الخطبة الثالثة و من خطبة له عليه السلام و هى المعروفة بالشقشقية

اعلم انه قد كثر الخلاف و الاختلاف ، و اضطربت الاقوال حول هذه الخطبة ،

نظرا لأهميتها ، و عظم شأنها إذ أن أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام ، يشير فيها الى أعظم الانقلابات و أشدها في الاسلام بعد وفاة صاحب الشريعة المقدسة ، و يصرّح الامام نفسه بأن الخلافة غصبت منه ، و انه كان احق و اولى بها من غيره .

لهذه الغاية نفى بعض علماء العامة هذه الخطبة عن امير المؤمنين . و نسبها الى السيد الرضي عليه الرحمة ، و لكن من حسن الاتفاق و حسن الحظ أن رواة هذه الخطبة عن غير الرضي أكثر من رواة باقي خطبة عليه السلام ، و هؤلاء الرواة كان بعضهم قبل السيد الرضي و بعضهم كان معاصرا له ، و البعض الآخر كان زمانه متأخرا عن زمان الرضي عليه الرحمة ، و اليك اسمائهم مشفوعة بتواريخ وفيات اصحابها كيلا يبقى مجال للشك و الترديد في استناد الخطبة ، اضف الى ذلك كيف يمكن للرضي و غيره ان يأتوا بأمثال هذا الكلام الذي هو في اعلى مراتب الفصاحة ،

و اسمى درجات البلاغة ، و كيف عجز ادباء مصر و غيرها عن افتعال خطبة واحدة بهذا السياق و على هذا النمط ، اما كان باستطاعتهم أن يخترعوا خطبة في نقض هذه الخطبة و إسنادها الى علي عليه السلام ؟ فان لم يتمكنوا فكيف ساغ لهم ان ينسبوا هذه الكلمات الى الرضي الذي كان احد ادباء زمانه ، سبحان اللّه ، ان يقولون الا منكرا من القول و زورا ، قل لئن اجتمعت الانس و الجن . . . الخ و هذه الاسماء و اعلم ان الرضي ولد حدود سنة 309 او نفسها و توفي سنة 406 .

[ 124 ]

1 يحيى بن عبد الحميد الحماني المتوفى سنة 228 2 دعبل الخزاعي المتوفى سنة 246 .

3 احمد بن محمد البرقى المتوفى سنة 274 4 ابو علي الجبائي شيخ المعتزلة المتوفى سنة 303 5 الوزير علي بن الفرات المتوفى سنة 312 6 ابو القاسم البلخي المتوفى سنة 317 7 عبد العزيز الجلودي المتوفى سنة 332 8 ابو جعفر بن قتيبة لم اعثر على تاريخ وفاته 9 سليمان بن احمد الطبراني المتوفى سنة 360 10 ابو جعفر بن بابويه المتوفى سنة 381 11 الحسن بن عبد اللّه العسكري المتوفى سنة 382 12 شيخنا المفيد استاذ الرضي المتوفى سنة 412 13 عبد الجبار المعتزلي المتوفى سنة 415 14 ابو بكر بن مردويه المتوفى سنة 416 15 الوزير ابو سعيد الآبي المتوفى سنة 422 16 ابو الفضل الميداني المتوفى سنة 518 17 عبد اللّه بن احمد الشهير بابن الخشاب المتوفى سنة 567 18 قطب الدين الراوندي المتوفى سنة 573 19 أبو منصور الطبرسي المتوفى سنة 588 20 مصدق بن شبيب الصلحي المتوفى سنة 605 21 مجد الدين ابن الاثير الجزري المتوفى سنة 606

[ 125 ]

22 سبط بن الجوزي المتوفى سنة 654 23 ابن ابي الحديد المتوفى سنة 655 24 ابن ميثم البحراني المتوفى سنة 679 25 جمال الدين بن منظور الافريقي المتوفى سنة 711 26 الفيروزآبادي المتوفى سنة 816 هذه اسماء ستة و عشرين رجلا من عظماء المؤرخين ، و علماء المسلمين ، و كبار اللغويين الذين ذكروا هذه الخطبة عن غير الرضي ، ا فبعد هذا هل يشك ذو عقل في نسبة هذه الخطبة الى الامام عليه السلام ؟

هذا و ان اردت التفصيل فراجع الجزء السابع من الغدير لشيخنا الاميني ص 82 هذا ما كان يتعلق بنسب الخطبة و سندها ، و اما ما يتعلق بالخطبة نفسها فحيث انها تشير الى الامامة و الخلافة و هي من أهم المواضيع عند المسلمين منذ ثلاثة عشر قرنا و نصف تقريبا ، و قد صنف علماء الفريقين اكثر من مليون كتاب ، بين اصل و نقد ، و رد و نقض ، و قد زهقت ملايين النفوس و الارواح ضحية هذا الاختلاف من بعد وفاة النبي الى هذا القرن ، و ليت شعري من أين تأسس الافتراق بين المسلمين و متى تأسس ؟ و من الذي أسسه ؟ و لا بد من بيان محل النزاع و مورد الاختلاف ، و مبدء التفرقة بين المسلمين ، و الكلام كله حول الخلافة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، فهي محور النزاع و التخاصم ، لأن الشيعة و هم حزب علي عليه السلام يعتقدون ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله نص بالخلافة و الامامة لعلي بن ابي طالب و أولاده الأحد عشر ، و غير الشيعة لا يعتقدون هذا ، و الشيعة تارة يستدلون بالآيات القرآنية المنزلة في شأن علي و اوليته كآية التبليغ و ولاية الامر و غيرها ،

و العامة يرون ان باب التأويل تأويل الآيات أوسع مما بين المشرق و المغرب .

[ 126 ]

فيأولون تلك الآيات ، و بعضهم يجتهد في مقابلها النصوص و تارة تستدل الشيعة بالأحاديث المتواترة عن النبي الأعظم صلى اللّه عليه و آله ، مع ما انه من المتفق عليه بين علماء الفريقين صدور تلك الأحاديث عن النبي الأقدس صلى اللّه عليه و آله في خلافة أمير المؤمنين و ولايته ، و وجوب إطاعته كحديث المدينة 1 و حديث المنزلة 2 ، و حديث الطائر 3 ، و حديث الثقلين 4 و غيرها من آلاف الأحاديث و العامة تأولها تأويلا غير جميل و لو ذكرنا تلك الاحاديث و ذكرنا اعتراضات العامة على تلك الأحاديث ، ثم اجبنا عن تلك الاعتراضات ، لطال بنا الكلام و لخرج الكتاب عن اسلوبه و لأتعبناك أيها القارى‏ء .

ثم ما الفائدة من بيان هذه القضايا ، و الخوض في معترك البحث و الجدل ،

فان المنطق الصحيح لا يؤثر في العقول السقيمة و القلوب المريضة ، حتى و لو كان الكلام الصحيح مبرهنا بالأدلة العقلية و البراهين الواضحة ، سبحان اللّه هل تعرف كلاما أصدق و كتابا أصح من القرآن و من أصدق من اللّه قيلا بما فيه من الأدلة و الحجج على التوحيد على نبوة محمد صلى اللّه عليه و آله ، و ذكر الآخرة و المعاد و الحشر و النشر و الجنة و النار ، و الثواب و العقاب ، فانظر الى القرآن ثم انظر الى عدد المسلمين فانك تجد عددهم أقل من ربع أهل العالم ، فما بال النصارى أو اليهود أو غيرهم من عبدة الاصنام و الاوثان لم يدخلوا في دين اللّه أفواجا أ تراهم لم يعلموا بوجود القرآن ، و قد ترجموا القرآن بجميع اللغات الحية الدارجة في العالم ا و ليس القرآن يتلى في الاذاعات في العالم حتى في واشنطن و تل أبيب ؟ أ ترى قصورا في الفاظ

-----------
( 1 ) أنا مدينة العلم و على بابها .

-----------
( 2 ) أنت منى بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبى بعدى .

-----------
( 3 ) قوله ( ص ) : اللهم أئتنى بأحب الخلق اليك ، يأكل معى هذا الطائر المشوى .

-----------
( 4 ) إنى تارك فيكم الثقلين الخ .

[ 127 ]

القرآن و معانيه ؟ أو دلائله و براهينه . أم ترى عجزا في مفاهمات القرآن أو تناقضا في آياته ، و هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من رب العالمين ؟ فيه تبيان كل شي‏ء ، أم ترى عجزا بل عنادا في القلوب و حسدا في النفوس اذا فما المانع من انتشار مبدء التوحيد في العالم ، مع وجود المقتضي ، و هو العقل الموجود في الناس ، تلك القوة العاقلة التي يميزون بها بين الاشياء ، تلك القوة التي تساعدهم على اختراع الاقمار الاصطناعية و الصواريخ المدهشة ، و الذرة و الهيدروجينية و غير ذلك من أمثالها بما هناك من إطلاع على أسرار الكون ، نعم العقل يساعدهم على هذه الأشياء كلها ، و لا يساعدهم على قبول مبدء التوحيد ، و ان لا إله إلا اللّه . و لعل هنا سرا إلهيا لا يزال مختوما حتى الأبد .

نعم لا ننكر وجود الغفلة في بعض الناس ، و ذهولهم عن الحق ، لالتباس الطريق طريق الهداية عليهم و لعل كتابي هذا يقع في يد اولئك الناس الغافلين الذين اشتبه الأمر عليهم ، فوقعوا في الضلال ، و لا يعرفون طريق النجاة ، و لعلك أيها القارى‏ء ( و العياذ باللّه ) أنت منهم ، إذا فناولني يدك لندخل في الموضوع فنعرف الخبر الصحيح ، و لكن ما أدري من أي طريق ندخل ؟ إذ الطرق كثيرة مختلفة ، أمهلني لعليّ أجد لك طريقا لا ترى فيه عوجا و لا أمتا .

هاها ، وجدت الطريق الواضح المستقيم هذا الطريق بين أيدينا و لكن أشترط عليك يا صاحبي بشروط ، فان وافقت عليها ، فأنا معك لا افارقك حتى ندخل مدخل صدق ، و نخرج مخرج صدق ، و إن لم توافق فاطرح الكتاب و لا تقرأ اكثر من هذا .

أما الشروط : لا تسرع ، و لا تغضب ، و لا تعجل و اضبط نفسك ،

و املك أعصابك ثم : لا تكوننّ من الذين كذبوا بآيات اللّه ، فتكون من

[ 128 ]

الخاسرين ، : و اعلم إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ، و لو جائتهم كل آية حتى يروا العذاب الاليم 1 .

فلنذهب الى مكة عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، إذ هو في حجة الوداع و هذه آخر سنة من عمره الشريف و قد حج هذه السنة جميع المسلمين ليتعلموا مناسك حجهم من رسول اللّه و ليشهدوا منافع لهم ، و قد فرغ النبي من الحج و لكنه بعد في مكة ، و لقد وصلنا فلننظر ما الخبر ؟

نزل جبرئيل على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، في مكة ، بأول سورة العنكبوت . فقال يا محمد : إقرء : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أ لم ، أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يُفتنون ، و لقد فتنا الذين من قبلهم ، فليعلمنّ اللَّه الذين صدقوا و ليعلمنّ الكاذبين ، أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا سآء ما يحكمون . فقال رسول اللّه :

يا جبرئيل : ما هذه الفتنة ؟

جبرئيل : يا محمد ان اللّه يقرئك السلام ، و يقول إنى ما أرسلت نبيا قبلك إلا أمرته عند انقضاء أجله أن يستخلف على امته من بعده من يقوم مقامه و يحيى لهم سنته و أحكامه ، فالمطيعون للّه فيما يأمرهم به رسول اللّه لهم الصادقون ،

و المخالفون على أمره الكاذبون و قد دنى يا محمد مصيرك الى ربك و جنته ، و هو يأمرك أن تنصب لامتك من بعدك علي بن ابيطالب ، و تعهد اليه ، فهو الخليفة القائم برعيتك و امتك ، إن أطاعوه و إن عصوه ، و سيفعلون ، تلك الفتنة التي تلوت عليك الآي فيها و ان اللّه عز و جل يأمرك ان تعلّمه جميع ما علّمك ، و تستحفظه جميع

-----------
( 1 ) سورة يونس 97

[ 129 ]

ما حفظك و استودعك ، فانه الأمين المؤتمن ، يا محمد : اني اخترتك من عبادي نبيا ،

و اخترته لك وصيا .

دعى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، عليا عليه السلام ، فخلى به يومه ذلك و ليلته و استودعه العلم و الحكمة التي آتاه اللّه اياه ، و عرّفه ما قال جبرئيل ، و كان ذلك في يوم عائشة بنت أبي بكر ، فقالت عائشة : يا رسول اللّه : لقد طال استخلاؤك بعلي منذ اليوم ، فاعرض عنها رسول اللّه فقالت :

لم تعرض عني يا رسول اللّه : بأمر لعله يكون لي صلاحا ؟

فقال النبي : صدقت و ايم اللّه ، انه لأمر صلاح لمن أسعده اللّه بقوله ،

و الايمان به ، و قد أمرت بدعاء الناس جميعا اليه ، و ستعلمين ذلك ، اذا انا قمت به في الناس .

قالت عائشة : يا رسول اللّه : و لم لا تخبرني به الآن ؟ لأتقدم بالعمل به ،

و الأخذ بما فيه الصلاح .

قال رسول اللّه : سأخبرك به ، فاحفظيه ، الى ان اوؤمر بالقيام به في الناس جميعا ، فانك ان حفظتيه حفظك اللّه في العاجلة و الآجلة جميعا ، و كانت لك الفضيلة بالسبقة و المسارعة الى الايمان باللّه و رسوله ، و ان اضعتيه و تركت رعاية ما القى اليك منه كفرت بربك ، و حبط اجرك ، و برئت منك ذمة اللّه ، و ذمة رسوله ، و كنت من الخاسرين ، و لن يضر اللّه ذلك و لا رسوله .

فضمنت له حفظه و الايمان به و رعايته .

فقال رسول : ان اللّه تعالى اخبرني : ان عمري قد انقضى ، و امرنى ان انصب عليا للناس علما ، و اجعله فيهم إماما ، و استخلفه ، كما استخلف الأنبياء من قبلي اوصيائها ، و اني صاير الى امر ربى ، و آخذ فيه بأمره ، فليكن الأمر منك تحت

[ 130 ]

سويداء قلبك 1 الى أن يأذن اللّه بالقيام به .

فضمنت له ذلك ، و قد اطلع اللّه نبيه على ما يكون منها فيه و من صاحبتها فيه . . . فلم تلبث عائشة أن أخبرت حفصة . و اخبرت كل واحدة منهما اباها .

فاجتمعا و ارسلا الى جماعة الطلقاء و المنافقين ، فخبراهم بالأمر فاقبل بعضهم على بعض ،

و قالوا : ان محمدا يريد أن يجعل هذا الأمر في اهل بيته ، كسنة كسرى و قيصر الى آخر الدهر ، و لا و اللّه ما لكم في الحياة من حظ أن افضي هذا الأمر الى علي بن ابيطالب ، و ان محمدا عاملكم على ظاهركم ، و ان عليا يعاملكم على ما يجد في نفسه منكم ، فاحسنوا النظر لانفسكم في ذلك و قدّموا رأيكم فيه .

و دار الكلام فيما بينهم ، و اعادوا الخطاب ، و اجالوا الرأي ، فاتفقوا على أن ينفروا بالنبي صلى اللّه عليه و آله ناقته على عقبة هرشى ، و قد كانوا عملوا مثل ذلك في غزوة تبوك فصرف اللّه الشر عن نبيه ، و قد اجتمع اعداء رسول اللّه من الطلقاء من قريش ، و المنافقين من الأنصار ، و من كان في قلبه الارتداد من العرب في المدينة و ما حولها . فتعاقدوا و تحالفوا على ان ينفروا به ناقته ، و كانوا اربعة عشر رجلا .

و كان من عزم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ان يقيم عليا عليه السلام ،

و ينصبه للناس بالمدينة اذا قدم ، فسار رسول اللّه يومين و ليلتين ، فلما كان في اليوم الثالث اتاه جبرئيل بآخر سورة الحجر ، فقال : أقرأ و لنسئلنهم عما كانوا يعملون ،

فاصدع بما تؤمر و اعرض عن المشركين ، إنا كفيناك المستهزئين و رحل رسول اللّه ، و اسرع في المسير لدخول المدينة . لينصب عليا عليه السلام علما للناس .

فلما كانت الليلة الرابعة ، هبط جبرئيل فى آخر الليل فقرأ عليه : يا ايها

-----------
( 1 ) مبالغة فى ستر الحديث و حفظه .

[ 131 ]

الرسول : بلّغ ما اُنزل اليك من ربك و ان لم تفعل فما بلغت رسالته ، و اللّه يعصمك من الناس ان اللّه لا يهدي القوم الكافرين . فقال النبي : اما تراني ؟ يا جبرئيل :

اغد المسير مجدا فيه لأدخل المدينة ، فافرض ولايته على الشاهد و الغائب فقال له جبرئيل : ان اللّه يأمرك أن تفرض ولايته غدا اذا نزلت منزلك .

فقال رسول اللّه : نعم يا جبرئيل غدا أفعل إن شاء اللّه ، و أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بالرحيل من وقته . و سار الناس معه حتى نزل بغدير خم ، و صلى بالناس ، و امرهم أن يجتمعوا اليه ، و دعا عليا ، و خطب خطبة فصيحة بليغة مفصلة 1 ثم رفع النبي يد علي ( اليسرى ) بيده ( اليمنى ) حتى بان بياض ابطيهما و عرفه الناس جميعا و رفع صوته بالولاء لعلي عليه السلام على الناس اجمعين . و فرض طاعته عليهم ،

و أمرهم أن لا يتخلفوا عليه بعده ، و أخبرهم ان ذلك عن أمر اللّه عز و جل ،

و قال لهم : ا لست اولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟

قالوا : بلى يا رسول اللّه .

رسول اللّه : فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه ، و انصر من نصره ، و اخذل من خذله ، ثم أمر الناس أن يبايعوه و يسلموا عليه بامرة المؤمنين السلام عليك يا امير المؤمنين فبايعه الناس جميعا ، و لم يتكلم منهم أحد .

و قد كان ابو بكر و عمر تقدما الى الجحفة ، فبعث النبي و ردهما ، ثم قال :

يابن ابي قحافة ، و يا عمر : بايعا عليا . بالولاية من بعدي .

قالا : أمر من اللّه و رسوله ؟

-----------
( 1 ) الاحتجاج للطبرسي .

[ 132 ]

النبي : و هل يكون مثل هذا عن غير امر اللّه ؟ نعم امر من اللّه و رسوله ،

فقاما و بايعا .

و قال عمر : السلام عليك يا امير المؤمنين : بخ بخ لك لقد أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة قف يا صاحبي لنسريح حتى يبايع الناس كلهم اجمعون ، حتى النساء ، فلنتذاكر فيما بيننا ، اذ عدد المبايعين مائة الف او يزيدون ، لعل الشك قد خالج قلبك ، او قرب منه .

فلنذهب الى شهود الواقعة ( الغدير ) و رواتها و شعرائها ، من الصحابة و التابعين ، من المفسرين و المؤرخين و المحدثين لنستعلم الخبر الصحيح منهم .

اما الصحابة الذين شهدوا بالغدير فالمشهور منهم مائة و نيف و اليك أسمائهم حسب ترتيب الحروف .

1 ابو هريرة 2 ابو ليلى الأنصاري 3 ابو زينب بن عوف الأنصاري 4 ابو فضالة الأنصاري 5 ابو قدامة الأنصاري 6 ابو عمرة بن عمر بن محض الأنصاري 7 ابو الهيثم بن التيهان 8 ابو رافع القبطي 9 ابو ذويب خويلد 10 ابو بكر بن ابي قحافه 11 اسامة بن زيد 12 اسعد بن زرارة الانصارى 13 ابي بن كعب الانصاري 14 اسماء بنت عميس 15 ام كلثم زوجة النبي ( ص ) 16 ام هاني بنت ابى طالب 17 براء بن عازب الانصاري 18 ابو حمزة انس بن مالك 19 بريدة بن الخصيب 20 ابو سعيد ثابت بن وديعة الانصاري

[ 133 ]

21 جابر بن سمرة 22 جابر بن عبد اللّه الانصارى 23 جبلة بن عمرو الانصارى 24 جبير بن مطعم 25 جرير بن عبد اللّه 26 ابو ذر جندب بن جنادة 27 ابو جنيدة جندع بن عمرو 28 حبة بن جرير العرنى 29 حبشي بن جنادة 30 حبيب بن بديل 31 حذيفة بن اسيد 32 حذيفة بن اليمان 33 حسان بن ثابت 34 الامام الحسن بن علي ( ع ) 35 الامام الحسين بن علي ( ع ) 36 ابو ايوب الانصارى 37 خالد بن الوليد 38 خزيمة بن ثابت 39 خويلد بن عمرو الخزاعي 40 رفاعة بن عبد المنذر الانصارى 41 زبير بن العوام 42 زيد بن ارقم الانصارى 43 زيد بن ثابت 44 سعد بن ابى وقاص 45 زيد بن عبد اللّه الانصارى 46 زيد ( يزيد ) بن شراحيل الانصارى 47 سعد بن جنادة 48 سعد بن عبادة 49 ابو سعيد الخدرى 50 سعيد بن يزيد 51 سعيد بن سعد بن عبادة الانصارى 52 سلمان الفارسي 53 سمرة بن جندب 54 سلمة بن عمرو 55 سهل بن حنيف الانصارى 56 سهل بن ساعد الانصارى 57 ابو امامة الصدي بن عجلان 58 ضميرة الاسدى 59 طلحة بن عبيد اللّه 60 عامر بن عمير 61 عامر بن ليلى

[ 134 ]

62 عامر بن ليلى الغفارى 63 عامر بن وائلة 64 عايشة بنت ابي بكر 65 عباس بن عبد المطلب عم النبي 66 عبد الرحمن بن عبد رب الانصارى 67 عبد الرحمن بن عوف 68 عبد الرحمن بن يعمر 69 عبد اللّه بن ابي عبد الاسد المخزومي 70 عبد اللّه بن بديل 71 عبد اللّه بن بشير 72 عبد اللّه بن ثابت الأنصاري 73 عبد اللّه بن جعفر بن ابي طالب 74 عبد اللّه بن حنطب 75 عبد اللّه بن ربيعة 76 عبد اللّه بن عباس 77 عبد اللّه بن ابى اوفى 78 عبد اللّه بن عمر بن الخطاب 79 عبد اللّه ياميل 80 عثمان بن عفان 81 عدي بن حاتم 82 عبيد بن عازب الأنصارى 83 عطية بن بسر 84 عقبة بن عامر 85 علي بن ابى طالب عليه السلام 86 عمار بن ياسر 87 عمارة الخزرجي 88 عمر بن ابى سلمة 89 عمر بن الخطاب 90 عمران بن حصين 91 عمرو بن الحمق الخزاعي 92 عمرو بن سراحيل 93 عمرو بن العاص 94 عمرو بن مره 95 فاطمة الزهراء بنت النبي عليها السلام 96 فاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب 97 قيس بن ثابت 98 قيس بن سعد بن عبادة 99 كعب بن عجزة 100 مالك بن الحويرث 101 المقداد بن عمر الكندى

[ 135 ]

102 ناجية بن عمرو الخزاعي .

103 ابو برزة فضلة بن عتبة 104 نعمان بن عجلان 105 هاشم المرقال 106 وهب بن حمزة 107 وهب بن عبد اللّه 108 وحشي بن حرب 190 يعلى بن مرة و ان اردت زيادة الاطلاع من اقوال هؤلاء و مصادرها من كتب العامة فراجع الجزء الأول من الغدير لشيخنا الأمينى .

و اما التابعون الذين ذكروا حديث الغدير فالمشهور منهم أربعة و ثمانون .

و اما العلماء من القرن الثانى الى هذا القرن من الذين ذكروا هذا الحديث فقد تجاوز عددهم ثلاثمائة و ستين عالما .

و اما شعراء الغدير من الشيعة و العامة و النصارى و غيرهم على اختلاف لغاتهم فلا يعلم عددهم الا اللّه تعالى .

و اما المفسرون من العامة الذين ذكروا الواقعة في تفسير آية التبليغ ،

فكثيرون فمنهم :

( 1 ) الطبرى ، ( 2 ) و الثعلبي ، ( 3 ) و الواحدى ( 4 ) و القرطبي ،

( 5 ) و ابو السعود ، ( 6 ) ، و الفخر الرازى ، ( 7 ) ابن كثير ، ( 8 ) و النيشابورى ، ( 9 ) و السيوطي ، ( 10 ) ، و الخطيب الشربيني ( 11 ) الآلوسي .

ثم اسألك يا صاحبي : ما المقصود من ( الولي ) و ( المولى ) الذى ذكره النبي صلى اللّه عليه و آله بقوله : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) لأن المولى له معانى كثيرة في اللغة اذكرها لك لتنتخب معنى لائقا صحيحا ، إذ من جملة معاني المولى :

الرب ، العبد ، المالك ، الصهر ، المحب ، الناصر ، الولي . الأولى بالشى‏ء و غير ذلك مما ينيف على سبعة و عشرين معنى .

[ 136 ]

فما ترى المقصود من ( المولى ) مع كثرة معانيها المختلفة ؟ فهلم معي لنسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، فهو الأعرف بما اراد و قصد و ان كان المعنى واضحا معينا ، بقرينة قوله صلى اللّه عليه و آله : ا لست أولى بالمؤمنين من انفسهم ؟ و لكن ليطمئن قلبك ، و لا يكون لأحد فيك مهمز و لا مغمز ، و لو ان القرائن العقلية ،

و النقلية ، و المتصلة و المنفصلة التي تعين و تصرّح ان المقصود من ( المولى ) هو الأولى بالشى‏ء كثيرة جدا ، و قد ذكر علماؤنا ما يليق بالباب في موسوعاتهم .

و إما الروايات المفسرة للمولى ، الواردة عن النبي صلى اللّه عليه و آله فمنها :

ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، لما سئل عن معنى قوله : من كنت مولاه فعلي مولاه . قال : اللّه مولاى اولى بى من نفسي لا امر لي معه و أنا مولى المؤمنين اولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معي ، و من كنت مولاه أولى به من نفسه لا امر له معي فعلي مولاه اولى به من نفسه لا امر له معه .

عن أمير المؤمنين عليه السلام في احتجاجه أيام عثمان : خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فقال : أيها الناس أ تعلمون ان اللّه عز و جل مولاي و أنا مولى المؤمنين ،

و أنا أولى بهم من أنفسهم : قالوا بلى يا رسول اللّه ، قال : قم يا علي ؟ فقمت فقال :

من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه ، فقام سلمان فقال :

يا رسول اللّه ولاء كما ذا ؟ قال : ولاء كولاى ، من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه 1 و غير ذلك من الاحاديث المفسرة للمقصود من المولى فقد عرفت ان المقصود من المولى : هو الأولى بالشى‏ء و لا مجال لأحتمال سائر المعاني لقرينة المقام و اللّه الهادي .

-----------
( 1 ) الجزء الاول من الغدير .

[ 137 ]

قم يا صاحبي : لنذهب الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، لنرى ما هناك ، فقد بايع الناس عليا عليه السلام نزل عليه جبرئيل بهذه الآية : اليوم اكملت لكم دينكم ، و أتممت عليكم نعمتي ، و رضيت لكم الاسلام ديناً .

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : اللّه أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة ، و رضى الرب برسالتي ، و ولاية علي بن ابي طالب من بعدي .

و لعلك تسأل عن رواة هذا الخبر أي نزول هذه الآية في غدير خم فى شأن علي عليه السلام من العامة و الشيعة ، اما الشيعة فكلهم اجمعون . و به تظافرت رواياتهم الواردة عن أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا ،

و اما العامة فقد ذكر من حفّاظهم و مؤرخيهم و مفسريهم و علمائهم نحو ستة عشر رجلا 1 و صرّحوا بنزول الآية فى شأن علي فى غدير خم ، و الناس بعد لم يتفرقوا .

أ فهمت يا صاحبي ؟ هل بقي الآن في قلبك شي‏ء من الشك و الريب ، فلو كنت حاضرا في ذلك الزمان و رأيت ما رأيت و سمعت ما سمعت هل كنت تترك عليا عليه السلام ، و تتمسك بغيره من الناس .

و ازيدك علما لتزداد يقينا و بصيرة على بصيرة ، فقد روى عدد كثير من العامة ما يقارب من ثلاثين رجلا أضف الى تلك الروايات التي ذكرها الشيعة انه لما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، بغدير خم ، نادى الناس فاجتمعوا ،

فأخذ بيد علي ، فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه فشاع ذلك و طار في البلاد ،

فبلغ ذلك ، الحرث بن النعمان الفهري ، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، على ناقة له حتى أتى الأبطح 2 فنزل عن ناقته فأناخها ، فقال : يا محمد أمرتنا عن اللّه ان نشهد أن لا إله إلا اللّه ، و انك رسول اللّه فقبلناه ، و أمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه

-----------
( 1 ) الابطح كل واد وسيع فيه دقاق الحصى .

-----------
( 2 ) الجزء الاول من الغدير .

[ 138 ]

منك و أمرتنا بالزكاة فقبلنا و أمرتنا أن نصوم شهرا فقبلنا ، و أمرتنا بالحج فقبلنا ،

ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبع ابن عمك ، ففضّلته علينا و قلت : من كنت مولاه فعلي مولاه . فهذا شي‏ء منك أم من اللّه عز و جل ؟ فقال و الذي لا إله الا هو :

ان هذا من اللّه ، فولى الحرث بن النعمان يريد راحلته و هو يقول اللهم ان كان ما يقول محمد حقا فامطر علينا حجارة من السماء أوئتنا بعذاب اليم . فما وصل اليها راحلته حتى رماه اللّه تعالى بحجر فسقط على هامته و خرج من دبره و قتله ،

و أنزل اللّه عز و جل سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع ، من اللّه ذي المعارج .

و هذه الرواية مشهورة عند الفريقين ، مذكورة في تفاسير الآيات عند العامة ،

و الخاصة ، بعبارات مختلفة متحدة المعاني و المفاد .

إذا فما تنتظر بعد هذا يا صاحبي ؟ أما آن لك أن تضع عن نفسك الأغلال ؟

أغلال التقليد و التقييد ، فهل لك عذر بعد هذا سوى أن تقول : انا وجدنا آبائنا على امة و انا على آثارهم مهتدون . أما آن أن تنيخ رحلك بفناء آل محمد و تحيى على شريعتهم و محياهم و تموت على مماتهم و سنتهم .

فهيا بنا يا صاحبي فان رسول اللّه قد فرغ من مهمته و قد استعد هو و المسلمون للتوجه الى المدينة ، فالأحسن أن نسير معهم ، لنرى ما يكون من امر النبي ، فان الظروف حرجة ، لأن هذا العمل و هو نصب علي للخلافة ، قد أغضب المخالفين الذين دخلوا في دين اللّه طمعا للرياسة و السيادة ، فرأوا ان الآمال و الظنون قد خابت و المساعي قد ذهبت أدراج الرياح ، لأن رسول اللّه قد ثبت الأمر أمر الخلافة و الامامة لعلي بن أبيطالب و قد بايعه الناس ، و لا يمكن إزاحة الخلافة عنه ، لتوثيق الأمر و احكامه و اتقائه و قد كانوا قرروا في مكة القيام بمؤامرة

[ 139 ]

خطيرة ، و هي الفتك برسول اللّه و اغتياله قبل وصوله المدينة . لظنّهم ان النبي انما يقوم بهذه المهمة في المدينة ، و ما علموا بان الأمر يتم قبل دخول المدينة ، فما الحيلة ، فما تراهم سوف يصنعون ؟

لقد تقدم يا صاحبي ان اشترطت عليك شروطا ، فوافقت عليها فلك الشكر ،

فنعم الصاحب و نعم الرفيق أنت ، و هنا اكرر عليك الشروط المتقدمة ، و ازيد عليها أيضا لأنك ستسمع مني أشياء لم تسمعها قبل هذا ، فامهلني و لا تعجل و اقول لك ما قال الخضر لموسى بن عمران عليهما السلام : فان اتبعتني فلا تسألني عن شي‏ء حتى احدث لك منه ذكرا ، و لا أقول لك انك لن تستطيع معي صبرا ، لانك صاحبتنى فوجدتك كما اريد ، رأيتك اهلا للصداقة و الرفاقة ، فليتك تتم الصداقة ما دمت معي ، و لا نقطع أواصر الاخاء في وسط الطريق ، فنحن بعد في اول طريقنا ، و سترى من العجائب في هذا الطريق ، ترى العجائب و أي عجائب ،

ترى الجفاء مما ترجو منه الوفاء ، و تشاهد الشر ممن تتوسم فيه الخير ، فلا تغترّ بعد هذا بظواهر الناس ، و اعلم انك لا تعلم ما في القلوب ، و الانسان مؤمن بقلبه لا باسمه و فعله و كذلك الكافر .

وصلنا الى أراضي جبلية ، و طريقنا على متون الجبال ، و قد اظلم الليل ، إذ نحن في أواخر الشهر ، فلا قمر نستضي‏ء بنوره ، و لا سراج نرى به الطريق و في طريقنا عقبة يقال لها : ( عقبة هرشى ) و العقبة هي الطريق المستحدث من أعالي الجبل ، و هو طريق صعب ملتوي ، يسير الراكب و عن يمينه قمة الجبل ، و عن يساره واد عميق ،

لو سقط إنسان في الوادي لتقطعت أو صاله قبل أن يصل الى بطن الوادي فما يكون مصير هذا الجمع الغفير و الجم الكثير مع ضيق الشارع و ظلمة الليل ؟ ، الهي استرنا بسترك و احفظنا بحفظك . لقد قربنا الى العقبة ، و رسول اللّه في مقدم الناس راكب

[ 140 ]

على ناقته ، انظر انظر ، من هؤلاء الذين تقدموا على رسول اللّه الى العقبة أ تراهم يريدون القيام بالمؤامرة ، أ تتعجب من كلامي هذا ؟ لا لا ، لا تعجب ، فان هؤلاء الجماعة ليس كلهم مؤمنين موحدين ، ان فيهم الصالح و الطالح ، و المؤمن و المنافق و الجيد و الردي و غير ذلك :

فان كنت تتعجب من أصل هذه المؤامرة ؟ فلا تعجب بعد ما رأيت في زمانك من المؤمرات الفاشلة ، من الذين عزموا على الانقلاب فافتضحوا ، و ليس هذا أول مرة و أول قارورة كسرت في الاسلام ، فلقد سبق من المنافقين مؤامرة في غزوة تبوك ، و ذكرها العامة و الخاصة ، فمن العامة السيوطي ذكر في تفسيره ج 3 ،

ص 260 ، ط طهران في تفسير آية : و هموا بما لم ينالوا . . . الخ 1 قال .

و اخرج البيهقي في الدلائل عن حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه ، قال كنت آخذا بخطام ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ، اقود به ، و عمار يسوقه ، أو أنا اسوقه ، و عمار يقوده حتى اذا كنا بالعقبة . فاذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوا فيها ، قال : فانبهت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ، فصرخ بهم فولوا مدبرين ،

فقال لنا رسول اللّه هل عرفتم القوم ؟ قلنا : لا يا رسول اللّه كانوا متلثمين ، و لكنا قد عرفنا الركاب ، قال : هؤلاء المنافقون الى يوم القيامة ، هل تدرون ما ارادوا ؟

قلنا لا قال : ارادوا ان يزاحموا رسول اللّه في العقبة ، فيلقوه منها ، قلنا : يا رسول اللّه : الا تبعث الى عشائرهم ، حتى يبعث اليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال لا ، اني اكره ان تحدث العرب بينها : ان محمدا قاتل بقوم حتى اذا اظهره اللّه بهم اقبل عليهم يقتلهم . . . الخ .

و ذكر السيوطي ايضا : و اخرج البيهقي عن الدلائل عن عروة رضي اللّه عنه

-----------
( 1 ) سورة التوبة

[ 141 ]

قال : رجع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ، من تبوك الى المدينة حتى اذا كان ببعض الطريق ، مكر برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ناس من اصحابه ، فتأمروا ان يطرحوه من عقبة في الطريق ، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها ، فلما غشيهم رسول اللّه ( ص ) أخبر خبرهم ، فقال : من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فأنه اوسع لكم . و اخذ رسول اللّه ( ص ) العقبة ، و اخذ الناس ببطن الوادي ، إلا النفر الذين مكروا برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ، لما سمعوا ذلك استعدوا و تلثموا ، و قد هموا بأمر عظيم ، و أمر رسول اللّه حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه ، و عمار بن ياسر رضي اللّه عنه ، فمشيا معه مشيا ، فأمر عمارا ان يأخذ بزمام الناقة ، و امر حذيفة أن يسوقها ، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم 1 من ورائهم . قد غشوه ، فغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ، و أمر حذيفة أن يردهم ، و أبصر حذيفة رضي اللّه عنه غضب رسول اللّه فرجع و معه محجن 2 فاستقبل وجوه رواحلهم ، فضربها ضربا بالمحجن ، و أبصر القوم ، و هم متلثمون لا يشعروا انما ذلك فعل المسافر ، فرعبهم اللّه حين ابصروا حذيفة ( رض ) و ظنوا ان مكرهم قد ظهر عليه ، فاسرعوا حتى خالطوا الناس ، و أقبل حذيفة ( رض ) حتى أدرك رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ،

فلما أدركه قال : اضرب الراحلة يا حذيفة : و أمش أنت يا عمار ، فأسرعوا حتى استووا باعلاها العقبة فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لحذيفة : هل عرفت يا حذيفة من هؤلاء الرهط أحدا ؟ قال حذيفة :

عرفت راحلة فلان و فلان و قال كانت ظلمة الليل قد غشيهم و هم متلثمون ، فقال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم : هل علمتم ما كان من شأنهم و ما أرادوا ؟ قالوا : لا و اللّه يا رسول

-----------
( 1 ) الوكزة : الضربة و الدفعة .

-----------
( 2 ) المحجن بالكسر : عصا معوجة الرأس كالصولجان .

[ 142 ]

اللّه . قال : فانهم مكروا ليسيروا معي ، حتى اذا طلعت في العقبة طرحوني منها قالوا : أ فلا تأمر بهم يا رسول اللّه فنضرب اعناقهم ؟ قال : اكره أن يتحدث الناس و يقولوا : ان محمدا وضع يده في أصحابه . فسماهم لهم ، و قال : اكتماهم .

إذا علمت هذا فلا تتعجب من هؤلاء فان القوم هم ، نعم تقدم هؤلاء المتآمرون ، و وصلوا الى قمة الجبل ينتظرون وصول رسول اللّه الى تلك النقطة ، و قد احتالوا حيلة لا يعلمها ابليس و لو عاش اكثر ما عاش فانهم أخذوا دبابا 1 و طرحوا فيها شيئا من الحصى ، و سيطرحون هذه الدباب دفعة واحدة بين يدي ناقة رسول اللّه فتذعر الناقة من تلك الدباب . و من المرجح قويا ان الناقة تسقط في الوادي و رسول اللّه عليها ،

و النتيجة معلومة ، إذا صار كل هذا فقد نجحت المؤامرة ، و الويلاة للمسلمين .

وصل النبي على العقبة ، و جبرئيل أخبره بالمؤامرة و المتآمرين ، وصل النبي الى تلك النقطة المعينة ، طرحوا الدباب دفعة واحدة في طريق رسول اللّه ، اللّه اكبر ،

هل سمعت هذا الصوت المهيب ؟ كأن خمسين صندوقا سقطت مرة واحدة ، نعم هذا صوت الدباب التي فيها الحصى نعم كادت الناقة أن تنفر برسول اللّه ، لكن النبي صاح بها : اسكني ، أضف إلى ذلك ، ان سلمان كان يقودها و حذيفة بن اليمان يسوقها بطلي الاسلام في المؤامرة السابقة نزل هؤلاء و جعلوا يدفعون ناقة النبي لتسقط في الوادي ، لكن سلمان و عمارا دافعا عن رسول اللّه .

يا لها من ليلة ما اظلمها ، لا نعرف أحدا من الناس و لا نميّز بينهم ، و قد رجعوا الى مكانهم في ثنية العقبة ينظرون ، و هنا أبرق برق فأضاء الجو و صار كالنهار ، و نظر حذيفة و عمار الى القوم و عرفاهم ، و هم أربعة عشر رجلا و هاك أسمائهم يا أخي : أرجوك أن تذكر الشروط المتقدمة ، عليك بالصبر و الحلم فلا

-----------
( 1 ) الدباب جمع دبة : وعاء يوضع فيه الدهن و نحوه .

[ 143 ]

احدثك حديثا بغير دليل . اما أسمائهم فثلاثة منهم لا اذكر لك اسمائهم ، و لعلك تعرف ذلك فاني أراك فطنا حاذقا ، و اما الباقون فهم : طلحة ، عبد الرحمن بن عوف ، سعد بن ابي وقاص ، أبو عبيدة بن الجراح ، معاوية بن أبي سفيان ، عمرو ابن العاص ، أبو موسى الأشعري ، المغيرة بن شعبة ، اوس بن الحدثان ، ابو بزونة ، أبو طلحة الانصاري ، هؤلاء رجال المؤامرة الفاشلة القذرة الكافرة .

لقد انتهينا من العقبة و وصلنا إلى طريق واضح مستقيم ، و قد طلع الفجر ،

و قد التحق المتآمرون بالناس ، و اختلطوا كيلا يعرفوا ، و قد نزل رسول اللّه و صلى بالناس صلاة الصبح و صلى خلفه المسلمون و المتآمرون ، و انتهت الصلاة .

اجتمع رجلان من رجال المؤامرة مع أبي عبيدة الجراح يتناجون فيما بينهم ، فبصر بهم النبي ، فأمر النبي مناديا فنادى : لا تجتمع ثلاثة نفر من الناس يتناجون فيما بينهم بشي‏ء ) .

ارتحل النبي من هذا المنزل ، و وصلوا الى منزل آخر ، و هناك رأى سالم :

مولى حذيفة ، و ، و ابا عبيدة الجراح ، يسار بعضهم بعضا ، فوقف عليهم و قال :

ا لم يأمركم رسول اللّه ان لا يجتمع ثلاثة من الناس على سرّ ؟ لما ذا اجتمعتم ؟ و اللّه لتخبروني فيما انتم ، و إلا اخبرت رسول اللّه .

فأخذوا العهود و المواثيق من سالم : ان يكتم سرهم ، فأعطاهم بذلك عهدهم ،

و كان سالم شديد البغض و العداوة لعلي بن ابيطالب عليه السلام ، فأخبروه بمؤامرة اخرى قد دبروها ، لما رأوا فشل المؤامرة السابقة أخبروه بمؤامرة جديدة ضد أمير المؤمنين و المعاهدة على نزع الخلافة عن علي و ازاحتها عنه فقال سالم انا و اللّه أول من يعاقدكم على هذا الأمر ، و اللّه ما طلعت الشمس على أهل بيت أبغض إليّ من بني هاشم ، و لا في بني هاشم لبغض إليّ و لا أمقت من علي بن ابيطالب فاصنعوا في

[ 144 ]

هذا الأمر ما بدا لكم فاني واحد منكم فتعاقدوا من وقتهم على أمر ستعرفه و تفرقوا ، و سار النبي حتى دخل المدينة هلم يا صاحبي لنستريح فقد اتعبنا هذا الطريق بل و ارعبنا ايضا إذهب بنا الى مكان لا يرانا أحد لنتحادث فيما بيننا فلقد اجتمع القوم في دار أبي بكر ، و كتبوا صحيفة بينهم ، و كان أول ما في الصحيفة النكث لولاية علي بن ابيطالب عليه السلام ، و ان الأمر لأبي بكر و عمر و ابي عبيدة ،

و سالم معهم و ليس بخارج منهم ، و لعلك تتعجب من هذا كله ، فاعلم ان اكثر علماء العامة ذكروا قول عمر لما طعنه ابو لؤلؤ : لو كان سالم حيا لم يخالجني فيه شك ،

و استخلفته .

فقد روى ابن الاثير في الكامل عن عمرو بن ميمون ان عمر بن الخطاب لما طعن قيل له : يا امير المؤمنين لو استخلفت . قال : لو كان ابو عبيدة حيا لاستخلفته ، و قلت لربى إن سألني : سمعت نبيك يقول : انه أمين هذه الامة ، و لو كان سالم مولى حذيفة حيا لاستخلفته و قلت لربي ان سألني : سمعت نبيك يقول :

ان سالما شديد الحب للّه . . . الحديث و روى البلاذري في تاريخ الأشراف ان عمر بن الخطاب كان مستندا الى ابن عباس . . . ثم قال عمر : لو أدركني أحد الرجلين لجعلت هذا الأمر اليه ، و لوثقت به : سالم مولى حذيفة ، و أبو عبيدة بن الجراح .

و بعد هذا فلا مجال للشك في صحة وقوع تلك المؤامرة ، و إلا فلا معنى لأن يذكر عمر هذين الرجلين لما طعن ، مع انه كان في أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله رجال صالحون كالمقداد و ابي ذر و اضرابهم ، ا فهل كان يشك عمر في ايمان هؤلاء و صلاحيتهم للخلافة بعد أن نزع الخلافة عن أمير المؤمنين عليه السلام ؟ و هذا نص الصحيفة الملعونة .

[ 145 ]

بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما اتفق عليه الملا من أصحاب محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، من المهاجرين و الانصار ، الذين مدحهم اللّه في كتابه على لسان نبيه ( ص ) اتفقوا جميعا بعد أن اجهدوا في رأيهم ، و تشاوروا في أمرهم ، و كتبوا هذه الصحيفة نظرا منهم إلى الاسلام و أهله ، على غابر الأيام و باقي الدهور ، ليقتدي بهم من يأتي من المسلمين من بعدهم .

أما بعد فان اللّه بمنه و كرمه بعث محمدا صلى اللّه عليه و آله رسولا الى الناس كافة ، بدينه الذي ارتضاه لعباده ، فادّى من ذلك ، و بلغ ما امره اللّه به ،

و اوجب علينا القيام بجميعه حتى إذا اكمل الدين و فرض الفرائض ، و احكم السنن ،

و اختار اللّه له ما عنده فقبضه اليه مكرما محبورا من غير ان يستخلف أحدا بعده ،

و جعل الاختيار الى المسلمين يختارون لأنفسهم من وثقوا برأيه و نصحه ، و ان للمسلمين في رسول اللّه اسوة حسنة ، قال اللّه تعالى : لقد كان لكم في رسول اللّه اسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه و اليوم الآخر . و ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لم يستخلف أحدا ،

لئلا يجري ذلك في أهل بيت واحد ، فيكون إرثا ، دون سائر المسلمين ، و لئلا يكون دولة بين الأغنياء منهم ، و لئلا يقول المستخلف : ان هذا الأمر باق في عقبة : من والد الى ولد الى يوم القيامة ، و الذي يجب على المسلمين عند مضي كل خليفة من الخلفاء ان يجتمع ذوو الرأي و الصلاح ، فيتشاوروا في امورهم ، فمن رأوه مستحقا لها ولّوه امورهم ، و جعلوه القيّم عليهم ، فانه لا يخفى على أهل كل زمان من يصلح منهم للخلافة .

فان إدعى مدع من الناس جميعا : ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله استخلف رجلا بعينه ، نصبه للناس ، و نص عليه باسمه و نسبه ، فقد ابطل في قوله ، و أتى بخلاف ما يعرفه اصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و خالف على جماعة من المسلمين .

[ 146 ]

و إن ادعى مدّع : ان خلافة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إرث ، و ان رسول اللّه يوّرث فقد أحال في قوله ، لأن رسول اللّه قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ،

ما تركناه صدقة .

و ان ادعى مدع : ان الخلافة لا تصلح إلا لرجل واحد من بين الناس ، و انها مقصورة فيه و لا تنبغي لغيره لانها تتلو النبوة فقد كذب ، لأن النبي ( ص ) قال :

أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم .

و ان ادعى مدع : انه مستحق للخلافة و الامامة بقربه من رسول اللّه ( ص ) ،

ثم هي مقصورة عليه و على عقبه ، يرثها الولد منهم عن والده ، ثم هي كذلك في كل عصر و زمان ، لا تصلح لغيرهم و لا ينبغي أن تكون لأحد سواهم إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها . فليس له و لا لولده و ان دنى من النبي نسبه . لان اللّه يقول ، و قوله القاضي على كل أحد : ان أكرمكم عند اللّه أتقاكم .

و قال رسول اللّه ( ص ) : ان ذمة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم ،

و كلهم يد على من سواهم .

فمن آمن بكتاب اللّه ، و أقر بسنة النبي ( ص ) فقد استقام و أناب ، و أخذ الصواب ، و من كره ذلك من فعالهم فقد خالف الحق و الكتاب ، و فارق جماعة المسلمين ، فاقتلوه ، فان في قتله صلاحا للأمة و قال رسول اللّه ( ص ) : من جاء الى امتي و هم جميع ، ففرقهم فاقتلوه ، و اقتلوا الفرد كائنا من كان من الناس ، فان الاجتماع رحمة ، و الفرقة عذاب ، و لا تجتمع امتي على الضلال ابدا ، و ان المسلمين يد واحد على من سواهم ، و انه لا يخرج من جماعة المسلمين الا مفارق معاند لهم ، و مظاهر عليهم اعدائهم ، فقد اباح اللّه و رسوله دمه ، و احل قتله .

و كتب سعد بن العاص باتفاق ممن اثبت اسمه و شهادته آخر هذه الصحيفة

[ 147 ]

في المحرم . . . الخ 1 .

ثم دفعوا الصحيفة الى ابي عبيدة بن الجراح و جعلوه امينهم عليها فوجه بها الى مكة . فلم تزل الصحيفة في الكعبة الى أوان عمر بن الخطاب ، فاستخرجها من موضعها ، و هي الصحيفة التي تمنى امير المؤمنين عليه السلام لما توفي عمر ، فوقف به و هو مسحى بثوبه ، قال عليه السلام : ما احب الى أن القى اللّه بصحيفة هذا المسجى .

ثم انصرفوا ، و صلى رسول اللّه عليه و آله بالناس صلاة الفجر . ثم جلس في مجلسه يذكر اللّه تعالى حتى طلعت الشمس ، فالتفت الى ابي عبيدة بن الجراح فقال له : بخ بخ من مثلك ؟ و قد اصبحت امين هذه الامة ، ثم تلا : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون : هذا من عند اللّه ليشتروا به ثمناً قليلا ، فويل لهم مما كتبت ايديهم و ويل لهم مما يكسبون . لقد اشبه هؤلاء الرجال هؤلاء الأمة ، يستخفون من الناس و لا يستخفون من اللّه و هو معهم اذ يبيتون ما لا يرضى من القول و كان اللّه بما يعملون محيطا ثم قال : لقد أصبح في هذه الأمة في يومي هذا قوم ضاهوهم في صحيفتهم التي كتبوها علينا في الجاهلية ، و علقوها في الكعبة ، و ان اللّه تعالى يعذبهم ليبتليهم و يبتلي من يأتي بعدهم تفرقة بين الخبيث و الطيب ، و لو لا انه سبحانه امرني :

بالاعراض عنهم للأمر الذي هو بالغة لقدمتهم فضربت اعناقهم .

قال حذيفة : فو اللّه لقد رأينا هؤلاء النفر عند قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله هذه المقالة و قد اخذتهم الرعدة ، فما يملك احد منهم من نفسه شيئا ، و لم يخفّ على احد ممن حضر مجلس رسول اللّه ذلك اليوم ان رسول اللّه اياهم عني بقوله ، و لهم ضرب تلك الامثال بما تلا من القرآن .

و قد شهد في تلك الصحيفة أصحاب العقبة الذين مرت عليك اسمائهم ،

-----------
( 1 ) فى البحار عن ارشاد القلوب .

[ 148 ]

و عشرون من غيرهم و هاك اسماء اثني عشر منهم و هم ، ابو سفيان و عكرمة بن ابي جهل ، و صفوان بن امية ، و سعيد بن العاص ، و خالد بن الوليد ، و عباس بن ربيعة ،

و بشر بن سعد ، و سهيل بن عمر ، و حكيم بن هرام ، و صهيب بن سنان ، و ابو الأعور السلمي ، و مطيع بن الأسود المدري .

و علم ذلك رسول اللّه فنزل في دار ام سلمة و بقي عندها شهرا لا يذهب الى غيرها فشكت عائشة و حفصة الى ابويهما فقالا لها : انا لنعلم لم صنع ذلك و لأي شي‏ء هو ، امضيا اليه فلاطفاه في الكلام ، فمضت عائشة وحدها اليه فاصابته في منزل ام سلمة و عنده علي بن ابي طالب ، فقال لها النبي ، ما جاء بك يا حميراء ؟ قالت :

يا رسول اللّه انكرت تخلفك عن منزلك هذه المرة ، و انا اعوذ باللّه من سخطك يا رسول اللّه ، فقال لها : لو كان الأمر كما تقولين لما اظهرت سرا اوصيتك بكتمانه ،

لقد هلكت و أهلكت امة من الناس .

ثم أمر النبي خادمة لأم سلمة فقال : اجمعي هؤلاء ، يعني نسائه فجمعتهن في منزل ام سلمة فقال لهن : اسمعن ما أقول لكن ، و أشار بيده الى على بن ابيطالب ،

فقال لهن : هذا أخي و وصيي و وارثي و القائم فيكنّ ، و في الأمة من بعدي فاطعنه . .

فقالت عائشة : ما كنا لتأمرنا بشي‏ء فنخالف بما سواه فقال : بلى يا حميراء قد خالفت امري أشد خلاف ، و ايم اللّه لتخالفين قولي هذا ، و لتعصينه بعدي ،

و لتخرجين من البيت الذي اخلفك فيه متبرجة قد حف بك فئام من الناس ،

فتخالفينه ظالمة له عاصية لربك ، و لتنبحنك كلاب الحوأب الا ان ذلك لكائن ثم قال : قمن فانصرفن الى منزلكن ، فقمن و انصرفن .

علم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ان موته قد قرب ، و علم انه اذا مات و هؤلاء المنافقون فى المدينة لا بد ، و ان يفسدوا الأمر و ينازعوا عليا في الخلافة

[ 149 ]

فاراد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أن تخلوا المدينة من هؤلاء ، و لا يبقى بها أحد منهم ، حتى يتم الأمر لأمير المؤمنين عليه السلام ، فجمعهم النبي و جمع من المسلمين عددا كثيرا فصاروا أربعة آلاف رجل تقريبا و جعلهم تحت إمارة شاب يقال له :

اسامة بن زيد ، و كان عمره اقل من عشرين سنة ، و لكن كان له عقل و ذكاء ،

بالحرب و كفاية في الامور ، بحيث كان يستحق الامارة ، فامرهم بالخروج الى ناحية الشام للحرب ، فأقبل ابو بكر و عمر مع بعض الناس ، و قالوا : يا رسول اللّه انا قدمنا من سفرنا الذى كنا فيه معك ، و نحن نسألك أن تأذن لنا في الاقامة لإصلاح شؤوننا ، و ما يصلحنا في سفرنا ، فأذن لهم النبي ، و خرج اسامة مع الجيش الى خارج المدينة و عسكر بهم على اميال منها ، و اقام هناك ينتظر لحوق . .

هذا و رسول اللّه يأمرهم بالخروج من المدينة و التعجيل ، إذ مرض مرضه الذي توفي فيه و لما رأى المنافقون ذلك ، تباطؤوا عن الخروج ، فامر النبي صلى اللّه عليه و آله قيس بن سعد بن عبادة ، أن يخرج بجماعة الأنصار و يلتحقوا بجيش أسامة ، فخرجوا و معهم أبو بكر و عمر ، فالتحقوا بالعسكر ، و قال قيس لأسامة : ان رسول اللّه لم يرخص لك في التخلف ، فسر من وقتك هذا .

فارتحل اسامة ، و رجع قيس الى المدينة و اخبر رسول برحلة القوم ، فقال النبي : ان القوم غير سائرين .

يا صاحبي : فلنترك رسول اللّه على فراش المرض ، و لنذهب الي جيش اسامة لنرى ما هناك خلى ابو بكر و عمر و ابو عبيدة بأسامة و قالوا : الى اين تنطلق ،

و تخلى المدينة ؟ و نحن احوج ما اليها و الى الاقامة بها ؟ فقال اسامة : و لما ذا ؟ قالا : ان رسول اللّه قد نزل به الموت ، و اللّه لئن خلينا المدينة ليحدثن بها امور لا يمكن اصلاحها . ننظر ما يكون من امر رسول اللّه ثم المسير بين ايدينا .

[ 150 ]

فرجع القوم الى معسكرهم الأول ، و بعثوا رسولا يتعرّف امر رسول اللّه ،

فجاء الرسول الى عائشة ، فسألها عن أمر النبي سرا ، فقالت : امض الى أبي ، و عمر و من معهما و قل : ان النبي قد ثقل ، فلا يبرحن احدكم .

و اشتدت علة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، فدعت عائشة صهيبا و قالت له : امض الى ابي بكر و اعلمه ان محمدا في حال لا يرجى ، فهلمّ الينا أنت و عمر و ابو عبيدة ، و ليكن دخولكم ليلا .

اخبره اسامة بهذا الخبر ، و استأذنوا منه دخول المدينة ، فاذن لهم حتى يظهر امر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فدخل القوم المدينة ليلا ، و رسول اللّه مغمى عليه ،

فلنرجع الى المدينة .

افاق رسول اللّه ثم قال : لقد طرق ليلتنا هذه المدينة شر عظيم فقيل له :

و لما ذا يا رسول اللّه ؟ قال : ان الذين كانوا في جيش اسامة قد رجع منهم نفر يخالفون عن امري ، الا اني الى اللّه منهم بري‏ء ، و نفذوا جيش اسامة ، لعن اللّه من تخلف عن جيش اسامة .

يكرر النبى هذا القول ، و اصبح الصباح .

كانت العادة في زمن النبي صلى اللّه عليه و آله انه اذا طلع الفجر يؤذن بلال أذان الصلاة ، ثم يأتي الى النبي و يخبره ، و لما طلع فجر تلك الليلة أذّن بلال ، كعادته و جاء يريد الدخول على رسول اللّه ليخبره بالصلاة فمنعته النساء عن الدخول عليه ،

و ارسلت عائشة صهيبا الى ابيها ابي بكر ، و قالت : ان رسول اللّه مريض لا يطيق النهوض ، اذهب أنت و صلّ بالناس .

المسلمون جلوس ينتظرون قدوم رسول اللّه للصلاة ، و إذا بابي بكر قد دخل و قال : ان رسول قد ثقل ، و أمرني أن اصلي بالناس ، فقال رجل : و كيف ذاك ؟

[ 151 ]

و انت في جيش اسامة و لا و اللّه لا اعلم احدا بعث اليك ، و لا آمرك بالصلاة ،

فنادى الناس بلالا و سألوه عن الخبر ؟ فقال بلال : على رسلكم ، سأذهب الى رسول اللّه .

اسرع بلال حتى وصل الباب دقه دقا شديدا ، فسمع النبي ذلك ، فقال :

ما هذا الدق العنيف ؟ فانظروا يا هذا ؟

فتح الفضل بن العباس الباب و قال : يا بلال ما ورائك ؟

قال : ان ابا بكر دخل المسجد و تقدم حتى وقف مقام رسول اللّه ، و زعم ان النبي امره بذلك . فقال الفضل : ا و ليس ابو بكر في جيش اسامة ؟ هذا هو الشر العظيم طرق البارحة المدينة ، لقد اخبرنا رسول اللّه عن ذلك .

دخل الفضل و معه بلال على رسول اللّه ، فقال النبى : ما ورائك يا بلال ؟

فاخبره الخبر فقال النبي : أقيموني أقيموني اخرجوا بي الى المسجد .

فخرج يتهادى بين أمير المؤمنين و الفضل ، و هو معصوب الرأس ، و رجلاه تجران على الأرض حتى دخل المسجد ، و ابو بكر في مقام رسول اللّه ، قد اطاف به عمر و ابو عبيدة و سالم و النفر الذين دخلوا الصلاة ، و اكثر الناس قد وقفوا عن الصلاة ينتظرون رجوع بلال .

تقدم النبي الى ابي بكر و نحاه من ورائه حتى أخرجه من المحراب ، و جلس النبي في المحراب و صلى و وقف الناس خلفه و صلوا بصلاة رسول اللّه و لما فرغ من صلاته التفت فلم ير ابا بكر فقال : أيها الناس ألا تعجبون من ابن أبي قحافة و اصحابه الذين انفذتهم و جعلتهم تحت اسامة ، و أمرتهم بالمسير ، و خالفوا ذلك و رجعوا الى المدينة ابتغاء الفتنة ؟ ألا و إن اللّه قد أركسهم فيها ، اعرجوا الى المنبر .

فقام حتى جلس على ادنى مرقاة ، فحمد اللّه و أثنى عليه ، و أخبر الناس عن

[ 152 ]

موته و مما قال : إني مخلّف فيكم الثقلين ، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا : كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي ، هما الخليفتان فيكم و انهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض . . . الخ و لما فرغ من كلامه نزل عن المنبر و رجع الى بيته .

اشتد الوجع برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فأراد أن يكتب كتابا لأمته لئلا يختلفوا بعده فقال : ايتوني بدوات و بياض لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده .

فقال عمر بن الخطاب : انه ليهجر ، أو غلب عليه الوجع . او ما شأنه ؟

أهجر ؟ استفهموه . و عندكم القرآن كتاب ربكم . حسبنا كتاب اللّه .

فاختلفوا و كثر اللغط ، فقال قوم : قرّبوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، و قال قوم غير ذلك ، و قال قوم قول عمر بن الخطاب فلما اكثروا اللغو و الاختلاف ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : قوموا عني ، و لا ينبغي عندي التنازع .

فكان ابن عباس يبكي حتى تبل دموعه الحصى ، و يقول : يوم الخميس و ما يوم الخميس ؟ قال الراوي : فقلت يابن عباس : ما يوم الخميس ؟ قال يوم منع رسول اللّه من ذلك الكتاب ، و كان يقول : الرزية كل الرزية : ما حال بين رسول اللّه و بين كتابه ، اشتد برسول اللّه وجعه يوم الخميس فقال صلى اللّه عليه و آله :

ايتوني بالكتف و الدواة ، او اللوح و الدواة اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ابدا ، فتنازعوا ، و لا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : ما شأنه ؟ أهجر ؟ استفهموه ،

فذهبوا يرددون عليه ، فقال صلى اللّه عليه و آله : ذروني ، دعوني ، فالذي انا فيه خير مما تدعونني اليه .

هذا ما في البحار عن البخاري ، و صحيح مسلم ، و الجمع بين الصحيحين و غيرهما من الكتب المعتبرة الموثقة عند العامة و هنا أسألك أيضا يا صاحبي ، ما كان

[ 153 ]

قصد رسول اللّه من تحرير الكتاب ، لا شك انه اراد توكيد أمر الخلافة و توثيقها لعلي بن ابيطالب ، و لقد عرف عمر قصد النبي ، فطعنه بتلك الطعنة ، و قال : ان الرجل ليهجر .

فان المريض اذا اشتد به المرض يتكلم كلاما لا عن شعور ، فيقال لكلامه :

( هذيان ) أو الهجر ، فهذا عمر ينادي : حسبنا كتاب اللّه ، كانه يعرف شيئا من القرآن ، و يحفظ شيئا منه ، او ليس في القرآن : و ما ينطق عن الهوى ، ان هو إلا وحي يوحى .

هل تعرف يا صاحبي معنى لكلمة ( ينطق ، سوى يتكلم و يقول ؟ أ ليس قول النبي : ( ايتوني بدوات و بياض ) نطق و قول و كلام ؟

ثم هل كان يقدر رسول اللّه ، و يتمكن من املاء الكتاب و كتابته بعد قول عمر ؟ و هل كان ينفع الكتاب إذا كان النبي لم يبال بقول عمر ؟ بعد تلك الضربة القاسية ؟ و هل كان يعظم على عمر بن الخطاب ان يرد على ما في الكتاب ، بعد ما رد كتاب رسول اللّه حول فدك ، و هل يستحي من هذه الأمور من قال :

بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة . ثم جاء و فعل تلك الأفاعيل قام الناس و انصرفوا و بعد مدة قليلة توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ،

فانا للّه و إنا اليه راجعون ، و ارتفعت الأصوات بالبكاء و العويل ، و ارتجت المدينة من الصراخ و الصياح فلا ترى يومئذ إلا باكيا أو باكية ، و ازدحموا على باب دار رسول اللّه و الباب مغلق و علي مشغول بتغسيل رسول اللّه .

فلنقطع شريط الكلام من هنا ، و نلتقي بك يا صاحبي في السقيفة لننظر ما هناك ، و لنشرع في الخطبة الشقشقية .