المعنى

كانت مدة خلافة عثمان أحد عشر سنة و أحد عشر شهرا و ثمانية عشر يوما ثم قتله المسلمون كما مر ، و كما سيأتي ثم اجتمعت الصحابة بعد قتل عثمان في مسجد رسول اللّه و تشاوروا في أمر الامامة فأشار بعضهم بعلي و هم عمار بن ياسر و ابو أيوب الأنصاري و أبو الهيثم بن التيهان و غيرهم ، فذكروا سابقة علي عليه السلام و فضله و جهاده ، فأجابهم الناس اليه ، فقام كل واحد منهم خطيبا يذكر فضل

[ 189 ]

علي عليه السلام ، فمنهم من فضّله على أهل عصره خاصة ، و منهم فضله على جميع المسلمين عامة ، فأتى الناس عليّا ليبايعوه ، قال : دعوني و التمسوا غيري ، فانّا مستقبلون أمرا له وجوه ، و له ألوان . لا تقوم له القلوب و لا تثبت العقول .

فقالوا : ننشدك اللّه : أ لا ترى ما نحن فيه ؟ أ لا ترى الفتنة ؟ أ لا تخاف اللّه ؟ و قال الشعبي : اقبل الناس الى علي عليه السلام ليبايعوه ، و مالوا اليه فمدوا يده فكفها ، و بسطوها فقبضها ، حتى بايعوه .

فقال : لا حاجة لي في أمركم ، فمن اخترتم رضيت به ، فقالوا : ما نختار غيرك ، و ترددوا اليه مرارا ، و قالوا : و اللّه ما نحن بفاعلين حتى نبايعك ، فقال ( ع ) :

ففي المسجد ، فان بيعتي لا تكون خفية ، و لا تكون إلا في المسجد و كان ( ع ) في بيته فخرج الى المسجد و عليه قميص و عمامة خز ، و نعلاه في يده متوكئا على قوسه ، فبايعه الناس ، و كان أول من بايعه من الناس طلحة بن عبيد اللّه ،

و كان قد اصيب إصبعه يوم احد ، فشلت ، فنظر اليه حبيب بن ذؤيب و قيل غيره فقال : إنا للّه و إنا اليه راجعون . أول من بدء بالبيعة يد شلاء و بيعة لا تتم . ثم بايع الزبير و المهاجرون و الأنصار و سائر المسلمين ، و الى ذلك اشار ( ع ) بقوله :

( فما راعني إلا و الناس حولي كعرف الضبع ينثالون عليّ من كل جانب ) أي ما أفزعني شي‏ء كما أفزعني ازدحام الناس مثل عرف الضبع ، لأن عرف الضبع ثخين يضرب به المثل في الكثرة و الازدحام ، إذ كان الناس ينثالون أي يتتابعون ،

و يقع بعضهم على بعض من شدة الازدحام ، و يتوجهون اليه من جوانبه الاربع ،

كل يريد أن يبايعه .

( حتى لقد وطى‏ء الحسنان ) ذكر بن ابي الحديد و غيره من بعض الشارحين

[ 190 ]

ان ( الحسنان ) هما الحسن و الحسين عليهما السلام ، فزعموا انهما وطئا من كثرة ازدحام الناس .

و هذا بعيد جدا ، إذ لم يكن يخفى على الناس جلالة قدرهما و عظم شأنهما ، هما ابنا رسول اللّه و ريحانتاه ، و وطأهما خلاف الاحترام ، و انهما كانا رجلين كبيرين و لم يكونا طفلين صغيرين حتى يمكن ذلك . ثم كيف وطأهما الناس بخصوصهما دون غيرهما من أولاد ( ع ) أو أصحابه ، إذ كان عند أمير المؤمنين غيرهما من الاصحاب كعمار بن ياسر و مالك الأشتر ، فلم يعهد و لم يسمع ان أحمدهم سحق و وطأ ، ثم انه كان الحسن و الحسين عليهما السلام مشهورين معروفين لا يجهلهما أحد من أهل المدينة .

فلعل الصحيح ان الحسن هو الابهام ، و الحسنان ابهاما الرجل ، كما قال الشاعر :

مهضومة الكشحين حزماء الحسن

اذ قيل ان أمير المؤمنين ( ع ) إنما كان جالسا يومئذ محتبيا ، و هي جلسة رسول اللّه المسماة بالقرفصاء و هي جمع الركبتين و جمع الذيل ، فلما اجتمع الناس لبيعته زاحموه حتى وطؤوا ابهاميه ، و شقوا ذيله .

( و شق عطفاي ) أي جانباي ، لشدة الاصطكاك و كثرة الازدحام شقوا قميصه و جانبي ردائه ، و في بعض النسخ : شق عطافي ، و هذا يدل على أحد الأمرين إذ شدة الازدحام اما من كثرة الفرح و السرور ، و اما من سوء الادب و عدم مراعاة التأدب .

( مجتمعين حولي كربيضة الغنم ) أي القطعة من الغنم المجتمعة في مرابضها ،

و المربض : ما يأوى اليه الغنم . اشارة الى اجتماعهم و ازدحامهم أمامه متلاصقين

[ 191 ]

متقاربين ، و لما أراد طلحة و الزبير أن يبايعا قال لهما أمير المؤمنين : ان احببتما أن تبايعاني و إن أحببتما بايعتكما ؟ فقالا : بل نبايعك و جاؤوا بسعد بن أبي وقاص فقال علي ( ع ) : بايع .

فقال : لا حتى يبايع الناس و اللّه ما عليك مني بأس .

فقال عليه السلام : خلوا سبيله . و جاؤوا بعبد اللّه بن عمر فقالوا : بايع .

فقال : لا حتى يبايع الناس .

قال عليه السلام : ائتني بكفيل . فقال : لا أرى كفيلا . فقال الأشتر :

دعني أضرب عنقه .

فقال عليه السلام : دعوه أنا كفيله . و بايعت الأنصار إلا نفرا يسيرا .

و من الذين لم يبايعوا : هو النعمان بن بشير فانه أخذ أصابع نائلة امرأة عثمان التي قطعت و قميص عثمان الذي قتل فيه فلحق بالشام .

فبويع عليه السلام في يوم الجمعة ثمانية عشر من ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين من الهجرة .

( فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ) نهض عليه السلام بأعباء الخلافة و أول عمل بادر اليه هو تقسيم بيت مال المسلمين بالسوية ، و ذلك في اليوم الثاني من البيعة ،

فصعد المنبر ، فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه ، و ذكر محمدا فصلى عليه ، ثم ذكر نعمة اللّه تعالى على أهل الاسلام ، ثم ذكر الدنيا و زهّدهم فيها ، و ذكر الآخرة و رغبهم اليها ثم قال :

أما بعد لما قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم استخلف الناس أبا بكر ،

ثم استخلف أبو بكر عمر ، فعمل بطريقه ، ثم جعلها شورى بين ستة ، فافضى الأمر إلى عثمان ، فعمل ما أنكرتم و عرفتم ، ثم حصر ، و قتل ، ثم جئتموني فطلبتم إلي ، و انما

[ 192 ]

أنا رجل منكم ، لي ما لكم ، و عليّ ما عليكم . . . الخ ثم التفت يمينا و شمالا ، فقال : أ لا لا يقولن رجال منكم قد غمرتهم الدنيا ،

فاتخذوا العقار ، و فجروا الأنهار ، و ركبوا الخيول الفارهة و اتخذوا الوصائف الروقة ، فصار ذلك عليهم عارا و شنارا إذا منعتهم ما كانوا يخوضون فيه ، و اصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون ( يعملون خ ل ) فينقمون ذلك ، و يستنكرون ، و يقولون :

حرمنا ابن أبيطالب حقوقنا .

أ لا و أيما رجل استجاب للّه و للرسول ، فصدّق ملتنا ، و دخل في ديننا ،

و استقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الاسلام و حدوده فانتم عباد اللّه ، و المال مال اللّه ، يقسّم بينكم بالسوية ، لا فضل لأحد على أحد ، و للمتقين غدا أحسن الجزاء و أفضل الثواب ، و إذا كان غدا ان شاء اللّه فاغدوا علينا فان عندنا مالا نقسمه فيكم ، و لا يتخلفن أحد منكم ، عربي و لا عجمي ، كان من أهل العطاء أو لم يكن ، إذا كان مسلما حرا إلا حضر ، أقول قولي هذا و أستغفر اللّه العظيم لي و لكم و عن عمار و ابن عباس قالا : انه عليه السلام لما صعد المنبر قال لنا : قوموا فتخللوا الصفوف و نادوا هل من كاره ؟ فتصارخ الناس من كل جانب : اللهم قد رضينا و سلمنا و أطعنا رسولك و ابن عمه . فقال عليه السلام : قم يا عمار إلى بيت المال ، فاعط الناس ثلاثة دنانير لكل إنسان ، و ادفع إليّ ثلاثة دنانير ، فمضى عمار و أبو الهيثم و جماعة من المسلمين إلى بيت المال ، و مضى أمير المؤمنين إلى مسجد قباء ، يصلي فيه ، فوجدوا ثلثمائة الف دينار ، و وجدوا الناس مائة الف ، فقال عمار : جاء و اللّه الحق من ربكم ، و اللّه ما علم بالمال و لا بالناس ، و ان هذه الآية وجبت عليكم بها طاعة الرجل .

و في رواية و لما خطب عليه السلام هذه الخطبة و نزل عن المنبر ، كان هذا أول ما انكروه

[ 193 ]

من كلامه ، و أورثهم الضغن عليه ، و كرهوا عطائه و قسمه بالسوية ، فلما كان من الغد ، غدى و غدى الناس ، فقبض المال ، و قال لعبد اللّه بن رافع كاتبه : ابدأ بالمهاجرين فنادهم و اعط كل رجل : ممن حضر ثلاثة دنانير ، ثم ثنّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك ، ثم من يحضر من الناس كلهم الأحمر و الاسود فاصنع به مثل ذلك .

فقال سهل بن حنيف : يا أمير المؤمنين هذا غلامي بالأمس و قد اعتقته اليوم .

فقال عليه السلام : نعطيه كما نعطيك ، فاعطى كلا منهم ثلاثة دنانير و لم يفضل أحدا على أحد .

و تخلف عن هذا القسم يومئذ طلحة و الزبير ، و عبد اللّه بن عمر و سعد بن العاص و مروان بن الحكم و رجال من قريش ، ثم بينما الناس بعد ذلك في المسجد إذ طلع الزبير و طلحة ، و جلسا في ناحية من علي ، ثم جاء مروان و سعيد و عبد اللّه ابن الزبير فجلسوا عندهما ، و جاء قوم من قريش فانضموا اليهم ، فتحدثوا نجيا ساعة ،

ثم قام الوليد بن عقبة فجاء الى علي عليه السلام ، فقال : يا أبا الحسن : انك قد وترتنا جميعا : اما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبرا و خذلت أخي يوم الدار بالأمس ،

و أما سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب ، و كان ثور قريش ، و أما مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمه اليه ، و نحن إخوانك و نظراؤك من بني عبد مناف ، و نحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما اصبناه من المال في ايام عثمان ، و أن تقتل قتلة عثمان ،

و إنا إن خفناك تركناك و التحقنا بالشام .

فقال عليه السلام : أما ما ذكرتم من وترى إياكم فالحق وتركم ، و اما وضعي عنكم ما اصبتم فليس لى أن أضع حق اللّه عنكم و لا عن غيركم و أما قتلى قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس ، و لكن لكم علي إن خفتموني ان اؤمنكم ، و ان خفتكم ان اسيّركم ، فقام الوليد الى اصحابه فحدثهم ، فافترقوا على إظهار العداوة

[ 194 ]

و اشاعة الخلاف ، لأن عمارا و عبد اللّه بن رافع و غيرهما لما قسموا المال بين الناس بالسوية أخذ علي ( ع ) مكتله و مسحاته ثم انطلق إلى بئر الملك فعمل فيها ، فأخذ الناس ذلك القسم حتى بلغوا الزبير و طلحة و عبد اللّه بن عمر فأمسكوا بأيديهم ،

و امتنعوا عن القبول و قالوا : هذا منكم أو من صاحبكم ؟ فقالوا : هذا امره ، لا نعمل إلا بامره ، قالوا : استأذنوا لنا عليه . قالوا : ما عليه اذن ، هو ببئر الملك يعمل ،

فركبوا دوابهم حتى جاؤوا اليه فوجدوه في الشمس و معه اجير له . فقالوا : ان الشمس حارة ، فارتفع معنا الى الظل ، فارتفع معهم إلى الظل ، فقالوا له : لنا قرابة من نبي اللّه ، و سابقة و جهاد ، و انك اعطيتنا بالسوية ، و لم يكن عمر و لا عثمان يعطوننا بالسوية ، كانوا يفضلوننا على غيرنا .

فقال ( ع ) : أيهما عندكم عمر أو ابو بكر ؟

فقالوا : ابو بكر .

فقال ( ع ) : فهذا قسم ابي بكر ، و إلا تدعوا ابا بكر و غيره ، و هذا كتاب اللّه فانظروا ما لكم من حق فخذوه .

قالوا : فسابقتنا .

قال : انتما اسبق مني ؟

قالا : لا ، فقرابتنا من النبي .

قال : أقرب من قرابتي ؟

قالا : لا ، فجهادنا .

قال : اعظم من جهادي ؟

قالا : لا ، قال : فو اللّه ما انا في هذا المال و اجيري إلا بمنزلة سواء .

و سيأتيك التفصيل في المستقبل . فالتحقوا بعائشة ، ثم ذهبوا إلى البصرة

[ 195 ]

و أراقوا دماء الوف من المسلمين في البصرة فهؤلاء الناكثون المقصودون بقوله ( ع ) :

نكثت طائفة .

و بعد حرب البصرة خرج معاوية الى إمام زمانه و قاتله في صفين ، و لو جمعوا قتلى الطرفين لصار جبلا شامخا ، فالتجأ معاوية إلى الغدر ، و أمر اصحابه ان يرفعوا المصاحف على الرماح ، فانخدع اصحاب أمير المؤمنين ، فالجأوا امير المؤمنين و اكرهوه على تحكيم الحكمين فلم يجبهم الى ذلك ، فأجبروه فوقع التحكيم فكانت النتيجة النفع لمعاوية و الضرر لعلي ( ع ) ، و اصحابه ، فعاتبوا امير المؤمنين في قضية التحكيم ثم اشاعوا الخلاف عليه حتى تكونت قضية النهروان ، فهذه حروب ثلاثة وقعت في مدة خلافته عليه السلام ، و أشار اليها بقوله : ( فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ) و هم اصحاب الجمل ( و مرقت اخرى ) و هم اصحاب النهروان ( و فسق « قسط خ ل » آخرون ) و هم معاوية و اصحابه .

و قد عبّر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله عن هذه الطوائف الثلاث بهذه الألفاظ الثلاثة حيث قال : يا علي ستقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين .

و إنما سمي اهل النهروان بالمارقين لمروقهم اي خروجهم و تعديهم و تجاوزهم عن الدين ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .

و حيث ان الخوارج كانوا منتظمين في سلك الحق ، ثم بالغوا بزعمهم في طلب الحق الى ان تجاوزوه لهذا استعمل فيهم لفظ المروق .

( كأنهم لم يسمعوا كلام اللّه تعالى حيث يقول : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض و لا فساداً و العاقبة للمتقين اشار ( ع ) بهذا الكلام ان هؤلاء الطوائف الثلاث و هم اهل الجمل و اهل صفين و اهل النهروان لم

[ 196 ]

ينهضوا بتلك المؤامرات لأجل الدين حقيقة ، و ان كانوا يتظاهرون باسم الدين ،

و اقامة العدل ، اما طلحة و الزبير و عائشة فكان كلامهم و عذرهم في اقامة تلك الحرب العظمى و الفتنة الكبرى : انهم يطلبون بدم الشهيد ( على زعمهم ) عثمان ، و تبعهم على ذلك معاوية بن ابي سفيان حتى وقعت حرب صفين و كاد نسل العرب ان ينقطع من كثرة القتلى من الطرفين ، و لما تكونت منها واقعة النهروان ، كذلك كانت عليهم صبغة الدين ( اذ انهم من شدة إيمانهم باللّه ) حكموا بكفر امير المؤمنين ( ع ) فأوجبوا على انفسهم قتاله و محاربته . فهؤلاء الطوائف الثلاث لم يقصدوا بتلك الأعمال التي قاموا بها إلا الدنيا و زينتها ، و الرئاسة و السلطنة ، و ستعرف ذلك كله بالتفصيل في المستقبل ان شاء اللّه .

و اما إجمالا : فان امير المؤمنين ( ع ) لما نهض باعباء الخلافة رأى من الواجب عليه ان يعزل بعض الولاة الفسقة الفجرة الذين كانوا من رجال العهد البائد ،

يلعبون بدماء المسلمين و اموالهم و اعراضهم ، و على رأسهم ابن آكلة الأكباد معاوية بن ابي سفيان و ما كان يسع عليا ( ع ) ان يسمح لمعاوية ان يحكم في المسلمين و يتأمر عليهم ، و قد يقول بعض البسطاء : لقد كان الاحرى ان يمهل علي ( ع ) معاوية اياما على وظيفته في الشام حتى يستقر امر الامام و تتقوى امارته ثم يبادر الى عزل معاوية و امثاله .

و نجيب عن هذا القول بجوابين : الأول ان معاوية ما كان يخضع لعلي ( ع ) حقيقة و ايمانا ، بل لا بد و انه كان يتربص به الدوائر و يحوك له الدسائس ، و كان يعلم خباثة معاوية و شيطنته و غدره و مكره و خيانته ، اذن فما الفائدة من ابقائه على وظيفته الى اجل غير معلوم .

الثاني ان الدين لا يأذن لعلى ( ع ) ان يبقي معاوية على عمله يوما واحدا

[ 197 ]

بل ساعة واحدة و لكنه دفعا للانتقاد دخل من باب المجاملة فكتب كتابا الى معاوية و هذا مضمونه :

أما بعد فان الناس قتلوا عثمان عن غير مشورة مني ، و بايعوني عن مشورة منهم و اجتماع ، فاذا اتاك كتابي فبايع لي ، و اوفد لي أشراف اهل الشام قبلك .

فلما قدم رسوله على معاوية ، و قرأ كتابه بعث رجلا من بني عميس و كتب معه كتابا الى الزبير بن العوام و فيه :

بسم اللّه الرحمن الرحيم لعبد اللّه الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن ابي سفيان .

سلام عليك ، اما بعد ، فاني بايعت لك اهل الشام فأجابوا و استوسقوا كما يستوسق الحلب ، فدونك الكوفة و البصرة لا يسبقك اليها ابن ابي طالب فانه لا شي‏ء بعد هذين المصرين ، و قد بايعت لطلحة بن عبيد اللّه من بعدك ، فاظهرا الطلب بدم عثمان ، و ادعوا الناس إلى ذلك ، و ليكن منكما الجد و التشمير ، اظفركما اللّه و خذل مناويكما فلما وصل الكتاب الى الزبير سرّ به ، و اعلم به طلحة و أقرأه اياه ، فلم يشكا في النصح ، و زعما ان معاوية ناصح صادق ، قد اخذ لهما البيعة من اهل الشام حقيقة ،

و لم يعلما انه مثال الغدر و رمز المكر .

فارسلا محمد بن طلحة الى امير المؤمنين عليه السلام و قال له : لا تقل : يا أمير المؤمنين و قل : يا ابا الحسن : لقد خاب ظننا فيك ، نحن اصلحنا لك الأمر وطدنا لك الامرة و اجلبنا على عثمان حتى قتل ، فلما طلبك الناس لأمرهم جئناك و اسرعنا اليك و بايعناك و بعد عتاب و خطاب كثير ولّ أحدنا البصرة و الآخر الكوفة .

فقال عليه السلام : و اللّه اني لا آمنهما و هما عندي في المدينة فكيف آمنهما و قد ولّيتهما العراقين . اذهب اليهما و قل لهما : ايها الشيخان احذرا من اللّه و نبيه على امته ،

و لا تبغيا المسلمين غائلة و كيدا أما سمعتما قول اللّه : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين

[ 198 ]

لا يريدون علواً في الارض و لا فساداً و العاقبة للمتقين .

فقام محمد بن طلحة فأتاهما و اخبرهما ، فانقطعا عن علي عليه السلام أياما ، ثم جائا و استأذناه في الخروج الى مكة للعمرة ، فأذن لهما بعد ان احلفهما ان لا ينقضا بيعته ، و لا يغدرا به و لا يشقا عصى المسلمين و غير ذلك ، فحلفا على ذلك كله ،

و خرجا و فعلا تلك الافاعيل ، فقد عرفت غرض طلحة و الزبير و قصدهما من الخروج على علي عليه السلام ، إذ لم يكن قصدهما إلا الرئاسة و الخلافة لا الطلب بدم عثمان و هم قتلوا عثمان كما سمعت اعترافهما ، و هما يعلمان ان أمير المؤمنين على الحق و انهما لا يستحقان الخلافة .

و اما معاوية ا فكان يجهل معاوية مقام امير المؤمنين و مكانته ؟ ا فكان يشك معاوية في أفضلية امير المؤمنين على غيره ؟ هل خفي على ابن آكلة الأكباد عدم أهليته للخلافة ؟ دع هذا كله ، أ فلا كان يعلم معاوية ان أمير المؤمنين عليه السلام امام زمانه ، و تجب على المسلمين إطاعة الامام العادل ؟ فلما ذا حاربه و قاتله و اراق دماء الوف من المسلمين ، و اثار فتنة صفين ، و فعل ما فعل ؟ و كذلك أصحاب النهروان .

إذا عرفت هذا فقد ثبت عندك ان هؤلاء الطوائف لم تكن لهم غاية إلا الرئاسة و ملذات الدنيا ، لا الدين المزعوم الذي كانوا يتفوهون به ، و لم يكونوا في غفلة عن هذه الآية الشريفة التي تشير إلى أن الآخرة للذين لا يقصدون الكبر في الدنيا و الفساد في المجتمع ، و كأنهم لم يقرؤا هذه الآية في القرآن .

( بلى و اللّه لقد سمعوها و وعوها ، و لكن حليت الدنيا بأعينهم ، و راقهم زبرجها ) يحلف أمير المؤمنين عليه السلام ان هؤلاء سمعوا الآية الكريمة ، و وعوها و عرفوها و علموا معناها ، و لكن لما نظروا الى نعيم الدنيا و صفرائها و بيضائها ،

حليت الدنيا بأعينهم و أعجبهم حسنها و زينتها من الذهب و الفضة .

[ 199 ]

و اعلم ان الظاهر من ضمير : ( كأنهم و يسمعوا و سمعوا و وعوا و غيرها ) عائد الى الطوائف الثلاث و لكن قال بعض المحققين كالمجلسي ( ره ) : ان الضمائر تعود إلى الخلفاء الثلاثة الذين تقدم ذكرهم .

و لكنه بعيد ، إذ سياق الكلام و انفصاله عن السابقين يشهد على خلاف ذلك و يمكن ارجاع الضمائر الى الطوائف الثلاث و الخلفاء الثلاثة و اللّه العالم .