المعنى

قال ابن ميثم « ره » : « هذا الفصل ملتقط ملفّق من خطبة له ،

لما بلغه ان طلحة و الزبير خلعا بيعته ، و هو غير منتظم ، و قد أورد السيد الرضي منها فصلا آخرا » .

« الا و ان الشيطان قد جمع حزبه و استجلب خيله و رجله » اشار عليه السلام الى إغواء الشيطان لطلحة و الزبير و إضلاله إياهما ، و معلوم : ان من اطاع ابليس و خالف أمر اللّه تعالى فهو جند لابليس ، و ناصر للباطل ، كما كان شأن أصحاب الجمل و غيرهم من الذين حاربوا امام زمانهم ، ثم ذكر عليه السلام : انه مع الحق و الحق معه فقال :

« و ان معي لبصيرتي » تلك البصيرة التي كانت معه من زمن النبي صلى اللّه عليه و آله ، تلك البصيرة التي أشار اليها القرآن الكريم بقوله تعالى مخاطبا للنبي :

قل هذه سبيلي ادعو إلى اللّه على بصيرة أنا و من اتبعني ، و هل يعرف احد المسلمين اكثر اتباعا لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من امير المؤمنين عليه السلام .

ثم اشار الى ظهور الحق عنده و اطمينان نفسه بتلك السيرة و الطريقة التي كان

[ 228 ]

عليها فقال :

« ما لبّست على نفسي و لا لبّس علي » أي لم يكن في اعمالي مجال لوساوس الشيطان ، حتى يشتبه علي الحق بالباطل فلا اعرف الخطأ من الصواب ، او ما يوافق الشرع مما يخالفه .

« و ايم اللّه لأفرطنّ لهم حوضا انا ماتحه » لعل المعنى : لأسبقنهم الى الحرب التي انا ما زلت متدربا فيها ، او يكون المعنى : لأملأن لهم حياض الحرب التي انا خبير بها ، و قضيت فيها من عمري سنين ، و ليس هذا منه تهديد بل إخبار بوقوع الحرب و غلبته على خصمائه و اعدائه ، و ابادته اياهم « لا يصدرون عنه و لا يعودون اليه » لا ينجو الوارد منهم في الحرب ، و اذا نجى لا يطمع ان يعود لمحاربة أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام ، و سنذكر الخطبة بصورة اخرى فيما بعد ان شاء اللّه تعالى .

لقد تقدم ان هذه الخطبة ذكرها السيد الرضي ( ره ) في فصل آخر ، و هي الخطبة الثانية و العشرون ، و قد ذكرت بعدّة طرق مختلفة مع زيادة و نقيصة ،

و سنذكر الآن احدى تلك الصور :

لما بلغه عليه السلام ان طلحة و الزبير خلعا بيعته قال :

بعد حمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على رسوله ، ايها الناس : ان اللّه افترض الجهاد ، فعظّمه ، و جعله نصرته و ناصره ، و اللّه ما صلحت دنيا و لا دين إلا به ،

و قد جمع الشيطان حزبه ، و استجلب خيله ، و من اطاعه ليعود له دينه و سننه و خدعه ،

فقد رأيت امورا قد تمخضت ، و اللّه ما انكروا عليّ منكرا ، و لا جعلوا بيني و بينهم نصفا ، و انهم ليطلبون حقا تركوه ، و دما سفكوه ، فان كنت شريكهم ، فيه فان لهم نصيبهم منه ، و ان كانوا ولّوه دوني فما الطلبة إلا قتلهم ، و ان اول عدلهم لعلى

[ 229 ]

أنفسهم ، و لا اعتذر مما فعلته ، و لا اتبرء مما صنعت ، و ان معي لبصيرتي ، ما لبست و لا لبّس عليّ ، و انها للفئة الباغية فيها الحم و الحمّة طالت جلبتها ، و انكفت جونتها ،

ليعودن الباطل إلى نصابه ، يا خيبة الداعي ، من دعى لو قيل : ما انكر ذلك ؟ و ما امامه و فيمن سنته ؟

و اللّه اذن لزاح الباطل من نصابه و انقطع لسانه ، و ما اظن الطريق له فيه واضح حيث نهج ، و اللّه ما تاب من قتلوه قبل موته ، و لا تنصّل من به خطيئته . و ما اعتذر اليهم فعذروه ، و لا دعا فنصروه ،

و ايم اللّه لافرطن لهم حوضا انا ماتحه ، لا يصدرون عنه بريّ ، و لا يعبّون حسوة ابدا و انها لطيبة نفسي بحجة اللّه عليهم و علمه فيهم ، و اني داعيهم فمعذر اليهم ، فان تابوا و قبلوا و اجابوا ، و انابوا فالتوبة مبذولة ، و الحق مقبول و ليس عليّ كفيل ، و ان ابوا اعطيتهم حد السيف و كفى به شافيا من الباطل و ناصر المؤمن ، و مع كل صحيفة شاهدها و كاتبها .

و اللّه ان الزبير و طلحة و عائشة ليعلمون اني على الحق و هم مبطلون .

و المستفاد من الأخبار ان الامام عليه السلام خطب بهذه الخطبة في البصرة قبل وقوع الحرب .

قد فرغنا من الخطبة العاشرة و الحمد للّه