المعنى

اختلف المحدثون و المؤرخون في الموضع الذي خطب الامام عليه السلام به هذه الخطبة ، فقيل : انه عليه السلام خطبها على منبر مسجد الكوفة .

و قيل : خطبها في الرحبة ، و على أي تقدير فقيل انه ذكرت الخلافة عند امير المؤمنين عليه السلام فتنفس الصعداء و قال : ( اما و اللّه لقد تقمصها ابن ابي قحافة ) و في نسخة اخو تيم . اقسم باللّه تعالى ان ابن ابي قحافة تقمص الخلافة أي لبسها كالقميص ، و هو ابو بكر و كان اسمه : عبد الكعبة ، و قيل : عتيقا .

( و انه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ) أي و الحال ان ابا بكر يعلم بأني اولى و أحق و أحرى ، و يعلم ان محلي من الخلافة كمحل مسمار الرحى من الرحى ،

فكما ان الرحى لا تدور صحيحة بغير المسمار المنصوب في وسطها المسمى بالقطب ،

كذلك الخلافة لا تتم و لا تحسن و لا تنتظم بغير امير المؤمنين ، فقد تولى الخلافة

[ 155 ]

غيره و جرى من الفجائع و الشنائع فأشار عليه السلام بقوله : « و انه ليعلم » ان ابا بكر ما كان جاهلا و لا ساهيا و لا ناسيا ليتعذر فيقبل عذره أو يعفى عنه ، بل كان عالما بمكانة علي عليه السلام و انما اقدم على غصب الخلافة عالما عامدا ، و ستعرف شيئا في المستقبل و لقد عرفت أولويته و أفضليته على غيره فيما تقدم في الغدير و ما يتعلق به ،

أضف الى ذلك النصوص المتضافرة و الاحاديث المتواترة عن النبي الأقدس صلى اللّه عليه و آله و سلم ، و لقد ذكرنا لك فيما سبق بمناسبة الولاية و الوصاية و الوراثة ، و ان الخلافة الكبرى و الامامة العظمى و الولاية العامة المطلقة كانت له بأمر من اللّه و تعيينه بتصريح من القرآن الحكيم في آيات بينات .

و نكتفي هنا بذكر عشرة أحاديث من النصوص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام و ولايته و فيها كفاية لمن استبصر ، نقلناها و ما قبلها عن المراجعات للامام شرف الدين ( ره ) .

1 قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : يابن سمرة : اذا اختلفت الأهواء ،

و تفرقت الآراء ، فعليك بعلي بن ابي طالب ، فانه إمام امتي ، و خليفتي عليهم من بعدي .

2 عن إبن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : ان اللّه تبارك و تعالى اطلع إلى أهل الأرض اطلاعه ، فاختارني منها فجعلني نبيا ، ثم اطلع الثانية فاختار عليا ، فجعله إماما ، ثم أمرني أن أتخذه أخا و وليا و وصيا و خليفة و وزيرا . . .

الحديث .

3 عن الامام الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السلام ، ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال : حدثني جبرائيل عن رب العزة جل جلاله ، انه قال : من علم ان لا إله الا أنا وحدي ، و ان محمدا عبدي و رسولي . و ان علي بن أبي طالب خليفتي ،

[ 156 ]

و ان الأئمة من ولده حججي ، أدخلته الجنة برحمتي الحديث .

4 عن الامام الصادق عن أبيه عن جده عليهم السلام قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم : الأئمة بعدي اثنا عشر ، أولهم علي . و آخرهم القائم ، هم خلفائي و أوصيائي . . . الحديث .

5 عن أصبغ بن نباتة قال : خرج علينا أمير المؤمنين علي بن ابى طالب ذات يوم ، و يده في يد إبنه الحسن ، و هو يقول : خرج علينا رسول اللّه ذات يوم ،

و يده في يدي هكذا ، و هو يقول : خير الخلق بعدي و سيدهم أخي هذا ، و هو إمام كل مسلم ، و امير كل مؤمن بعد وفاتي .

6 عن الامام الرضا عن آبائه عليهم السلام مرفوعا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال : من أحب أن يتمسك بديني ، و يركب سفينة النجاة بعدي ، فليقتد بعلي بن أبي طالب ، فانه وصيي و خليفتي على أمتي في حياتي ، و بعد وفاتي . الحديث ،

7 ايضا عن الامام الرضا عن ابيه عن آبائه عليهم السلام مرفوعا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من حديث قال فيه : و انا و علي أبوا هذه الأمة ، من عرفنا فقد عرف اللّه ، و من أنكرنا فقد أنكر اللّه ، و من علي سبطا امتي ، و سيدا شباب أهل الجنة : الحسن و الحسين و من ولد الحسين تسعة ، طاعتهم طاعتي ، و معصيتهم معصيتي ،

تاسعهم قائمهم و مهديهم .

8 عن الامام الحسن العسكري عن أبيه عن آبائه عليهم السلام مرفوعا الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من حديث قال فيه : يا بن مسعود : علي بن أبي طالب إمامكم بعدي ، و خليفتي عليكم . . . الحديث .

9 عن سلمان قال : دخلت على النبي صلى اللّه عليه و آله فاذا الحسين بن علي على فخذه و هو يلثم فاه و يقول : أنت سيد ابن سيد ، أنت إمام إبن إمام ، أخو

[ 157 ]

إمام ، أبو الأئمة و أنت حجة اللّه و ابن حجته ، و ابو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم .

10 عن سلمان أيضا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من حديث طويل جاء فيه : يا فاطمة : اما علمت انا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدنيا ،

و ان اللّه تبارك و تعالى : اطلع إلى أهل الأرض إطلاعة فاختارني من خلقه ، ثم اطلع اطلاعة ثانية اختار زوجك ، و أوحى إلي أن ازوجك اياه ، و اتخذه وليا و وزيرا ، و ان اجعله خليفتي في امتي ، فأبوك خير الأنبياء ، و بعلك خير الأوصياء و أنت أول من يلحق بي . . . الحديث .

( ينحدر عني السيل ، و لا يرقى إليّ الطير ) أشار عليه السلام الى جلالة قدره و ارتفاع مكانه و سمو مقامه ، فان السيل هو الماء المتكوّن من كثرة الامطار التي تنزل من الجبال في مجاريها الصغار ، ثم تتحد المجاري فيحدث ماء كثير و نهر عظيم ،

فالتشبيه بالجبل إشارة إلى علو مقامه ذكر الامام ان انحدار السيل أي نزوله يكون عنه ، كأنه جبل عال شامخ ، و حيث ان الطيور تستطيع أن ترقى و تصعد في الجو مقدارا كثيرا حتى تغيب عن الأبصار ، فتستطيع ان تصعد على قلل الجبال العظيمة . فذكر عليه السلام : ان مكانته عالية و مرتفعة جدا ، بحيث لا يمكن للطير أن يعلوها و يصعدها و يرقى اليها ، و هو كناية عن علو مقامه و ارتفاع منزلته و جلالة شأنه و أنه بمكان لا يصل اليه أحد ، و لا يوازنه بشر .

( فسدلت دونها ثوبا ، و طويت عنها كشحا ) بعد أن ذكر محله و لياقتا للخلافة ، بعد أن تصدّى غيره لمنصب الخلافة من ليس بأهل لذلك بلا لياقة و لا استحقاق ، ذكر شيئا آخر و هو عدم مطالبته الخلافة مطالبة مستمرة دائمة ، و لقد احتج الامام عليهم بعد وفاة رسول اللّه ، ثم يوم الشورى و في تلك المواطن كما ستعرف ،

[ 158 ]

و لكن سكوته عن حقه بعد ذلك كان لأسباب كثيرة ستطّلع عليها .

فيقول : فسدلت . أي فصرفت نظري عن الخلافة و سلمت للأمر و احتجبت عنها ،

و ارخيت عليها الثوب و طويت عنها كشحا ، شبّه الخلافة بشي‏ء مأكول ، أي منعت نفسي عن اكلها ، و قيل : طي الكشح هو صرف النظر عن الشي‏ء و الالتفات عنه .