المعنى

لقد سبق منا القول ان ( منها ) تدل على تقطيع الخطبة ، و لو كانت

[ 116 ]

الخطبة متصلة لظهر لنا المقصود من هذه الأوصاف ، و لعل السيد الرضي انما حذف منها لكيلا يتضح الأمر تقية ، و يمكن إستفادة ذلك من أواخر هذه القطعة ، و كيف كان فالمستفاد ان الامام خطب بهذه الخطبة في اوائل خلافته الثانية بعد مقتل عثمان فيقول عليه السلام : ( زرعوا الفجور ، و سقوة الغرور ، و حصدوا الثبور ) تسبيب الفجور ، و تحصيل وسائلها و مقدماتها كالملاهي و المباغي كزرعها ، إذ الزرع إلقاء الحب في الارض للانبات ، و كما ان الزرع ينمو و يظهر بالسقي ، كذلك الفجور و الفسوق تكثر و تتزايد بالغرور ، اذ الغرور هو الباطل أو الخدعة و التدليس ، و لا شك ان الفساق الذين يرتكبون الكبائر انما يخدعون أنفسهم بتلك المعاصي رجاء اللذة أو الطرب و الأرباح و المنافع ، كالزاني ،

و شارب الخمر ، و المقامر و أمثالهم ، و كما ان الزارع اذا القى البذر في التراب ،

و سقاه بالماء يحصد بركات الأرض و خيراتها من الاثمار و الفواكه و الحبوب ، كذلك الفساق إذا زرعوا الفجور في قلوبهم ، بالغرور حصدوا الثبور و الخسران و الاضرار و الفاسد و الهلاك ، كما نرى في هذا الزمان شيوع الأمراض التناسلية ، و تكاثر عدد سكنة دار المجانين . و كثرة الأمراض الزهرية المعدية ، و غيرها التي كثيرا ،

تقضي على صاحبها ، او تترك فيه عضوا معيبا كقطع النسل ، أو الشلل و الفالج و غير ذلك و كذلك تولية الفساق على الناس و تسليطهم على دماء المسلمين و اموالهم و أعراضهم تنتج الثورة ضد السلطان و سيأتي الكلام فيه .

( لا يقاس بآل محمد صلى اللّه عليه و آله احد من هذه الامة ) لا شك في انه ا فمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون ، قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون ، حيث ان آل محمد عليهم الصلاة و السلام كانوا يتميزون عن الناس من جميع الجهات ، فان اللّه خلق انوارهم قبل خلق العالم ، ثم خلقهم من طينة

[ 117 ]

طيبة ، ثم أودعهم الاصلاب الطاهرة و الارحام المطهرة ، لم يمس ابائهم و لا امهاتهم كفر و لا شرك ، كما سبق ، و آتاهم اللّه ما لم يؤت أحدا من العالمين ، أعطاهم اللّه الشرف كل الشرف و النسب اعلى النسب ، و كل ما في العالم من فضائل و فواضل و صفات حميدة و أخلاق جميلة ، في الدنيا و في الآخرة فهي مجموعة في آل محمد ، لا يشاركهم أحد من الناس ، إذا لا يقاس بآل محمد أحد ، حتى يقال انهم أفضل من غيرهم .

أ لم تر ان السيف يزرى بحدّه
إذا قيل هذا السيف خير من العصا

و العجب كل العجب ممن ظلموا آل محمد بل ظلموا انفسهم ففضلوا غيرهم عليهم و قدموا على آل محمد و من حقه التأخير . و ما عشت أراك الدهر عجبا .

لا يقاس و لا يوازن بآل محمد أحد من هذه الأمة ( و لا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا ) لأن وجود آل محمد أعظم نعمة و أكبر فضل ، تفضل اللّه على عباده ،

فوجودهم نعمة كبرى ، و تصرّفهم في العالم من الجهاد و الدعوة و التعليم و التفسير و غير ذلك نعمة اخرى ، كما صرحت بذلك الأحاديث المتواترة في تفسير آية و لتسئلن يومئذ عن النعيم و كل ما في الوجود من النعم فهي من بركاتهم ، اما نعم الدنيا فقد قال اللّه تعالى لنبيه ليلة المعراج : ( يا أحمد : لولاك لما خلقت الافلاك ) و كذلك المطر و النبات و غيرها من بركات الأرض كلها بسببهم كما في البحار .

عن الكافي عن الأعمش سليمان عن الصادق عليه السلام عن أبيه عن على بن الحسين عليهم السلام ، قال : نحن أئمة المسلمين ، و حجج اللّه على العالمين ،

و سادة المؤمنين ، و قادة الغر المحجلين ، و موالي المؤمنين ، و نحن أمان اهل الارض ،

كما ان النجوم أمان لأهل السماء ، و نحن الذين بنا يمسك اللّه السماء ان تقع على الارض إلا باذنه ، و بنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها و بنا ينزل الغيث ، و بنا ينشر الرحمة ،

[ 118 ]

و يخرج بركات الأرض ، و لو لا ما في الارض منا لساخت بأهلها . . . الخ و اما النعم الأخروية فالجنة و النار تحت أمرهم و عند إرادتهم ، و أمير المؤمنين قسيم الجنة و النار ، يخاطب النار : ( هذا وليي فذريه ، و هذا عدوي فخذيه ) و لهم الشفاعة و لسوف يعطيك ربك فترضى ، و بيدهم لواء الحمد ، و يسقون مواليهم من الكوثر ، هذا و الكلام طويل في هذا المقام ، و لو لا آل محمد لكان حالنا كحال أهل الجاهلية قبل الاسلام .

و

( لو لا الذي كان من اوائلكم
كانت علينا الجحيم منطبقة

و لعل هذا هو المقصود من كلامه عليه السلام : ( ممن جرت نعمتهم عليه أبدا ) فكلمة ( أبدا ) تصرّح بأن نعمتهم على المخلوق من اول الوجود إلى الأبد ،

أي بلا نهاية .

و بعبارة اخرى : العبادات و الطاعات و جميع الأفعال الحسنة ، و الصفات الحميدة كان مبدئها و منشأها من آل محمد عليهم السلام ، و هم الهادون إلى كل خير ،

و كذلك النعم الأخروية اذ كل من وصل إلى ما وصل من الدرجات فى الجنة ، و نال بثواب اللّه فى الآخرة كان السبب الوحيد فى ذلك هم آل محمد ، إذ كان بارشادهم و توجيههم إذ جميع العلوم الموجودة عند المسلمين كلها تنتهي إلى آل محمد كالنحو و الفقه و الحساب و التفسير ، و الفصاحة و البلاغة ، و غير ذلك ، فلو راجعت تراجم رؤساء المذاهب الأربعة لوجدت علومهم تنتهي الى الامام الصادق عليه السلام .

إذا فكل ما في العالم من فضل و رحمة و نعمة من بركات آل محمد و فيوضاتهم على أهل العالم في الدنيا و الآخرة .

( هم أساس الدين ، و عماد اليقين ) ذكرنا لك قبل هذا جهاد آل محمد و دفاعهم عن الدين ، و ان الدين بهم قام و استقام ، فهم أساس الدين ، و لولاهم

[ 119 ]

لكان الشك يختلج في أفكار الناس فيما يتعلق بأمور الدين و الآخرة ، و لكن بسببهم لم يبق مجال للشك بل كله يقين ، فهم عماد اليقين بهم يرتفع كل شك و شبهة .

( و اليهم يفي‏ء الغالي ، و بهم يلحق التالي ) لعل المقصود من الغالى و التالى هو ما ذكره عليه السلام في غير هذا المقام بقوله : هلك فينا اثنان : محب غال ، و عدو قال ) فالغلاة هم الذين قالوا بربوبية علي عليه السلام ، و هم محكومون بالنجاسة ،

بل في بعض الروايات عن الامام الصادق عليه السلام كما في البحار عن امالى الشيخ ،

قال الصادق عليه السلام : . . . و اللّه ان الغلاة لشر من اليهود و النصارى و المجوس و الذين أشركوا ، ثم قال عليه السلام : الينا يرجع الغالى فلا نقبله ، و بنا يلحق المقصر فنقبله ، فقيل له : كيف ذلك ؟ يابن رسول اللّه ، قال عليه السلام : لأن الغالى قد اعتاد ترك الصلاة و الصيام و الزكاة و الحج ، فلا يقدر على ترك عادته ، و على الرجوع الى طاعة اللّه عز و جل ، و ان المقصر اذا عرف عمل و أطاع .

و عرف ضمنا التالى أي المقصر في حقوقهم ، المنحرف عن القول بامامتهم و خلافتهم أو المبغض لهم و العياذ باللّه .

( و لهم خصائص حق الولاية ، و فيهم الوصية و الوراثة ) اعلم ان هذه المقطوعة من الخطبة لها اهمية عظيمة ، لا تقلّ عن أهمية الخطبة الشقشقية الآتية اذ ان الامام عليه السلام يصرّح بان حق الولاية و الوصاية و الوراثة من خصائص آل محمد عليهم السلام . لا يشاركهم فيها أحد من غيرهم ، و قد وردت احاديث كثيرة عن النبي الأقدس صلى اللّه عليه و آله و سلم تصرّح بالولاية و الخلافة الكبرى و الامامة العظمى و الوصاية و الوراثة ، نذكر بعضها عن كتاب ( المراجعات ) للمرحوم آية اللّه السيد عبد الحسين شرف الدين و فيها كفاية ، و قد استشهد ابن ابي الحديد المعتزلي بالأبيات التي تذكر وصايته عليه السلام ، و لكن رأيت الأحرى الاستدلال بكلام

[ 120 ]

من لا ينطق عن الهوى ، ان هو الا وحي يوحى ، فانه احق و اصدق ، و اولى بالاتباع .

ان بريدة لما قدم من اليمن و دخل المسجد وجد جماعة على باب حجرة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم فقاموا اليه يسلمون عليه و يسألونه ، فقالوا ما ورائك ؟ فقال :

خير فتح اللّه على المسلمين ، قالوا : ما اقدمك ؟ قال جارية اخذها علي من الخمس ،

فجئت لأخبر النبي بذلك فقالوا : اخبره اخبره يسقط عليا من عينه ، و رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يسمع كلامهم من وراء الباب ، فخرج مغضبا فقال : ما بال أقوام ينتقصون عليا ؟ من ابغض عليا فقد ابغضني و من فارق عليا فقد فارقنى ، ان عليا مني و انا منه خلق من طينتي ، و أنا خلقت من طينة ابراهيم ، و انا افضل من ابراهيم ذرية بعضها من بعض و اللّه سميع عليم ، يا بريدة أما علمت ان لعلي أكثر من الجارية التي أخذ ؟ و انه وليكم بعدي .

قال ابن عباس : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم لعلي بن ابي طالب :

أنت ولي كل مؤمن من بعدي .

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : يا علي سألت اللّه فيك خمسا ، فاعطاني أربعا ، و منعني واحدا ، إلى أن قال ، و اعطاني : انك ولي المؤمنين من بعدي .

و سنذكر ما يتعلق بالولاية و الأولوية قريبا فانتظر .

و إليك أخبار الوصاية المروية من الفريقين .

في البحار عن المناقب عن الطبري . . . عن سلمان الفارسي ، قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول : ان وصيي و خليفتي و خير من أترك بعدي ،

ينجز موعدي و يقضي ديني ، علي بن ابي طالب .

الطبري عن سلمان الفارسي قال : قلت لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله :

يا رسول اللّه : انه لم يكن نبي إلا و له وصي ، فمن وصيك ؟ قال : وصيي و خليفتي

[ 121 ]

في أهلي ، و خير من اترك بعدي مؤدي ديني ، و منجز عداتي علي بن ابيطالب .

و قال الامام جعفر الصادق عليه السلام : كان علي ( عليه السلام ) يرى مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، قبل الرسالة الضوء ، و يسمع الصوت ( قال ) و قال له صلى اللّه عليه و آله لو لا اني خاتم الانبياء ، لكنت شريكا في النبوة ، فان لا تكن نبيا ، فانك وصي نبي و وارثه .

و حدّث ابو ايوب الأنصاري : انه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول لفاطمة : أ ما علمت أن اللّه عز و جل اطلع على اهل الأرض فاختار منهم اباك ،

فبعثه نبيا ، ثم اطّلع الثانية ، فاختار بعلك ، فأوحى اليّ ، فأنكحته و اتخذته وصيا .

و حدّث بريدة : فقال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول : لكل نبي وصي و وارث ، و ان وصيي و وارثي علي بن ابى طالب .

و اما الوراثة ، فالأحاديث كثيرة ، مشهورة بين الفريقين فمنها : في حديث زيد بن ابي اوفى :

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : و انت أخي و وارثي ، قال : و ما ارث منك ؟ قال صلى اللّه عليه و آله : ما ورث الانبياء من قبلي .

حديث بريدة قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : لكل نبي وصي و وارث ،

و ان وصيي و وارثي : علي بن ابي طالب .

و قيل له لعلي عليه السلام مرة كيف ورثت ابن عمك دون عمك ؟ أي كيف ورثت رسول اللّه و لم يرثه عمك العباس ؟ فقال : جمع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بني عبد المطلب و هم رهط ، كلهم يأكل الجذعة و يشرب الفرق فصنع لهم رسول اللّه مدا من طعام ، فأكلوا حتى شبعوا ، و بقي الطعام كما هو ، كأنه لم يمس . فقال صلى اللّه عليه و آله : يا بني عبد المطلب : اني بعثت اليكم خاصة ،

[ 122 ]

و الى الناس عامة فايكم يبايعني على ان يكون أخي ، و صاحبي ، و وارثي ؟ فلم يقم اليه احد ، فقمت اليه ، و كنت من اصغر القوم ، فقال لي : إجلس ، ثم قال ثلاث مرات كل ذلك اقوم اليه فيقول لي إجلس ، حتى كان في الثالثة ، ضرب بيده يدي ، فذلك ورثت ابن عمي دون عمي .

و سئل قثم بن العباس : كيف ورث علي رسول اللّه دونكم ؟ فقال : لأنه كان أوّلنا به لحوقا ، و اشدنا به لزوقا .

الى غير ذلك من الأخبار و الأحاديث الواردة في هذا الموضوع و لا شك ان المقصود من الوراثة ليس وراثة العلم و الحكم و حدها . بل هي و غيرها من مواريث الانبياء التي كانت موجودة عند اهل البيت عليهم السلام ، و ما ذكره العامة عن ابي بكر عن النبي صلى اللّه عليه و آله : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا و لا فضة و لا درهما و لا دينارا الخ ) فهو مخالف لصريح القرآن لقوله تعالى : و ورث سليمان داود ، و قوله : رب هب لي من لدنك ولياً يرثني كما احتجت بالآيتين سيدتنا فاطمة على ابى بكر لما غصب فدكا و سيأتي في محله .

( الآن اذ رجع الحق الى أهله ، و نقل الى منتقله ) يستفاد من ( الآن ) ان هذه الكلمات قالها الامام عليه السلام لما بايعه الناس في المرة الثانية بعد قتل عثمان ، لما رجع الحق الى ذوي الحقوق ، و رجعت الخلافة الى اهلها ، و انتقلت السلطة و الامور الى منتقلها ، اذ الرياسة الالهية و الولاية العامة المطلقة كانت لرسول اللّه ثم انتقلت الى اهل بيته بالوصاية و الولاية و الوراثة كما تقدم بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و لكن بعض الناس غصبوا منهم تلك المزايا و نقلوها الى انفسهم ،

و تصرفوا فيها بما شائت انفسهم ، و لما قتل ثالثهم انتقلت الاشياء الى محلها الاول الذي نقلت عنه .

[ 123 ]