المعنى

هذه جملات سبع ذكرها امير المؤمنين لابنه محمد بن الحنفية فيما يتعلق بفنون الحرب في ساحة الوغى الأولى :

« تزول الجبال و لا تزل » امره بالثبات في الحرب و عدم الزوال ، يعني :

ان الجبال اذا زالت عن مكانها لا تزل انت عن مكانك ، و هذا مبالغة بالثبات و الاستقامة ، و نهي عن الفرار و الزوال .

الثانية : « عض على ناجذك » اضغط على أسنانك لأمرين :

أحدهما : ان العاض على اسنانه ينبو السيف عن دماغه ، لأن عظام الرأس تشتد و تصلب كما قال عليه السلام في كلام آخر : و عضوا على النواجذ فانه أنبأ للصوارم عن الهام ، و الثاني : شدة الحنق و الغيظ ، كما ان الذي يغضب يضغط على أسنانه . و دفعا للفشل و الخوف ، فان الانسان يشاهد ذلك في حال البرد و الخوف اللذين يقتضيان الرعدة ، فانه إذا عض على اضراسه تسكن رعدته و يتماسك بدنه .

الجملة الثالثة : « اعر اللّه جمجمتك » أخبر عليه السلام ابنه بهذه الجملة انه لا يقتل في تلك الحرب ، و لهذا أمره باعارته جمجمته للّه تعالى ، لان العارية ترد الى صاحبها و لو قال : بع اللّه جمجمتك » لكان إخبارا له بالشهادة في سبيل اللّه .

و معنى كلامه هذا : لا تخف على رأسك من السيوف و ابذله في سبيل اللّه فانها ترد اليك ، و انك لا تقتل .

الجملة الرابعة : « تد في الأرض قدمك » أمره بالثبات و الصبر على الأذى و المكاره كالوتد المسمار اي لا تنهزم و لا تفر و لا تضعف و لا تجبن .

الجملة الخامسة : « ارم ببصرك اقصى القوم » من صفات الرجل الشجاع الذي لا يبالي بالموت و لا يخاف من القتل أن ينظر الى اقاصي الاعداء ، و يدل ذلك على علوّ

[ 231 ]

همته و شدة وطأته ، كأنه لا يبصر بين يديه لشدة تقحمه و ركوبه المهالك و قلة نظره في عاقبة امره ، و يقال : ان حمزة بن عبد المطلب « ع » لما حضر أحد كان هكذا ،

اي ينظر اقصى القوم ، فيحمل عليهم و لا يلتفت إلى أمامه يمنة و يسرة ، و يقال للشجاع الذي هذه صفته : ( غشمشم ) .

الجملة السادسة : « و غض بصرك » لا شك ان بريق السيوف لكثرة ،

الجيوش و العساكر مما يوهن العزم ، و يورث الرعب و الخوف ، فأمره عليه السلام ان يغض بصره إذا حمل ، كيلا يرتكب من تلك المناظر المرعبة ، و لهذه الجملة معنى آخر و هو انه قال عليه السلام له : كان كالغاض بصره إذا حملت لا تبالي بما ترى و ما يستقبلك ، تخبط أمامك .

الجملة السابعة : « و اعلم ان النصر من عند اللّه سبحانه » كما قال تعالى : و ما النصر إلا من عند اللّه ، ان تنصروا اللّه ينصركم و يثبت أقدامكم .

اذا علم الغازي و المحارب أن أزمة الامور بيد اللّه ، و النصر من اللّه ، لا يؤثر فيه كثرة الجيوش و العساكر ، و يزداد وثوقا باللّه تعالى .

و هنا انتهت الخطبة الحادية عشرة .