المعنى

لقد تقدم ان المستفاد من كلمة ( منها ) هو التقطيع و الحذف و لو ذكر سيدنا الرضي الخطبة بتمامها لظهر مراجع الضمائر الأربعة في ( أمره و علمه و حكمته و كتبه ) هل هي عائدة الى اللّه تعالى ام الى النبي ؟ و بعبارة اخرى : هل آل محمد عليهم الصلاة و السلام موضع سر اللّه أو النبي و كيف كان فكلا الوجهين محتملان و كلا الفرضين صحيحان فأهل البيت هم فاطمة و الأئمة عليهم السلام لا غيرهم ( موضع سره ) السرّ : علم لا يجوز إظهاره للعموم ، و الأئمة موصوفون بهذا الوصف فقط ،

لا كما زعمه ابن ابي الحديد المعتزلي : انهم اقاربه كالعباس و حمزة و جعفر ، فهي شنشنة من المعتزلي ، مع العلم اننا لا ننكر شرفهم و كرامتهم و انهم نصروا الدين ،

و بذلوا في سبيله كل غال و رخيص ، و لكن هذه الصفات لا تنطبق عليهم ، بل هي مخصوصة بالأئمة الاثنى عشر ، لا يشاركهم أحد من الناس سوى الانبياء و الاوصياء ،

إذ كانوا حفّاظ أسرار اللّه و خزانها ، لا يظهرونها لأحد إلا لأخص الخواص من الشيعة

[ 113 ]

كجابر بن يزيد الجعفي و نظرائه الذين طفح عليهم شي‏ء من اسرار آل محمد عليهم السلام ،

و يظهر من بعض الأحاديث ان السر نوعان : سر لا يجوز إظهاره لأحد ، و سر يجوز اخبار بعض الناس به ، كما روي عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السلام ، قال ، قال : ابو عبد اللّه عليه السلام : يا ابا محمد : ان عندنا سرا من سر اللّه ، و علما من علم اللّه ، لا يحتمله ملك مقرّب ، و لا نبي مرسل ، و لا مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان ، و اللّه ما كلف اللّه احدا ذلك الحمل غيرنا ، و لا استعبد بذلك احدا غيرنا ، و ان عندنا سرا من سر اللّه ، و علما من علم اللّه ، امرنا بتبليغه فلم نجد له موضعا و لا اهلا و لا حمّالة يحملونه ، حتى خلق اللّه لذلك اقواما ،

خلقوا من طينة خلق منها محمد صلى اللّه عليه و آله ، و ذريته ، و من نور خلق اللّه منه محمدا و ذريته ، و صنعهم بفضل صنع رحمته التي صنع منها محمدا و ذريته ، فبلّغناهم عن اللّه عز و جل ما امر بتبليغه ، فقبلوه و احتملوا ذلك الخ .

كما و ان كميل بن زياد ، سئل الامام امير المؤمنين عليه السلام عن الحقيقة ،

فقال له الامام : ما لك و الحقيقة . . . ؟ فقال كميل : ا و لست صاحب سرك ؟

فلم يقرره الامام انه صاحب جميع اسراره ، بل أجابه بقوله عليه السلام : بلى ، و لكن يترشح عليك ما يطفح مني . فان ( لكن ) للاستدراك ، و معناه ان ما تعلمه من سري رشحة مني و نداوة ، و انك لست صاحب سرى على نحو العموم .

( و لجأ امره ) الظاهر ان المقصود انهم اولوا الامر ، لقوله تعالى : اطيعوا اللّه و اطيعوا الرسول ، و اولى الأمر منكم .

( و عيبة علمه ) اي انهم صناديق علوم اللّه ، كما ان الصندوق يحفظ ما فيه من الضياع و التلف ، كذلك الأئمة كانوا حفظة علوم اللّه و لقد تقدم منا الكلام في علم الامام في اوائل الكتاب .

[ 114 ]

( و موئل حكمه ) الحكم هنا هو القانون الالهي ، و آل محمد عليهم السلام هم العلماء بأحكام اللّه تعالى .

( و كهوف كتبه ) و في نسخة : كهف كتبه ، المكهف : البيت الواسع المتخذ من الجبل ،

و اما المقصود من كتبه فهو اما الكتب السماوية ، و الصحف التي انزلت على الانبياء ،

كالتوراة و الانجيل و الزبور و القرآن ، و المقصود منه ظواهر القرآن و بواطنها ،

أو الكتب الموجودة عندهم ، كمصحف فاطمة عليها السلام و كتاب علي عليه السلام ،

و الجفر الاحمر ، و الجفر الابيض و الجامعة ، كما سبق في انواع علومهم و مداركها ،

( و جبال دينه ) لقد ذكرنا فيما تقدم ان وجود الجبال في الارض مانع عن تزلزلها و اضطرابها ، كالصخور التي تلقى في قعر السفينة ، لئلا تميل يمنة و يسرة ،

كذلك آل محمد ، اذ وجود الدين بوجودهم ، و بقائه ببقائهم و لولاهم لما بقي من الدين أثر بل لم تقم له قائمة ، و لولاهم لما عبد اللّه تعالى ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : ما قام و استقام الدين إلا بسيف علي . . . الخ و قال ابن ابي الحديد في أبيات له :

و لو لا ابو طالب و ابنه
لما مثل الدين شخصا فقاما

و لا يخفى ان المرجح ان الضمائر تعود الى اللّه سبحانه لا الى النبي كما يستفاد من عبارة الزيارة و ذلك كما عن ابن طاوس عن صفوان الجمال عن الصادق عليه السلام انه لما زار امير المؤمنين ( ع ) فقال . . . السلام عليك يا ولي اللّه و موضع سره و عيبة علمه ، و خازن وحيه . . . الخ ( بهم اقام انحناء ظهره ، و اذهب ارتعاد فرائصه ) أي ان اللّه تعالى أقام اقام انحناء ظهر دينه بآل محمد عليهم السلام ، اذ لولاهم لما عرف الحق من الباطل ،

و ما بقي من الدين أثر ، كما تقدم آنفا ، و لولاهم لما كان احد يستطيع ان يرد شبهات المبطلين من الزنادقة و غيرهم ، الذين كانوا يعترضون على الآيات القرآنية و القوانين

[ 115 ]

الاسلامية ، و العبادات و العقود و الايقاعات و الحدود و الديات و غيرها ، و كان الأئمة عليهم الصلاة و السلام يحلون تلك المشاكل و المسائل ، و يدفعون كل تحريف باطل و تأويل فاسد ، و كما ان المريض ترتجف اعضائه ، و ترتعد فرائصه فاذا استعمل الدواء ذهبت تلك الرجفة و الاضطراب و الارتعاد ، كذلك آل محمد عليهم السلام لولاهم لاضطرب الدين و قواعده و قوائمه ، لكن آل محمد بذلوا في سبيل إبقاء الدين و إحيائه كل ما عندهم من غال و رخيص ، و نفس و نفيس ، حتى ثبت الدين الى هذا اليوم ،

و سيبقى إلى أن تنقضي الدنيا ، و لو راجعت التاريخ من يوم بعث محمد صلى اللّه عليه و آله نبيا و ما كان هناك من حروب و غزوات الى وفاة النبي و ما كان زمن الخلفاء الثلاثة ، الى ان رجعت الخلافة الى علي عليه السلام الى صلح الحسن عليه السلام الى شهادة الحسين عليه السلام ، و ما جرى من الفجائع و الفظائع و هلم جرّا الى وفاة العسكري ثم الغيبة الصغرى ، لظهر لك مواقف آل محمد في سبيل الدين ، و إحياء سنة جدهم سيد المرسلين ، بل و حتى إلى يومنا هذا فان بوجود الامام رزق الورى ،

و بسطت النعمة عليهم و سيأتيك التفصيل قريبا جدا .