المعنى

لما ذكر أمير المؤمنين عليه السلام : ما ذكر من الشكاية و التظلم ، و ما تحمله من بعض الناس في تلك المدة الطويلة بعد وفاة رسول اللّه إلى تلك الساعة ،

اعتذر عن قبوله الخلافة و تصديه بأمور المسلمين بأعذار ثلاثة ، و قبل ذلك أكد كلامه فحلف بهاتين اليمينيين العظيمين فقال :

( ا ما و الذي فلق الحبة و برء النسمة ) و انما اختار هاتين اليمينين لما فيهما من الحكمة الالهية من لطف الحكمة و صغر الحجم من بدائع الصنع و اسرار الحكمة ، اما فلق الحبة قال ابن عباس و غيره : فالق الحب أي خالقه . و الصنع المدهش في الحبة

[ 200 ]

انك لا ترى حبتين شبيهتين احدهما بالاخرى بحيث لا فرق بينهما ، فلا بد أن يكون فرق بين كل حبة و اخرى من الحجم و اللون و الشكل و الصورة و غيرها ، بل اريد أن أقول : لم يخلق اللّه تعالى الى الآن حبتين من الحنطة مثلا بلا فرق بينهما و لا يخلق إلى يوم القيامة ، فكل حبة تراها فاعلم انه لا توجد حبة مثلها بلا فرق ، و ليس هذا خاصا بالحنطة أو الشعير ، بل جميع الحبوب و الأوراق و الفواكه و الاثمار هكذا ،

بل جميع المخلوقات كذلك ، فان كل انسان له رأس و يدان ، و وجه و عينان و انف و اذنان و فم و شفتان ، و كل منهم خلق من مني يمنى ، و مكث في رحم امه ، مع ذلك كله لا ترى انسانين لا فرق بينهما حتى الأخوين بل حتى التوأمين و إن لا تقبل هذا الكلام فالامتحان أكبر برهان .

و قال جمهور المفسرين : فلق الحبة شقها الذي في وسطها ، و وجه الحكمة و بداعة الصنع ان حبة الحنطة أو الشعير مثلا غايتها أن ينتفع بها الانسان ، جعل اللّه في وسطها شقا ، فاذا وقعت الأرض ، و وصل اليها الماء ، ثم مرت عليها مدة من الزمن ، جعل اللّه سبحانه الطرف الأعلى من ذلك الشق مبدئا لخروج الشجرة الصاعدة ، و الطرف الأسفل مبدئا للعروق النازلة الى الأرض ، التي منها مادة الى تلك الشجرة ، فالسر المدهش المحير للعقول هو ان طبيعة الحبة اذا كانت تقتضي الهوي و النزول الى الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة الى عنان السماء ؟ و إذا كانت طبيعتها الصعود الى السماء فكيف وجدت العروق الثابتة في أعماق الأرض ؟

بحيث كلما ازداد الشجر أو الزرع صعودا و علوا في السماء ازداد هبوط العروق في الأرض ، و بعبارة اخرى : طول عروق كل شجرة أو نخلة في أعماق الأرض بقدر طول الشجرة أو النخلة التي فوق الأرض فهذا معنى فلق الحبة .

و اما برء النسمة أي خلق البشر فهذا الوادي مظلم و طريق وعر ، لا يهتدي

[ 201 ]

فيه أحد إلا أولياء اللّه ، و اما سائر الناس من الأطباء و الحكماء و علماء النفس فكلما ازدادوا علما ازدادوا حيرة و دهشة لما في خلق الانسان من حكمة و تدبير و اتقان ، و القوى الظاهرة و الباطنة فيه و الحالات و الطبائع و التراكيب و العناصر و الأخلاط من الدم و البلغم و الصفراء و السوداء ، و اعضائه المركبة من اللحم و العظام و الغضاريف و الأعصاب و الأوتار و الرباطات و الشريانات و الأوردة ، من آلات الغذاء و المختبرات و هي المعدة و الكبد ، و آلات الحرارة الغريزية و حفظها و هي القلب و الرأس و الرئة و الصدر ، و سائر آلات التنفس ، و آلات الحس و الحركة العقلية و هي الدماغ و النخاع و العضلات و الأوتار ، و سائر القوى المسماة بالغاذية أي التي تغذوا الشخص مدة بقائه ، و النامية أي التي تزيد في أقطار البدن على التناسب الطبيعي ، و المؤلدة و هي المتصرّفة في أمر التناسل ، ليفصل من أمشاج البدن جوهر المني ، و الماسكة التي تمسك المنافع للتغيير ، و تمسك الغذاء للهضم ، و الهاضمة و الدافعة و غيرها من القوى النفسية الحيوانية كالخوف و الشهوة ، و الحواس الخمسة الظاهرة و هي اللامسة و الذائقة و الشامة و السامعة و الباصرة ، و الحواس الخمسة الباطنة و هي الحس المشترك و الخيال الوهم و الحافظة و المفكرة ، و الارتباطات و العلاقات بين هذه القوى بعضها ببعض ، و غير ذلك من ماهية الروح و النفس ، و ما خفي على البشر من أسرار الخلقة ، و اختم هذا الموضوع بالبيت المنسوب إلى سيد الحكماء و الفلاسفة مولانا أمير المؤمنين علي بن ابيطالب عليه السلام .

أ تحسب انك جرم صغير ؟
و فيك انطوى العالم الأكبر

بعد أن أكد عليه السلام كلامه بهاتين اليمينين اللتين عرفت قدرهما و مكانتهما ، ذكر أعذارا ثلاثة عن قبول الخلافة ، و لو لا هذه الاعذار لما كان ( ع ) يقبل الامارة و يوافق على البيعة له بالخلافة فقال عليه السلام : ( لو لا حضور الحاضر )

[ 202 ]

و هم الذين حضروا بيعته من المهاجرين و الأنصار ، أو حضور الزمان الذي اخبره رسول اللّه عنه ، و أمره بالقيام بالخلافة ، ( و قيام الحجة بوجود الناصر ) لأن أمير المؤمنين عليه السلام انما قعد عن حقه ، و لم يأخذ حقه من الغاصبين كرها و جبرا لعدم وجود المبايع و عدم وجود الناصر و المعين كما أشار الى ذلك في صدر الخطبة ،

لذلك جلس في بيته خمسة و عشرين سنة ، و الخلفاء يلعبون بالخلافة و بالدين و بالدماء و الأعراض كما يلعب الصبيان بالكرة ، و لكن الآن قامت عليه الحجة بوجود الذين بايعوه و الذين هم ينصرونه على أعدائه ، و العذر الثالث و هو الأهم ، أي المسؤلية التامة و هي ( و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ، و لاسغب مظلوم ) أي عاهد اللّه تعالى على العلماء و هم هنا الأئمة الطاهرون أو مطلق علماء الدين كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : اذا ظهرت البدع في ديني فعلى العالم ان يظهر علمه ، و من لم يفعل فعليه لعنة اللّه . فعاهد اللّه تعالى العلماء ان لا يوافقوا على اشباع الظالم بطنه من مال المظلوم ، و ان لا يرضوا على جوع المظلوم ، و لا يسكتوا على المنكرات حال التمكن و القدرة لو لا هذه الأعذار الثلاثة ( لألقيت حبلها على غاربها و لسقيت آخرها بكأس أولها ) شبّه عليه السلام الخلافة بالناقة التي ينزل عنها راكبها ثم يضع عنانها على عنقها و لا يبالي من يأخذها أي تركتها تذهب اينما تريد ، و يتصرف فيها من يشاء ، و لسقيت آخرها أي تركتها آخرا كما تركتها أولا ( و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ) أي وجدتم دنياكم هذه بما فيها من الرياسة و السلطنة ازهد و اهون عندي من عطسة عنز أو ضرطتها ، و هذه مبالغة في بيان حقارة الدنيا و دنائتها و خسة شأنها ، و ليس ذلك بعجيب ، فان اولياء اللّه ينظرون الى الدنيا و ما هي من الملذات كما ينظر احدنا الى جيفة مطروحة في مزبلة قد أفسدت هواء ما حولها و عنّت الفضاء المجاور لها ، تتهارش عليها

[ 203 ]

الكلاب ، فان سأل سائل عن أحدنا : كم قيمة هذه الجيفة النتنة ؟ فهل تقوّم لها قيمة أو ثمنا مهما قل ؟