المعنى

لما وصل كلام امير المؤمنين عليه السلام الى هذا الموضع قام اليه رجل من سواد اهل العراق ، و اعطاه كتابا فيه بعض الأسئلة ، قال ابن ميثم : قال ابو الحسن الكندري ( ره ) وجدت في الكتب القديمة ان الكتاب الذي رفعه الرجل الى امير المؤمنين كان فيه عدة مسائل : احدها :

1 ما الحيوان الذي ليس من بطن حيوان آخر ، و ليس بينهما نسب فأجاب عليه السلام بأنه يونس بن متى عليه السلام خرج من بطن الحوت .

2 ما هو الشي‏ء الذي قليله مباح و كثيره حرام : فقال عليه السلام : هو ماء طالوت لقوله تعالى : إلا من اغترف غرفة بيده .

3 ما هي العبادة التي اذا فعلها واحد استحق العقوبة ، و إن لم يفعلها استحق ايضا العقوبة ؟ فأجاب عليه السلام : بانها صلاة السكارى .

4 ما هو الطائر الذي لا فرخ له و لا فرع و لا اصل ؟ فقال عليه السلام :

هو طائر عيسى عليه السلام في قوله تعالى : و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيراً باذني .

5 رجل عليه من الدين الف درهم ، و له في كيسه الف درهم ، فضمنه ضامن بالف درهم ، فحال عليه الحول ، فالزكاة على اي المالين تجب ؟ فقال ( ع ) :

ان ضمن الضامن باجازة من عليه الدين فلا يكون عليه ، و ان ضمنه من غير اذنه فالزكاة مفروضة في ماله .

6 حج جماعة و نزلوا في دار من دور مكة ، و اغلق واحد منهم باب الدار ، و فيها حمام ، فمتن من العطش قبل عودهم الى الدار ، فالجزاء على أيهم يجب ؟ فقال عليه السلام : على الذي اغلق الباب ، و لم يخرجهن و لم يضع لهن ماء .

[ 205 ]

7 شهد شهداء اربعة على محصن بالزنا ، فأمرهم الامام برجمه ، فرجمه واحد منهم دون البينة ( الثلثة خ ل ) الباقين ، و وافقهم قوم اجانب في الرجم ، فرجع من رجمه عن شهادته ، و المرجوم لم يمت ثم مات ، فرجع الآخرون عن شهادتهم عليه بعد موته ، فعلى من تجب ديته ؟ فقال عليه السلام : تجب على من رجمه من الشهود و من وافقه .

8 شهد شاهدان من اليهود على يهودي انه اسلم فهل يقبل شهادتهما أم لا ؟

فقال عليه السلام : لا تقبل شهادتهما .

9 شهد شاهدان من النصارى على نصراني أو مجوسي أو يهودي انه أسلم ، فقال عليه السلام : تقبل شهادتهما لقول اللّه سبحانه : و لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا : انا نصارى . . . و انهم لا يستكبرون و من لا يستكبر عن عبادة اللّه لا يشهد شهادة الزور .

10 قطع إنسان يد آخر ، فحضر أربعة شهود عند الامام ، و شهدوا على قطع يده و انه زنى و هو محصن ، فاراد الامام أن يرجمه ، فمات قبل الرجم ، فقال عليه السلام : على من قطع يده ديته حسب ، و لو شهدوا انه سرق نصابا لم تجب دية يده على قاطعها . و اللّه اعلم .

و لما فرغ امير المؤمنين عليه السلام من قرائة الكتاب قال له ابن عباس :

يا أمير المؤمنين لو اطردت من حيث أفضيت . أي لو اتبعت خطبتك من حيث انتهيت اليه ، أي اكمل الشكاوى و اذكر المصائب التي جرت عليك كلها ، فقال عليه السلام : هيهات تلك شقشقة هدرت ثم قرت . أي كما ان البعير إذا هاج يخرج من فمه شي‏ء كالرئة .

و بهذه المناسبة سميت هذه الخطبة بالشقشقية ، ثم ان هنا كلاما ذكره ابن ابي

[ 206 ]

الحديد قال : و اما قول ابن عباس : ما اسفت على كلام الخ فحدثني ابو الخير مصدق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث و ستمائة ، قال : قرأت على الشيخ أبي محمد عبد اللّه بن احمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة ، فلما انتهيت الى هذا الموضع قال لي : لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له : و هل بقي في نفس ابن عمك امر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد ؟ و اللّه ما رجع عن الأولين و لا عن الأخرين . و لا بقي في نفسه أحد لم يذكره إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله .

قال مصدق : و كان ابن الخشاب صاحب دعابة و هزل ، قال : فقلت له :

أ تقول انها منحوله أي مجعولة ؟ فقال : لا و اللّه و اني لأعلم انها كلامه ( ع ) كما أعلم انك مصدق ، قال : فقلت له : ان كثيرا من الناس يقولون انها من الرضي ، فقال : و أنّى للرضي و لغير الرضي هذا النفس و هذا الاسلوب ؟ قد وقفنا على رسائل الرضي ، و عرفنا طريقه و فنه في الكلام المنشور و ما يقع مع هذا الكلام في خل و لا خمر ، ثم قال : و اللّه لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة ، و لقد وجدتها مسطورة مخطوطة أعرفها و أعرف خطوط من هو من العلماء و أهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي . . . الخ هذا و قد ذكرنا بعض ما يتعلق بالخطبة في ابتداء الكلام ، و قد ذكر سيدنا الرضي ( ره ) النكات الأدبية في كلامه عليه السلام و قد اطنب شراح النهج البيان حول تلك الكلام فالمراجع يراجع الشروح ، و قد أعرضنا عن بسط الكلام حولها لقلة فائدتها ، و عدم الحاجة الماسة اليها .

و قد فرغنا بحمد اللّه عن شرح الخطبة الثالثة و من اللّه التوفيق .

[ 207 ]