المعنى

[ و أشهد ان محمدا عبده و رسوله ] لما فرغ عليه السلام من الشهادة بالتوحيد قرنها بالشهادة بالنبوة ، ثم ذكر شيئا من فضائل النبي صلى اللّه عليه و آله ،

فقال : [ ارسله بالدين المشهور ] ارسل اللّه تعالى نبينا بالدين ، كما تقول ارسلت فلانا بكتابي . كان النبي رسولا من عند اللّه تعالى الى الناس كافة ، بالدين المشهور أي المعروف ، و يمكن أن يكون المقصود من المشهور اي المعروف بين الامم الماضية و الأديان السالفة ، إذ أن الدين عند اللّه الاسلام في كل زمان و كل شريعة ،

و الأنبياء كلهم كانوا يدعون الناس الى التوحيد و الى عبادة اللّه تعالى ، فكان الدين معروفا لا أنه دين جديد يخالف جميع الشرايع . و كانت مع النبي دلائل الصدق تؤيده

[ 112 ]

و تساعده في امر تبليغه احدها المعجزة و لعلها هي المقصودة من كلمة : [ و العلم الماثور ] .

و المأثور : المنقول زمانا بعد زمان ، فان اللّه تعالى لما بعث الأنبياء السالفين اعطاهم المعجزات : كالعصا لموسى بن عمران ، و احياء الموتى و شفاء المرضى لعيسى بن مريم عليهم السلام ، فالمعجزة لم تكن مخصوصة بنبينا فقط فهذا معنى المأثور .

الثاني من تلك الدلائل [ و الكتاب المسطور ] أي القرآن المكتوب ،

و كفى في جلالة قدره و عظم شأنه أن لو اجتمعت الأنس و الجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا .

و اما [ النور الساطع و الضياء اللامع ] فيحتمل ان يكون النور هو الهداية ،

كما قال تعالى : يخرجهم من الظلمات الى النور ، و الضياء اللامع هو ما يهتدى به و يعرف به الحقائق فيظهر به ما يحتاج اليه الناس في حياتهم و فى الآخرة .

[ و الأمر الصادع ] لعله اشار عليه السلام الى الآية الكريمة : فاصدع بما تؤمر . اي أظهر و أعل و صرح بما تؤمر غير خائف ، ارسل اللّه تعالى نبيه لأجل [ إزاحة للشبهات ] اي ازالة الشكوك الباطلة الفاسدة و هي المذاهب و العقائد التي كانت موجودة في ذلك الزمان [ و احتجاجا بالبينات اي لأن يظهر الدلائل و البراهين على مدّعاه كما قال تعالى : ادع الى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن ، و لأجل التهديد و التخويف [ و تحذيرا بالآيات ] اي العذاب النازل بالعصاة ، و قد ورد فى القرآن الكريم معنى العذاب بلفظ الآيات قال عز و جل : فأرسلنا عليهم الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم آيات مفصلات . فاستكبروا و كانوا قوما مجرمين ، [ و تخويفا بالمثلات ] اي العقوبات التى يعاقب اللّه تعالى بها المذنبين إما فى الدنيا كالخسف و الغرق و المسخ و غيرهما ،

او فى الآخرة كالسلاسل و الأغلال في نار جهنم . ( أ ) يتبع صفحه 112 ( و الناس فى فتن انجذم فيها حبل الدين ) الظاهر ان المقصود من « الناس » هم أهل الجاهلية ، قبل بعثة النبي و كذلك الاوصاف الآتية اوصافهم ، و قيل المقصود بيان حال الناس فى زمانه عليه السلام و كلامه عليه السلام يحتمل الوجهين ، و كيف كان فالحبل ما يتمسك به لطلب ما يراد ، قال تعالى : و اعتصموا بحبل اللّه جميعاً و لا تفرقوا ، فالناس فى ذلك الزمان قد انقطع عنهم حبل الدين لما وقعوا فى تلك الفتن .

( و تزعزعت سواري اليقين ) أي اضطربت اسطوانات اليقين ، و معنى اليقين ،

هو العلم الحاصل عن نظر و استدلال ، فما كان علوم اهل الجاهلية عن نظر و استدلال صحيح ، فلهذا كانوا يعبدون الاصنام لزعمهم انها تقربهم إلى اللّه زلفى .

( و اختلف النجر ) يحتمل أن يكون ( النجر ) هو الاصل أى الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها و قد مر البحث فى الفطرة ، و يحتمل أن يكون المقصود اختلاف الاديان .

( و تشتت الامر ) أى تفرق الناس و اختلافهم ( و ضاق المخرج ) لأن الناس بعد أن تورطوا فى الفتن ضاق عنهم طريق خروجهم ( و عمي المصدر ) و عمي عليهم طريق الخلاص و النجاة من تلك الورطات ، و معنى العمى هنا ما قاله تعالى :

فانها لا تعمى الابصار و لكن تعمى القلوب التي فى الصدور . إذ العمى عدم ملكة البصر ، و حيث ان الاعمى لا يهتدي الطريق كذلك أعمى القلب لا يفرق بين الحق و الباطل ، و الجيد و الردي . ( ب ) يتبع صفحة 112 ( فالهدى خامل ) أى فنتيجة انقطاع حبل الدين ، و ما بعده ، هو ان الهدى خامل ساقط ، ( و العمى شامل ) لجميعهم ، لأن أهل الجاهلية بسبب الجهل كانوا لا يهتدون الى سبيل الحق .

ثم أشار التى تركهم الحق و اخذهم الباطل فقال : ( عصي الرحمن ، و نصر الشيطان ) ، لان عصيان الناس ربهم ترويج للباطل و نصرة للشيطان ( و خذل الايمان ، فانهارت دعائمه ) صار الايمان مخذولا أي متروكا نصره ،

و تهدمت دعائم الايمان ( و تنكرت معالمه ، و درست سبله و عفت شركه ) أى تغيرت آثار الايمان التي يعرف بها ، لأن آثار الايمان العبادة و ترك المعاصي ، و غير ذلك ، و انمحت طرق الايمان لأن طريق الايمان هو اعتقاد باللّه وحده لا شريك له ، و اطاعة أوامره و نواهيه ، و انمحت الشركة أى معظم الطريق ، فان الطريق إذا ترك منه العبور و المرور ينمحي اثره ( أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه ، و وردوا مناهله ) لأن الشيطان يدعو الناس الى الكفر فلا تجد اكثرهم مؤمنين فمن خالف ربه فقد أطاع الشيطان ، و هؤلاء سلكوا طرق ابليس التي تنتهي الى نار جهنم ، ثم شبههم بالانعام حيث انها تنزل الى المشرعة لشرب الماء ، و هؤلاء ، وردوا محل الشرب الذي دعاهم ابليس اليه ، أى الكفر و الضلال ، ( بهم سارت اعلامه ، و قام لواؤه ) كل شخص اذا كثر حزبه يتقوى على غيره ، و لما اطاع الناس ابليس ، تقوى بهم ، و بهم سارت اعلامه ، إذ الأعلام هنا بمعنى الرايات ، و بهؤلاء سارت اعلام ابليس و قام لواؤه ،

( في فتن داستهم بأخفافهم ، و وطأتهم بأظلافها ، و قامت على سنابكها ) شبه الامام تلك ( ج ) يتبع صحفة 112 الفتن بالانعام ، فجعل لها اخفافا و اظلافا و سنابك ، فكما ان الانعام اذا دخلت الزرع هشمت بعضا ، و سحقت بعضا ، و ابادت شيئا آخر منه ، كذلك تلك الفتن و تلك الحالات وطأت أهل الجاهلية و سحقتهم و داستهم ، ( فهم فيها تائهون ، حائرون ،

جاهلون ، مفتونون ) تائهون قد ضلوا الطريق ، و حائرون لا يدرون كيف النجاة منها ، و جاهلون بما ينفعهم و يضرهم ، مفتونون بالبلاء ، و كانوا ( في خير دار و شر جيران ) إذ أن مكة أشرف بقاع الارض . و سكنة مكة و هم المشركون و الكفار كانوا في خير دار ، و شر جيران و هم اهل مكة من كفار قريش في ذلك اليوم .

ثم ذكر عليه السلام : الذل الذي شملهم : ( نومهم سهود ، و كحلهم دموع ) كانوا يسهرون ليلهم خوفا ، يخافون أن يتخطفهم الناس من حولهم ، و يكحلون اعينهم بالدموع بدلا عن الكحل أى يبكون لما اصابهم : من القتل و النهب و السلب و الذلة و المسكنة .

ثم أشار إلى خسة طباعهم ، و شدة جهلهم ( بأرض عالمها ملجم ، و جاهلها مكرم ) كما ان اللجام يسلب الاختيار من الفرس و يمنعه من الاحجام ، كذلك علماء القوم كانوا ممنوعين عن الامر بالمعروف ، و النهي عن المنكر للتقية . و قد ورد حديث بهذا المضمون عن النبي صلى اللّه عليه و آله حيث قال : ( المؤمن ملجم ) اى الايمان يمنعه عن اللغو و الكذب و البهتان و قول الزور ، أو عن جميع المعاصي ، هذا شأن عالمهم و اما جاهلهم فهو مكرم عزيز غير ممنوع عن شي‏ء ، كأبي جهل و أبي لهب و امثالهما ( د ) يتبع صحيفة 112 يفعلون ما يشاؤن و يصنعون ما يريدون .