المعنى

( اقمت لكم سنن الحق في جواد المضلة ) اشار عليه السلام الى ثباته و إستقامته على الحق ، و أنه مع الحق و الحق معه يدور حيثما دار ، اذ كان عليه السلام على الصراط المستقيم و الحقيقة ، يدعو الناس إلى الهداية ، و نهج الحق ، و يرشدهم إلى العبادة التي لا يقبل اللّه غيرها حينما كان الناس في حيرة الضلالة و التيه .

( 1 ) اريته

[ 212 ]

( حيث تلتقون و لا دليل ، و تحتفرون و لا تميهون ) حينما كان يجتمعون و لا دليل يرشدهم ، و يعلمهم و يهديهم ، و يحفرون الآبار لطلب الماء لرفع عطشهم فلا يصلون إلى الماء و لا يجدونه اي يطلبون و يفتشون عن العلم الصحيح و الاحكام الآلهية فلا يجدون ، و إذا اشتبه عليهم حكم من الاحكام لا يدرون من يحل لهم تلك المعضلة ،

و الشواهد كثيرة ، و فيما تقدم من القضايا كفاية .

( اليوم انطق لكم العجماء ذات البيان ) العجماء التي لا تفصح في كلامها ،

و معنى القول : اليوم انطق لكم الاشياء الصامتة ، فهي تتكلم معكم ، فان الدلائل و القضايا و القصص تتكلم مع الانسان . و تظهر له الاشياء الخفية ، فمثلا : إذا اطلع الانسان على فضائل امير المؤمنين و خصائصه و مزاياه فانها تتكلم و تنطق مع الانسان و تقول : ان علي بن ابيطالب أحق ان يتبع و اولى بالخلافة و الامامة ،

من غيره و قد قيل في شرح هذه الفقرة تفاسير و أقوالا كثيرة ، و المراجع يراجع .

( عزب رأي امرى‏ء تخلف عني ) اخبر عليه السلام عن المتخلفين عنه في العهد الأول و الزمان الحاضر انهم فقدوا رأيهم المصيب ، إذ انهم قدّموا من حقه التأخير ، و أخروا من حقه التقديم ، و ان بعضهم ما بايع الامام عليه السلام ،

و لكنه بايع رجل الحجاج ، و هو عبد اللّه بن عمر .

( ما شككت في الحق مذ رأيته ) إشارة إلى شدة ايمانه و يقينه باللّه ، و ان قلبه لم يتزلزل و لا يتضعضع و لا يخالجه شك في الحق ، و ستعرف في القريب المعنى المقصود من الشك .

( لم يوجس موسى خيفة على نفسه ) أشار عليه السلام الى بعض مواقف موسى بن عمران عليه السلام ، و ذلك لما جمع فرعون السحرة لمغالبة موسى ، و القوا حبالهم و عصيهم و سحروا أعين الناس ، كان يخيل اليهم ان تلك الحبال

[ 213 ]

و العصي تسعى و تمشي ، و لقد أخبر اللّه تعالى عن حالة موسى في تلك الساعة فعال :

فأوجس في نفسه خيفة موسى ، قلنا لا تخف انك أنت الأعلى . يقول ( ع ) :

ان موسى عليه السلام ما خاف على نفسه ، بل خاف و خشي ان السحرة سيغلبونه بسحرهم فيميل الناس الى فرعون . و لا يستطيع موسى ان يدعوهم الى عبادة اللّه تعالى ،

فقال عليه السلام :

( اشفق من غلبة الجهال و دول الضلال ) و مقصوده ان الخلافة لما غصبت منه ما كان حزنه على نفسه بل كان حزنه على المسلمين المساكين في ذلك العهد ، كان خوفه و حزنه من غلبة الفسقة و استيلائهم على دماء المسلمين و أعراضهم ، و ملخص الكلام ان خوفه كان على الاسلام و المسلمين لا على نفسه ، و لقد ورد في الارشاد مقطوعة من هذه الخطبة بغير هذه الصورة هكذا :

و ما شككت في الحق مذ رأيته ، هلك أقوام ارجفوا عني ، انه لم يوجس موسى في نفسه خيفة ارتيابا و لا شكا فيما أتاه من عند اللّه ، و لم اشكك فيما اتاني من حق اللّه ، و لا ارتبت في إمامتى و خلافة ابن عمي و وصية الرسول ، و انما اشفق أخي موسى من غلبة الجهال دول الضلال و غلبة الباطل على الحق .

فعلى هذا يكون المعنى : ان امامتي و خلافتي مقطوع بها من زمن الرسول إلى هذا اليوم و إلى أن أموت ، و ان تغلب عليها بعض الناس ، فان الخلافة و هي المنصب الآلهي باق على حاله ثابت لا يزول ، سواء قمت بالخلافة أو قعدت .

( اليوم توافقنا على سبيل الحق و الباطل ) ذكر بعض الشراح ان المعنى يكون : ( وقفت على سبيل الحق و وقفتم على سبيل الباطل ) .

و هذا لا بأس به ، لو لا ( اليوم ) فان كلمة ( اليوم ) تدل على خلاف ذلك ،

و لعل المعنى : ان اليوم وقفنا على الطريقين : طريق الحق و طريق الباطل ، إذ

[ 214 ]

طريق علي عليه السلام سبيل الحق ، و سبيل غيره طريق الباطل ، و يستفاد من كلمة ( اليوم ) ان هذه الخطبة كانت في أوائل خلافته الثانية ، كما ذكرنا في صدر الخطبة ،

و حيث ان طريق الحق كان مسدودا أو ممنوعا في زمن الخلفاء الثلاثة ، بل كان الطريق طريق الخلفاء ، و اما اليوم فقد انفتح ذلك الطريق المغلق ، و ظهر ذلك الرجل الذي كان جليس بيته مدة ربع قرن فهذا طريق الجنة . و هذا طريق النار ، انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا ، فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر .

( من وثق بماء لم يظمأ ) لعل المقصود من هذه الجملة : ان الانسان إذا كان على الحق لا يبالي بما وقع عليه و لا يهتم بما اتفق له ، و سواء عليه واقفه الناس أو خالفوه ، و قيل في شرحها غير ذلك ، و كيف كان فقد قال ابن ميثم البحراني ( ره ) :

ان هذه الخطبة من أفصح كلامه عليه السلام ، مع اشتمالها على كثرة المقاصد الواعظة المحركة للنفس ، في غاية وجازة اللفظ ، ثم من عجيب فصاحتها و بلاغتها : ان كل كلمة منها تصلح لان تفيد على سبيل الاستقلال . . . الخ .

انتهت الخطبة الرابعة و الحمد للّه رب العالمين اولا و آخرا