المعنى

بعض تلك القضايا التي سمعتها و مرت عليك هي التي سببت قتل الخليفة إذ كانت القلوب ملأها عداء و احقادا ، من جملتهم الفرس من المسلمين فان عمر اخترع لهم شريعة اخرى غير الشريعة الاسلامية و فرق بينهم و بين المسلمين فى الأحوال الشخصية من النكاح و الارث و الضريبة و الدخول في المدينة و الدية و غير ذلك و من هنا نعرف التفرقة بين المسلمين و العصبية الجاهلية الأولى و كان من بين أولئك الأعاجم الذين شملتهم بركات ظلم عمر ، رجل من الفرس يقال له ابو لؤلؤ . فانه طعن عمر بخنجره ست طعنات فى بطنه و تحت سرته فعلم عمر انه لا ينجو من الموت و ان الضربة الاخيرة كانت القاضية .

فلم يزل يفكر في كيفية صرف الخلافة عن علي عليه السلام لانه علم انه إذا مات بلا وصية تنتقل إلى على عليه السلام ، و إن أراد أن يوصي إلى شخص معين فلعل المسلمين لا يرضون به فجعل الأمر شورى ، و لكن لا شورى حرة بل شورى مزيفة كالانتخابات النيابية فى بعض الممالك ، و ستعرف ذلك عن قريب .

( حتى مضى لسبيله جعلها في جماعة و في نسخة في ستة زعم اني احدهم ) انتخب عمر بن الخطاب ستة من المسلمين و جعل عليا أحدهم و يستفاد من كلمة « زعم » ان الأمر كان مدبرا في الليل ، و ان عمر انما أدخل عليا في تلك الجماعة

[ 173 ]

لا حقيقة ، أي انه عليه السلام أحدهم بل أدخله لامور ستطلع عليها .

من جملة القواعد العربية أن كلمة ( زعم ) تستعمل في الكلام الباطل ،

مثلا إذا قال شخص لآخر : اني أحبك . فيعلم الآخر ان المدعي لحبه كاذب مبطل فيقول له : أ تزعم انك تحبني . كما قال تعالى : قل يا ايها الذين هادوا ان زعمتم أنكم أولياء للّه من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين . و لن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم و اللّه عليم بالظالمين ، فمعنى الآية : قل يا محمد « يا أيها اليهود ان زعمتم أنكم أولياء للّه فقط فتمنوا الموت فان من كان وليا للّه لا يخاف من الموت بل يتمنى لقاء ربه ، و انما يخاف من الموت المذنب العاصي ثم قال تعالى تكذيبا لما زعموا و لن يتمنوه أبداً . . . الآية ، و قال الشاعر

زعمتني شيخا و لست بشيخ
انما الشيخ من يدب دبيبا

و قال الآخر

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا
ابشر بطول سلامة يا مربع

فظهر ان معنى زعم من تكلم بكلام باطل و هو يعلم انه كاذب ، فلنذهب الآن الى مجلس عمر لننظر ما هناك ، فانه مطروح على فراش الموت يفكر فى هذه الدسيسة التي يريد القيام بها إذ أنه علم انه ميت ، فاستشار فيمن يوليه الأمر بعده ؟ فاشير عليه بابنه عبد اللّه فقال عمر لاها اللّه ، إذ لا يليها رجلان من ولد الخطاب ، حسب عمر ما فعل حسب عمر ما اختقب . لاها اللّه لا أتحملها حيا و ميتا . ثم قال ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مات و هو راض عن هؤلاء الستة من قريش احفظ هذه الجملة يا صاحبي على و عثمان و طلحة و الزبير و سعد بن الوقاص و عبد الرحمن بن عوف .

و قد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم اماما . ثم قال ان استخلف فقد استخلف من هو خير مني يعنى ابا بكر و ان اترك فقد ترك خير مني

[ 174 ]

يعني رسول اللّه ( أقول يا صاحبي . لقد مرت عليك أخبار الوصاية و الولاية و الامامة في شأن علي عليه السلام ) ثم قال . ادعوهم لي فدعوهم فدخلوا عليه و هو ملقى على فراشه يجود بنفسه فنظر اليهم أرجوك يا صاحبي اذكر كلمة عمر قبل دقيقة . ان رسول اللّه مات و هو راض عن هذه الستة من قريش نظر اليهم عمر و قال . ا كلكم يطمع فى الخلافة ؟

فوجموا سكتوا فقال لهم ثانية فاجابه الزبير .

و ما الذي يبعدنا منها ؟ وليتها أنت فقمت بها . و لسنا دونك في قريش و لا في السابقة و لا في القرابة .

عمر . أ فلا اخبركم عن أنفسكم ؟

الجماعة . قل . فانا لو استعفيناك لم تعفنا .

عمر . اما أنت يا زبير فوعق لقس 1 مؤمن الرضا . كافر الغضب . يوما انسان و يوما شيطان . . . و ما كان اللّه ليجمع لك أمر هذه الأمة و أنت على هذه الصفة .

أقول . هذا أحد الستة الذين مات رسول اللّه راضيا عنهم . يستقبله عمر بهذا الكلام ثم التفت الى طلحة و كان مبعضا له منذ قال لأبى بكر يوم وفاته ما قال فى عمر قال له . أقول أم أسكت ؟

طلحة . قل . فانك لا تقول من الخير شيئا .

عمر . اما اني أعرفك منذ اصيب اصبعك في أحد . و لقد مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ساخطا عليك لانه لما نزلت آية الحجاب و أمر اللّه تعالى نساء النبي أن يحتجبن عن الرجال قال طلحة . ما الذي يعنيه حجابهن اليوم ؟ و سيموت غدا فننكحهن و في رواية . ا ينكح محمد نسائنا و لا ننكح نسائه ؟ و اللّه لو قد مات

-----------
( 1 ) رجل وعق : شماس ، سى‏ء الخلق . رجل القس : منازع

[ 175 ]

لأجلبنا على نسائه بالسهام . و في رواية . لئن أمات اللّه محمدا لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا .

و قد نسب هذا القول الى عثمان و طلحة معا ، فعثمان كان يريد ام سلمة ،

و طلحة يريد عائشة ، فنزلت هذه الآية و ما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده إن ذلكم عند اللّه عظيما .

و هذا الثاني من الذين مات النبي راضيا عنهم ، ثم أقبل عمر على سعد بن ابي وقاص و هو من رجال المؤامرة الفاشلة في عقبة هرشي بعد واقعة الغدير ،

التفت اليه عمر و قال :

إنما أنت صاحب مقنب من هذه المقانب ، و صاحب قنص و قوس و أسهم ،

و ما زهرة و الخلافة ؟ و امور الناس ؟

و هذا ثالث القوم المرضيين عند النبي صلى اللّه عليه و آله .

ثم أقبل عمر على عبد الرحمن بن عوف و قال : إنك رجل عاجز ، تحب قومك جميعا .

ثم التفت إلى علي أمير المؤمنين عليه السلام و قال :

و اما أنت يا علي فلو وزن إيمانك بايمان أهل الأرض لرجحهم . فقام موليا يخرج فقال عمر و الله إني لأعلم مكان الرجل ، لو وليتموه أمركم لحملكم على المحجة البيضاء . قالوا من هو ؟ قال هذا المولي من بينكم .

قالوا فما يمنعك من ذلك ؟

عمر ليس الى ذلك من سبيل .

و فى رواية ابن ابي الحديد ثم أقبل على علي عليه السلام فقال لله أنت ، لو لا دعابة فيك ، أما و اللّه لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح

[ 176 ]

و المحجة البيضاء .

ثم أقبل على علي و قال و أما أنت يا عثمان ، فو الله لروثة خير منك ، و في رواية ابن ابي الحديد اما أنت يا عثمان ، هيها اليك ، كأني بك و قد قلدتك قريش هذا الامر لحبها إياك ،

فحملت بني أمية و بني معيط على رقاب الناس ، و آثرتهم بالفي‏ء فسارت اليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحا .

أ تذكر يا صاحبي كلام عمر ان رسول اللّه مات و هو راض عن هذه الستة ،

فهل سمعت هذا السب الشنيع و الكلام الخشن الذي وجهه إلى خمسة منهم ،

فأسألك أ لم يكن رسول اللّه راضيا عن غير هؤلاء الخمسة كعمار و أبي ذر و سلمان و أمثالهم ، أ لم يكن في اصحاب النبي مع كثرتهم رجل نقي الثوب ناصع الصحيفة حسن السوابق ، مرضيا عند رسول فيدخله عمر في أصحاب الشورى ؟ بل كان و لكن . . .

ثم أ لم يأن لعمر أن يخشع قلبه ، و يخاف ربه فيرد الخلافة الى صاحبها الاصلي الذي غصبوها منه و أجلسوه في بيته اثني عشر سنة و اشهرا ؟

هل كان يخش عمر ربه ان أوصى بالخلافة الى من قال له عمر السلام عليك يا أمير المؤمنين بخ بخ ، لقد اصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة ؟

أو ما كان عمر يرى في علي عليه السلام أهلية الخلافة ، و قد قال مرارا لو لا علي لهلك عمر ثم هل كان رسول الله راضيا عن عثمان ؟ و قد ضرب عثمان ام كلثوم بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بخشبة القتب ضربا مبرحا فأرسلت الى أبيها ،

تشكو ذلك و نخبره بصنيع عثمان و لما جائت الى أبيها و أرته ظهرها قال النبي : قتلها قتله الله . فمكثت يوما و ماتت في الثاني . الناس للصلاة

[ 177 ]

عليها ، فخرج رسول اللّه و عثمان جالس مع القوم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : من المّ جاريته الليلة فلا يشهد جنازتها ، قال مرتين و عثمان ساكت ،

فقال رسول اللّه : ليقومن أو لأسمينه باسمه و إسم أبيه ، فقام يتوكأ على عبده و انصرف ، و بات عثمان في تلك الليلة التي ماتت كريمة رسول اللّه و قرة عينه ملتحفا مع جاريتها و حضر الجنازة و هو جنب .

هل نسي عمر جنايات هذا المجرم أم تناسى ؟ فأدخله في أهل الشورى و قد قال في حقه : لروثة خير منك و هل و هل و الأسئلة كثيرة فهل من مجيب ؟

و عند ذلك قال عمر : ادعوا لي أبا طلحة الأنصاري ، فدعوه له فقال له :

انظر يا ابا طلحة إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلا من الأنصار ، حاملي سيوفكم فخذ هؤلاء النفر الستة بأمضاء الأمر و تعجيله ، و اجمعهم في بيت واحد فان اتفق خمسة و أبي واحد فاضرب عنقه ، و إن اتفق اربعة و ابى اثنان فاضرب اعناقهما ، و إن اتفق ثلاثة و خالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن ابن عوف فارجع الى ما اتفقت عليه ، فان أصرت الثلاثة الاخرى على خلافها فاضرب اعناقها ، و ان مضت ثلاثة ايام و لم يتفقوا على امر فاضرب اعناق الستة و دع المسلمين يختاروا لأنفسهم .

يا اهل العالم : من المسلمين و غيرهم .

يا واضعي القوانين و الأنظمة للدول .

يا ايها الذين شاهدوا العجائب و سمعوا الغرائب في دهرهم .

هل سمعتم او رأيتم قانونا كهذا القانون او حكما دكتاتوريا مثل هذا الحكم في اي عصر من العصور او زمان من الأزمنة او مكان من الأمكنة في عصر الحجر او زمان ما وراء التأريخ ، أو في غابات افريقيا ، او في القطب المنجمد ؟

[ 178 ]

رجل يستولي على الخلافة بغير وجه شرعي قانوني : لا بالأهلية و اللياقة ،

و لا بالعلم و التقوى ، و لا بالسياسة و الكياسة بل بالقهر و الغلبة ، بالظلم و الاجحاف ،

ثم لما علم ان اظفار المنية قد نشبت به انتخب من امة مسلمة كبيرة فيهم العلماء و الصلحاء و الأبرار الأتقياء ينتخب منهم ستة لا غير ، ثم يقول : ان رسول مات راضيا عن هؤلاء الستة فيرشحهم للخلافة ثم يذكر لكل واحد من الخمسة وصفا قبيحا و ذما شنيعا ثم يتوجه الى المبرّء من تلك العيوب و الأوصاف الذميمة فينحت له عيبا و هو الدعابة ، و أية دعابة كانت في امير المؤمنين حتى سلبته اهلية الخلافة فهل خفي هذا العيب على اللّه الذي لا تخفى عليه خافية حتى امر نبيه بقوله : يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته ؟

او لم يظهر هذا العيب للنبي الأقدس الذي ربّا عليا في حجره من نعومة أظفاره الى أن بلغ أشده حتى نادى بصوت سمعه 120000 مسلم و بقي صداه إلى هذا اليوم بقوله : من كنت مولاه فعلي مولاه . . . الخ .

خفي هذا العيب على اللّه و على رسوله فظهر لابن الخطاب حتى قال : يا علي لو لا دعابة فيك .

و لعلّ عمر اراد رجلا فظا غليظ القلب خشن الكلام سريع الغضب فيكون خليفة لعمر ، للمناسبة المطلوبة بين النائب و المنوب عنه دع هذا كله ، فهؤلاء المرشحون للخلافة و كلهم مسلمون مؤمنون فكيف تأمر بقتلهم اذا لم ينزلوا عند حكمك ؟ او كيف تأمر بأخذ قول الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف و تأمر بقتل الثلاثة المخالفين ؟ أ فهكذا اباح اللّه لابن الخطاب دماء علماء الصحابة ؟ و ذنبهم عدم الأئتلاف بينهم ؟

و لكن يا ابا حفص : الأمر واضح لكل ذي عينين فهذا القول شنشة منك

[ 179 ]

تعرف من السقيفة و من قبلها ، و علم كل احد تزييف انتخابك ، و لعل الانتخابات المزيفة الكائنة في العالم كلها ولائد انتخابك و دسائسك في يوم السقيفة و الشورى .

مات عمر و دفنوه عند رسول اللّه بغير اذنه بل استأذنوا من عائشة فاذنت لهم ، لأن رسول اللّه لما مات قالوا انه قال صلى اللّه عليه و آله : نحن معاشر الانبياء لا نورّث .

و كان القصد من تحت هذه الأكذوبة حرمان فاطمة عليها السلام من فدك ،

و لكن في زمان عمر ثبت ان رسول اللّه يورّث فاستأذنوا من عائشة لأن النبي دفن في حجرتها و لها التسع من الثمن ، ثم نسخ هذا الحكم مرة ثانية لما اراد بنو هاشم دفن الحسن عليه السلام عند جده .

دفن عمر و جمع ابو طلحة المرشحين للخلافة في بيت عائشة و وقف ابو طلحة على باب البيت في خمسين رجلا حاملي سيوفهم ، فلنذكر بقايا الخطبة :

( فيا للّه و الشورى متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن الى هذه النظائر ) هاتان الكلمتان فيا للّه و الشورى من باب الاستغاثة ،

فالكلمة الأولى مستغاث و الثانية مستغاث لأجله . و معناها : انك تستغيث باللّه لأمر قد دهمك كما قال الشاعر :

يا لقومي و يا لأمثال قومي
لأناس عتوهم في ازدياد

و الفرق بينهما ان اللام مفتوحة في الأولى و مكسورة في الثانية .

متى اعترض الريب الخ يشير امير المؤمنين عليه السلام بهذه الجملة إلى مقامه الأسمى و مكانته العليا ، فيقول : متى كنت في عداد ابي بكر و اقرانه حتى اكون هذا اليوم قرين هؤلاء الذين مرتبتهم دون مرتبة ابي بكر .

و بعبارة اخرى : إذا انزلوا ملكا عن عرش الملوكية ثم جمعوا بينه و بين بعض أراذل شعبه ، و رشحوا أحد هؤلاء للسلطنة و الملك ، فان الملك يستنكف ان يكون

[ 180 ]

في زمرة السفلة المرشحين ، بل ينبغي إذا كان و لا بد أن يجمع بينه و بين الوزراء و العظماء حتى تحسن المناسبة فكذلك امير المؤمنين يقول : متى شك احد في افضليتي على ابي بكر حتى آل امري و أنزلني الدهر ثم انزلني حتى صرت قرين عثمان و طلحة و في عداد سعد و عبد الرحمن الذين سمعت وصفهم من عمر ؟ ثم بين عليه السلام عذره في موافقته بالحضور معهم ، فقال : ( و لكني اسفت اذ اسفوا و طرت إذ طاروا ) اى مداراة لهم حضرت مجلس الشورى ، و ذهبت اين ما ذهبوا و سمعت اذا تكلموا ، كما ان الطائر إذا طار مع الطيور يتابعهم في الطيران ، فاذا دنوا من الأرض في طيرانهم دنى معهم ، و إذا طاروا و حلّقوا الى الجو حلق معهم ،

و انما دخل امير المؤمنين معهم تكذيبا لقول عمر قال عند وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : ان رسول اللّه قال : النبوة و الامامة لا تجتمعان . لأن عمر لما قال في وصيته لأبي طلحة : كونوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن . قال ابن عباس :

ذهب الأمر منا ، الرجل يريد ان يكون الأمر في عثمان . فقال عليه السلام : و انا اعلم ذلك ، و لكني ادخل معهم في الشورى ، لأن عمر قد أهلّني الآن للخلافة فانا ادخل في ذلك لأظهر للناس مناقضة فعله لروايته .

اجتمع هؤلاء الستة في بيت عائشة ، و ابو طلحة الأنصاري مع اصحابه وقفوا على باب البيت ، و لما استقر بهم المجلس و قبل أن يشرعوا فى الكلام نادى عمار ابن ياسر من وراء الباب : إن وليتموها عليا سمعنا و أطعنا ، و إن وليتموها عثمان سمعنا و عصينا فقام الوليد بن عقبة و قال يا معشر الناس : اهل الشورى ان وليتموها عثمان سمعنا و اطعنا و ان وليتموها عليا سمعنا و عصينا . فانتهره عمار و قال له ؟ متى كان مثلك يا فاسق يعترض امور المسلمين و شتات جمعها . و تسابا جميعا و تناوشا حتى حيل بينهما .

فقال المقداد من وراء الباب : يا معشر المسلمين إن وليتموها أحدا من

[ 181 ]

القوم فلا تولوها من لم يحضر بدرا ، و انهزم يوم احد ، و لم يحضر بيعة الرضوان ،

و ولى الدبر يوم التقى الجمعان . فقال عثمان : اما و اللّه لان وليتها لأردنك الى ربك الأول .

اما طلحة فانه كان يعلم ان الخلافة لا تصل اليه مع وجود علي امير المؤمنين عليه السلام و عثمان فلهذا اشهد القوم على نفسه : انه قد وهب حقه من الشورى لعثمان . فعل ذلك لتقوية جانب عثمان .

و اما الزبير فكان ابن عمة امير المؤمنين اذ كانت امه صفية بنت عبد المطلب ، فلما رأى الزبير ما صنعه طلحة وهب هو ايضا حقه من الشورى الى امير المؤمنين فقال : انا اشهدكم على نفسي اني قد وهبت حقي من الشورى لعلي .

فتساوى الجانبان .

و انما اعرض طلحة عن علي عليه السلام ، و لم يهب حقه من الشورى اليه لانحرافه عن علي و بغضه له و هذا معنى قوله عليه السلام : ( فصغى رجل منهم لضغنه ) أي مال رجل من أهل الشورى عن علي الى عثمان لعداوته و ضغنه لعلي عليه السلام . فبقي عبد الرحمن بن عوف و سعد بن ابي وقاص ، اما سعد فوهب حقه من الشورى الى عبد الرحمن فقال : و انا قد وهبت حقي من الشورى لابن عمى عبد الرحمن و قيل ان المقصود من الرجل الذي مال لضغنه و عداوته هو سعد بن ابي وقاص اذ انه وهب حقه من الشورى الى عبد الرحمن بن عوف . لانهما من بني زهرة ، و كان سعد يعلم ان الخلافة لا تتم له ، فصاروا ثلاثة لكل واحد منهم صوت واحد . فقال عبد الرحمن لأمير المؤمنين و عثمان : ايكما يخرج نفسه من الخلافة و يكون اليه الاختيار فى الاثنين الباقيين ؟ فلم يتكلم منهما أحد ، فقال عبد الرحمن : اشهدكم انني قد اخرجت نفسي من الخلافة على ان اختار احدهما .

[ 182 ]

فبدأ بعلي عليه السلام و قال له : ( ابايعك على كتاب اللّه و سنة رسوله و سيرة الشيخين ابي بكر و عمر ) فقال علي : ( بل على كتاب اللّه و سنة رسوله و اجتهاد رأيي ) فعدل عبد الرحمن عنه ، فعرض ذلك على عثمان : فقال عثمان نعم .

فعاد الى علي ، فاعاد علي قوله ، فعل ذلك عبد الرحمن ثلاث مرات ، فلما رأى ان عليا غير راجع عما قاله ، و ان عثمان ينعم له بالاجابة صفق على يد عثمان و قال لعثمان : السلام عليك يا امير المؤمنين .

فقال علي عليه السلام لعبد الرحمن : و اللّه ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه ، ثم دعى عليه و قال : دق اللّه بينكما عطر منشم . اشار عليه السلام الى سبب تقديم عبد الرحمن عثمان على امير المؤمنين و بيّن ان السبب في بيعة عبد الرحمن كالسبب في بيعة عمر لابي بكر ، أي كما ان عمر بايع ابا بكر يوم السقيفة ليرد ابو بكر الخلافة الى عمر و قد فعل ، و كذلك كان يرجو سعد من عثمان ان يرد الخلافة اليه عند موته ، فدعى عليه السلام عليهما ان يفسد بينهما لأن منشم بكسر الشين اسم امرأة عطاره بمكة ، و كانت خزاعة و جرهم إذا أرادوا القتال تطيّبوا من طيبها . و كانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم ،

حتى صار يضرب به المثل ، فيقال : أشأم من عطر منشم .

ففسد بعد ذلك بين عبد الرحمن و بين عثمان فلم يكلم احدهما صاحبه حتى مات عبد الرحمن ، و لما بنى عثمان قصره طمار و الزوراء و صنع طعاما كثيرا و دعا الناس الناس اليه كان فيهم عبد الرحمن فلما نظر الى البناء و الطعام قال : يابن عفان لقد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك و اني استعيذ باللّه من بيعتك . فغضب عثمان و قال :

اخرجه عني يا غلام ، فاخرجوه ، و أمر الناس أن لا يجالسوه . فلم يكن يأتيه أحد إلا ابن عباس كان يأتيه فيتعلم منه القرآن و الفرائض ، و مرض عبد الرحمن فعاده

[ 183 ]

عثمان فكلمه و لم يكلمه حتى مات . و الى ما تقدم أشار عليه السلام بقوله :

( و مال الآخر لصهره ) أي مال عبد الرحمن الى عثمان للمصاهرة التي كانت بينهما لأن اخت عثمان من امه كانت تحت عبد الرحمن بن عوف و مال عبد الرحمن الى عثمان للمصاهرة وحدها بل ( مع هن و هن ) اي مع اسباب و علل اخرى لا يحسن التصريح بها ، و ما رأيت احدا من الشراح تعرض لتلك العلل ، لكن الذي يغلب على ظني ان عمر كان قد اوصى الى عبد الرحمن بن عوف ان يبايع عثمان ،

و إلا فلا معنى لقول عمر : فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن بن عوف فارجع الى ما اتفقت عليه .

أو لعل المقصود ان عبد الرحمن كان يعلم انه لو بايع عليا لما ردت الخلافة اليه فبايع عثمان رجاء ذلك فاخبره الامام بقصده من البيعة و اللّه العالم .

نهض أمير المؤمنين و قام من جلسة الانتخابات المشومة و قال : مال الرجل الى صهره ، و نبذ دينه وراء ظهره و دعا عليه بما تقدم .

و ليت شعري و ليتني كنت أدري لما ذا لم يوافق أمير المؤمنين على سيرة الشيخين ؟ كما وافق عليها عثمان يوم الشورى ثم نبذها وراء ظهره لما استقرت خلافته ؟

اما كان الشيخان عادلين في الحكم ؟ اما كانا سائرين بسيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ؟ أما كانا على الحق ؟ لما ذا رفض أمير المؤمنين العمل بسيرة الشيخين ؟ و ما ذا أرادوا بهذه الكلمة من أمير المؤمنين حتى ترك الخلافة لأجل السير على سيرة الشيخين ؟ فليكن الجواب منك ايها القارى‏ء اللبيب .