المعنى

بعد أن افنى ابو بكر من عمره سنتين و ثلاثة أشهر و اثني عشر يوما في الخلافة مات و مضى لسبيله ، بعد تلك المآسي و الفجائع التي لا تنسى ما دام التأريخ موجودا ، فكم من امرئة عفيفة رجمت ؟ و كم من رجل بري‏ء قتل ، و كم من عزيز ذل ؟ و كم من ظالم كافر استولى على رقاب المسلمين ، و الأمر الأعجب ،

و الخطب الأفظع غصب الصديقة الطاهرة فاطمة حقها ، و تظافر الأمة على هتك حرمتها المنيعة و ما جرى على جسمها من آلام الضرب و العصر فيما بين الباب و الجدار و اسقاط جنينها حتى ماتت مظلومة مهضومة و دفنت ليلا و لا يعرف قبرها حتى اليوم و لا يعرف الى يوم القيامة كما في الخبر . و كم و كم و كم . . .

( حتى مضى الأول لسبيله ، فادلى بها الى ابن الخطاب بعده ) نعم كان ابو بكر يتقلب على فراش الموت و يجود بنفسه ، و يغمى عليه ساعة بعد ساعة ، فأمر باحضار عثمان بن عفان . فحضر عثمان فامر ان يكتب عهدا و قال : اكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما عهد به عبد اللّه الى المسلمين ثم اما بعد ثم اغمي عليه و كتب عثمان : قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب .

أفاق ابو بكر و قال : إقرء فقرأ ، فكبّر ابو بكر و سرّ ، و قال : أراك خفت أن يختلف الناس ان مت في غشيتي ؟ قال : نعم . قال : جزاك اللّه خيرا عن الاسلام و اهله .

ثم أتم العهد ، و أمر ان يقرأ على الناس فقرء عليهم ، ثم أوصى ابو بكر عمر بما شاء مما لا مجال لذكره و كان عمر يومئذ حاضرا عنده ، و علم بالوصية ، و لكنه لم يقل : ان الرجل ليهجر . أو : ان الرجل غلب عليه الضعف ، حسبنا كتاب اللّه :

[ 162 ]

مع انا ابا بكر كان يغشى عليه ، و هو غير معصوم عن الخطأ و الهجر و ليس من الذين لا ينطقون عن الهوى ، و كيف كان فالسبب معلوم في قوله هناك و سكوته هنا .

و لعل ابا بكر أوصى الى عمر شفقة بالمسلمين لئلا يختلفوا بعده ، اذ كان ابو بكر رؤفا رحيما عاقلا بصيرا بالعواقب و ذاك رسول اللّه الذي مات بلا وصية و ترك امته حيارى يضرب بعضهم بعضا و يلعن بعضهم بعضا . أف لهم قاتلهم اللّه انى يؤفكون ؟ ما بالكم تنسبون هذه الأكاذيب الى النبي الأقدس ، و تشوهون سمعته عند الملل و النحل و قد قال تعالى : لقد جائكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم ويلكم ما يصنع رسول اللّه بعد تلك المواقف و المواطن ؟ ا لم يصرّح بالولي و الوصي و الامام و المولى و الوارث و الخليفة من بعده ؟

ا فليس هذا القرآن الذي تتلونه في مساجدكم و محاريبكم يهتف بالولاية و الامامة لعلي ابن ابيطالب ؟ أما أراد النبي ان يكتب كتابا لأمته لئلا يضلوا بعده فمنعه كبيرهم هذا فاسئلوه ؟

أ كان ابن أبي قحافة أرأف و ارحم و أشفق بالمسلمين من الذي ارسل رحمة للعالمين ؟ ان تقولون إلا منكرا من القول و زورا ، فاجتنبوا قول الزور .

ايها المسلمون هل فيكم من يقبل هذا القول المزيف ؟ و هذا الكذب الواضح ؟

أ صحيح أن رسول اللّه مات بلا وصية و بدون أن يعيّن خليفة و إماما يقوم مقامه ؟

هل عيّن النبي أحدا فرفضتموه ثم جئتم تنحتون لأنفسكم خليفة كما تهوى افئدتكم ،

فتارة تستدلون له بأن رسول اللّه امره بالصلاة ، و الحال ان ابا بكر كان في جيش اسامة آنذاك كما قدمنا ، و تارة تستدلون بالاجماع ، و الاجماع في ذلك اليوم كالانتخابات المزيفة في هذا الزمان ، و أي اجماع ؟ و ما معنى الاجماع بعد حكم اللّه

[ 163 ]

الفاصل و امره الواجب ؟ و من الذي أجمع و اتفق على ابي بكر سوى سائقه و اما بنو هاشم فكانوا في بيت رسول اللّه ، و الناس مشغولون بالعزاء و النياحة على أشرف ميت على وجه الأرض و سوف نذكر لك السقيفة و ما جرى فيها حتى تعرف الاجماع المزعوم المدبّر في الليل .

( ثمّ تمثل عليه السلام بقول الأعشى :

شتان ما يومي على كورها
و يوم حيان أخى جابر

فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته اذ عقدها لآخر بعد وفاته ) .

تمثل الامام بقول أحد شعراء الجاهلية و هو الأعشى ، و كان الأعشى نديما لحيان و كان لحيان اخ يقال له جابر و كان حيان صاحب الحصن باليمامة ، و كان سيدا مطاعا يصله كسرى في كل سنة و كان في نعمة و رفاهية . مصونا من وعثاء السفر لانه ما كان يسافر .

و معنى البيت : بعد يومي على كور الناقة و بين يوم حيان ، و هذا كما يقول الفقير : شتان بين يومي و يوم ذلك الغني ، أو كما يقول المريض : شتان بين حالي و حال الأصحاء ، فيقول أمير المؤمنين عليه السلام شتان بين يومي و أنا مغصوب الحق ، و مسلوب التراث و بين اولئك الذين تربّعوا على مسند الخلافة يعملون ما يريدون ، و قيل فى معنى هذا البيت وجوه أخر .

و هو انه فرق كثير بين اليومين : اليوم الذي كنت فيه نديما لحيان في كمال الراحة و وفور النعمة و الرفاهية و اليوم الذي كنت فيه على كور الناقة متحملا لوعثاء السفر و متاعبه .

و قيل : قصد الامام باليوم الأول ما يومي حالته و انه صار جليس بيته ، و ازاحوا الخلافة عنه و باليوم الثاني و يوم حيان حالة القوم الذين فازوا

[ 164 ]

بمقاصدهم ، و ظفروا بآمالهم .

و معنى الاحتمال السابق : ان غرضه ( ع ) هو الفرق بين حالتيه : حالته في زمن النبي و ما كان فيه من العزة و الجلالة ، و حالته بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و ما لحقه من المحن و المصائب فشبّه الحالة الأولى بيوم حيان ، و الحالة الثانية بكونه على كور الناقة . و قيل غير ذلك و اللّه العالم .

( فيا عجبا ) اصله : يا عجبي . يتعجب امير المؤمنين عليه السلام و حق له أن يتعجب من كلام ابي بكر حيث كان يطلب الاقالة من الناس ايام خلافته ،

و يقول : ( اقيلوني ، فلست بخيركم و علي فيكم ) .

فكان يصرّح و يعترف للناس ان عليا أفضل منه ، و يطلب من الناس ان يعزلوه ، و انه لا يصلح للخلافة ، و من نفى عن نفسه الصلاحية لا يجوز ان يعهد بها إلى غيره .

فهذا الرجل المستقيل يعقد الخلافة بعده الى عمر ، كما سمعت و علمت ، من كتابة عثمان كتاب العهد ، و تقرير أبي بكر اياه ، و موافقته على ذلك الكتاب .

( لشدّ ما تشطرا ضرعيها ) شبّه عليه السلام الخلافة بالناقة التي تحلب ، و ان الرجلين قسّما الخلافة بينهما شطرين ، شطرا لأبي بكر و شطرا لعمر ، و غرضه من هذا الكلام هو ما قاله عليه السلام لعمر يوم ارادوا البيعة منه عليه السلام ، حيث قال :

إحلب حلبا لك شطره .

حيث ان عمر انما دعى الناس الى خلافة ابي بكر كي تكون مقدمة لخلافة ،

فانه لا يحسن للرجل ان يدعو الناس الى نفسه ، و يطلب منهم ان يبايعوه ، و لهذا كانت قضايا السقيفة لتمهيد الخلافة لعمر ، و لقد جازاه ابو بكر شكرا لخدماته و مساعيه ،

فردّ الخلافة الى عمر .

[ 165 ]

( فصيّرها في حوزة خشناء ) جعل ابو بكر الخلافة في ناحية او طبيعة خشناء و المقصود من تلك الناحية عمر ، او الطبيعة طبيعته ، إذ أنه كان فظا غليظا صعبا ، يتسرع الى الغضب ، و لا يرقب شريفا ، و له كلام خشن مع رسول اللّه في صلح الحديبية ، ككلامه يوم وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يوم طلب الدواة و البياض ، و لهذا كان اكابر الصحابة يخافون صولته ، و يحذرون بطشه و اليك حديثا رواه الفريقان :

روى ابن ابي الحديد و هو ان ابا سفيان كان في مجلس عمر ، و كان هناك زياد بن سمية و كثير من الصحابة فتكلم زياد فأحسن و هو يومئذ غلام فقال علي عليه السلام و كان حاضرا لابي سفيان و هو الى جانبه : للّه درّ هذا الغلام ، لو كان عربيا لساق العرب بعصاه فقال له ابو سفيان : أما و اللّه لو عرفت اباه لعرفت انه من خير أهلك ، فقال علي عليه السلام : و من أبوه ؟ فقال : و اللّه انا وضعته في رحم امه ، فقال ( ع ) : فما يمنعك من استلحاقه ؟ قال : اخاف هذا العير الجالس يعني بذلك عمر ان يحرق عليّ اهابه .

( يغلظ كلمها ، و يخشن مسها ) غلظ الكلام كناية عن خشونة الكلام و جفاء الطبيعة .

ثم اشار ( ع ) الى نتائج تلك الأخلاق الرذيلة و الطبيعة القذرة فقال : ( و يكثر العثار فيها و الاعتذار منها ) كانت لعمر زلات و هفوات و عثرات في فتاواه و قضاياه و ذلك نتيجة التسرع في الحكم من غير علم و روية ، فمنها :

انه امر برجم امرأة زنت ، و هي حامل ، فعلم أمير المؤمنين ( ع ) بذلك ،

فجاء اليه و قال له : ان كان لك سلطان عليها فما سلطانك على ما في بطنها ؟ دعها حتى تضع ما في بطنها ثم ترضع ولدها ، فعند ذلك قال عمر : لو لا علي لهلك عمر .

[ 166 ]

و امر باحضار امرئة اقتضت الحال ذلك و كانت حاملا ، فانزعجت و خافت من هيبته ، فاسقطت جنينها ، فجمع عمر جمعا من الصحابة ، و سألهم ما ذا يجب عليه ؟ فقالوا : أنت مجتهد مؤدب و لا نرى انه يجب عليك شي‏ء ، فسئل عليا ( ع ) بذلك ، و اخبره بقول الصحابة فقال علي ( ع ) : ان كان ذلك عن اجتهاد منهم فقد أخطأوا ، و ان لم يكن عن اجتهاد فقد غشوك ارى عليك الغرة ( عتق رقبة ) .

فقال عمر : لا عشت لمعضلة لا تكون لها يا ابا الحسن .

و اما علمه بالأحكام و اطلاعه بالفقه ، و معرفته بالدين فنذكر احاديث عشرة مروية عن كتب العامة و فيها كفاية :

1 ذكر مسلم في الصحيح في باب التيمم : ان رجلا أتى عمر ، فقال : اني أجنبت فلم اجد ماء ؟ فقال عمر : لا تصلّ الى آخره .

2 ابن ابي حاتم و البيهقي : ان عمر بن الخطاب رفعت اليه امرأة ولدت لستة أشهر ، فهمّ برجمها ، فبلغ ذلك عليا ، فقال : ليس عليها رجم ، فبلغ ذلك عمر ، فأرسل اليه فسأله ، فقال عليه السلام : قال اللّه تعالى : و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ، و قال : و حمله و فصاله ثلاثون شهراً ، فخلى عنها .

3 إبن الجوزي و غيره في سيرة عمر : انه نهى عن إكثار مهور النساء عن اربعمائة درهم ، فلما نزل عن المنبر اعترضته إمرأة من قريش فقالت : يا عمر نهيت الناس ان يزيدوا في مهر النساء على اربعمائة درهم ؟ اما سمعت اللّه يقول :

و آتيتم احديهن قنطاراً فقال عمر : كل الناس افقه من عمر ، ثم رجع و صعد المنبر فقال : ايها الناس اني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء من صدقاتهن على اربعمائة درهم ، فمن شاء ان يعطي من ماله ، او فمن طابت نفسه فليفعل .

و في البخاري : ثم قال لأصحابه : تسمعونني اقول مثل هذا القول فلا تنكرونه

[ 167 ]

عليّ حتى تردّ عليّ امرأة ليست من اعلم النساء ؟ و في رواية اخرى انه قال مرة : لا يبلغني ان امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي إلا ارتجعت ذلك منها ، فقالت امرأة : ما جعل اللّه لك ذلك انه قال تعالى : و آتيتم احديهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً و إثما مبينا ؟ ، فقال عمر : كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال ألا تعجبون من إمام أخطأ ، و أمرأة اصابت فأضلت امامكم ففضلته .

إقرأ هذا و ما قبله و ما بعده و احكم بما شئت و اعتذر كيف شئت .

4 عن انس بن مالك : ان عمر قرأ على المنبر فانبتنا فيها حبا ، و عنبا و قضبا ، و زيتونا و نخلا و حدائق غلبا ، و فاكهة و ابا 1 قال كل هذا عرفناه ، فما الأب ؟ ثم رفض عصا كانت في يده ، فقال : هذا لعمر اللّه التكلف فما عليك ان لا تدري ما الأب ؟ اتبعوا ما بيّن لكم هداه من الكتاب ، فاعملوا به و ما لم تعرفوه فكلوه الى ربه .

5 اتي الى عمر بمجنونة زنت ، فأمر ان ترجم ، فمرّ بها علي ( ع ) فقال :

ما شأن هذه ؟ فقالوا مجنونة بني فلان زنت ، فأمر عمر أن ترجم ، فقال : ارجعوا بها ، ثم قال أمير المؤمنين ( ع ) : يا عمر أما تذكر ان رسول اللّه صلى عليه و آله قال : رفع القلم عن ثلاث : عن الصبي حتى يبلغ ، و عن النائم حتى يستيقظ ،

و عن المعتوه المجنون حتى يبرء ؟ فخلى عمر سبيلها ، و جعل عمر يكبر .

6 كان عمر بن الخطاب يعس ليلة ، فمر بدار سمع منها صوتا ، فارتاب و تسوّر ، فرأى رجلا عنده امرأة و زق خمر ، فقال : يا عدو اللّه أ ظننت ان اللّه يسترك و انت على معصيته ؟ فقال : لا تعجل يا عمر : ان كنت اخطأت في واحدة

-----------
( 1 ) سورة عبس .

[ 168 ]

فقد أخطأت في ثلاث : قال اللّه تعالى : و لا تجسسوا . و قد تجسست ، و قال :

و اتوا البيوت من ابوابها . و قد تسوّرت ، و قال : اذا دخلتم بيوتاً فسلموا . و ما سلمت ، فقال عمر : هل عندك من خير ان عفوت عنك ؟ قال : و اللّه لا اعود .

فقال عمر : إذهب فقد عفوت عنك . أقول عفو عمر عن شارب الخمر معصية رابعة لأنه تعطيل لحد من حدود اللّه تعالى .

عن انس بن مالك : ان المغيرة بن شعبة كان يخرج من دار الامارة وسط النهار ، و كان ابو بكره نفيع الثقفي يلقاه فيقول له : أين يذهب الأمير : فيقول :

الى حاجة ، فيقول له : حاجة ما ؟ ان الأمير يزار و لا يزور ، قال : و كانت المرأة ام جميل بنت الأفقم التي يأتها جارة لأبي بكرة ، قال : فبينما ابو بكرة في غرفة له مع اصحابه و اخويه نافع و زياد و رجل آخر يقال له : شبل بن معبد ، و كانت غرفة تلك المراة بحذاء غرفة ابي بكرة ، فضربت الريح باب غرفة المرأة ففتحته فنظر القوم فاذا هم بالمغيرة ينكحها ، فقال ابو بكرة : هذه بلية ابتليتم بها فانظروا .

فنظروا حتى اثبتوا ، فنزل ابو بكرة حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة فقال له : انه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا . قال : و ذهب ليصلي بالناس فمنعه ابو بكره و قال له : و اللّه لا تصلي بنا و قد فعلت فقال الناس : دعوه فليصل فانه الأمير و اكتبوا بذلك الى عمر ، فيكتبوا اليه فورد كتابه ان يقدموا عليه جميعا : المغيرة و الشهود .

قال مصعب بن سعد : ان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه جلس و دعا بالمغيرة و الشهود ، فتقدم ابو بكرة فقال له : أ رأيته بين فخذيها : قل : نعم و اللّه لكأني انظر تشريم جدري بفخذيها .

فقال له المغيرة : لقد ألطفت النظر ، فقال له : ا لم أك قد اثبت ما يخزيك

[ 169 ]

تشريم جدري بفخذيها فقال له المغيرة : لقد الطفت النظر ، فقال له أ لم اك قد اثبت ما يخزيك اللّه به ؟ فقال عمر : لا و اللّه حتى تشهد لقد رأيته يلج ولوج المرود في المكحلة فقال : نعم اشهد على ذلك . فقال له : اذهب مغيرة ذهب ربعك .

ثم دعا نافعا فقال له : على م تشهد ؟ قال : على مثل شهادة ابى بكرة ، فقال :

لا حتى تشهد انه يلج ولوج المرود فى المكحلة فقال : نعم حتى بلغ قذذة ، فقال اذهب مغيرة ذهب نصفك . ثم دعا الثالث فقال : على م تشهد ؟ فقال : على مثل شهادة صاحبيّ فقال له : اذهب مغيرة ثلاثة لرباعك .

ثم كتب عمر الى زياد حتى قدم على عمر ، فلما رآه جلس له في المسجد و اجتمع له رؤوس المهاجرين و الانصار فقال المغيرة : و معي كلمة قد رفعتها لأحلم القوم . قال :

فلما رآه عمر مقبلا قال : اني لأرى رجلا لن يخزي اللّه على لسانه رجلا من المهاجرين فقال زياد : يا امير المؤمنين أما ان الحق ما حق القوم فليس ذلك عندي ،

و لكني رأيت مجلسا قبيحا ، و سمعت امرا حثيثا و ابتهارا ، و رأيته متبطّنها . فقال له عمر : أ رأيته يدخله كالميل فى المكحلة ؟ فقال : لا و فى لفظ آخر قال رأيته رافعا رجليها و رأيت خصيتيه تترددان بين فخذيها و تخفقان و استين مكشوفين و سمعت خفزانا شديدا فقال له : أ رأيته يدخله و يخرجه كالميل فى المكحلة ؟ فقال : لا فقال عمر :

اللّه اكبر قم اليهم يا مغيرة فاضربهم ، فقام الى ابى بكرة فضربه ثمانين و ضرب الباقين ، و اعجبه قول زياد ، و درأ عن المغيرة الرجم :

فقال ابو بكرة : بعد أن ضرب فاني اشهد ان المغيرة فعل كذا و كذا فهم عمر بضربه فقال له علي عليه السلام : ان ضربته رجمت صاحبك و نهاه عن ذلك 1 .

هذه نماذج من علم الخليفة و اطلاعه بالقوانين و الأحكام و مدى عدله فى

-----------
( 1 ) الاغانى و الطبرى و ابن خلكان و غيرها .

[ 170 ]

تعطيل الحدود و انقاذ مغيرة الزاني و اقامة الحدود على الشهود الصادقين الأبرياء .

هذه نبذة من عشرات امثالها تظهر لك الحقائق ، تلك الحقائق التي لا مجال للقلم للتصريح بها و إن أردت الاطلاع على مصادر هذه الاحاديث فراجع المجلد السادس من الغدير .

( فصاحبها كراكب الصعبة ، إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحم ) و في بعض النسخ : إن عنّف بها حرن ، و إن أسلس بها غسق ، و ضمير صاحبها عائد الى الحوزة الخشناء ، و قد ذكرنا أن المقصود من الحوزة إما الناحية المكني بها عن عمر ، او المقصود من الحوزة الطبيعة ، اي اخلاق عمر ، فبناء على المعنى الأول يكون المعنى : فصاحب عمر كراكب الناقة الصعبة التي لا تنقاد ، اي الذي يرافق و يصاحب عمر بن الخطاب واقع بين المحذورين : إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحم . أي إن منعه عن أفعاله و أعماله و فتاواه فان ذلك ينتهي الى النزاع و الفساد ، و إن تركه بحاله ألقى نفسه و غيره في المهلكة ، كما أن الناقة الصعبة إن أشنق لها راكبها اي إن جذب زمامها جذبا قويا ينشق أنفها و إن أرخى زمامها ألقته في المهالك كالسيارة التي انقطعت آلة توقيفها ، فانه إذا كثر عليه الانكار من الناس لتسرعه في الحكم أدى ذلك الى فساد الحال بينه و بين الناس ، و إذا تركه الناس و لم يعترضوا عليه أدى ذلك الى إخلال النظام و قتل الأبرياء و سفك الدماء المحرمة و الحكم بغير ما أنزل اللّه و إذا كان ضمير صاحبها راجعا الى الحوزة التي معناها الطبيعة أي الأخلاق فالمقصود منه هو عمر أي هو صاحب تلك الحوزة الخشناء .

( فمني الناس لعمر اللّه بخبط و شماس و تلون و اعتراض ) يشير عليه السلام الى ابتلاء الناس أيام خلافة عمر لتناقض أقواله و تباين أحواله و أفعاله فشبه عليه السلام عمر بن الخطاب بالبعير الجامح ، إذ الخبط هو الحركة من غير استقامة ، و الشماس كثرة

[ 171 ]

الاضطراب و النفار ، و التلون اختلاف الحال ، و الاعتراض مشي الفرس المرح النشيط فى عرض الطريق ، و كلها كنايات عن اختلاف أعمال عمر من تحريمه ما احل اللّه ، و تحليله ما حرم اللّه ، و قد ورد : ان حلال محمد حلال الى يوم القيامه ،

و حرامه حرام الى يوم القيامة و من جملتها تحريم المتعه و لا نحتاج الى دليل حلية المتعة إذ يكفينا قول عمر : متعتان محللتان كانتا في عهد رسول اللّه ، انا احرمهما و اعاقب عليهما : متعة الحج و متعة النساء ، فقد اعترف بأن المتعة كانت حلالا في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و لا يجوز لعمر أن يحرم شيئا أحله اللّه و رسوله ،

و من كان لا يعلم معنى الأب في قوله تعالى : و فاكهة و أبا . فليس له حق في تشريع القانون الاسلامي حتى يحرم الحلال و يعاقب الناس عليه ، و قد عرفت مدى علم الخليفة او جهله بالقرآن و الاحكام ، فمن كان على سنة النبي فليقتد بكلامه و ليتبع أحكامه ، و من كان على شريعة عمر ، و سنته فليفعل ما يشاء و ليقل ما يريد و هناك جنايات و جرائم صدرت من هذا الرجل على الافراد و المجتمع كاحراقه مكتبة الاسكندرية التي تعد فى طليعة خسائر المسلمين ، و قد كانت من بشاعة هذا العمل ان جميع الملل و النحل من الغربيين و غيرهم ينتقدون عمر بهذا العمل ، و يعدونه ضربة على تقافة البشر ، و تقدم العلم في العالم ، و لعلك كلما تفكرت في هذه الخسارة تزداد حسرة و تأسفا ، و كيف ما كان فأمثال هذه المآسي و المخازي و المساوي‏ء كثيرة في عصر خلافته الزاهر و ستعلمن نبأه بعد حين .

كل هذا و علي عليه السلام يرى هذه المصائب و النوائب التي تنزل على المسلمين ،

و يصبر على تلك المحن و المدة الطويلة و هي أيام خلافة عمر التي استغرقت عشر سنوات و ستة أشهر و أياما ، و إليها أشار سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام بقوله :

( فصبرت على طول المدة و شدة المحنة )

[ 172 ]