأنبياء و المرسلين و إضافة على ذلك ان الحجاج « تشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه » لأن ملائكة السماء كانوا يطوفون حول العرش ، ثم أمرهم اللّه تعالى ان يطوفوا حول البيت المعمور ، فالطواف بالبيت تشبيه بالملائكة ، و اما الثواب الذي أعده اللّه تعالى لمن حج بيته فلا يحصى و لو أردنا ذكر الأحاديث الواردة حول الحج و ثوابه لطال الكلام و خرج الكتاب عن اسلوبه و لنا مجال فى خطبته فى ذكر الحج الآتية إن شاء اللّه تعالى .

[ 105 ]

[ يحرزون الأرباح في متجر عبادته ] شبّه الامام عليه السلام الحج بالتجارة أو بمحلها ، و شبه الحجاج بالتجار الذين يحضرون السوق لجلب المنافع و كسب الأرباح و لقد ورد مثل هذا في القرآن الكريم بقوله عز و جل : قل يا ايها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ؟ تؤمنون باللّه و رسوله ، و تجاهدون في سبيل اللّه بأموالكم و أنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . فعبادة اللّه تعالى تجارة مربحة و ربحها الثواب الأبدي ، و الخلاص من النار و العذاب .

« و يتبادرون عند موعد مغفرته » أي يتسارعون الى الأعمال التي يغفر اللّه الذنوب عندها فيصير الحاج كيوم ولدته امه ، و لا يخفى ان الاجتماع الكثير في الحج يكون سببا لانفعال الانسان و الخشية من اللّه تعالى ، فتحصل بذلك رقة و تأثر فيستغفرون من ذنوبهم ، و يطلبون من اللّه قبول الأعمال و الأجر عليها ، و لعل المقصود من « موعد مغفرته » هو يوم عرفة . كما روى عن الامام الصادق عليه السلام عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم : ما رأي الشيطان في يوم أصغر و لا أدحر و لا احقر و لا أغيض من يوم عرفة ، و ما ذلك إلا لما يرى من نزول الرحمة و تجاوز اللّه عن الذنوب العظام » إذ من الذنوب ما لا يكفّرها إلا الوقوف بعرفة .

« جعله سبحانه و تعالى للاسلام علما ، و للعائذين حرما » جعل اللّه الحج علامة للاسلام و المسلمين لأن غير المسلمين لا يحجون البيت و لا يؤدون المناسك و الأعمال الواردة ، و قد امتاز هذا البيت عن غيره من البيوت و ذلك أن من أذنب ذنبا أو جنى جناية ، أو اجرم جريمة بحيث يستحق التعزير أو الحد أو الرجم أو القتل ، إذا دخل المسجد الحرام أمن ، و لا يجوز إخراجه من المسجد بل و لا يجوز إيذائه في داخل المسجد ، و كذلك كل ذي روح لا يجوز إيذائه في المسجد حتى الطيور بل حتى القمل فالمجرم يضيق عليه أو يمنع عنه الطعام و الشراب كي يخرج من المسجد فاذا

[ 106 ]

خرج اخذ ، و لعل هذا معنى كلامه عليه السلام : و للعائذين حرما . أي من لاذ بالبيت فقد حرم انتهاكه و إيذائه ، و الى هذا يشير قوله تعالى : و من دخله كان آمنا .

فرض حجه ، و أوجب حقه ، و كتب عليكم وفادته فرض اللّه الحج على المستطيع مرة واحدة في عمره ، و أوجب عليه حقه ، و حق اللّه فرض واجب ، يجب امتثاله ، و كأن اللّه تعالى يدعو الحاج الى بيته كما يدعو أحدنا الآخر لضيافته فمن لم يجب دعوة اللّه و امره فهو كما قال اللّه تعالى :

و للّه على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ، و من كفر فان اللّه غني عن العالمين .

قد فرغنا بحمد اللّه من شرح الخطبة و من اللّه التوفيق و العصمة .