المعنى

ان هنا كلاما لا بأس بايراده : و هو أن نعتقد ان الامام لا يفعل شيئا من تلقاء نفسه ، و جميع حركاته و سكناته بأمر من اللّه تعالى و رسوله أضف إلى ذلك علم الامامة المودع في صدره الشريف ، فلا مجال للخطأ في رأيه أو السهو في فعله كما نعتقد ذلك في النبي صلى اللّه عليه و آله أولا فلا ينبغي لأحد أن يعترض على الامام في شي‏ء من أفعاله كذلك على النبي .

إذن فما معنى كلام الحسن ( ع ) ، و نهيه اباه ان لا يتبع طلحة و الزبير ؟ مع ان مقام الامام أعلى ، و شأنه أجل من أن يعترض على الامام امير المؤمنين ، و هو اعرف بعظمة والده ، و هو أعلم ان اباه لا يفعل شيئا إلا مطابقا للشرع و لحكم اللّه الواقعي ،

فنقول : لا يخفى على من سبر كتب الأحاديث و الأخبار الواردة عن اهل البيت عليهم السلام ، انه قد ورد في كثير من الأخبار ان بعض الأئمة كان يعترض على الامام الآخر في فعل من أفعاله كي يتضح الأمر و يعرف الناس السبب في ذلك ،

فمثلا : لعل قائلا يقول لما ذا إتبع أمير المؤمنين عليه السلام طلحة و الزبير إلى البصرة ،

و كان الأحسن ان يتركهما و لا يتبعهما ، و لعل هذه الفكرة كانت في اذهان اصحابه يومذاك ، و كانوا يرون ان الأحرى أن يبقى امير المؤمنين في المدينة ، و لا يخرج إلى البصرة في اثر هؤلاء .

و لأجل هذه الأشياء تقدم إمامنا الحسن إلى والده الطاهر يشير عليه أن لا يخرج إلى البصرة و لا يعقّب عائشة و صاحبيها ، فهنا رفع الامام الستار عن أمره و أعلى للناس سبب خروجه ، و بيّن انه إن بقي في المدينة سيكون مصيره مصير عثمان .

[ 222 ]

يجتمع عليه الناس و يحاصرونه و يقتلونه ، فالأحسن أن يخرج و يبين للناس حقيقة الأمر ، و يكشف النقاب عن الحقائق ، لأن عائشة و طلحة و الزبير شوّهوا سمعة الامام عند الناس ، و كان من المسلّم و المتيقن عندهم ان امير المؤمنين هو الذي تولّى قتل عثمان ، مع العلم ان عائشة و سائقيها هم الذين أججوا نار الثورة على عثمان و قتلوه ،

و كان إمامنا هو المدافع الوحيد عن عثمان في المدينة و ستعرف ذلك في المستقبل إن شاء اللّه .

و ملخص الكلام : ان الشيعة تنزه ساحة الامام الحسن من ان يعترض على افعال ابيه ، و هذا الموضوع هو الذي خالج ضمير سيدنا الرضي إذ لم يصرح باسم الامام الحسن بل اكتفى بقوله : « لما اشير عليه إذا علمت هذا فلنشرع في الكلمات :

( و اللّه لا اكون كالضبع تنام على اللدم حتى يصل اليها طالبها ، و يختلها راصدها ) ذكر علماء الحيوان و هو المشهور عند العرب ان الضبع حيوان معروفة بالحمق ، و من حمقها ان الذى يريد صيدها يأتي إلى باب مغارتها فيضرب بعقبه الأرض عند الباب ضربا خفيفا ، و ذلك هو اللدم ، و يتكلم بصوت ليس بشديد فتنام الضبع ، فيدخل اليها الصائد و يجعل الحبل في عرقو بها و يجرها و يخرجها .

يقول إمامنا : لا ابقى في مكاني حتى يجتمع الناس علي و يقتلونني ، و لا اسلّم نفسي للناس حتى يتمكنوا مني و يتغلبوا علىّ بالحيلة و الخديعة ، ( و لكني اضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه ) اى احارب بأنصاري و أصحابي اهل الباطل ،

( و بالسامع المطيع المعاصي المريب ابدا ) استعين بعد اللّه بأصحابي المطيعين فاجاهد بهم اهل المعاصي و الشاكين في الحق ابدا و دائما إلى آخر العمر ( حتى يأتي علي يومي ) و يوافيني الاجل الذي قدره اللّه لي ( فو اللّه ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي ) و هي الخلافة بعد رسول اللّه ، و فدك و غيرهما من حقوق الامام ، و ان

[ 223 ]

هذه الحقوق قد غصبت و سلبت عنه ( منذ قبض اللّه نبيه صلى اللّه عليه و آله ، حتى يوم الناس هذا ) حتى الى ذلك اليوم بقي الخلاف عليه قائما على ساق ، ففي تلك الايام نازعه طلحة و الزبير و من سلك طريقتهما ، و ما كان غدر طلحة و الزبير و نكثهما البيعة ، بشي‏ء جديد عند امامنا فانه لم يزل مظلوما من يوم وفاة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم .

و قد روى المفيد الخطبة عن طارق بن شهاب في خبر طويل . . . : فو اللّه لا اكون كالضبع ، ينتظر حتى يدخل عليها طالبها ، فيضع الحبل في رجلها ، حتى يقطع عرقوبها ، ثم يخرجها فيمزقها إربا إربا ، و لكن اباك يضرب بالمقبل الى الحق المدبر عنه ، و بالسامع المطيع العاصي المخالف أبدا حتى يأتي عليّ يومي ، فو اللّه ما زال أبوك مدفوعا عن حقه مستأثرا عليه منذ قبض اللّه نبيه صلى اللّه عليه و آله حتى يوم الناس هذا . . . الخ .

و قد إختلف المؤرخون في المكان الذي خطب الامام فيه بهذه الخطبة فبعضهم روى انه عليه السلام خطب بها في مكة . و بعضهم في الربذة و بعضهم في ذي قار و اللّه العالم .

و هنا انتهت الخطبة السادسة .