تفكر على عليه السلام فى الامر

( و طفقت أرتأي بين أن اصول بيد جذاء ، او أصبر على طخية عمياء ) أي شرعت اتفكر في الأمر و هي الخلافة المغصوبة ، فرأيت نفسي مخيرة بين شيئين :

أحدهما أن اصول أي احمل و احارب مع الغاصبين بيد مقطوعة ، أي بلا ناصر و لا معين ، فكما ان مقطوع اليد لا يقدر على دفع العدو ، كذلك من لا ناصر له و لا معاون لا يتمكن على استرداد حقه و استنقاذ ماله ، و الثاني أن أصبر على طخية عمياء ، فالطخية هي الظلمة ، و اتصافها بالعمياء مبالغة في الظلمة ، و المقصود إلتباس الامور على الناس لا يدرون اين يذهبون ؟ و ممن يأخذوا معالم دينهم ؟ و الناس يومئذ حيارى لا يدرون كيف صار أبو بكر خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و ليست لديه مؤهلات الخلافة ، لا من جهة السابقة و لا العلم الغزير ، و لا الشجاعة المشهورة و لا الزهد و التقوى و لا كل شي‏ء ؟ ، و كيف من كان اهلا للخلافة و الامامة صار جليس بيته ؟

ء أمير شيخ تيم جعلا
و من اللّه ارتضاه عزلا ؟

شيخ تيم منبر الهادي علا
و عليا اجلسوه المنزلا

ثم يشير عليه السلام الى نتائج تلك الظلمة و مدة ظلمة الجهالة و الضلالة فقال :

[ 159 ]

( يهرم فيها الكبير ، و يشيب فيها الصغير ، و يكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ) يشير الى الحزن الشامل الناتج من تلك الأيام ، بأن الكبير يصير هرما ، و الصغير يشيب في تلك المدة الطويلة ، و يسعى المؤمن ، و يقاسي الأهوال و الشدائد و يكسب لنفسه و لا يعطي حقه حتى يموت و يلقى ربه ، و في نسخة : يوضع فيها الصغير و يدب فيها الكبير . و هو كناية عن طول المدة و بعد تردده عليه السلام بين القتال و طلب الحق أو الصبر على تلك الرزايا و غمض العين قال : ( فرأيت الصبر على هاتا احجى ) أي ان الصبر اصلح و اقرب الى العقل ، اذ لم يقصد علي عليه السلام من الخلافة الرياسة و السيادة و السلطة و النفوذ بل كان يقصد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ،

و هداية الجاهل و تنبيه الغافل ، و اعلاء كلمة الاسلام ، و إن الخلافة مع عظمتها أهون عند أمير المؤمنين من عفطة عنز . فلو كان علي يجاهد و يجادل فاما ان كان يغلب خصمائه فلا بد من التفرقة بين المسلمين ، و الناس حديثوا عهد بالاسلام فكانت هناك المصيبة العظمى ، من ارتداد بعض الناس و رجوعهم إلى القهقرى ، فاضمحلال كلمة الاسلام فكان الأصلح و الأحسن الصبر على تلك المصائب ، فيقول :

( فصبرت و في العين قذى ، و في الحلق شجى ، أرى تراثي نهبا و في نسخة : أرى تراث محمد صلى اللّه عليه و آله نهبا ، و في نسخة : من أن أرى صبر الامام و كان حاله حال من في عينه القذى و هو ما يقع في العين من تراب ، أو تبن أو وسخ يوجب الأذى و يسبب الراحة و الاستقرار عن الشخص ، و حال في حلقه الشجى و هو ما يعترض في الحلق من عظم و نحوه ، و كيف لا يكون كذلك ؟ و انه يرى تراثه منهوبا بيد السفلة ، و المقصود من التراث اما الخلافة و إما فدك أو كلاهما و لنا مجال في المستقبل لتوضيح المقال بمناسبة المقام .

و حاصل الكلام ان الخلافة غصبت من أمير المؤمنين عليه السلام ، و ان

[ 160 ]

الغاصب كان يعلم اهلية علي للخلافة و استحقاقه للامامة ، و شرع يفكر فيما يصنع ؟ هل يحارب بلا ناصر مع تقاعد الناس عن نصرته ، أو يصبر على تلك الرزايا الجليلة ،

فرأى عليه السلام ان الصبر اليق و أقرب الى العقل و الصواب ، فصبر على طول المدة و هو يتحمل الوجع و الأذى كالذي في عينه القذى و في حلقه الشجى ، لأنه رأى حقه منهوبا بيد غيره و هم يتنعمون بالدنيا و ما فيها كما قال دعبل الخزاعي :

أرى فيئهم في غيرهم متقسما
و أيديهم من فيئهم صفرات

و صار جليس بيته ، و انقطع الناس عنه ، و ما هناك من مفاسد عمت العباد و البلاد