المعنى

( بنا اهتديتم في الظلماء ) هذه المقطوعة من الخطبة التي بعدها ملتقطة من خطبة طويلة مفصلة و فيها إختلاف الرواة ، و المشهور ان الامام ( ع ) خطب بهذه الخطبة بعد مقتل طلحة و الزبير في البصرة ، أو الخطاب عام لجميع المسلمين ، و لا غرو و لا عجب ، فان المهتدين اهتدوا بآل محمد و ببركات ارشادهم ،

و لو لا مواعظهم و نصائحهم و توجيهاتهم لكان الناس على ما كانوا عليه في الجاهلية ،

في ظلمات الجهل و الكفر و الضلالة ، كما مر عليك هذا الموضوع في السابق ، و المقصود من ضمير ( بنا ) اما آل محمد الأئمة الطاهرون عليهم الصلاة و السلام ، او الضمير

[ 208 ]

راجع الى نفس أمير المؤمنين عليه السلام فقط ، و انما أتى بلفظ الجمع للتعظيم كما هو شأن الأعاظم ، قال اللّه العظيم انا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون و السبب في ذلك معلوم فان عليا عليه السلام هو المؤسس لأساس هذا الدين كما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في الحديث المشهور الصحيح انه قال :

ما قام و ما استقام الدين إلا بسيف علي و مال خديجة ) فحق لعلي أن يفتخر و يخاطب المسلمين الذين هم رهائن مننه و خدماته في الحروب و الغزوات .

و اليك ما رواه الطبرسي و اكثر المفسرين في تفسير آية : أ جعلتم سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام كمن آمن باللّه و اليوم الآخر و جاهد في سبيل اللّه لا يستوون عند اللّه و اللّه لا يهدي القوم الظالمين 1 قال روى الحاكم ابو القاسم الحسكاني قال : بينا شيبة و العباس يتفاخران ، إذ مر بهما علي بن أبيطالب فقال :

بما ذا تتفاخران ؟

فقال العباس : لقد اوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد : سقاية الحاج . و قال شيبة : اوتيت عمارة المسجد الحرام . فقال علي : استحييت لكما فقد اوتيت على صغر سني ما لم تؤتيا فقالا : و ما اوتيت يا علي ؟ قال : ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما باللّه و رسوله . . . الخ فان ايادي امير المؤمنين عليه السلام على الاسلام و المسلمين كثيرة لا تحصى .

و كيف كان فان الانسان إذا كان في الظلام لا يهتدي إلى الطريق إلا بوجود مرشد يهديه إلى الطريق ، أو بوجود النور ، فمقصوده عليه السلام انه صار سببا لهداية الخلق من الجهالة بعد أن كانوا أذلة خاسئين يخافون أن يتخطفهم الناس من حولهم ،

فوصلوا إلى تلك الدرجات و المناصب العالية بسبب الاسلام ، فقال عليه السلام :

-----------
( 1 ) سورة التوبة 19 .

[ 209 ]

( و بنا تسنمتم العلياء ) شبّه عليه السلام العلياء بالبعير حيث أن له سناما ،

و تسنمتم ركبتم سنامها و ذلك كناية عن علو قدرهم ، أي ان الاسلام شرّفكم و اعلى قدركم ،

( و بنا انفجرتم عن السرار ) فكما ان الفجر الطالع و هو الضوء يكون بعد ظلمة الليل ، و لا سيّما في ليالي المحاق ، إذ لا قمر فيها ، كذلك انتم كنتم تائهين عن الطريق حائرين في السبيل فنجوتم بنا ، و لعله متخذ من الانفجار أي الاشتهار أي كنتم مستورين خاملين لا يعرف لكم اسم و لا يسمع لكم صوت و لكن الآن أصبحتم عظماء معروفين .

ثم غيّر عليه السلام كلامه عن الغيبة و وجّهه الى الخطاب فقال : ( وقر سمع لم يفقه الواعية ) دعى عليه السلام بالوقر اي الصمم على الذين لهم آذان لا يسمعون بها ، فهم كالأنعام بل هم أضل ، لأن السمع الذي لا يستفيد صاحبه من المواعظ و نصائح الانبياء و الأئمة و الكتب الالهية ، و كلمات الدعاة الى اللّه تعالى ، حق له أن يكون أصم و المقصود من الواعية نفسه عليه السلام لانه صاح فيهم ، بالمواعظ الحسنة ، و الأوامر و الزواجر النافعة فما أطاعوه ، و ما أجابوا دعوته ، و المناسبة بين هذه الجملة و ما قبلها : انه عليه السلام بعد أن ذكر شرفه عليهم و انه السبب الوحيد لنيلهم الرفعة الفضيلة انبع كلامه بالدعاء عليهم لانه وجبت طاعته عليهم و حيث انهم خالفوه استحقوا لدعاء عليهم و ذلك كما يقول المعلم لتلميذه المعاند المدعي الأفضلية :

انك بي اهتديت من الجهل ، و علا قدرك في الناس ، و انا سبب شرفك ، ا فتكبر علي ؟ وقر سمعك ، لم لا تفقه قولي و تقبله .

( كيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة ) أي كيف يسمع الصوت الخفي من لم يسمع الصوت القوي ، و هنا استعارة بالكناية ، إذ انه عليه السلام شبّه كلام اللّه

[ 210 ]

عز و جل و هو القرآن ، و كلام رسول اللّه بالصوت القوي ، و شبّه مواعظه و نصائحه بالصوت الخفي ، فيقول : من لم يسمع كلام اللّه و لم يعمل بأوامر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله كيف يسمع كلامي و مواعظي ؟

لأن السمع لا يدرك الصوت الضعيف مع وجود الصوت الأقوى المماثل له ،

كانه اعتذر عن عدم اطاعة الناس اياه ، كأنه قال : كيف يسمع قولي من لم يسمع كلام اللّه و رسوله مع كثرة التكرار .

( ربط جنان لم يفارقه الخفقان ) دعى عليه السلام للمؤمنين الذين يخافون اللّه و تخفق قلوبهم خشية . دعا لهم و لقلوبهم بالسكون و الثبات و الاطمينان .

ثم أشار عليه السلام إلى ما كان يعلمه من عاقبة أمرهم ، و ذلك إما باخبار من اللّه و رسوله بعذر الناس و نكثهم بيعته ، أو من فراسته ، كما قيل : اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّه : ( ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر ، و اتوسمكم بحلية المغترين ) سيأتيك في المستقبل تفرس أمير المؤمنين عليه السلام تلك الفتن و الرزايا من طلحة و الزبير لما استأذناه للعمرة ، فقال : لعمري ما تريدان العمرة و إنما تريدان الغدرة و تريدان البصرة .

و ليس ذلك بعجيب من باب مدينة العلم أمير المؤمنين عليه السلام ، و كيف ما كان ، فكلامه موجه الى طلحة و الزبير بعد مقتلهما ، و اشارة الى جرائمهما من تحريك الفتنة ، و اثارة الحرب بين المسلمين و إخراج زوجة رسول اللّه من دارها ،

و اراقة دماء الوف من المسلمين . فكأنه كان يترقب منهم الغدر و الحيلة و الخديعة و المكر ( سترني عنكم جلباب الدين ) لهذه الجملة معنيان : أحدهما ان الدين سترني عنكم حتى بايعتم غيري ، لما عرفتم اني لا اداهن احدا ، و لا افضل احدا على احد فكأن التقوى و الورع و الدين أخفاني عن أعينكم ، و المعنى الثاني و هو الأقرب : ان الدين

[ 211 ]

سترني و نهاني عن العنف و التسرع إلى الغضب و الشدة . لأنه من كان موصوفا بالغلظة و الجفاء يخافه الناس . و لا يتجرّؤن على مخالفته ، كعمر بن الخطاب الذي قال عليه السلام في حقه في الخطبة السابقة : ( جعلها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ،

و يخشن مسها . و يكثر العثار فيها و الاعتذار منها . . . الخ و قال ابن ميثم : روي :

( ستركم عني جلباب الدين ) فعلى هذا يكون المعنى : ان الدين عصم دمائكم و حقنها و منعني عن اتباع مدبركم و ان اجهز على جريحكم . الخ .

( و بصرنيكم صدق النية ) لقد تقدم الكلام في تفرّس امير المؤمنين ( ع ) الغدر و الخيانة من اعدائه ، و معرفته لهم بعين البصيرة و اليقين ، و بالنور الذي جعله في عينه و قلبه ، أضف إلى ذلك علم الامامة المودع في صدره الشريف .