المعنى

من جملة المشاكل التي زاحمت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في أوائل بعثته انه ابتلى بعدد كثير من أجلاف مكة و انذال قريش ، يتلقونه بالاذى و التخويف ، و تعذيب من اتبعه ، و كان اشدهم في ذلك عداوة و اعظمهم له مخالفة أبو سفيان بن حرب ، إذ كان أولهم في كل حرب ، و مجدا في إثارة الفتنة للاسلام و المسلمين ، و ما نشرت راية ضد الاسلام إلا كان أبو سفيان صاحبها و قائدها و رئيسها ، فلم يزل يحارب مجاهدا ، و يدافع مكايدا ، حتى قهره السيف و علا امر اللّه و هم كارهون .

فتعوذ بالاسلام غير منطو عليه ، و أسرّ الكفر غير مقلع عنه ، فقبله و قبل ولده على علم منه بحاله و حالهم ثم أنزل اللّه تعالى آية في شأنهم و هي قوله تعالى :

و الشجرة الملعونة في القرآن .

و لا خلاف بين أحد انه تبارك و تعالى اراد بها بني امية ، و مما ورد في السنة و رواه ثقاة الامة قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فيه و قد رآه مقبلا على حمار ، و معاوية يقوده و يزيد يسوقه : لعن اللّه الراكب و القائد و السائق ،

و منه ما روته الرواة عنه من قول ابي سفيان يوم بيعة عثمان : تلقفوها يا بني عبد شمس تلقف الكرة ، فو اللّه ما من جنة و لا نار . و هذا كفر صريح منه ، و ما يروى : من

[ 216 ]

وقوفه على ثنية احد بعد ذهاب بصره ، و قوله لقائده هاهنا رمينا محمدا و قتلنا اصحابه .

و منها : الكلمة التي قالها قبل الفتح ، و قد عرضت عليه الجنود : لقد أصبح ملك ابن اخيك عظيما . فقال له العباس : ويحك انه ليس بملك و انها النبوة .

و منه قوله يوم الفتح و قد رأى بلالا على ظهر الكعبة يؤذّن و يقول : اشهد ان محمدا رسول اللّه : لقد أسعد اللّه عتبة بن ربيعة إذ لم يشهد هذا المشهد .

هذه نبذة من نفسيات الرجل و شرافة أصله و كرم محتده و ايمانه باللّه و النبي .

و هذه سوابقه و تلك عقائده ، فلما تمت البيعة لابي بكر بعد وفاة رسول اللّه ، اغتم الرجل الفرصة لايقاع الحرب و الترقة بين المسلمين ، ففكر و دبر ، ثم جاء إلى العباس ابن عبد المطلب فقال له : يا أبا الفضل ان هؤلاء القوم قد ذهبوا بهذا الأمر من بني هاشم ، و جعلوه في تيم ، و انه ليحكم فينا غدا هذا الفظ الغليظ من بني عدي ، فقم بنا حتى ندخل على علي و نبايعه بالخلافة ، و أنت عم رسول اللّه ، و انا رجل مقبول القول في قريش ، فان دافعونا عن ذلك قاتلناهم و قتلناهم ، فأتيا أمير المؤمنين ( ع ) فقال أبو سفيان :

يا ابا الحسن : لا تغافل عن الأمر ، متى كنا تبعا لتيم الاراذل ؟ و كان أمير المؤمنين يعلم من حاله انه لا يقول ذلك غضبا للدين اجابه بهذه الكلمات .

( ايها الناس : شقوا امواج الفتن بسفن النجاة ) كما ان السفينة تشق امواج البحار كذلك الخلاص من أمواج الفتن يحتاج الى السفن . و لعل المقصود من تلك السفن هذه الاوامر : ( و عرجوا عن طريق المنافرة ، و ضعوا تيجان المفاخرة ) أي انحرفوا عن التفرقة ، و اتركوا العصبية و الطائفية ، و دعوا الفخر و المفاخرة إشارة إلى كلام أبي سفيان : متى كنا تبعا لتيم الاراذل ، نهى عن المفاخرة بالعشائر و القبائل ،

اذ أن هذه الامور من مقدمات الفتنة ، و مولدات الحرب بين الناس ، و ذكر التيجان

[ 217 ]

كناية الى ما يفتخر به الناس ، و يعظم به قدر الانسان في المجتمع .

ثم بيّن عليه السلام عذره عن عدم قبول كلام ابي سفيان ، كيلا يقول قائل :

لما ذا لم ينهض امير المؤمنين بمطالبة حقه ، و استنقاذ الخلافة من اولئك المتآمرين مع وجود الناصر و المعين ؟ فأجاب عليه السلام عن هذا التوهم بقوله : ( أفلح من نهض بجناح ، أو استسلم فأراح ) أي فاز من نهض بالأمر مع وجود الناصر و المعين ،

و إلا فالناهض بغير جناح أي بغير مساعد مصيره الفشل و الانكسار ، هذا إذا وجد اعوانا و انصارا و إن لم يجد أحدا يساعده في مظلمته فالأحسن له السكوت و التسليم ،

فان الانسان إذا رأى ماله منهوبا و حقه مغصوبا و لم يجد من يعينه ، كيف ينهض ،

و هو كطائر مقصوص الجناح أو كالانسان مقطوع اليدين لا بد له من الصبر و تحمل المكاره ، فيرتاح من المنازعات .

( هذا ماء آجن ، و لقمة يغص بها آكلها ) شبّه عليه السلام الخلافة بالماء المتعفن الكريه الرائحة و بالطعام الذي لا يتهنأ آكله و يغص به و لعل وجه الشبه : ان في الطعام و الشراب قوام البشر و بقائه كذلك الخلافة الألهية الحقه عليها مدار نظام البشر و إصلاح شأنه ، و لكن حيث انها غصبت و صارت بيد آخرين و لا يمكن طلبها و إسترجاعها لقلة الأعوان و الأنصار ، فهي كماء متعفن كريه الرائحة يتنفر منه الطبع ، أو كلقمة لا يتهنأ آكلها .

( و مجتني الثمرة لغير وقت ايناعها كالزارع بغير أرضه ) بعد أن ثبت ان الامور مرهونة بأوقاتها فلا ينبغي قطف الثمرة قبل نضجها ، فكما ان من يقطف الثمرة قبل ايناعها لا ينتفع منها كذلك الزارع بغير أرضه لا يستفيد من زرعه لانه يمنع من التصرف في الأرض و يمنع عن سقاية الزرع و إصلاح شؤونها ،

هذا مثل مثّله عليه السلام ، و المعنى : ان طلب الخلافة بغير جناح أي بلا ناصر

[ 218 ]

و معين كقطف الثمرة قبل إدراكها .

و ملخص الكلام بأن هذا الزمان ليس وقت طلب الخلافة ، و القيام بهكذا امور و الحال هذه .

ثم شكى عليه السلام من ألسن الناس و إختلاف آرائهم ، و عقائدهم و مذاهبهم في كل شي‏ء ، و ان رضا الناس لا يملك ، و هذا من الامور الضرورية ، و يمكن لك أيها القارى‏ء معرفة هذا الموضوع بأسهل طريقة ، فانك إذا شاورت جماعة حول شراء دار أو سفرة مهمة ، أو أمر ذي بال ، فانك تجد الآراء مختلفة و النظريات متفاوتة كتفاوت المشرق و المغرب ، و ما ينسب إلى لقمان الحكيم و ابنه من قصة الحمار و ركوبهما عليه منفردين و مجتمعين ، و تركهما الحمار يمشي وحده و حمل لقمان الحمار على كتفه و في كل صورة من تلك الصور الخمس كان للناس انتقاد و ايراد عليهما ، و أن ألسنة الناس لا تضبط ، و قد قيل في المثل : يمكن غلق باب البلدة و لا يمكن غلق أفواه الناس ، و كذلك أمير المؤمنين عليه السلام لا يسلم من ألسن الناس ، سواء قام بطلب الخلافة أو قعد ، فقال عليه السلام ( فان أقل يقولوا : حرص على الملك ، و إن أسكت يقولوا : جزع من الموت ) أي إذا أنهض لطلب حقي و هو الخلافة يقول الناس : إن عليا حريص على ملك الدنيا ، و انه يطلب الدنيا و متاعها ،

و إن اسكت و أقعد عن حقي ، يقول الناس : ان عليا يخاف من الموت ، أي يخاف أن يطلب حقه بالسيف فيقتله خصماؤه . ( هيهات ، بعد اللتيا و اللتي ) هيهات : كلمة معناها البعد ، و اللتيا تصغير التي ، يضرب المثل بهذه الكلمة عند الشدائد و المكاره ،

و أصل المثل : أن رجلا تزوج امرأة قصيرة سيئة الخلق ، فقاسى منها شدائد ،

فطلقها و تزوج طويلة فقاسى منها أضعاف ما قاسى من الصغيرة فطلقها ، و قال : بعد اللتيا و التي لا اتزوج أبدا .

[ 219 ]

أشار عليه السلام إلى تكذيب قول من ينسب اليه الخوف من الموت ، أو الحرص على الملك ، أي بعد تلك المصائب و النوائب التي جرت عليّ لا أخاف من الموت ، بل الموت أحب إلي من البقاء ، و هذا شأن الرجال الغيارى أنهم يرجحون الموت على الحياة المملوءة بالفجائع و الفضائع .

فمنها : وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و هي المصيبة العظمى و الفاجعة الكبرى ، و منها : الرزايا التي تراكمت على سيدة النساء و ما دهاها من هضمها حقها ، و هتك حرمتها المنيعة ، و كل ذلك بمرى‏ء منه و مسمع ، أ فبعد هذا يخاف أمير المؤمنين من الموت ، أو يحب الحياة مع هؤلاء الناس ؟

( و اللّه لابن ابيطالب آنس بالموت من الطفل بثدي امه ) اقسم ( ع ) باللّه تعالى انه أشد انسا بالموت من الطفل بثدي امه ، لأن محبة الطفل و ميله إلى ثدي امه أمر طبيعي حيواني فهو في معرض الزوال ، يعني إذا كبر الطفل و تجاوز سن الرضاع يزول ذلك الانس ، و لكن انس علي بالموت لا يزول مهما عاش ،

و كيف يخاف علي عليه السلام و أولياء اللّه لا خوف عليهم و لا هم يحزنون ، و علي سيد أولياء اللّه .

( بل اندمجت على مكنون علم ) ذكر عليه السلام السبب الوحيد لسكوته و عدم نهوضه بحقه و هو انه احتوى على عدم و اطلاع ببعض الأسرار التي أخبره بها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فيما يتعلق بالخلافة ، و هي من علوم الامامة و مزاياها ،

و لا يشاركه فيها أحد من غير الأئمة و لا يستطيع أحد أن يسمع او يطلع على شي‏ء من تلك الأسرار و لا يتمكن أن يتحملها ( لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية في الطوى البعيدة ) لو باح او أظهر شيئا من تلك الأسرار لاضطربت قلوب الناس كما تضطرب الحبال في الآبار العميقة ، و ذلك لضعف القلوب و عدم استعداد النفوس

[ 220 ]

لأمثال هذه الامور ، و من هنا نعرف ان سكوت الامام عن حقه في هذه المدة المديدة كان عن تفكر و تدبر ، و أمر من اللّه و رسوله ، و لنا مجال في المستقبل لتوضيح هذه المواضيع إن شاء اللّه .

و قد ذكر شيخنا المجلسي ( ره ) هذه الخطبة مع تغيير يسير في الألفاظ ،

و بناء على عهدنا الماضي نذكرها بتمامها توضيحا و تتميما للفائدة .

من مناقب ابن الجوزي : خطب بها امير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله . . . أيها الناس : شقوا امواج الفتن بسفن النجاة ، و عرّجوا عن طريق المنافرة ، و ضعوا تيجان المفاخرة ، فقد فاز من نهض بجناح او استسلم فارتاح ، ماء آجن ، و لقمة يغص بها آكلها ، اجدر بالعاقل من لقمة تحشى بزنبور و من شربة تلذّ بها شاربها مع ترك النظر في عواقب الامور ، فان أقل يقولوا : حرص على الملك ، و إن أسكت يقولوا : جزع من الموت ، هيهات هيهات بعد اللتيا و التي و اللّه لابن ابيطالب آنس بالموت من الطفل بثدي امه ، و من الرجل بأخيه و عمه ، و لقد اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم إضطراب الارشية في الطوى البعيدة .

و هذه الخطبة الخامسة قد تمت بحمد اللّه و عونه