المعنى

« احمده إستتماما لنعمته » اعلم ان لفظه « إ س ت » الزائدة فى أول الفعل للطلب غالبا . و بعبارة اخرى ذكر الفعل فى باب الاستفعال يدل على الطلب ،

كالاستهمال : طلب المهلة ، و الاستخبار : طلب الخبر ، و غير ذلك . فمعنى الجملة :

احمده طلبا لتمام نعمته ، كأنه عليه السلام يشير الى قوله تعالى : لئن شكرتم لأزيدنكم . لأن الحمد و الشكر موجبان لزيادة النعمة .

« و استسلاما لعزته » أي الانقياد و الخضوع و تواضع النفس لعظمة اللّه تعالى و عزته و قهره و غلبته .

« و استعصاما من معصيته » أي طلبا للعصمة و الحفظ من المعصية ، كما قال تعالى حكاية عن ابن نوح : قال سآوي الى جبل يعصمني من الماء . أي يحفظني إذ العصمة بمعناها الأعم و الأخص ، لا تكون إلا من اللّه تعالى ، كما قال يوسف عليه السلام ، حين راودته إمرأة العزيز و نسوة مصر : و إلا تصرف عني كيدهن اصب اليهن و اكن من الجاهلين أي إن لم تدفع عني شر النسوة و حيلهن اقع فى الخطأ و المعصية فينبغي للانسان ان يسئل اللّه الحفظ من الوقوع في الخطأ و العصمة من ارتكاب المعاصي و الذنوب .

« و استعينه فاقة الى كفايته » أى اطلب الاعانة من اللّه تعالى للاحتياج الى كفايته . لأنه تعالى يكفي من كل شي‏ء و لا يكفي منه شي‏ء ، و الخالق غني عن كل شي‏ء ، لا تنفعه طاعة من اطاعه ، و لا تضره معصية من عصاه ، و حيث ان كل موجود

[ 108 ]

فقير أي محتاج الى اللّه عز و جل كما قال تعالى : يا ايها الناس انتم الفقراء الى اللّه و اللّه هو الغني الحميد ، فلا بد للعبد ان يسأل الاعانة من اللّه في جميع اموره ، و الكفاية لجميع مهماته و لعل المقصود من الاستعانة هو التوكل على اللّه لقوله عز من قائل : و من يتوكل على اللّه فهو حسبه . « انه لا يضلّ من هداه ، و لا يئل من عاداه » لأن اللّه تعالى إذا هدى عبده الى الصراط المستقيم ، لا يضله احد عن الطريق ، و كذلك لا يئل اى لا ينجو من عادى اللّه و عصاه و ترك اوامره ، و ارتكب نواهيه من عذابه و عقابه ، « و لا يفتقر من كفاه » لا يحتاج الانسان الى ان يطلب ما في ايدي الناس إذا كفاه اللّه ، لأن اللّه بيده خزائن السموات و الأرض و مفاتيح الخير ، و نواصي العباد ، و ازمة الامور بيده ، و لا مؤثر فى الكون سواه ، له القدرة الكاملة و الارادة التامة ، لا طريق للبخل و الفقر اليه ، و لا يزيده كثرة العطاء إلا جودا و كرما ، « فانه ارجح ما وزن ، و افضل ما حزن » قد ذكر شراح النهج ان ضمير « فانه » راجع الى اللّه تعالى ، بقرينة سياق الكلام ، إلا انه يحتاج الى تأويل غير جميل ، و تكلف و تعسف بالاستعارات ، و ان كان المقصود انه تعالى يوزن بميزان العقل أو غير ذلك الا انه لا نظير لهذا التعبير لا في القرآن و لا في غيره ، و عود الضمير الى الحمد أو الى الكفاية اجمل و لكنه خلاف سياق الكلام ، و اللّه و رسوله و وليه اعلم .

و كيف كان فان الانسان يخزن و يجمع ما يحتاج اليه من المال و الأطعمة و الألبسة يخزنها و يحفظها لوقت اللزوم و الحاجة لينتفع بها ، فاللّه ، او حمده . او كفايته للانسان افضل من جميع ما خزن من الكنوز و المعادن ، ثم قال عليه السلام : « و اشهد ان لا اله الا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة ممتحنا اخلاصها » قصد عليه السلام انه اختبر نفسه و امتحنها ، فوجدها مخلصة في الشهادة بالتوحيد ، اذ ان بعض الناس شهد بهذه الشهادة بلسانه لا بقلبه حفظا لدمه ، أو جلبا للمال ، كأبي سفيان و نظرائه

[ 109 ]

من المنافقين ، اذ انهم شهدوا بالتوحيد أو النبوة و لكنهم كانوا كاذبين غير معتقدين ذلك ، كما قال تعالى : اذا جائك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول اللّه و اللّه يعلم انك لرسوله و اللّه يشهد ان المنافقين لكاذبون لكن شهادته عليه السلام باللّه كانت خالصة عن الشك و الريب .

« معتقدا بفتح القاف مصاصها » أي حقيقتها و خلوصها عما لا يليق و ما لا ينبغي ، أي صدورها عن صميم القلب و اعتقاد و اذعان و تصديق .

[ نتمسك بها ابدا ما ابقانا . و ندّخرها لأهاويل ما يلقانا ] إذ التوحيد خير الدنيا و الآخرة ، و التمسك بالتوحيد لازم ما دامت الحياة ، و فى الآخرة أعظم ذخيرة يدخرها الانسان ليوم القيامة ، كما في الحديث المشهور عن الامام الرضا صلوات اللّه عليه لما رحل من نيسابور في طريقه الى طوس و هو راكب على بغلة شهباء ، و إذا بجماعة من الفقهاء و المحدثين ، تعلقوا بلجام بغلته ، فقالوا : بحق آبائك الطاهرين ، حدّثنا بحديث قد سمعته من ابيك ، فأخرج رأسه من العمارية و عليه مطرف خز . و قال :

حدثني أبي العبد الصالح موسى بن جعفر ، قال حدثني ابي الصادق جعفر بن محمد ، قال حدثني ابي ابو جعفر محمد بن علي باقر علم الأنبياء ، قال حدثني أبي علي بن الحسين سيد العابدين ، قال حدثني ابي سيد شباب أهل الجنة : الحسين ، قال حدثني ابي علي ابن ابي طالب عليهم السلام ، قال : سمعت النبي صلى اللّه عليه و آله يقول : قال اللّه جل جلاله : إني انا اللّه لا إله إلا انا فاعبدوني ، من جاء منكم بشهادة أن لا إلا إلا اللّه بالاخلاص دخل حصني ، و من دخل حصني أمن من عذابي ، فلما مرت الراحلة نادى : بشروطها و انا من شروطها .

و قد وردت الرواية بطرق اخرى مذكورة في مظانها ، ثم ذكر عليه السلام أسبابا اربعة للتمسك بهذه الشهادة ، فقال عليه السلام :

[ 110 ]

[ فانها عزيمة الايمان ، و فاتحة الاحسان ، و مرضاة الرحمن ، و مدحرة الشيطان ] قد عرفت معنى العزيمة فيما سبق ، اذ هي الواجب الذي يطلبه اللّه من خلقه ، و لا يأذن بتركه ، و قوام الايمان بهذه الكلمة ، و هي أساس الشريعة ، و لذلك كان النبي الأعظم صلى اللّه عليه و آله يدعو الناس في اوائل بعثته الى هذا الأساس القوي المتين بقوله : « قولوا لا اله الا اللّه تفلحوا » و أما فاتحة الاحسان ، أى ابتدائه فواضحة ، اذ قد ورد في القرآن التعبير عن التوحيد و الجنة بالاحسان بقوله تعالى :

هل جزاء الاحسان الا الاحسان و أما مرضاة الرحمن فأوضح ، لأنه لا يرضى لعباده الكفر ، و أما مدحرة الشيطان أى ابتعاده عن المؤمن الموحّد فظاهرة اذ أن اللعين حلف بعزة اللّه ان يغوي الناس عن عبادة اللّه و توحيده ، و ابغض كلمة و أثقلها على ابليس هي كلمة لا اله الا اللّه ، و هي التي تقصم ظهره ، و تدفع كيده و مكره ،

و لقد ورد في الحديث ان الشيطان يبتعد عن الانسان اذا ذكر ربه ، و خاصة عند المواقعة وردت الأحاديث المؤكدة للتسمية ، تحذيرا من مشاركة الشيطان ، نظرا الى الآية الكريمة : و شاركهم فى الأموال و الأولاد . . . الخ .