المعنى

لما فرغ امير المؤمنين عليه الصلاة و السلام من حرب الجمل أمر مناديا فنادى في أهل البصرة : الصلاة جامعة لثلاثة ايام من غد إن شاء اللّه ، لا عذر لمن تخلف إلا من حجة او علة ، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا .

فلما كان اليوم الذي اجتمع فيه الناس خرج فصلى في الناس صلاة الغداة في المسجد الجامع ، فلما قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة عن يمين المصلي فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على النبي صلى اللّه عليه و آله ، و استغفر للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات ثم قال :

يا أهل البصرة ، يا اهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاثا ، و على اللّه تمام الرابعة يا جند المرأة و اتباع البهيمة . . . الخ .

ذكر عليه السلام اثنى عشر امرا نبه فيها على ذمهم و انهم يرتكبون الزلل و الخطأ : الأول : ( يا اهل المؤتفكة ) ائتفكت البلدة إذا انقلبت ، قال اللّه تعالى :

و المؤتفكة اهوى و في الخبر عن انس بن مالك : ان البصرة احدى المؤتفكات يعني انها غرقت مرتين ، فشبّه غرقها بانقلابها ، و مما لا شك فيه ان البلدة لا تنقلب بأهلها إلا عن غضب من اللّه ، و غضب اللّه لا يكون على أهل بلد إلا إذا كثر فيها الفساد و المعاصي و المنكرات ، كما فعل اللّه تعالى بقوم لوط و هود و غيرهم من الامم السالفة الذين شملهم العذاب و العياذ باللّه .

[ 234 ]

الذم الثاني ( كنتم جند المرأة ) و المقصود من المرأة عائشة ، فانهم جعلوها محورا للحرب و مركزا للفتنة ، و آراء النساء و عقولهن ناقصة و مذمومة عند العرب و الشرع ، و قد عرفه الطب الجديد أيضا ، فانه ثبت بعد التجارب الكثيرة : ان الحواس الخمسة الباطنية للمرأة اضعف من الرجل بكثير ، و نظرا لهذا الضعف الخلقي الطبيعي الشامل لجميع افراد نساء العالم إلا ما خرج بالدليل فلا ينبغي أن تكون السلطة و امارة الجيش و قيادة الجند بيد هذا الجنس الضعيف ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : إنهن ناقصات عقول ، و ناقصات دين ، اما نقصان عقولهن : فشهادة ثنتين منهن بشهادة رجل واحد . . . الخ و لا يخفى أن لأمير المؤمنين عليه السلام كلاما في ذم النساء يشبه الحديث النبوي و سيأتي . و حاصل الكلام : ان الذين يجعلون اختيار امورهم بيد المرأة الموصوفة بنقصان العقل هم اقل عقلا و أضعف رأيا من المرئة نفسها .

الذم الثالث : ( و اتباع البهيمة رغا فاجبتم و عقر فهربتم ) لانهم اجابوا الجمل لما رغا ، و انهزموا لما عقر ، و جعلوا الجمل رآية لحربهم فكانوا يحاربون حوله ،

و كانت الرؤوس تسقط و الأيدي تطير عند الجمل ، و على ذلك الجمل هودج عائشة و هي في الهودج ، و التاريخ شاهد على ذلك ان الجمل لما عقر و سقط الهودج هرب اهل البصرة و تركوا عائشة اسيرة فكان الجمل قوام الحرب و بقاؤها ، و كان عقره زوال الحرب و فنائها .

الذم الرابع : ( اخلافكم دقاق ) اشارة إلى اخلاقهم الرذيلة و طبائعهم الدنيئة ،

و مثال ذلك افعالهم و اعمالهم و كثرة الفحشاء و المنكرات عندهم .

الذم الخامس : ( و عهدكم شقاق ) نقض الميثاق و نكث البيعة ، فانهم نكثوا بيعة أمير المؤمنين عليه السلام و خرجوا عليه يحاربونه ، و عهودهم و ان كانت في

[ 235 ]

الظاهر عهدا و ذمة و لكنها في الواقع خلاف و عداوة و غدر .

الذم السادس : ( و دينكم نفاق ) و كفى بذلك شاهدا خروجهم على امام زمانهم بعد ما بايعوه ، و نفاق بعضهم خروجه عن الاسلام بقلبه .

الذم السابع : ما يتعلق بذم بلدتهم ( مائكم زعاق ) لا تقل : ان مناخ البلدة اذا كان ردئيا يتوجه الذم الى البلدة خاصة لا إلى أهلها .

لأن الشخص اذا اختار بلدة غير نقية الهواء غير عذبة الماء لا بد و ان يكون في عقله اختلال و انحراف عن الصواب ، و على كل يتوجه اليه الذم من العقلاء فمن جملة مساوي البصرة ملوحة مائها ، لأن شط الفرات و دجلة يلتقيان معا قبل البصرة القرنة فيحدث منهما شط العرب في البحر ، ثم ينصب شط العرب في البحر و ماء البحر مالح ، حاد ، مر فبسبب الجزر و المد اللذين يعتريان الشطوط و البحار في كل يوم يمتزج ماء البحر بماء البصرة فيصير مالحا و يكون سببا لأمراض ذكرها الاطباء منها :

و سوء المزاج و البلادة و فساد الطحال و الحكة و غير ذلك .

الذم الثامن : كونها أبعد البلاد من السماء و أقربها إلى سطح البحر ، و لعل هذا خاص بالبصرة لأن سائر البلاد الواقعة على شاطى‏ء البحر كالمسقط و البحرين و غيرهما ليست كذلك .

و اما بعدها من السماء فلأن ضغط الهواء و ثقله في البصرة أكثر و أشد من سائر البلاد ، لأن الأرض كلما كانت أعلى و ارفع من سطح البحر كان ضغط الهواء أقل و أخف : كقلل الجبال و البلاد الجبلية ، فقد ثبت بالتجربة ان اكثر الساكنين في البلاد الجبلية و الاراضي المرتفعة عن سطح البحر مصابون بضغط الدم ،

و من كان به ضغط الدم لا يتمكن من الصعود على قلل الجبال الشامخة ، و قد ذكرت بعض الصحف و المجلات : انه لم يتمكن أحد حتى الآن أن يصل إلى قلل جبال

[ 236 ]

هماليا في الهند التي هي ارفع و أعلى جبال الارض .

و يعرف انها أقرب إلى الأرض بشدة انخفاضها عن سطح البحر ، و دليله :

امتزاج ماء البحر بماء شط العرب ، و رجوعه إلى البصرة ، و الدليل ايضا : إخباره و انذاره بغرقه فان الارض إذا كانت أخفض من سطح البحر يدركها الغرق ، و اذا كانت عالية و مرتفعة لا تغرق .

و أما ما فسره إبن أبي الحديد : بانها بعيدة عن خط الاستواء ، زاعما انه يقال له : ( الفلك المستقيم ) فهو لا يتصور إلا بان تكون على منتهى الميل الكلي ،

فاما كون المراد من السماء هنا خط الاستواء فهذا لا يعرف و لا مشاحة .

الذم الثامن : كونها انتن بلاد اللّه تربة ، و ذلك لركوب الماء عليها و تعفنها بذلك الماء ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : لا تميتوا القلوب بكثرة الاكل و الشرب كالزرع يموت إذا كثر فيه الماء .

فان الزرع إنما يموت بسبب كثرة الماء على التراب ، و تعفن التراب من الماء الزائد .

الذم الثامن : ( و بها تسعة اعشار الشر ) ، و يحتمل انه عليه السلام أراد المبالغة لا الحصر و كثرة شرها اما منسوبة إلى اهلها ، او إلى البلدة نفسها . من حيث البعد عن السماء و القرب من الماء ، و سبق الغرق ، و وقوع الغرق ثالثا و رابعا ،

و وقوع الحرب ، و فتنة الزنج ، و خراب البصرة و غير ذلك .

الذم التاسع : ( و المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه ) و ذلك لأن المقيم عندهم لا بد أن يكون مثلهم ، او يرى المنكرات فلا ينهاهم فهو رهين ذنبه .

الذم العاشر : ( و الشاخص عنكم متدارك برحمة ربه ) لأن اللّه تعالى قد أغاثه بالخروج فيها ليسلم من الذنوب التي يرتكبها اهلها ، لكي ينجو من العذاب .

[ 237 ]

و اما تشبيه المسجد حين الغرق بصدر السفينة او النعامة الجاثمة ، او الطائر في لجة بحر فتشبيه ظاهر ، و اما وقوع الغرق الذى اخبر به فالمنقول : ان البصرة غرقت مرة في أيام القادر باللّه و مرة في زمان القائم باللّه غرقت باجمعها و من في ضمنها ،

و خربت مع دورهما ، و لم يبق منها إلا علو مسجدها الجامع كما اخبر به عليه السلام .

و لأمير المؤمنين عليه السلام خطبة في مدح اهل البصرة ، و هذا المدح لا ينافي الذم السابق ، فان الشي‏ء تارة يمدح لبعض خواصه و منافعه و تارة يذم نظرا لبعض المضار التي فيه ، و ستعرف وجه ذلك إذا طابقت بين هذه الخطبة و التي قبلها :

قال عليه السلام : يا اهل البصرة إن اللّه لم يجعل لأحد من امصار المسلمين حظة شرف و لا كرم إلا و جعل فيكم أفضل ذلك ، و زادكم من فضله و منه ، ما ليس لهم :

انتم اقوم الناس قبلة ، قبلتكم عن المقام حيث يقوم الامام بمكة ، و قارئكم أقرأ الناس ، و زاهدكم أزهد الناس ، و عابدكم اعبد الناس ، و تاجركم أتجر الناس ،

و أصدقكم في تجارته ، و متصدقكم اكرم الناس صدقة ، و غنيّكم اشد الناس بذلا و تواضعا ، و شريفكم أحسن الناس خلقا ، و انتم اكرم الناس جوارا ، و أقلهم تكلفا لما لا يعنيه ، و احرصهم على الصلاة في جماعة ، ثمرتكم اكثر الثمار ، و اموالكم اكثر الأموال ، و صغاركم اكيس الاولاد ، و نسائكم اقنع النساء ، و أحسنهن تبعلا ، سخّر لكم الماء ، يغدو عليكم و يروح صلاحا لمعاشكم ، و البحر سببا لكثرة اموالكم ، فلو صبرتم و استقمتم لكانت شجرة طوبى لكم مقيلا ، و ظلا ظليلا غير أن حكم اللّه فيكم ماض ، و قضائه نافذ ، لا معقب لحكمه و هو سريع الحساب .

يا اهل البصرة : ما الذي إبتدأتكم من التوبيخ إلا تذكيرا و موعظة لما بعد ، لكيلا تسرعوا إلى الوثوب في مثل الذي وثبتم ، و قد قال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه و آله : و ذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين .

[ 238 ]

و لا الذي فيكم من المدح و التطرية بعد التذكير و الموعظة رهبة مني لكم ،

و لا رغبة في شي‏ء مما قبلكم ، فاني لا اريد المقام بين أظهركم ان شاء اللّه لامور تحضرني قد يلزمني القيام بها فيما بيني و بين اللّه ، لا عذر لي في تركها ، و لا علم لكم بشي‏ء منها حتى يقع ما اريد أن أخوضها مقبلا و مدبرا ، فمن اراد ان يأخذ بنصيبه منها فليفعل .

فلعمري انه للجهاد الصافي ، صفاه لنا كتاب اللّه ، و لا الذي اردت من ذكر بلادكم موجدة مني عليكم لما شافهتموني ، غير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال لي يوما و ليس معه غيري : يا علي ان جبرئيل الروح الأمين حملني على منكبه الايمن حتى اراني الارض و من عليها ، و اعطاني مقاليدها ، علمنى ما فيها ، و ما قد كان على ظهيرها ظهيرها إلى يوم القيامة ، و لم يكبر ذلك علي كما لم يكبر على أبي آدم عليه السلام ، علمه الاسماء ، و لم يعلمها الملائكة المقربون ، اني رأيت بقعة على شاطى‏ء البحر تسمى :

البصرة ، فاذا هي ابعد الارض من السماء ، و اقربها إلى الماء و انها لأسرع الارض خرابا ، و اخبثها ترابا ، و اشدها عذابا ، و لقد خسف بها في القرون الخالية مرارا ،

و ليأتين عليها زمان .

و ان لكم يا اهل البصرة و ما حولكم من القرى ، من الماء ليوما عظيما بلاؤه ،

و اني لأعرف موضع منفجره من قريتكم هذه . ثم امور قبل ذلك تدهمكم عظيمة ،

أخفيت عنكم و علّمناها ، فمن خرج عنها عند دنو غرقه فبرحمة من اللّه سبقت له ،

و من بقي فيها غير مرابط بها فبذنبه ، و ما اللّه بظلام للعبيد .

فلنشرع في بيان حرب البصرة او الجمل كان الأحرى و الأنسب أن نذكر قبلا بعض قضايا عثمان كيفية قتله ، و من قتله من المسلمين ، ثم نشرع في بيان حرب الجمل من نتائج قتل عثمان ، و مرتبة

[ 239 ]

عليه ، و لكن رعاية لترتيب الخطب المذكورة نؤجل ما يتعلق بعثمان إلى المستقبل في شرح كلمات مولانا امير المؤمنين عليه السلام ، المناسبة لقتل عثمان فنقول :

قد ذكرنا في شرح بعض كلمات الخطبة الشقشقية : ما جرى بعد مقتل عثمان من بيعة الناس لأمير المؤمنين عليه السلام ، و إرسال معاوية ذلك الكتاب المذكور إلى الزبير يخدعه ، و نكث طلحة و الزبير بيعتهما لأمير المؤمنين ، و ذكرنا ايضا : ان عائشة كانت تحرّض الناس على قتل عثمان ، و تقول : اقتلوا نعثلا ، قتل اللّه نعثلا .

و ذلك لما كان عثمان محصورا في داره ، و كانت عائشة قد تأهبت للحج ،

لأنها قد عرفت ان الخطر متوجه إلى عثمان ، فتجهزت للرحيل إلى مكة فجائها مروان ابن الحكم و سعيد بن العاص فقالا لها : انا لنظن ان الرجل مقتول ، و أنت قادرة على الدفع عنه ، و إن تقيمي يدفع اللّه بك عنه .

عائشة : ما انا بقاعدة ، و قد قدمت ركابي ، و غريت غرائري و اوجبت الحج على نفسي .

مروان و قد خرج من عندها : زخرف قيس عليّ البلاد حتى اضطربت احجما .

عائشة : أيها المتمثل : قد سمعت ما تقول ، أ تراني في شك من صاحبك ؟

و اللّه لوددت انه في غرارة من غرائرى حتى إذا مررت بالبحر قذفته فيه .

سارت عائشة متوجهة إلى مكة ، و كان ابن عباس راجعا من مكة يريد المدينة فالتقيا بمنزل يقال له : ( صلعاء ) .

فقالت عائشة : يا ابن عباس : انك قد اوتيت عقلا و بيانا ، و إياك ان ترد الناس عن قتل الطاغية .

وصلت إلى مكة ، و أدت مناسك الحج ، و لما فرغت بلغها خبر قتل عثمان

[ 240 ]

استبشرت و قالت للناعي : قتلته اعماله ، انه احرق كتاب اللّه ، و امات سنة رسول اللّه فقتله اللّه ، و من بايع الناس ؟

الناعي : لم ابرح من المدينة حتى اخذ طلحة بن عبيد اللّه نعاجا لعثمان ، و عمل مفاتيح لأبواب بيت المال و لا شك ان الناس بايعوه .

عائشة و هي فرحانة : بعدا لنعثل و سحقا ، إيه ذا الاصبع ، إيه ابا شبل ، إيه ابن عم ، للّه ابوك يا طلحة ، اما انهم وجدوا طلحة لها كفوا ، لكأني انظر إلى إصبعه و هو يبايع احنوها لا بل دغدغوها ، وجدوك لها محسنا و لها كافيا ،

شدوا رحلي فقد قضيت عمرتي ، لأتوجه إلى منزلي .

سارت عائشة حتى إذا وصلت إلى موضع يقال له : ( شرفاء ) لقيها رجل يقال له : عبيد بن ام كلاب فسألته عائشة :

ما الخبر ؟

الرجل : قتل عثمان .

عائشة : قتل نعثل ، اخبرني عن قصته و كيف كان امره ؟

الرجل : لما احاط الناس بالدار ، رأيت طلحة بن عبيد اللّه قد غلب على الامر ، و اتخذ مفاتيح على بيوت الأموال و الخزائن ، و تهيأ ليبايع له ، فلما قتل عثمان مال الناس إلى علي بن ابيطالب ، و لم يعدلوا به طلحة و لا غيره ، و خرجوا في طلب علي يقدمهم الأشتر و محمد بن ابي بكر و عمار بن ياسر حتى إذا أتوا عليا و هو في بيت سكن فيه فقالوا له :

بايعنا على الطاعة لك .

علي عليه السلام يتفكر ساعة .

الأشتر : يا علي ان الناس لا يعدلون بل غيرك ، فبايع قبل ان تختلف الناس .

[ 241 ]

و كان في الجماعة طلحة و الزبير ، فظننت أن سيكون بين طلحة و الزبير و علي ابن ابي طالب كلام قبل ذلك ، فقام طلحة و الزبير فبايعا ، و أنا أرى أيديهما على يد علي يصفقانهما ببيعته .

ثم صعد علي بن أبيطالب المنبر ، فتكلم بكلام لا أحفظ إلا أن الناس بايعوه يومئذ على المنبر و بايعوه من الغد ، فلما كان اليوم الثالث خرجت و لا أعلم .

عائشة : لوددت ان السماء انطبقت على الأرض إنتمّ هذا ، انظر ما ذا تقول ؟

الرجل : هو ما قلت لك يا أم المؤمنين .

عائشة : انا للّه ، أكره و اللّه الرجل ، و غصب علي بن أبيطالب امرهم ،

و قتل خليفة اللّه مظلوما ، ردوا بغالي ردوا بغالى .

الرجل : ما شأنك يا أم المؤمنين ؟ و اللّه ما أعرف بين لابتيها أحدا أولى بها من علي ، و لا أحق ، و لا أرى له نظيرا فلما ذا تكرهين ؟

عائشة لا ترد جوابا ، و عزمت على الرجوع إلى مكة ، و في طريقها رآها قيس بن حازم .

عائشة تخاطب نفسها : قتلوا ابن عفان مظلوما .

قيس : يا ام المؤمنين أ لم اسمعك آنفا تقولين : أبعده اللّه ؟ و قد رأيتك قبل أشد الناس عليه ، و أقبحهم فيه قولا .

عائشة : لقد كان ذلك ، و لكن نظرت في أمره فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه .

فقال عبيد بن ام كلاب :

فمنك البدائة و منك الغير
و منك الرياح و منك المطر

[ 242 ]

و أنت أمرت بقتل الامام
و قلت لنا : انه قد كفر

فهبنا اطعناك في قتله
و قاتله عندنا من أمر

و لم يسقط السقف من فوقنا
و لم ينكسف شمسنا و القمر

و قد بايع الناس ذا ارتداء
يزيل الشبا و يقيم الصعر

و تلبس للحرب اوزارها
و ما من و فى مثل من قد غدر

وصلت عائشة إلى مكة ، و جائها رجل يقال له : يعلى بن منبة ، و كان من بني امية و شيعة عثمان و قال لها : قد قتل خليفتك الذي كنت تحرّضين على قتله .

عائشة : برأت إلى اللّه ممن قتله .

الرجل : الآن اظهري البرائة ثانيا من قاتله ، فخرجت إلى المسجد ، فجعلت تتبرء ممن قتل عثمان ، و هنا وصل خبر عائشة إلى طلحة و الزبير و هما في المدينة ،

فكتبا اليها كتبا مع ابن اختها عبد اللّه بن الزبير ، و كان مضمون الكتاب ( خذّلي لي الناس عن بيعة علي ، و اظهري الطلب بدم عثمان ) .

عائشة تقرأ الكتاب ، و تكشف ما في ضميرها ، و تطلب بدم عثمان ، ثم جائت و وقفت عند الحجر الأسود و قالت :

ايها الناس : ان الغوغاء 1 من اهل الأمصار و اهل المياه ، و عبيد اهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل ، فقتلوه ظلما بالأمس ، و نقموا عليه استعمال الأحداث ،

و قد استعمل أمثالهم من قبله ، و مواضع الحمى حماها لهم فتابعهم و نزل لهم عنها ، فلما لم يجدوا حجة و لا عذرا بادروا بالعدوان ، فسفكوا الدم الحرام ، و استحلوا البلد الحرام و الشهر الحرام ، و أخذوا المال الحرام ، و اللّه لإصبع من عثمان خير من طباق الأرض امثالهم ، و اللّه لو ان الذي اعتدوا عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من

-----------
( 1 ) الغوغاء السفله من الناس و المتسرعين الى الشر .

[ 243 ]

خبثه ، و الثوب من درنه ، إذ ماصّوه كما يماص الثوب بالماء .

فتقدم عبد اللّه بن عامر الحضرمي و كان عامل عثمان على مكة و قال :

انا اول طالب بدمه . فكان أول مجيب ، فتبعه بنو امية و كانوا هربوا من المدينة بعد قتل عثمان إلى مكة ، فرفعوا رؤوسهم ، و كان أول ما تكلموا في الحجاز .

فلنذهب إلى المدينة و ننظر ما جرى بين امير المؤمنين عليه السلام و طلحة و الزبير .

ايها القارى‏ء : قد عرفت فيما مضى من كراهة طلحة و الزبير لأمير المؤمنين لتقسيم بيت المال بين المسلمين بالسوية ، فهلم معي إلى مسجد رسول اللّه لننظر ما الخبر ؟

جاء طلحة و الزبير و جلسا في ناحية المسجد ، و جاء مروان بن الحكم و سعيد ابن العاص و عبد اللّه بن الزبير و جلسوا عندهما ، و كان هؤلاء قد امتنعوا عن أخذ قسمتهم من بيت المال ، و جعلوا يطعنون في أمير المؤمنين عليه السلام .

التفت عمار بن ياسر إلى أصحابه و هم جلوس عنده في ناحية اخرى من المسجد قائلا :

هلموا إلى هؤلاء النفر من اخوانكم ، فانه قد بلغنا عنهم و رأينا ما نكره من الخلاف و الطعن لامامهم ، و قد دخل أهل الجفاء بينهم و بين الزبير و الأعسر العاق يعني طلحة .

قام عمار و من معه حتى جلسوا عندهم ، فتكلم أبو الهيثم و قال :

ان لكم لقدما في الاسلام ، و سابقة و قرابة من أمير المؤمنين ، و قد بلغنا عنكم طعن و سخط لأمير المؤمنين ، فان يكن امر لكما خاصة فعاتبا ابن عمتكما و امامكم ،

و ان يكن النصيحة للمسلمين فلا تؤخراه عنه و نحن عون لكما . فقد علمنا ان بني امية لن تنصحكما أبدا و قد عرفتما .

[ 244 ]

أحمد : عرفتما عداوتهم لكما ، و قد شركتما في دم عثمان و ملأتما .

الزبير يسكت ، طلحة بصوت عال : افزعوا جميعا مما تقولون ، فاني قد عرفت ان في كل واحد منكم خطبة .

عمار بعد حمد اللّه و الثناء على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : أنّما صاحبا رسول اللّه ، و قد اعطيتما امامكما الطاعة و المناصحة و العهد و الميثاق على العمل بطاعة اللّه و طاعة رسوله ، و أن يجعل كتاب اللّه .

أحمد يقطع كلام عمار : و جعل كتاب اللّه اماما . ففيم السخط و الغضب لأمير المؤمنين علي بن أبيطالب ؟ فغضب الرجال للحق ، انصرا نصركما اللّه .

عبد اللّه بن الزبير لعمار : لقد تهددت يا أبا اليقظان .

عمار : ما لك تتعلق في مثل هذا يا أعبس ؟ و أمر عمار باخراج عبد اللّه ابن الزبير من المسجد فأخرج .

الزبير يقوم عجلت يا أبا اليقظان على ابن أخيك رحمك اللّه .

عمار : يا ابا عبد اللّه انشدك أن تسمع قول من رأيت ، فانكم معاشر المهاجرين لم يهلك من هلك منكم حتى استدخل في أمره المؤلفة قلوبهم .

الزبير : معاذ اللّه .

عمار : لو لم يبق أحد إلا خالف علي بن أبيطالب لما خالفته ، و لا زالت يدي مع يده ، و ذلك لأن عليا لم يزل مع الحق منذ بعث اللّه نبيه صلى اللّه عليه و آله ،

فاني أشهد أن لا ينبغي لأحد أن يفضّل عليه أحدا .

قام عمار و اصحابه و تشاوروا أن يركبوا إلى أمير المؤمنين با ( لقناة ) فيخبروه بخبر القوم ، فركبوا اليه ، و معهم أبو أيوب الانصاري و سهل بن حنيف و جماعة ،

فدخلوا على أمير المؤمنين و قالوا :

[ 245 ]

يا أمير المؤمنين : انظر في أمرك ، و عاين فوقك هذا الحي من قريش ، فانهم قد نقضوا عهدك ، و أخلفوا وعدك ، و قد دعونا في السر إلى رفضك ، هداك اللّه لرشدك ، و ذلك لأنهم كرهوا الاسوة ، و فقدوا الاثرة ، و لما آسيت بينهم و بين الاعاجم ، أنكروا و استشاروا عدوك و عظموه و أظهروا الطلب بدم عثمان ، فرقة للجماعة ، و تألفا لأهل الضلالة ، فرأيك .

خرج أمير المؤمنين عليه السلام ، و دخل المسجد و صعد المنبر ، مرتديا بطاق ، مؤتزرا ببرد ، متقلدا سيفا متوكئا على قوس فقال :

أما بعد : فانا نحمد اللّه ربنا و الهنا ولي النعم علينا ، الذي أصبحت نعمه علينا ظاهرة و باطنة ، امتنانا منه ، بغير حول منا و لا قوة ، ليبلونا أ نشكر أم نكفر ،

فمن شكر زاده ، و من كفر عذبه ، فافضل الناس عند اللّه منزلة ، و أقربهم من اللّه وسيلة أطوعهم لأمره ، و أعلمهم بطاعته . و أتبعهم لسنة الرسول ، و هذا كتاب اللّه بين أظهرنا ، و عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سيرته فينا ، لا يجهل ذلك إلا جاهل عاند عن الحق منكر ، قال اللّه تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و انثى ، و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم ثم صاح بأعلى صوته أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول ، فان توليتم فان اللّه لا يحب الكافرين .

ثم قال : يا معشر المهاجرين و الأنصار : أ تمنّون على اللّه و رسوله اسلامكم ؟

بل اللّه يمن عليكم ان هداكم للاسلام إن كنتم صادقين ، أنا ابو الحسن و كان يقولها إذا غضب الا ان هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها ، و ترغبون فيها ،

و أصبحت تغضبكم و ترضيكم ليست بداركم و لا منزلكم الذي خلقتم له فلا تغرنكم الخ .

[ 246 ]

فلا تغرنكم ، فقد حذّرتموها ، و استتموا نعم اللّه عليكم بالصبر لأنفسكم على طاعة اللّه و الذل لحكمه جل ثناؤه ، فاما هذا الفي‏ء فليس لأحد فيه إثرة فقد فرّغ اللّه من قسمته ، فهو مال اللّه ، و أنتم عباد اللّه المسلمون ، و هذا كتاب اللّه ، به أقررنا و له أسلمنا ، و عهد نبينا بين أظهرنا ، فمن لم يرض به فليتول كيف شاء ، فان العامل بطاعة اللّه و الحاكم بحكم اللّه لا وحشة عليه .

ثم نزل عن المنبر ، فصلى ركعتين ، ثم بعث بعمار بن ياسر و عبد اللّه بن خل القرشي إلى طلحة و الزبير و هما في ناحية المسجد فدعوهما ، فجاء طلحة و الزبير و جلسا عند أمير المؤمنين عليه السلام فقال أمير المؤمنين :

نشدتكما اللّه هل جئتماني طائعين للبيعة ، و دعوتماني اليها و أنا كاره لها ؟

الرجلان : نعم .

أمير المؤمنين : غير مجبورين و لا معسورين فاسلمتما لي ببيعتكما ، و اعطيتماني عهدكما ؟

الرجلان : نعم .

أمير المؤمنين : فما دعاكما إلى ما أرى ؟

الرجلان : أعطيناك بيعتنا على أن لا تقضي في الامور ، و لا تقطعها دوننا ،

و أن تستشيرنا في كل أمر ، و لا تستبد بذلك علينا ، و لنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت ، فانت تقسم القسم و تقطع الامر و تقضي الحكم بغير مشاورتنا و لا علمنا .

أمير المؤمنين غاضبا : لقد نقمتما يسيرا ، و أرجأتما كثيرا ، فاستغفرا اللّه يغفر لكما ، الا تخبراني أدفعتكما عن حق وجب لكما فظلمتكما اياه ؟

الرجلان : معاذ اللّه .

[ 247 ]

أمير المؤمنين : فهل استأثرت من هذا المال لنفسي بشي‏ء ؟

الرجلان : معاذ اللّه .

أمير المؤمنين : أ فوقع حكم أو حدّ لأحد من المسلمين فجهلته أو ضعفت فيه ؟

الرجلان : معاذ اللّه .

أمير المؤمنين : فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي ؟

الرجلان : خلافك عمر بن الخطاب في القسم ، انك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا ، و سويت بيننا و بين من لا يماثلنا فيها ما افاء اللّه تعالى باسيافنا و رماحنا و اوجفنا عليه بخيلنا و رجلنا ، و ظهرت عليه دعوتنا و اخذناه قسرا قهرا ممن لا يرى الاسلام إلا كرها .

امير المؤمنين : أما ما ذكرتماه من الاستشارة بكما فو اللّه ما كانت لي في الولاية ، رغبة ، و لكنكم دعوتموني اليها و جعلتموني عليها . افخفت ان اردكم فتختلف الامة ، فلما افضت إلىّ نظرت في كتاب اللّه و سنة رسوله فامضيت ما دلاني عليه و اتبعته ، و لم احتج إلى رأيكما فيه و لا رأي غيركما ، و لو وقع حكم ليس في كتاب بيانه ، و لا في السنة برهانه ، و احتيج إلى المشاورة لشاورتكما فيه .

و اما القسم و الاسوة فان ذلك امر لم احكم فيه بادى‏ء بدء ، قد وجدت انا و انّما رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يحكم بذلك و كتاب اللّه ناطق به ، و هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد .

و اما قولكما : « جعلت فيئنا و ما افائته سيوفنا و رماحنا سواء بيننا و بين غيرنا » فقديما سبق إلى الاسلام قوم . و نصروه بسيوفهم و رماحهم ، فلا فضّلهم رسول اللّه بالقسم ، و لا آثر بالسبق و اللّه سبحانه موفّ السابق و المجاهد يوم القيامة اعمالهم ،

[ 248 ]

و ليس لكما و اللّه عندي و لا لغيركما إلا هذا ، اخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحق و ألهمنا و إياكم الصبر ، رحم اللّه امرء رأى حقا فأعان عليه ، و رأى جورا فرده ،

و كان عونا للحق على من خالفه .

قام طلحة و الزبير و انصرفا من عند امير المؤمنين عليه السلام و هما مغضبان ساخطان ، و قد عرفا ما كان غلب في ظنهما من رأيه ، و بعد يومين جائا و استأذنا عليه فأذن لهما ، و كان عليه السلام في علية داره ، فصعدا اليه و جلسا عنده بين يديه و قالا :

يا امير المؤمنين : قد عرفت حال هذه الأزمنة و ما نحن فيه من الشدة ، و قد جئناك لتدفع الينا شيئا نصلح به احوالنا و نقضي به حقوقا علينا .

امير المؤمنين : قد عرفتما مالي ب ( ينبع ) فان شئتما كتبت لكما منه ما تيسر .

الرجلان : لا حاجة لنا في مالك ب ( ينبع ) .

أمير المؤمنين : ما اصنع ؟

الرجلان : اطعنا من بيت المال شيئا لنا فيه كفاية .

امير المؤمنين : سبحان اللّه و اي يد لي في بيت مال المسلمين ؟ و انا خازنهم و امين لهم ، فان شئتما رقيتما المنبر و سألتما ذلك من الناس ما شئتما ، فان اذنوا فيه فعلت ، و انى لي بذلك و هو لكافة المسلمين شاهدهم و غائبهم ؟ و لكني ابدي لكما عذرا الرجلان : ما كنا بالذي نكلفك ذلك ، و لو كلفناك لما اجابك المسلمون .

امير المؤمنين : فما أصنع ؟

الرجلان سمعنا ما عندك .

ثم قاما و نزلا من العلية ، و كانت ام راشد خادمة في بيت الامام فسمعتهما يقولان : و اللّه ما بايعنا بقلوبنا ، و ان كان بايعنا بألسنتنا .

[ 249 ]

تخبر ام راشد امير المؤمنين عليه السلام بذلك .

امير المؤمنين : ان الذين يبايعونك إنما يبايعون اللّه يد اللّه فوق ايديهم ،

فمن نكث فانما ينكث على نفسه و من اوفى بما عاهد اللّه فسيؤتيه اجراً عظيما .

خرج الرجلان من دار امير المؤمنين ، و قد يئسا من بيت المال ، فجعلا يتفكران في كيفية الخروج إلى مكة ، و الالتحاق بعائشة ، إلى ان صار رأيهما على هذا و جائا إلى امير المؤمنين عليه السلام وقت خلوته و قالا :

قد جئناك نستأذنك للخروج في العمرة ، لانا بعيدا العهد بها . ءأذن لنا فيها .

امير المؤمنين ينظر إلى وجوههما ، و يقرأ الغدر من فلتات لسانهما ، و دوران عيونهما ،

و قد احمر وجهه و لاح الغضب فيه فقال :

و اللّه ما تريدان العمرة ، و لكنكما تريدان الغدرة ، و انما تريدان البصرة .

الرجلان : اللهم غفرا ، ما نريد إلا العمرة .

امير المؤمنين : إحلفا لي باللّه العظيم أنكما لا تفسدان عليّ أمر المسلمين ، و لا تنكثان لي بيعة و لا تسعيان في فتنة : فحلفا بالايمان المؤكدة فيما استحلفهما عليه من ذلك ، فخرج الرجلان من عنده .

لقيهما ابن عباس سائلا :

اذن لكما امير المؤمنين ؟

الرجلان : نعم .

و دخل ابن عباس على الامام فابتدأ الامام عليه السلام قائلا :

يا ابن عباس : أ عندك الخبر ؟

ابن عباس : قد رأيت طلحة و الزبير .

امير المؤمنين : انهما استأذنا في العمرة ، فأذنت لهما بعد أن اوثقت منهما

[ 250 ]

بالايمان ان لا يغدرا و لا ينكثا و لا يحدثا فسادا و بعد هنيئة و اللّه يا ابن عباس : اني لأعلم انهما ما قصدا إلا الفتنة ، فكأني بهما و قد صارا الى مكة ليسعيا الى حربي ، فان يعلى بن منبه الخائن الفاجر قد حمل اموال العراق و فارس لينفق ذلك ، و سيفسدان هذان الرجلان علىّ امري ، و يسفكان دماء شيعتي و انصاري .

ابن عباس : اذا كان ذلك عندك يا امير المؤمنين معلوما ، فلم أذنت لهما ؟

هلا حبستهما ، و اوثقهما بالحديد ، و كفيت المؤمنين شرهما ؟

امير المؤمنين متعجبا : يا ابن عباس أ تامرني بالظلم ابدء ، و بالسيئة قبل الحسنة و اعاقب على الظنة و التهمة ، و آؤاخذ بالفعل قبل كونه ؟ كلا و اللّه ، لا عدلت عما أخذ اللّه عليّ مني الحكم و العدل ، و لا ابتدأ بالفصل ، يا ابن عباس : انني اذنت لهما و اعرف ما يكون منهما ، و لكني استظهرت باللّه عليهما و اللّه لأقتلنهما و لأخيبن ظنهما ، و لا يلقيان من الأمر مناهما ، و ان اللّه يأخذهما بظلمهما لي ، و نكثهما بيعتي و بغيهما عليّ خرج الرجلان من المدينة متوجهين الى مكة ، فلنذهب معهما لننظر ما يكون ،

و لقد وصلا الى مكة ، فوجدا بني امية قد احاطوا بعائشة ، و لحق بها جماعة من منافقي قريش ، و لحق بها عبد اللّه بن عمر بن الخطاب و اخوه عبيد اللّه و مروان بن الحكم و اولاد عثمان و عبيدة و خاصته من بني امية ، و جعلوا عائشة مجلئا لهم فيما دبروه من كيد امير المؤمنين عليه السلام ، و صار كل من يبغض عليا او يكرهه او يحسده او يخاف منه استيفاء الحقوق منه ، يلتحق بهذه الجماعة ، و عائشة تنعى عثمان ،

و تبرء من قاتله ، و تحرّض الناس على عداوة أمير المؤمنين ، و تظهر بأن عليا قتل عثمان ظلما ، حتى انه جاء رجل و قال لها :

قرّت عينك ، قتل عثمان ، و بلغت ما اردت من امره .

عائشة : سبحان اللّه ، انما كنت عاتبة عليه من شي‏ء ارضاني فيه .

[ 251 ]

و اللّه ما زال قاتله تعني عليا مؤخرا منذ بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه و آله ، و بعد أن توفي عدل عنه الناس الى الخيرة من أصحاب النبي ، و لا يرونه اهلا للأمر ، و لكنه رجل يحب الإمرة . و اللّه لا تجتمع عليه و لا على أحد من ولده الى يوم القيامة ، ثم التفتت الى الناس و قالت :

معاشر المسلمين : ان عثمان قتل مظلوما ، و لقد قتل عثمان من إصبع عثمان خير منه .

جعلت تحرض الناس و تحثهم على نقض بيعة أمير المؤمنين و نكث عهده ،

و رأى طلحة و الزبير ذلك ، و كانا قد سمعا شيئا لما كانا في المدينة ، و عرفا حالها و حال القوم ،

ثم طافا بالبيت سبعا ، و سعيا بين الصفا و المروة ، و بعثا عبد اللّه بن الزبير الى عائشة و كانت خالته و قالا له إمض الى خالتك و اهد اليها منا السلام ، و قل لها : ان طلحة و الزبير يقرئانك السلام و يقولان لك : ان امير المؤمنين عثمان قتل مظلوما ، و ان علي ابن ابيطالب ابتز الناس أمرهم ، و غلبهم عليه السفهاء الذين تولوا قتل عثمان ، و نحن نخاف انتشار امة محمد ( ص ) فان رأيت ان تسيري و تخرجي معنا ، لعل اللّه يرتق بك فتق هذه الامة ، و يشعب بك صدعها ، و يلم بك شعثهم . و يصلح بك امورهم .

جاء عبد اللّه بن الزبير ، فدخل معها في سترها ، و عبد الرحمن بن مسعود جالس على الباب ، فأبلغها ما ارسلا ، فقالت :

عائشة : سبحان اللّه ، و اللّه ما امرت بالخروج ، و ما يحضرني من امهات المؤمنين إلا ام سلمة فان خرجت خرجت معها :

خرج عبد اللّه بن الزبير و رجع الى طلحة و الزبير فبلغهما ذلك فقال :

الرجلان : ارجع اليها فلتأت ام سلمة فهي اثقل عليها منا ، فجاء ابن الزبير فابلغها ،

فأقبلت حتى دخلت على ام سلمة ، فتعجبت ام سلمة من مجيئها و قالت :

[ 252 ]

ام سلمة : مرحبا بعائشة ، و اللّه ما كنت لي بزاورة عائشة تتضاحك : يا بنت امية : كنت كبيرة امهات المؤمنين ، و كان رسول اللّه يقمو 1 في بيتك و كان صلى اللّه عليه و آله يبعث الى بيتك ما يتحف له ، و كان ينزل الوحي في بيتك ، و انت اقرب منزل من رسول من نسائه و اول من هاجرت معه .

ام سلمة تقطع كلام عائشة : يا بنت ابي بكر : لقد زرتيني و ما كنت بزاورة ،

و لأمر تقولين هذه المقالة ، فما بدا لك ؟

عائشة : ان ابني و ابن اخي تعني طلحة و الزبير اخبر اني ان امير المؤمنين عثمان قتل مظلوما . صرخت ام سلمة صرخه سمعتها من في الدار و قالت : يا عائشة بالأمس تشهدين عليه بالكفر ، و هو اليوم امير المؤمنين قتل مظلوما ؟ عائشة : أنت تعلمين ما نال عثمان من هذه الامة من الظلم و العدوان ، و لا انكر عليهم إلا انهم استتابوه ، فلما تاب و رجع قتلوه ، و قد اخبرني عبد اللّه بن عامر و كان عامل عثمان على مكة انه قد اجتمع بالبصرة مائة الف سيف من الرجال يطلبون بثاره .

ام سلمة متحيرة : فما ذا تريدين ؟

عائشة : اخاف الحرب بين المسلمين ، و سفك الدماء بغير حلّ ، فعزمت على الخروج لأصلح بينهم ، فلو خرجت معنا لرجونا ان يصلح اللّه بنا امر هذه الامة .

ام سلمة تعاتب : اما كنت تحرضين الناس على قتله و تقولين : اقتلوا نعثلا فقد كفر ؟ و ما انت و الطلب بدم عثمان ، و هو رجل من بني عبد مناف ، و انت امرأة من تيم بن مرة ؟ و ما بينك و بينه قرابة ، و ما انت و الخروج على علي بن

-----------
( 1 ) يقمو : يقيم او يأكل و يشرب .

[ 253 ]

ابيطالب اخي رسول اللّه ، و قد اتفق المهاجرون و الانصار على امامته ؟ أ بدم عثمان تطلبين ام امر ابن ابيطالب تنقضين ؟ انك سدة 1 بين رسول اللّه و بين امته ،

و حجابه مضروب على حرمه ، و قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه 2 اسكني عقيرتك فلا تصريحها 3 ان اللّه من وراء هذه الامة ، و قد علم رسول اللّه مكانك ، لو اراد ان يعهد اليك لفعل ، و قد عهد فاحفظي ما عهد ، و لا تخالفي فيخالف بك و اذكري قوله في نباح كلاب الحوأب و قوله : ما للنساء و للغرور ؟ بل قد نهاك عن الفرطة في البلاد ، ان عمود الاسلام لن يثاب بالنساء ان مال ، و لن يراب بهن ان صدع 4 حماديات النساء غض الابصار 5 و خفر الأعراض ، و قصر الوهازة 6 ما كنت قائلة لو ان رسول اللّه عارضك ببعض الفلوات ناصة قلوصك من منهل الى آخر 7 ان بعين اللّه مهواك 8 و على رسوله تردين قد وجهت سدافته 9 و تركت عهده .

و اللّه لو سرت مسيرك هذا ثم قيل لي : ادخلي الفردوس . لاستحييت ان ألقى رسول اللّه هاتكة حجابا قد ضربه اللّه عليّ ، فاتقي اللّه ، اجعلي حصنك بيتك ،

و رباعة الستر قبرك ، حتى تلقيه و أنت على تلك الحال اطوع ما تكونين للّه ما لزمته ،

و انصر ما تكونين للدين ما جلست عنه .

لو ذكرتك من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله خمسا في علي صلوات اللّه عليه

-----------
( 1 ) سدة : باب بينه و بين امته ، فمتى اصيب ذلك الباب استبيح حرمته .

-----------
( 2 ) تندحيه : تفتحيه و توسعيه

-----------
( 3 ) تصحريها : لا تبرزيها و تجعليها بالصحراء .

-----------
( 4 ) لن يثاب بالنساء : لا يرد بهن الى استوائه ، و لن يراب ان صدع : لا يسد بهن .

-----------
( 5 ) حماديات النساء : غاية جهودهن و قصارى فعلهن .

-----------
( 6 ) خفر الاعراض : حياء الجسد ، و قصر الوهازة : تقليل الخطوة .

-----------
( 7 ) ناصة قلوصك : رافعة لها في الستر ،

-----------
( 8 ) مهواك مرادك لا يخفى على اللّه

-----------
( 9 ) وجهت سدافته : هتكت ستره .

[ 254 ]

لنهشتني نهش الحية الرقشاء المطرقة ذات الخبب 1 .

1 ا تذكرين إذ كان رسول اللّه يقرع بين نسائه إذا أراد سفرا ، فأقرع بينهن فخرج سهمي و سهمك ، فبينا نحن معه و هو هابط من قديد و معه علي صلوات اللّه عليه و هو يحدثه فذهبت لتهجمي عليه ، فقلت : رسول اللّه معه ابن عمه ، و لعل اليه حاجة ، فعصيتيني و رجعت باكية فسألتك فقلت :

هجمت عليهما ، و قلت : يا علي انما لي من رسول اللّه يوم من تسعة أيام ، و قد شغلته عني فقال رسول اللّه يخاطبك : ا تبغضيه ؟ فما يبغضه أحد من اهلي و لا من امتي إلا خرج من الايمان .

ا تذكرين هذا يا عائشة ؟

عائشة : نعم .

2 ام سلمة : و يوم أراد رسول اللّه سفرا و أنا اجش له جشيشا فقال :

رسول اللّه : ليت شعري ايتكن صاحبة الجمل الأديب تنبحها كلاب الحوأب .

ام سلمة : فرفعت يدي من الجشيش قائلة : اعوذ باللّه ان اكونه .

رسول اللّه : و اللّه لا بد لأحداكما أن تكونه ، اتقي اللّه يا حميراء ان تكونيه . فضحكت أنت .

رسول اللّه : أ تضحكين يا حمراء الساقين ؟ اني احسبك هيه .

ام سلمة : ا تذكرين هذا يا عائشة ؟

عائشة : نعم .

3 ام سلمة : نشدتك باللّه ا تذكرين يا عائشة يوم تبذّلنا لرسول اللّه صلى

-----------
( 1 ) الرقشاء و المطرقه و ذات الخبب من اوصاف الحية .

[ 255 ]

اللّه عليه و آله فلبست ثيابي و لبست ثيابك ، فجاء رسول اللّه فجلس الى جنبك فقال ،

رسول اللّه : ا تظنين يا حميراء اني لا أعرفك ؟ اما ان لأمتي منك يوما مرا و يوما أحمر .

ام سلمة : أ تذكرين هذا يا عائشة ؟

عائشة : نعم .

4 ام سلمة : و يوم كنت أنا و أنت مع رسول اللّه فجاء ابوك و صاحبه يستأذنان عليه و هو مريض مرضه الذي توفي فيه ، فدخلا الخدر ، فقالا يا رسول اللّه كيف أصبحت ؟

رسول اللّه : أصبحت أحمد اللّه .

الرجلان : لا بد من الموت .

رسول اللّه : أجل لا بد منه .

الرجلان : فهل استخلفت أحدا ؟

رسول اللّه : ما خليفتي عليكم إلا خاصف النعل .

فخرج الرجلان ، فمرّا بعلي بن أبيطالب و هو يخصف نعل رسول اللّه ، و كان علي يخصف نعل رسول اللّه إذا تخرّقت ، و يغسل ثوبه إذا اتسخ ، و كان قد دخل قبل ذلك ، فأخذ نعل رسول اللّه و هي حضرية ليصلح ما و هي منها ، و هو يخصفها خلف البيت ، فلما خرجا خرجت اليه و كنت جريئة عليه .

عائشة : من كنت جاعلا لهم يا رسول اللّه ؟

رسول اللّه : خاصف النعل .

عائشة : ما أرى إلا عليا .

رسول اللّه : هو ذاك .

[ 256 ]

ام سلمة : ا تذكرين هذا ؟ و كل هذا تعريفنه يا عائشة عائشة : نعم .

5 ام سلمة : ا تذكرين يوم جمعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في بيت ميمونة .

فقال : يا نسائي اتقين اللّه و لا يسفر بكن أحد ؟

أم سلمة : أ تذكرين هذا يا عائشة ؟

عائشة : نعم .

ام سلمة : يا عائشة انا أخرج على على عليه السلام بعد الذي سمعته من رسول اللّه ؟

عائشة : ما اقبلني لوعظك ، و اسمعني لقولك ، فان أخرج ففي غير حرج ،

و ان اقعد ففي غير بأس .

قامت عائشة و خرجت من دار ام سلمة تريد الرجوع إلى منزلها ، و عبد اللّه بن الزبير جالس على الباب يسمع جميع ما جرى بين الضرتين فنادى .

عبد اللّه بن الزبير : يا ام سلمة قد علمنا بغضك لآل الزبير ، و ما كنت محبّة لنا ، و لا تجيننا أبدا ام سلمة : أ تريد أن تخرج على خليفة رسول اللّه ، و من علم المهاجرون و الانصار ان رسول اللّه ولاّه أمر هذه الامة ؟

ابن الزبير : ما سمعنا ذلك من رسول اللّه .

ام سلمة : ان كنت لم تسمع فقد سمعت خالتك هذه عائشة فاسألها تحدثك ، و قد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول لعلي بن أبيطالب : أنت خليفتي في حياتي و بعد مماتي ، من عصاك فقد عصاني . أ هكذا يا عائشة ؟

عائشة : نعم سمعته من رسول ، و اشهد به .

[ 257 ]

فخرجت من دار ام سلمة ، و قد اظهرت الامتناع عن الخروج الى البصرة و قالت لعبد اللّه بن الزبير .

عائشة : يا بني لم اؤمر بالخروج . لكني رجعت الى مكة لأعلم الناس ما فعل بعثمان امامهم ، و انه أعطاهم التوبة ، فقتلوه تقيا نقيا بريا ، فيرون في ذلك رأيهم ،

و يثيرون على من ابقرهم امرهم و غصبهم امرهم من غير مشورة من المسلمين و لا مواثرة ، بتكبر و تجبر ، و يظن ان الناس يرون له حقا كما كانوا يرون لغيره ، هيهات هيهات .

يظن ابن ابيطالب يكون في هذا الأمر كابن ابي قحافة ، لا و اللّه ، و من في الناس مثل ابن أبي قحافة ؟ تخضع له الرقاب ، و يلقي اليه المنقاد ، وليها و اللّه ابن ابي قحافة ، خرج منها كما دخل ، ثم وليها اخو بني عدي عمر فسلك طريقه ،

ثم مضيا ، فوليها عثمان بن عفان فركبها رجل له سابقة ، و مصاهرة لرسول اللّه ،

و افعاله مع النبي مذكورة ، لا يعمل احد من الصحابة مثل ما عمل فى ذات اللّه ،

و كان محبا لقومه ، فمال بعض الميل فاستتابه ، فتاب ، ثم قتل فيحق للمسلمين ان يطلبوا بدمه .

عبد اللّه بن الزبير : فاذا كان هذا قولك في علي يا امّه ، و رأيك فى قاتلي عثمان فما الذي يقعدك عن المساعدة على جهاد ابن ابيطالب ؟ و قد حضرك من المسلمين من فيه غنى و كفاية فيما تريدين .

عائشة : يا بني افكر فيما قلت ، و ترجع إليّ .

رجع عبد اللّه بن الزبير الى طلحة و الزبير فاخبرهما .

طلحة و الزبير : قد اجابت امنا و الحمد للّه الى ما نريد ، ثم التفتا الى عبد اللّه بن الزبير و قالا : باكرها في غد ، فذكرها امر المسلمين ، و أعلمها انا قاصدان اليها لنجدد بها عهدا و نحكّم معها عقدا .

[ 258 ]

جاء ابن الزبير اليها بكرة ، و اعاد عليها بعض ما اسلفه من القول اليها ،

فاجابت و وافقت على الخروج .

مناديها : ان ام المؤمنين تريد أن تخرج تطلب بدم عثمان ، فمن كان يريد ان يخرج فليتهيأ للخروج معها .

و جائها طلحة فلما أبصرت به قالت : يا ابا محمد قتلت عثمان و بايعت عليا ؟

طلحة : يا امّه ما مثلى إلا كما قال الأول :

ندمت ندامة الكسعي لما
رأت عيناه ما صنعت يداه

و جاء الزبير و سلم عليها فقالت له : يا ابا عبد اللّه اشتركت في دم عثمان ثم بايعت عليا ؟ و أنت و اللّه أحق بالأمر منه .

الزبير : اما ما صنعت مع عثمان فقد ندمت ، و هربت الى ربي من ذنبي من ذلك ، و لن اترك اطلب بدم عثمان ، و اللّه ما بايعت عليا إلا مكرها .

فلنرجع قليلا الى القهقرى : لما كان عثمان محصورا في المدينة ، و بلغ الخبر الى صنعاء كان عبد اللّه بن أبي ربيعة عامل عثمان على صنعاء ، و لما سمع بان عثمان محصور ،

جمع الناس و أقبل بهم سريعا يريد المدينة ، و في طريقه لقيه رجل يقال له صفوان ابن امية و هو على فرس له يعدو سريعا ، و عبد اللّه بن أبي ربيعة على بغل له ،

فدنى الفرس من البغل . فحادت البغلة ، و طرحت عبد اللّه و سقط عبد اللّه و انكسرت فخذه ، فتطير و تشاءم ، و عرف ان الناس قد قتلوا عثمان ، فصار الى مكة بعد الظهر فوجد عائشة يومئذ بها تدعو الى الخروج لطلب دم عثمان ، فأمر بسرير فوضع له سرير في المسجد ، ثم حمل و وضع عليه فجعل ينادي :

من خرج لطلب دم عثمان فعليّ جهازه .

فجهز ناسا كثيرا ، و لم يستطع الخروج معهم لما كان برجله ، و كان قد

[ 259 ]

صحب مالا جزيلا ، فانفقه في جهاز الناس الى البصرة .

و اما يعلى بن منبه التميمي الذي تقدم ذكره كان عاملا لعثمان على الجند ،

و كان حاجا في تلك الناس ، و هو الذي بشّر عائشة بقتل خليفتها لكنه لما سمع كلام ابن ابي ربيعة خرج من داره و نادى :

ايها الناس من خرج لطلب دم عثمان فعليّ جهازه .

و كان يعلى مشتملا على صرة فيها عشرة آلاف دينار ، و هو يقول : هي من عين اقوّي من طلب بدم عثمان فجعل يعطى الناس ، و اشترى اربعمائة بعير و اناخها بالبطحاء و حمل عليها الرجال .

و وصل هذان الخبران : خبر ابن ابي ربيعة ، يعلى بن منبه ، الى امير المؤمنين عليه السلام ، فقال و اللّه ان ظفرت بابن منبه و ابي ربيعة لأجعلن اموالهما فى سبيل اللّه ثم قال : بلغني ان ابن منبه بذل عشرة آلاف دينار في حربي ، من اين له عشرة آلاف دينار ؟ سرقها من اليمن ، ثم جاء بها ، لأن وجدته لآخذنه بما اقر به .

فلما كان يوم الجمل و انكشف الناس هرب يعلى بن منبه .

تأهب القوم ، و تحقق مسيرهم الى البصرة ، فاجتمع طلحة و الزبير و عائشة و بعض الخواص و البطانة فتذاكروا فيما بينهم ، و مما جرى في ذلك المجلس أن قالوا :

يجب أن نسرع النهضة الى البصرة ، فان بها شيعة عثمان و أنصاره ، و عامله عبد اللّه بن عامر و هو قريبه و نسيبه ، و قد استمد الجنود من فارس و بلاد المشرق لمعونته على الطلب بدم عثمان ، و قد كاتبنا معاوية ان ينفذ لنا الجنود من الشام ، فان ابطئنا عن الخروج خفنا ان يدهمنا علي بمكة ، و او فى بعض الطريق ، يدهمنا فيمن يرى رأيه في عداوة عثمان خوفا من أن يفرّق كلمتنا ، و إذا اسرعنا المسير الى البصرة و اخرجنا عامله منها ، و قتلنا شيعته بها ، و استعنا بامواله منها ، كنا على الثقة

[ 260 ]

من الظفر بابن أبي طالب ، و ان أقام بالمدينة سيّرنا اليه جنودا حتى نحصره فيخلع نفسه ، أو نقتله كما قتل عثمان ، و إن سار فهو كالى‏ء و نحن حامون ، و هو على ظاهر البصرة و نحن بها متحصنون ، فلا يطول الزمان حتى يفل جموعه و يهلك نفسه أو يريح المسلمين من فتنته .

أصبح الصباح و إذا برسول طلحة و الزبير يطرق على ام سلمة بابها قائلا :

ان امير المؤمنين عائشة تريد أن تخرج للطلب بدم عثمان ، فلو خرجت معها رجونا ان يصلح بكما فتق هذه الامة .

ام سلمة بصوت عال : و اللّه ما بهذا امرت و لا عائشة ، لقد امرنا اللّه ان نقرّ في بيوتنا لا نخرج للحرب أو القتال ، مع ان اولياء عثمان غيرنا ، و اللّه لا يجوز لنا عفو و لا صلح و لا قصاص ، و ما ذاك ألا لولد عثمان ، و اخرى تقاتل علي بن ابيطالب أمير المؤمنين ذو البلاء و العناء ، اولى الناس بهذا الأمر ، و اللّه ما انصفتما رسول اللّه في نسائه حيث تخرجوهن الى العراق و تتركوا نسائكم في بيوتكم .

سمعت ام سلمة باجتماع القوم فبكت حتى اخضل خمارها طلبت ثيابها فلبستها و تهيأت للذهاب الى عائشة ، فوعظتها و نصحتها ، و لكن كان كلامها هواء في شبك ،

و لما رأت ان عائشة قد تبدل رأيها و عزمت على المسير أنشأت هذه الأبيات :

لو ان معتصما من زلة أحد
كانت لعائشة الرتبا على الناس

كم سنة لرسول اللّه تاركة
و تلو آي من القرآن مدراس

قد ينزع اللّه من ناس عقولهم
حتى يكون الذي يقضى على الناس

فيرحم اللّه ام المؤمنين لقد
كانت تبدل إيحاشا بإيناس

فقالت عائشة : شتمتيني يا اخت ؟

ام سلمة : لا و لكن الفتنة لما اقبلت غطّت عين البصير ، و إذا ادبرت

[ 261 ]

ابصرها العاقل و الجاهل لقد قتل عثمان بحضرتكم ، و كانا هذان الرجلان أعني طلحة و الزبير يشيعان عليه كما رأيتم ، فلما افضى امره بايعا عليا ، و قد خرجا الآن عليه زعما ان يطلبا بدم عثمان و يريدان أن يخرجا حبيسة رسول اللّه معهم ، و قد عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله الى جميع نسائه عهدا واحدا ان يقرن في بيوتهن ، فان كان مع عائشة عهد سوى ذلك تظهره و تخرجه الينا نعرفه ، فاتقوا اللّه يا عباد اللّه فانا نأمركم بتقوى اللّه و الاعتصام بحبله . و اللّه وليّ لنا و لكم .

بلغ هذا الخبر إلى طلحة و الزبير فكادا يطيران غضبا ، ثم أرسلت ام سلمة الى عائشة قائلة :

لقد وعظتك فلم تتعظي ، و قد كنت أعرف رأيك في عثمان ، و انه لو طلب منه شربة ماء لمنعتيه ، ثم أنت اليوم تقولين : انه قتل مظلوما ، و تريدين أن تثيري لقتال أولى الناس بهذا الأمر قديما و حديثا ، فاتق اللّه حق تقاته ، و لا تتعرضي لسخطه .

عائشة : اما ما كنت ما تعرفيه من رأيي في عثمان فقد كان ، و لا أجد مخرجا منه إلا الطلب بدم عثمان ، و اما علي فاني آمره أن يرد هذا الأمر شورى بين المسلمين ، فان فعل و إلا ضربت وجهه بالسيف حتى يقضي اللّه ما هو قاض .

ام سلمة : اما انا فغير واعظة لك من بعد ، و لا مكلمة اياك جهد طاقتي ،

و اللّه اني لخائفة عليك البوار ثم النار ، و اللّه ليخيبن ظنّك ، و لينصرن اللّه ابن أبيطالب على من بغى عليه و ستعرفين عاقبة ما أقول و السلام .

و كتب الأشتر من المدينة إلى عائشة بمكة :

أما بعد فانك ظعينة رسول اللّه ، و قد أمرك أن تقرّي في بيتك ، فان فعلت فهو خير لك ، و ان أبيت إلا أن تأخذي منسأتك و تلقي جلبابك ، و تبدي للناس

[ 262 ]

شعيراتك قاتلتك حتى أردك إلى بيتك ، و الموضع الذي يرضاه لك ربك .

فكتبت عائشة الجواب :

اما بعد فانك أول العرب شبّ الفتنة و دعى الى الفرقة ، و خالف الأئمة ،

و سعى في قتل الخليفة ، و قد علمت انك لن تعجز اللّه حتى يصيبك منه بنقمة ينتصر بها منك الخليفة المظلوم ، و قد جائني كتابك و فهمت ما فيه ، و سنكفيك و كل من أصبح مماثلك في غيّك و ضلالك إن شاء اللّه .

كتبت ام سلمة إلى أمير المؤمنين من مكة :

اما بعد : فان طلحة و الزبير و أشياعهما أشياع الضلالة يريدون أن يخرجوا بعائشة إلى البصرة ، و معهم عبد اللّه بن عامر بن كريز ، و يذكرون ان عثمان قتل مظلوما ، و انهم يطلبون بدمه ، و اللّه كافيهم بحوله و قوته ، و لو لا ما نهانا اللّه عن الخروج ، و امرنا به من لزوم البيت لم ادع الخروج اليك و النصرة لك ، و لكني باعثة نحوك ابني عدل نفسي : عمر بن ابي سلمة ، فاستوص به يا أمير المؤمنين خيرا .

فلما قدم عمر على أمير المؤمنين عليه السلام اكرمه ، و لم يزل مقيما معه حتى شهد مشاهده كلها ، و وجّهه علي عليه السلام أميرا على البحرين ، و قال عليه السلام لابن عم له : بلغني ان عمر يقول الشعر فابعث الي من شعره .

فبعث اليه ابياتا أولها :

جزتك امير المؤمنين : قرابة
رهنت بها ذكرى جزاء موفرا

فعجب عليه السلام من شعره و استحسنه .

تجهز أصحاب عائشة و جهزهم يعلى بن منبه بستمائة بعير ، و ستمائة الف درهم ،

و جهزهم ابن عامر بمال كثير ، و نادى المنادي :

ان ام المؤمنين و طلحة و الزبير شاخصون الى البصرة ، فمن أراد إعزاز

[ 263 ]

الاسلام و قتال المستحلين ، و الطلب بدم عثمان ، و ليس له مركب فليأت .

خرجت عائشة من مكة في تسعمائة رجل و لحقهم الناس فكانوا ثلاثة آلاف فلما وصلوا ذات عرق منزل بعد مكة بكوا على الاسلام ، فلم ير اكثر باكيا من ذلك اليوم ، و كان يسمى : يوم النحيب خرجت عائشة راكبة على جمل يقال له : ( عسكر ) ، و قد اشترى يعلى بن منبه ذلك الجمل بمأتي دينار ، و قيل : بثمانين دينار ، و كان جملها لرجل من بني عرينة ،

قال العرني بينما أنا أسير إذ عرض لي راكب فقال :

أ تبيع جملك ؟

العرني : نعم .

الراكب : بكم ؟

العرني : بألف درهم .

الراكب : أ مجنون أنت ؟

العرني : و لم ؟ و اللّه ما طلبت عليه أحدا إلا أدركته ، و لا طلبني و انا عليه أحد إلا فتّه .

الراكب : لو تعلم لمن نريده ، انما نريده ، لأم المؤمنين عائشة .

العرني : خذه بغير ثمن .

الراكب : بل ارجع معنا الى الرحل ، فنعطيك ناقة و دراهم .

جاء العرني مع الراكب فاعطوه ناقة مهرية و اربعمائة درهم و قيل غير ذلك ،

جاء العرني بجمله و كان عظيم الخلق شديدا ، فلما رأته اعجبها ، و انشأ الجمال يحدثها بقوته و شدته ، و يقول في اثناء كلامه : عسكر . فلما سمعت هذا اللفظ استرجعت و قالت :

[ 264 ]

ردوه لا حاجة لي فيه . إذ أنها ذكرت حيث سمعت رسول اللّه ذكر لها هذا الاسم و نهاها عن ركوبه ، و امرت ان يطلب لها غيره ، فلم يوجد لها ما يشبهه ، فغيّر لها بجلال غير جلاله ، و قيل لها : قد اصبنا لك اعظم منه خلقا و اشد منه قوة . فرضيت .

لما قبض العرني ناقة و دراهم سأله الراكب : هل لك دلالة بالطريق ؟

العرني انا من ادل الناس .

القوم : فسر معنا . سار العرني ، فلا يمرون بواد إلا سألوه ، حتى إذا وصلوا ماء الحوأب فنبحتها كلابه ، فسألت .

عائشة : اي ماء هذا ؟

العرني : ماء الحوأب .

عائشة تصرخ بأعلى صوتها : انا للّه و انا اليه راجعون ، اني لهيه . سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و عنده نساؤه يقول : ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأديب ، تخرج فتنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها و يسارها قتلى كثيرة ، تنجو بعد ما كادت تقتل .

ردوني ردوني . ثم ضربت عضد البعير و اناخته .

قال ابو مخنف : لما انتهت عائشة في مسيرها الى الحوأب ، و هو ماء لبني عامر ابن صعصعة فنبحتها الكلاب حتى نفرت صعاب إبلها ، فقال قائل من اصحابها :

ما اكثر كلاب الحوأب و ما أشد نباحها : فامسكت زمام بعيرها و قالت :

و انها لكلاب الحوأب ؟ ردوني فاني سمعت رسول اللّه يقول : فذكرت الخبر . . . الخ فقال لها قائل : مهلا ، يرحمك اللّه فقد جزنا ماء الحوأب فقالت هل من شاهد ؟ فلفقوا لها خمسين اعرابيا جعلوا لهم جعلا ، فخلفوا ان هذا ليس بماء الحوأب

[ 265 ]

فسارت لوجهها .

يا صاحبي : فلنرجع الى المدينة و لننظر ما يصنع أمير المؤمنين ، و لنترك عائشة تسير إلى البصرة .

لقد علم امير المؤمنين عليه السلام بخروج القوم و ما خفي عليه شي‏ء ، فأمر المنادي فنادى : الصلاة جامعة . اجتمع الناس في مسجد رسول اللّه ينتظرون أمير المؤمنين .

جاء امير المؤمنين متقلدا سيفه و دخل المسجد ، شخصت الأبصار اليه ، صعد المنبر ، فحمد اللّه و أثنى عليه ، و صلى على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ثم قال :

أما بعد : فان اللّه لما قبض نبيه قلنا : نحن أهله و ورثته و عترته و أوليائه دون الناس ، لا ينازعنا سلطانه أحد ، و لا يطمع في حقنا طامع ، إذ تبزّى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا ، فصارت الامرة لغيرنا ، و صرنا سوقه رعية يطمع فينا الضعيف و يتعزّز علينا الذليل ، فبكت الأعين منا لذلك و خشئت الصدور ، و جزعت النفوس .

و أيم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين ، و ان يعود الكفر ، و يبور الدين ،

لكنّا على غير ما كنا لهم ، فولي الأمر ولاه لم يألوا الناس خيرا ، ثم استخرجتموني ( أيها الناس ) من بيتي فبايعتموني على شنأ مني لأمركم ، و فراسة تصدقني عما في قلوب كثير منكم ، و بايعني هذان الرجلان طلحة و الزبير في أول من بايع ، و تعلمون ذلك و قد نكثا غدرا ، و نهضا إلى البصرة بعائشة ،

ليفرقا جماعتكم و يلقيا بأسكم بينكم .

اللهم فخذ بما عملا أخذة واحدة رابية ، و لا تنعش لهما ضرعة ، و لا تقلهما عثرة ، و لا تمهلهما فواقا ، فانهما يطلبان حقا تركاه . و دما سفكاه . اللهم اني اقتضيك وعدك فانك قلت و قولك الحق ( ثم بغي عليه لينصرنه اللّه . . . )

[ 266 ]

اللهم انجز لي موعدي ، و لا تكلني إلى نفسي ، انك على كل شي‏ء قدير .

ثم نزل عن المنبر ، و لما أراد المسير و الخروج من المدينة الى البصرة خطب الناس بهذه الخطبة فقال بعد أن حمد اللّه تعالى و صلى على رسوله .

ان اللّه لما قبض نبينا استأثرت علينا قريش بالأمر ، و دفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة ، فرأيت ان الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين ،

و سفك دمائهم و الناس حديثوا عهد بالاسلام ، و الدين يمخض مخض الوطب ، يفسده ادنى وهن ، و يعكسه اقل خلق . فولى الأمر قوم لم يألوا في أمرهم إلا اجتهادا ،

ثم انتقلوا إلى دار الجزاء ، و اللّه ولي تمحيص سيئآتهم و العفو عنهم عن هفواتهم فما بال طلحة و الزبير و ليسا من هذا الامر بسبيل لم يصبرا عليّ حولا و لا شهرا حتى وثبا و مرقا و نازعا فى امر لم يجعل اللّه لهما اليه سبيلا بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين ،

يرتضعان أما قد فطمت ، و يحييان بدعة قد أميتت .

أ دم عثمان يطلبون ؟ و اللّه ما التبعة إلا عندهم ، و فيهم ، و ان أعظم حجتهم لعلى أنفسهم ، و أنا راض بحجة اللّه عليهم و علمه فيهم . فان فائا و أنابا فخظهما أحرزا ، و أنفسهما غنما ، و أعظم به غنيمة و إن أبيا اعطيتهما حد السيف و كفى به ناصرا للحق و شافيا من الباطل ثم نزل .

و لما تحقق مسيره إلى البصرة خطب أيضا بهذه الخطبة :

أما بعد : فقد بلغني مسير هذين الرجلين و استخفافهما حبيس رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و استفزازهما أبناء الطلقاء ، و تلبيسهما على الناس بدم عثمان . و هما الّبا عليه و فعلا الأفاعيل ، و خرجا ليضربا الناس بعضهم ببعض ، اللهم فاكف المسلمين مؤنتهما ، و اجزهما الجوازي .

و جعل يحض الناس على الخروج فى طلبهما ، فقام اليه أبو مسعود عقبة بن

[ 267 ]

عمر و قال :

يا أمير المؤمنين ان الذي يفوتك من الصلاة فى مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و يجلسك فيما بين قبره و منبره أعظم ما ترجو من الشام و العراق ، فان كنت انما تسير للحرب فقد أقام عمر بن الخطاب ، و كفاه سعد زحف القادسية ،

و كفاه حذيفة بن اليمان زحف نهاوند ، و ابو موسى زحف تستر و كفاه خالد ابن الوليد زحف الشام .

و إن كنت سائرا فخلّف عندنا شقة منك نرعاه فيك ، و نذكرك ثم قال :

بكت الأرض و السماء على الشاخص
منا يريد أرض العراق

يا وزير النبي : قد عظم الخطب
و طعم الفراق مرّ المذاق

و إذا القوم خاصموك فقوم
ناكسوا الطرف خاضعوا الأعناق

لا يقولون إذ تقول و ان
قلت فقولك المبرز السباق

فعيون الحجاز تذرف بالمدمع
و تلك القلوب عند التراقي

فعليك السلام ما ذرت الشمس
و لاح السراب للرقراق

فقال قيس بن سعد : يا أمير المؤمنين ما على الأرض أحد أحب الينا أن يقيم فينا منك ، لانك نجمنا الذي يهتدى به . و مفزعنا الذي نصير اليه . و ان فقدناك لتظلمن أرضنا و سمائنا ، و لكن و اللّه لو خلّيت معاوية للمكر ليرومنّ مصر ،

و ليفسدن اليمن ، و ليطمعن العراق ، و معه قوم يمانيون ، قد اشربوا قتل عثمان ،

و قد اكتفوا بالظن عن العلم ، و بالشك عن اليقين ، و بالهوى عن الخبر ، فسر بأهل الحجاز و أهل العراق ، ثم إرمه بضيق خناقه و يقصر له من نفسه .

أمير المؤمنين : أحسنت و اللّه يا قيس و أجملت .

دعى أمير المؤمنين ابن عباس و محمد بن أبي بكر و عمار بن ياسر و سهل بن

[ 268 ]

حنيف ، و أخبرهم بهذا الخبر توجه عائشة إلى البصرة مع طلحة و الزبير فقال محمد بن أبي بكر :

ما يريدون يا أمير المؤمنين ؟

أمير المؤمنين يتبسم : يطلبون دم عثمان .

محمد بن أبي بكر : و اللّه ما قتله غيرهم .

أمير المؤمنين يتوجه إلى القوم : أشيروا عليّ بما أسمع منكم القول فيه .

عمار : الرأي أن تسير إلى الكوفة . فان أهلها شيعة ، و قد انطلق هؤلاء القوم إلى البصرة .

ابن عباس : الرأي عندي يا أمير المؤمنين أن تقدم رجالا إلى الكوفة فيبايعوا لك . و تكتب إلى الأشعري : أن يبايع لك ، ثم بعده المسير حتى تلحق بالكوفة فتعاجل القوم قبل أن يدخلوا البصرة ، و تكتب إلى ام سلمة فتخرج معك فانها لك قوة .

أمير المؤمنين : بل انهض بنفسي و من معي من أتباع الطريق وراء القوم ،

فان أدركتهم بالطريق أخذتهم ، و إن فاتوني كتبت إلى الكوفة ، و استمددت الجنود من الأمصار و سرت اليهم .

و اما ام سلمة فاني لا أرى إخراجها من بيتها كما رأى الرجلان إخراج عائشة .

و دخل اسامة بن زيد و قال :

يا أمير المؤمنين : فداك أبي و امي ، لا تسر ، و انطلق إلى مالك ب ( ينبع ) و خلّف على المدينة رجلا ، و أقم بمالك ، فان العرب لهم جولة ، ثم يصيرون اليك .

ابن عباس : ان هذا القول منك يا اسامة على غير غل في صدرك فقد أخطأت وجه الرأي منه ، ليس هذا برأي : بعير يكون و اللّه كهيئة الضبع في مغارتها .

[ 269 ]

اسامة : فما الرأي ؟

ابن عباس : ما اشرت به اليه ، و ما رأى امير المؤمنين لنفسه .

أمير المؤمنين ينادي : تجهزوا للمسير ، فان طلحة و الزبير نكثا البيعة .

و نقضا العهد و أخرجا عائشة من بيتها يريدان البصرة لاثارة الفتنة ، و سفك دماء أهل القبلة ، و رفع يديه للدعاء :

اللهم ان هذين الرجلين قد بغيا عليّ و نكثا عهدي ، و نقضا عقدي ، و شقياني بغير حق سوّمهما ذلك اللهم خذهما بظلمهما و اظفرني بهما ، و انصرني عليهما .

ثم ان امير المؤمنين جعل تمام بن عباس ( و قيل : سهل بن حنيف ) واليا على المدينة ، و بعث قثم بن عباس إلى مكة و خرج من المدينة في سبعمائة رجل من المهاجرين و الأنصار ، و هو راكب على جمل أحمر و يقول :

سيروا مبلّين و حثوا السيرا
في طلحة التميمي و الزبيرا

إذ جلبا شرا و عافا خيرا
يا رب ادخلهم غدا سعيرا

و سار حتى وصل الربذة ، فوجد القوم قد ارتحلوا عن الربذة فمكث هناك اياما .

و قد كان أمير المؤمنين عليه السلام ارسل محمد بن الحنفية و محمد بن أبي بكر إلى الكوفة عند خروجه من المدينة ، و كان ابو موسى الأشعري واليا عليها ، و بعث معهما كتابا إلى ابي موسى الأشعري ، و هذا مضمونه :

أخرج الناس عن حجرتك ، و ارفع عنهم سوطك ، و اجلس بالعراق ، فان خففت فاقبل ، و ان ثقلت فاقعد .

فلما قرأ الأشعري الكتاب قال : بل اثقل ثم اثقل : ثم انه أساء القول لمحمد ابن الحنفية ، و محمد بن أبي بكر ، و اغلظ لهما و قال :

[ 270 ]

و اللّه ان بيعة عثمان لفي رقبة صاحبكم و في رقبتي ، ما خرجنا منها .

ثم صعد المنبر و قال : أيها الناس إنا اصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ،

و نحن أعلم بكم بهذه الفتنة ، فاحذروها ، ان عائشة كتبت إلي : ان اكفني من قبلك .

و هذا علي بن ابيطالب قادم اليكم يريد أن يسفك بكم دماء المسلمين ، فكسّروا نبذكم و اقطعوا اوتاركم ، و اضربوا الحجارة بسيوفكم .

فسمع محمد بن الحنفية هذا القول ثم التفت الى محمد بن أبي بكر و قال : يا اخي ما عند هذا خير ، فارجع بنا الى امير المؤمنين نخبره الخبر .

و لما نزل امير المؤمنين عليه السلام الربذة ، بعث كتابا بيد هاشم بن عتبة المرقال إلى ابي موسى الأشعري . قبل أن يرجع محمد بن الحنفية و محمد بن ابي بكر ،

و يخبراه بما صنع الأشعري و هذا كتابه عليه السلام :

من عبد اللّه علي امير المؤمنين : اما بعد فاني بعثت اليك هاشم بن عتبة لتشخص إليّ من قبلك من المسلمين ليتوجهوا إلى قوم نكثوا بيعتي ، و قتلوا شيعتي ، و احدثوا في الاسلام هذا الحدث العظيم ، فأشخص الينا بالناس معه ، حين يقدم اليك ، و لا تحبسه ، فاني لم اولّك المصر الذي أنت به و لم أقرك عليه إلا لتكون من اعواني على الحق و انصاري على هذا الأمر و السلام .

جاء هاشم بالكتاب إلى الأشعري فلما قرأ ذلك الكتاب قال له هاشم :

اتبع ما كتب به اليك فأبى ذلك ، و كسر الكتاب و محاه و بعث إلى هاشم يتوعده و يهدده بالسجن .

فكتب هاشم إلى امير المؤمنين كتابا و أرسله مع المحل بن خليفة ، و ذكر في الكتاب : ان ابا موسى الأشعري امتنع عن البيعة و انه رجل شاق ، بعيد

[ 271 ]

الود ، ظاهر الغل و الشقاق و أنه هدّدني بالسجن ، و قد بعثت اليك هذا الكتاب مع المحل بن خليفة اخي طي و هو من شيعتك ، و أنصارك ، و عنده علم ما قبلنا ، فاسأله عما بدا لك ، و اكتب الي برأيك أتّبعه و السلام .

و كان أمير المؤمنين قد ارتحل من الربذة الى منزل يقال له : قائد ، و قد جعل من جبال طي ، فلما قدم المحل بن خليفة على أمير المؤمنين عليه السلام قال المحل :

الحمد للّه الذي ردّ الحق إلى اهله ، و وضعه موضعه ، فكره ذلك قوم ، و قد و اللّه كرهوا نبوة محمد صلى اللّه عليه و آله ، ثم بارزوه و جاهدوه ، فردّ اللّه كيدهم في نحورهم ، و جعل دائرة السوء عليهم و اللّه يا امير المؤمنين لنجاهدنهم معك فى كل موطن حفظا لرسول اللّه فى أهل بيته ، إذ صاروا أعداء لهم بعده .

أمير المؤمنين : مرحبا بك ، اجلس و أشار إلى جانبه فجلس محل ،

و قرأ امير المؤمنين الكتاب ، و لاح الغضب فى وجهه ، فسأله امير المؤمنين عن ابي موسى الاشعرى فقال المحل : يا امير المؤمنين ما اثق به ، و لا امنه على خلافك ان وجد من يساعده على ذلك .

امير المؤمنين : و اللّه ما كان عندي بمؤتمن و لا ناصح ، و لقد اردت عزله فاتاني الاشتر فسألني ان اقرّه ، و ذكر : ان اهل الكوفة به راضون . فاقررته على كره مني له ، و علمت على صرفه من بعد ، و لقد كان الذين تقدموني استولى على مودته ، و ولوه و سلطوه بالامرة على الناس .

فبينما امير المؤمنين كذلك إذ أقبل سواد كثير من قبل جبال طى فقال امير المؤمنين :

انظروا ما هذا السواد ؟ تراكضت الرجال بخيولهم ثم رجعوا إلى امير المؤمنين فقالوا : هذه طي ، قد جائتك تسوق الغنم و الابل و الخيل ، فمنهم من جائك بهدايا ،

[ 272 ]

و كرامته . و منهم من يريد النفوذ معك الى عدوك . فقال امير المؤمنين :

جزى اللّه طيا خيرا ، و فضل اللّه المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما .

وصلت طي الى امير المؤمنين ، فسلموا عليه . قال المحل بن خليفة : فسرني و اللّه ما رأيت من جماعتهم و حسن هيئتهم ، و تكلموا فأقروا و اللّه لعيني ، ما رأيت خطيبا أبلغ من خطيبهم ، و كان معهم عدي بن حاتم الطائي فقام خطيبا ، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال :

اما بعد يا أمير المؤمنين فاني كنت اسلمت على عهد رسول اللّه ، و أديت الزكاة على عهده ، و قاتلت أهل الردة من بعده ، اردت بذلك ما عند اللّه ، و على اللّه ثواب من أحسن و اتقى ، و قد بلغنا ان رجالا من أهل مكة نكثوا بيعتك ، و خالفوا عليك ظالمين ، فأتيناك لننصرك بالحق ، فنحن بين يديك فمرنا بما تحب ، ثم أنشأ يقول :

فنحن نصرنا اللّه من قبل ذاكم
و أنت بحق جئتنا فسننصر

سنكفيك دون الناس طرا بنصرنا
و أنت به من سائر الناس اجدر

امير المؤمنين : جزاكم اللّه من حي عن الاسلام و اهله خيرا ، فقد اسلمتم طائعين ، و قاتلتم المرتدين ، و نويتم نصر المسلمين :

سعيد بن عبيد البختري : يا أمير المؤمنين : ان من الناس من يقدر ان يعبّر بلسانه عما في قلبه ، و منهم من لا يقدر أن يبين ما يجد في نفسه بلسانه . فان تكلف ذلك شق عليه و إن سكت عما في قلبه برح به الهم و البرم ، و اني و اللّه ما كل في نفسي أقدر ان اؤديه اليك بلساني ، و لكن و اللّه لأجهدن على أن ابيّن لك ، و اللّه ولي التوفيق :

اما انا فاني ناصح لك في السر و العلانية ، و مقاتل معك الاعداء في كل

[ 273 ]

موطن ، و أرى لك من الحق ما لم اكن أره لمن كان قبلك و لا لأحد اليوم من أهل زمانك ، لفضيلتك في الاسلام ، و قرابتك من الرسول ، و لن افارقك ابدا حتى تظفر او اموت بين يديك .

امير المؤمنين : يرحمك اللّه فقد أدى لسانك ما يجد ضميرك لنا ، و نسأل اللّه ان يرزقك العافية و يثيبك الجنة .

و تكلم غيرهما و لكن لم يحفظ كلامهما ثم جعل عليه السلام يسأل من إبن عباس عن اهل الكوفة فقال :

امير المؤمنين : يابن عباس ما الرأي عندك في اهل الكوفة ؟

ابن عباس : انفذ عمارا ، فانه رجل له سابقة في الاسلام ، و قد شهد بدرا ،

فانه ان تكلم هناك صرف الناس اليك ، و انا اخرج معه ، و ابعث معنا الحسن ابنك .

فكتب امير المؤمنين كتابا إلى الاشعري ، و كتابا إلى اهل الكوفة و ارسلهما بيد هؤلاء الثلاثة ، اما الكتاب الذي بعثه الى الاشعري فهذا :

من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى عبيد اللّه بن قيس اما بعد : يابن الحائك . . . و اللّه اني كنت لأرى بعدك من هذا الأمر الذى لم يجعلك اللّه له اهلا ، و لا جعل لك نصيبا سيمنعك من رد امرى و الافتراء عليّ و قد بعثت لك الحسن و عمارا و قيسا فأخل لهما المصر و اهله ، و اعتزل عملنا مذموما مدحورا ، فان فعلت ، و إلا أمرتهم ان ينابذوك على سواء ان اللّه لا يحب الخائنين ، فان اظهروا عليك قطعوك إربا إربا ، و السلام على من شكر النعمة ، و وفى بالبيعة و عمل برجاء العافية .

و هذا كتابه إلى اهل الكوفة :

بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه علي امير المؤمنين إلى اهل الكوفة جبهة الانصار و سنام العرب اما بعد :

[ 274 ]

فاني اخبركم عن امر عثمان حتى يكون سمعه كعيانه : ان الناس طعنوا عليه فكنت رجلا من المهاجرين اكثر استعتابه و أقل عتابه ، و كان طلحة و الزبير اهون سيرهما فيه الرجيف ، و أرفق حدائهما العنيف . . . الخ كان امير المؤمنين قد ارسل ابن عباس و محمد بن ابي بكر مع هذا الكتاب فابطأ ابن عباس ، و لم يدر امير المؤمنين ظاهرا ما صنعا ، فرحل إلى ذي قار و من هناك أرسل ولده الحسن و عمار بن ياسر و زيد بن صوحان و قيس بن سعد و معهم هذا الكتاب ، و كان اهل الكوفة قد خرجوا إلى القادسية لاستقبالهم . فلما دخلوا الكوفة قرأوا كتابا و هو :

من عبد اللّه علي امير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين اما بعد :

فاني خرجت مخرجي هذا إما ظالما و اما مظلوما ، و إما باغيا و اما مبغيا علي ،

فانشد اللّه رجلا بلغه كتابي هذا إلا نفر الي ، فان كنت مظلوما اعانني ، و ان كنت ظالما استعتبني و السلام .

و لما وصلوا الى الكوفة و اجتمع الناس اليهم قام الحسن عليه السلام فاستنفر الناس ، فحمد اللّه و صلى على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ثم قال :

ايها الناس : انا جئناكم ندعوكم إلى اللّه و سنة رسوله ، و الى افقه من تفقه من المسلمين ، و اعدل من تعدلون ، و افضل من تفضلون و اوفى من تبايعون من لم يعيه القرآن ، و لم تجهله السنة ، و لم تقعد به السابقة ، الى من قربه اللّه الى رسوله قرابتين : قرابة الدين و قرابة الرحم ، الى من سبق الناس الى كل مأثرة ، الى من كفى اللّه به رسوله و الناس متخاذلون ، فقرب منه و هم متباعدون ، و صلى معه و هم مشركون ، و قاتل معه و هم منهزمون و بارز معه و هم محجمون ، و صدقه و هم مكذبون ،

الى من لا ترد له راية ، و لا تكافى له سابقة ، و هو يسألكم النصر ، و يدعوكم الى

[ 275 ]

الحق ، و يسألكم المسير اليه لتوازروه و تنصروه على قوم نكثوا بيعته ، و قتلوا اهل الصلاح من اصحابه و مثلوا بعماله ، و انتهبوا بيت ماله .

فاشخصوا اليه رحمكم اللّه فمروا بالمعروف و انهوا عن المنكر ، و احضروا بما يحضر به الصالحون .

و لإمامنا الحسن عليه السلام خطبة بل خطب اخرى في الكوفة ، كما و ان لكل واحد من عمار بن ياسر و زيد بن صوحان و قيس بن سعد رضوان اللّه عليهم خطباء خطبوا بها في الكوفة مذكورة في الكتب المفصلة .

و كان هؤلاء كلما خطبوا خطبة ، و حرّضوا الناس على نصرة امير المؤمنين كان ابو موسى الاشعرى يقوم و يخطب خطبة و ينقض ما ابرموا . و يفسد كلامهم كالخل الذي يفسد العسل ، و في تلك الأيام قام قيس بن سعد في مسجد الكوفة خطيبا و قال : ايها الناس :

ان هذا الامر لو استقبلنا به الشورى لكل علي أحق الناس به ، لمكانته من رسول اللّه ، و كان قتال من ابى ذلك حلالا ، فكيف بالحجة على طلحة و الزبير ،

و قد بايعاه طوعا ، ثم خلعاه حسدا و بغيا ، و قد جائكم علي عليه السلام في المهاجرين و الانصار ثم أنشأ يقول :

رضينا بقسم اللّه إذ كان قسمتا
عليا و ابناء الرسول محمد

الخ فقام ابو موسى الاشعرى فقال : أيها الناس :

اطيعوني تكونوا جرثومة العرب ، يأوى اليكم المظلوم ، و يأمن فيكم الخائف ،

إنا أصحاب محمد اعلم بما سمعناه : ان الفتنة ان اقبلت شبهت ، و ان ادبرت بينت ،

و أن هذه الفتنة نافذة كداء البطن ، تجري بها الشمال و الجنوب ، و تشتبك احيانا فلا ندري من اين تأتى ؟ اشيموا سيوفكم ، و قصروا رماحكم ، و قطعوا اوتاركم

[ 276 ]

و الزموا البيوت ، خلوا قريشا اذا أبو إلا الخروج من دار الهجرة ، و فراق اهل العلم بالامرة و ترتق فتقها ، و تشعب صدعها ، فان فعلت فلنفسها ، و إن ابت فعليها جنت . . . استنصحوني و لا تغشوني يسلم لكم دينكم و دنياكم ، و يشقى بهذه الفتنة من خباها .

فقام زيد بن صوحان ، و كانت يده قطعت يوم جلولاء ، ثم قال : يا ابا موسى : تريد ان ترد الفرات عن ادراجه ؟ انه لا يرجع من حيث بدا ، فان قدرت على ذلك فستقدر على ما تريد ؟ ويلك الم أ حسب الناس أن يتركوا ان يقولوا آمنا و هم لا يفتنون ، ثم قال :

ايها الناس : سيروا الى امير المؤمنين ، و اطيعوا ابن سيد المرسلين الحسن و انفروا اليه اجمعين تصيبوا الحق و تظفروا بالرشد ، قد و اللّه نصحتكم فاتبعوا رأيي ترشدوا .

و قام غير هؤلاء من الناس و خطبوا الخطب ، غير ان ابا موسى كان يقابلهم بصلابة وجهه و قلة حيائه ، و خبث ضميره في سوء لسانه .

وصلت هذه الأخبار كلها إلى امير المؤمنين عليه السلام فقام اليه البطل الضرغام مالك الأشتر رضوان اللّه عليه و قال : يا امير المؤمنين :

انك قد بعثت إلى الكوفة رجلا . . . و هؤلاء اخلف من بعثت . . . .

و لست ادرى ما يكون ؟ فان رأيت جعلت فداك ان تبعثني في إثرهم ، فان اهل الكوفة احسن لي طاعة ، و ان قدمت عليهم رجوت ان لا يخالفني احد منهم .

فقال امير المؤمنين : الحق بهم على اسم اللّه .

اقبل الاشتر حتى دخل الكوفة ، و قد اجتمع الناس بالمسجد الاعظم ، فاخذ لا يمر بقبيلة فيها جماعة في مجلس أو مسجد إلا دعاهم ، و قال لهم : اتبعوني الى القصر .

[ 277 ]

فانتهى إلى القصر في جماعة من الناس ، و احتمل دار الامارة و تصرّفها ،

و ابو موسى قائم في المسجد الاعظم و هو لا يدري بما جرى .

يخطب ابو موسى في المسجد ، و يخوّف الناس بالفتنة و يوهن عزمهم و يثبطهم عن نصرة امير المؤمنين ، و عمار و الحسن عليه السلام و زيد و غيرهم يقولون له :

اعتزل عملنا ، لا امّ لك ، و تنح عن منبرنا .

و في تلك الاثناء دخل غلمان ابي موسى ينادون : يا ابا موسى : هذا الاشتر ،

اخرج من المسجد . و دخل اصحاب الاشتر و قالوا : اخرج من المسجد ، يا ويلك اخرج اللّه روحك ، انك و اللّه لمن المنافقين .

خرج ابو موسى من المسجد خائبا مخذولا و ارسل الى الاشتر : ان اجّلني هذه العشية قال الاشتر : قد أجلتك ، و تبيت في القصر هذه الليلة .

هجم الناس ينتهبون متاع ابو موسى ، فمنعهم الاشتر ، و قال : قد أجلته .

و خطب امامنا الحسن خطبة فصيحة بليغة ، ثم خرج الاشتر الى المسجد و صعد المنبر فحمد اللّه و اثنى عليه ثم قال : ايها الناس :

اصغوا باسماعكم ، و افهموا لي بقلوبكم : ان اللّه عز و جل قد انعم عليكم بالاسلام نعمة لا تقدرون قدرها ، و لا تردون شكرها ، كنتم اعداء يأكل قويكم ضعيفكم ، و ينتهب كثيركم قليلكم ، و تنتهك حرمات اللّه بينكم ، و السبيل مخوف ،

و الشرك عندكم كثير ، و الارحام عندكم مقطوعة ، و كل اهل دين لكم ظاهرون ،

فمنّ اللّه عليكم بمحمد صلى اللّه عليه و آله فجمع شمل هذه الفرقة ، و ألف بينكم بعد العداوة ، و كثّركم بعد ان كنتم قليلين ، ثم قبضه اللّه و حوّله اليه ، فحوى بعده رجلان ، ثم ولى بعدهما رجل نبذ كتاب اللّه وراء ظهره ، و عمل في احكام اللّه بهوى نفسه ، فسألناه ان يعتزل لنا نفسه ، فلم يفعل ، و اقام على أحداثه ، فاخترنا هلاكه

[ 278 ]

على هلاك ديننا و دنيانا . . . و قد جائكم اللّه بأعظم الناس مكانا و اعظمهم فى الاسلام سهما ، ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و افقه الناس فى الدين ،

و أقرأهم كتاب اللّه ، و اشجعهم عند اللقاء يوم البأس ، و قد استنفركم فما تنتظرون ؟

أ سعيد ام الوليد ؟ الذي شرب الخمر و صلى بكم على سكر ، و استباح ما حرّمه اللّه فيكم ؟ اى هذين الرجلين تريدون ؟ قبّح اللّه من له هذا الرأي ، فانفروا مع الحسن ابن بنت نبيكم و لا يتخلف رجل له قوة ، فو اللّه ما يدري رجل منكم ما يضره و ما ينفعه ، و انى لكم ناصح ، شفيق عليكم ان كنتم تعقلون أو تبصرون ،

اصبحوا ان شاء اللّه غدا غادين مستعدين .

و هذا وجهي الى ما هناك بالوفاء .

ثم قام حجر بن عدي الكندي و خطب خطبة يستنفر الناس ، و يذكر فضائل امير المؤمنين عليه السلام ، فأجاب الناس بالسمع و الطاعة .

و صعد ابن عباس المنبر و عزل ابا موسى الاشعري عن الولاية و خلعه عنها و استخلف قرضة بن كعب على الكوفة فلم يبرحوا من الكوفة حتى سيّروا سبعة آلاف رجل ، و التحقوا بأمير المؤمنين عليه السلام فى ذى قار ، و قد التحق به قبل ذلك الفان من قبيلة طي ، و قد خرج معه جماعة من المدينة ، و كذلك التحق به فى اثناء الطريق ، فقام امير المؤمنين فيهم خطيبا و خطب خطبة تظلم من ايدى المتآمرين عليه ، بعد ان ذكر شطرا من مكارم اخلاق اهل الكوفة و لما انتهى من خطبته ،

نزل عن المنبر .

فقال اهل الكوفة : نحن انصارك و اعوانك على عدوك ، و لو دعوتنا الى اضعافهم من الناس احتسبنا في ذلك الخير ، و رجوناه .

و لما أراد أمير المؤمنين عليه السلام أن يغادر ( ذا قار ) قام في القوم و خطب

[ 279 ]

خطبة مفصلة ، فقام اليه الأشتر و بعده ابن التيهان و تكلم بكلام تأييدا لأمير المؤمنين عليه السلام امامنا إلى عدي بن حاتم الطائى فقال له :

يا عدى : أنت شاهد لنا . و حاضر معنا و ما نحن فيه .

عدي : شهدتك أو غبت عنك ، فانا عند ما احببت ، هذه خيولنا معدّة ،

و رماحنا محدة و سيوفنا محمّرة ، فان رأيت أن تتقدم تقدمنا ، و أن تجمح اجمحنا ، نحن طوع لأمرك فامر بما شئت نسارع إلى امتثال أمرك .

و في تلك الأيام التي كان امير المؤمنين في ذي قار كتبت عائشة إلى حفصة بنت عمر بن الخطاب و هي فى المدينة : اما بعد فانا نزلنا البصرة ، و نزل علي بذي قار ،

و اللّه داق عنقه ، كدق البيضة على الصفا ، انه بمنزلة الأشقران قدّم نحر ، و إن تأخر عقر .

و لما وصل الكتاب إلى حفصة استبشرت بذلك ، و دعت صبيان بني تميم و عدي ، و اعطت جواريها دفوفا ، و أمرتهن أن يضربن بالدفوف و يقلن :

ما الخبر ما الخبر ؟ علي كالأشقر ، بذي قار ، ان تقدم نحر ، و ان تأخر عقر ،

فبلغ ام سلمة اجتماع النساء على ما اجتمعن عليه من سب أمير المؤمنين فبكت و قال :

اعطوني ثيابي حتى اخرج اليهن و اوقع بهن .

فقالت ام كلثوم بنت أمير المؤمنين : انا أنوب عنك ، فانني أعرف منك ،

فلبست ثيابها و تنكرت ، و تحضرت ، و استصحبت جواريها متخفرّات ، و جائت حتى دخلت عليهن كانها من النظارة ، فلما رأت ما هن فيه كشفت نقابها و أبرزت لهن وجهها ، ثم قالت لحفصة :

ان تظاهرت أنت و اختك على أمير المؤمنين فقد تظاهرتما على أخيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من قبل ، فانزل اللّه عز و جل فيكما ما أنزل ، و اللّه من

[ 280 ]

وراء حربكما ، فانكسرت حفصة ، و أظهرت خجلا و قالت : انهن فعلن هذا بجهل ، و فرقتهن في الحال .

و قد أرادت حفصة الخروج مع عائشة ، و استعدت للمسير ، و لكن اخاها عبد اللّه بن عمر دخل عليها و عزم عليها ان لا تخرج ، فجلست .

و خرج أمير المؤمنين بذلك الجيش العرمرم الى ناحية البصرة .

فلنترك امير المؤمنين عليه السلام متوجها الى البصرة مع ذلك الجيش الجرار ،

و لنذهب إلى البصرة لنظر ما هناك و ما صنعت عائشة و أصحابها ؟

لقد مر عليك يا صاحبي وصول عائشة إلى ماء الحوأب و قد نبحتها كلابها ، و قالت : ردوني ، ثم جاؤا بشهود فشهدوا انه ليس ماء الحوأب ، ثم انها توجهت مسرعة الى البصرة حتى وصلت إلى حفر أبي موسى ، و هي آبار حفرها أبو موسى على جادة البصرة الى مكة ، فنزلوا هناك .

سمع عثمان بن حنيف و هو عامل البصرة يومئذ و خليفة امير المؤمنين عليه السلام بذلك و كان عنده حكيم بن جبلة ، فقال له حكيم ما الذي بلغك ؟

عثمان بن حنيف : اخبرت ان القوم نزلوا حفر أبي موسى .

حكيم : ائذن لي أن أسير اليهم ، فاني رجل في طاعة امير المؤمنين ( ع ) .

عثمان : توقف عن ذلك حتى اراسلهم .

حكيم يتأوه : انا للّه ، هلكت و اللّه يا عثمان .

عثمان يعرض عن حكيم ، ثم أرسل إلى عمران بن حصين و أبي الأسود الدئلي ،

فذكر لهما قدوم القوم البصرة ، و حلولهم حفر أبي موسى ، و طلب منهما المسير إلى القوم ، و سؤالهم عما قصدوا و كفهم عن الفتنة .

خرج عمران و أبو الأسود حتى دخلا على عائشة فقالا :

[ 281 ]

يا أم المؤمنين ما حملك على المسير ؟ ما الذي أقدمك هذا البلد ؟ و أنت حبيسة رسول اللّه و قد امرك اللّه ان تقري في بيتك ؟

عائشة : غضبت لكما من سوط عثمان و عصاه ، و لا اغضب أن يقتل ، و لا اغضب على عثمان من السيف ؟

الرجلان : و ما أنت من سوط عثمان و عصاه ؟ انت حبيسة رسول اللّه و إنا نذكرك اللّه ان يهراق الدماء في سبيلك ، و ان تحملي الناس بعضهم على بعض .

عائشة : انما جئت لأصلح بين الناس ، ثم التفتت الى عثمان و قالت :

هل أنت مبلّغ عني عثمان بن حنيف رسالة عثمان : لا ابلغه عنك إلا خيرا .

ابو الأسود : انا ابلغه عك فهاتي .

عائشة : قل له : يا طليق ابن ابي عامر : بلغني انك تريد لقائي لتقاتلني .

ابو الأسود : نعم و اللّه ليقاتلك .

عائشة : و انت ايضا يبلغني عنك بما يبلغني قم ، و انصرف .

عائشة : و هل من أحد يقاتلني ؟

ابو الأسود : نعم و اللّه قتالا أهونه شديد .

و خرجا من عندها ، فدخلا على الزبير ، و قالا :

يا ابا عبد اللّه : ننشدك اللّه ان يهراق الدماء في سبيلك .

الزبير : ارجعا من حيث جئتما ، ان لا تفسدا علينا .

خرج الرجلان آيسين من الزبير ، فدخلا على طلحة و قالا :

ننشدك اللّه ان يهراق الدماء في سبيلك .

طلحة : ا يحسب علي بن ابيطالب انه إذا غلب على أمر المدينة ان الأمر له ، و انه

[ 282 ]

لا أمر إلا امره ؟ و اللّه ليعلمن . فانصرفا من حيث جئتما ، و جعل يوقع في علي و يسبه .

خرجا من عند طلحة فانصرفا الى عثمان بن حنيف فاخبراه الخبر .

و قال الزبير لقوم عنده : صبّحوهم قبل أن يمسوكم .

استعد عثمان بن حنيف للحرب و سمعت عائشة بذلك ، فتأهبت و استعدت ،

و خرجت بمن معها الى مكان يقال له المربد 1 و هي راكبة على جملها و قد احاط بها القوم ، و لما دخلت الى المربد اجتمع اليها الناس ، حتى امتلأ المربد بهم ، فقالت و هي على الجمل .

صه صه . فسكت الناس و اصغوا اليها .

فحمدت اللّه تعالى و قالت : اما بعد : فان عثمان بن عفان قد كان غيّر و بدّل ،

فلم يزل يغسله بالتوبة ، حتى صار كالذهب المصفى ، فغدوا عليه فقتلوه في داره ،

و قتل ناس معه في داره ظلما و عدوانا ، ثم اثروا عليا فبايعوه من غير ملأ من الناس و لا شورى ، و لا اختيار . فابتزّ و اللّه امرهم و كان المبايعون له يقولون : خذها اليك و احذرن ابا حسن .

انا غضبنا لكم على عثمان من السوط ، فكيف لا نغضب لعثمان من السيف ؟

ان الامر لا يصلح حتى يرد الامر الى ما صنع عمر من الشورى ، فلا يدخل فيه احد سفك دم عثمان .

بعض الناس : صدقت .

بعض الناس : كذبت كذبت .

و اضطرب امر الناس بأقوالهم فبين مكذّب لها و مصدّق ، و اهل البصرة يومئذ على مذهبين : أحدهما أتباع عائشة و يرون رأيها ، و الثاني هم الباقون على

-----------
( 1 ) المربد : محلة في البصرة .

[ 283 ]

بيعة امير المؤمنين و التمسك بحبله .

تركت عائشة الناس يتصارخون و يتصايحون ، و يسب أحدهم الآخر ،

و يلعن بعضهم بعضا . و توجهت الى الدباغين ، و معها اتباعها ، و من رأى رأيها ،

و معها طلحة و الزبير ، و مروان بن الحكم حتى اتوا دار الامارة ، و هي مقر عثمان ابن حنيف ، فسألوا عثمان ان يخرج من دار الامارة . فأبى عليهم ، فاجتمع اليه انصاره و اصحابه و زمرة من اهل البصرة ، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى الظهر .

قتل في تلك الواقعة خمسمائة شيخ مخضوب من عبد القيس من شيعة علي و أنصار عثمان بن حنيف ، سوى من اصيب من سائر الناس و بلغ الحرب بينهم بين الكر و الفر ، و الهجوم و الانسحاب إلى مقبرة بني مازن ، ثم إلى مسناة البصرة ،

فكثر القتلى و الجرحى في ذلك اليوم من الفريقين .

ثم انهم تداعوا إلى الصلح ، و دخل الناس بين الفريقين للاصلاح و الهدنة ،

فتم القرار أن تكون دار الامارة و المسجد و بيوت المال تحت اختيار عثمان بن حنيف و تكون البصرة تحت اختيار طلحة و الزبير و عائشة ، حتى يقدم امير المؤمنين ، فاذا قدم علي عليه السلام فيكون اما الدخول في طاعته أو الحرب ، فتصالحوا على ذلك .

كتبوا على هذه المصالحة كتبا بينهم و مؤكدة بالأيمان و العهود و المواثيق ، و شهد الناس على ذلك . و وضع الفريقان سلاحهما و امن عثمان بن حنيف و تفرّق انصاره عنه حينئذ و تفرق الناس .

ما مضت إلا ساعات قلائل حتى أقبل طلحة الغادر الفاجر و صاحبه الزبير و معهما أصحابهما حتى أتوا دار الامارة و عثمان بن حنيف غافل عنهم ، و كان على باب دار الامارة قوم من السبابحة ، و هم خمسون رجلا يحرسون بيوت الأموال ، و هم من شيعة علي .

[ 284 ]

أحاط الزبير بهؤلاء المؤمنين من جوانبهم الاربع و حاصرهم ، فقتلوا اربعين منهم صبرا ، و الزبير يتولى هذا العمل الفجيع بنفسه خاصة ، ثم هجموا على عثمان في دار الامارة ، فاوثقوه رباطا ، و عمدوا إلى لحيته و كان عثمان شيخا كث اللحية فنتفوا لحيته ، حتى لم يبق منها شي‏ء و لا شعرة واحدة ، و قال .

طلحة : عذبوا الفاسق فعمدوا اليه ثانيا و نتفوا شعر حاجبيه و أشفار عينيه ،

و أوثقوه بالحديد .

بلغ هذا الخبر إلى أخيه سهل بن حنيف و هو عامل أمير المؤمنين على المدينة كما تقدم . و أصبح الصباح فجاء طلحة و الزبير إلى المسجد الأعظم لصلاة الجماعة ،

فأراد طلحة أن يتقدم و يصلي بالناس ، فدفعه الزبير ، و أراد الزبير أن يصلي فمنعه طلحة ، فجعلا يتدافعان و يتاشاحان للصلاة حتى كادت الشمس أن تطلع ، صاح الناس :

اللّه اللّه يا أصحاب رسول اللّه فى الصلاة نخاف فوتها .

سمعت عائشة صياح القوم و قالت : مروان يصلي بالناس دون طلحة و الزبير .

يعلى بن منبه : يصلي عبد اللّه بن الزبير يوما ، و محمد بن طلحة يوما ، حتى يتفق الناس على أمر يرضونه تقدم ابن الزبير و صلى بالناس ذلك اليوم .

سمع حكيم بن جبلة هذا الخبر الفجيع ، و ما صنع بالسبابحة و عثمان بن حنيف ،

فنادى فى قومه و عشيرته ، و قال : أنفروا إلى هؤلاء الضالين البطالين الذين سفكوا الدم الحرام . و فعلوا بالعبد الصالح . و استحلوا ما حرم اللّه عز و جل .

فأجابه من قومه سبعمائة رجل من عبد قيس ، و أتوا المسجد ، و اجتمع الناس .

حكيم بن جبلة : أ ما ترون ما صنعوا بأخي عثمان ما صنعوا ؟ لست بأخيه ان لم أنصره ، ثم رفع يديه إلى السماء و قال :

اللهم ان طلحة و الزبير لم يريدا بما عملا القربة منك ، و ما أراد إلا الدنيا ،

[ 285 ]

اللهم اقتلهما بمن قتلا ، و لا تعطهما ما أملا .

ثم ركب فرسه و أخذ الرمح بيده و اتبعه أصحابه .

و جاء طلحة و الزبير و من معهما و هم فى كثرة من الناس ، قد انضم اليهم الهمج و أراذل البصرة ، فشبت نار الحرب بين الفريقين ، و هناك تقدم رجل الى حكيم بن جبلة فضربه بالسيف و قطع رجله ، فأخذ حكيم رجله بيده و رماه إلى ضاربه فصرعه . و جاء إلى حكيم أخوه المعروف بالأشرف فقال : من أصابك ؟ فأشار حكيم الى الذي ضربه ، فأدركه الأشرف فخبطه بالسيف حتى قتله ، و تكاثر الناس على الاخوين حتى قتلوهما ، و تفرق الناس .

رجع طلحة و الزبير و نزلا فى دار الامارة و احتلا بيت المال ، و تقدمت عائشة و حملت مالا لتفرقه على أنصارها و دخل طلحة و الزبير مع طائفة معهما ، و احتملا من ذلك المال شيئا كثيرا ، و خرجا و نصبا على أبواب بيوت المال الأقفال ، و وكلا عليها من قبلهما قوما ، فأمرت عائشة بختم بيت المال ، جاء طلحة ليختم بيت المال فمنعه الزبير و أراد الزبير يختمه فمنعه طلحة ، و تدافعا أيضا ، فبلغ ذلك عائشة فقالت :

و يختمها عني ابن اختي عبد اللّه بن الزبير .

ختم بيت المال بثلاثة اختام .

و دخل طلحة و الزبير على عائشة و قالا :

ما تأمرين فى عثمان بن حنيف ، و انه لما به ؟

عائشة : اقتلوه قتله اللّه .

امرأة بصرية جالسة عندها : يا اماه أين يذهب بك ؟ أ تأمرين بقتل عثمان ابن حنيف ؟ و أخوه سهل خليفة على المدينة و له مكانة من الأوس و الخزرج ما قد علمت ؟ و اللّه لئن فعلت ذلك ليكونن له صولة بالمدينة يقتل فيها ذراري قريش .

[ 286 ]

رجعت عائشة عن قولها ، و قالت : لا تقتلوه ، و لكن احبسوه ، و ضيّقوا عليه حتى أرى رأيي .

حبس عثمان بن حنيف اياما ، و جاء كتاب من سهل بن حنيف من المدينة إلى طلحة و الزبير يأمرهم باطلاق سراح أخيه . و يهددهم بالانتقام من قومهم فى المدينة .

أخرج عثمان من الحبس و خلوا سبيله . فتوجه الى أمير المؤمنين ، و هو فى ذي قار يريد التوجه الى البصرة نظر امير المؤمنين الى عثمان ، و قال متألما يبكي :

يا عثمان : بعثتك شيخا ملتحى فرددت إلى امردا .

اللهم انك تعلم انهم اجترؤا عليك ، و استحلوا حرماتك ، اللهم اقتلهم بمن قتلوا من شيعتي ، و عجل لهم النقمة بما صنعوا بخليفتي .

تصرّف طلحة و الزبير دار الامارة و بيت المال ، و نظرا الى تلك الأموال الطائلة ، و الذهب و الفضة ، و النقود المتراكمة ، فقالا :

هذه الغنائم التي وعدنا اللّه بها ، و أخبرنا انه يجعلها لنا .

سمعت عائشة و طلحة و الزبير أن أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار ينتظر وصول العساكر ، و يجمع الجموع و الجيوش ، و علموا ان أمير المؤمنين لا يصبر على تلك الفجائع التي جرت على ايديهم ، و لا بد و أن ينتقم منهم ، و لهذا أرسلت عائشة الزبير لدعوة الناس ، فاجتمع الناس ، فقام الزبير فيهم خطيبا و أمرهم بالجد و الاجتهاد و قال :

ان عدوكم قد اظلكم . و اللّه لئن ظفر بكم لا ترك لهم عينا تطرف ، فانهضوا اليه حتى نكبّ عليه قبل أن تلحقه انصاره ، امضوا و خذوا اعطيتكم من بيت المال .

عبد اللّه بن الزبير : امرت الناس أن يأخذوا أعطيتهم ليتفرقوا بالمال قبل

[ 287 ]

أن يأتي علي بن ابيطالب فتضعف ؟ بئس الرأي الذي رأيت .

الزبير : اسكت ويلك ما كان غير الذي قلت :

طلحة : صدق عبد اللّه ، ما ينبغي ان يسلّم هذا المال حتى يقرب منا علي فنضعه في موضعه فيمن يدفعه .

الزبير يغضب : و اللّه لو لم يبق إلا درهم واحد لاعطيته .

عائشة تلوم على ذلك و وافقت الرجلين ، و خالفت الزبير .

الزبير : و اللّه لتدعوني أو ألحق بمعاوية فقد بايع الناس .

سكت طلحة و عائشة و أمسكوا عنه .

الزبير يصيح : و اللّه لو كان لي خمسمائة فارس ينهضون معي الساعة لأسير بهم إلى علي ، فاما أن آتي بياتا ، أو أصبح به صباحا لعلي اقتله قبل أن يأتيه مدده .

عائشة و طلحة : سكتوا و لم يجيبوا .

الزبير و قد اشتد به الغضب : هذه و اللّه هي الفتنة التي كنا تنحدث بها .

ابو عمرة غلام الزبير : رحمك اللّه يا أبا عبد اللّه : تسميها فتنة ثم ترى القتال فيها ؟

الزبير يصيح : ويحك انا نبصره و لكن لا نصبر . و قال بعد يومين :

و اللّه ما كان أمر قط إلا علمت أين أضع قدمي فيه إلا هذا الأمر ، فاني لم أدر انا فيه مقبل أو مدبر .

ابن الزبير : و اللّه ما بك هذا ، و انك لتتعامى ، فما يحملك على هذا القول ؟

إلا انك أحسست برايات ابن ابيطالب ، قد اظلت ، و قد علمت ان الموت الناقع تحتها .

الزبير : اعزب ويحك ، فانه لا علم لك بالامور ، ويلك لا تدعنا على حال ،

أنت و اللّه قطعت بيننا ، و فرقت الفتنة بما بليت به من هذا المسير ، و ما كنت متألبا من ولي هذا الأمر و اقام به ، و اللّه لا يقوم أحد من الناس مقام عمر بن الخطاب ،

[ 288 ]

و إن سرنا بسيرة عثمان قتلنا ، فما أصنع بهذا المسير ؟ و ضرب الناس بعضهم ببعض ابن الزبير : أ فتدع عليا يستولي هذا الأمر ، و أنت تعلم انه كان أخس اهل الشورى عند عمر بن الخطاب ، و لقد أشار عمر و هو مطعون يقول لاصحابه اهل الشورى :

ويلكم : اطمعوا ابن أبيطالب فيها كيلا يفتق في الاسلام فتقا عظيما و منّوه حتى تجمعوا على رجل سواه .

و في يوم من تلك الأيام كتبت عائشة هذا الكتاب الى اهل المدينة :

بسم اللّه الرحمن الرحيم : من ام المؤمنين عائشة زوجة النبي و ابنة الصديق الى اهل المدينة : اما بعد فان اللّه اظهر الحق و نصر طالبيه ، و قد قال اللّه تعالى : بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون .

فاتقوا اللّه يا عباد اللّه ، و اسمعوا و اطيعوا ، و اعتصموا بحبل اللّه جميعا ،

و عروة الحق ، و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا ، فان اللّه قد جمع كلمة أهل البصرة ،

و أمّروا عليهم الزبير بن العوام ، فهو امير الجنود و الكافة يجتمعون على السمع و الطاعة له ، فان اجتمعت كلمة المؤمنين على امرائهم عن ملاء منهم و تشاور فانا ندخل في صالح ما دخلوا فيه ، فاذا جائكم كتابي هذا فاسمعوا و اعينوا على ما سمعتم عليه من امر اللّه ، كتبه عبيد اللّه بن كعب لخمس ليالي من شهر ربيع الاول سنة ست و ثلاثين .

و كتبت الى اهل اليمامة و الى أهل تلك النواحي :

اما بعد فاني اذكركم اللّه الذي أنعم عليكم ، و الزمكم الاسلام ، فان اللّه تعالى يقول : ما اصاب من مصيبة في الأرض ، و لا في انفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، إن ذلك على اللّه يسير .

[ 289 ]

فاعتصموا بحبل اللّه ، و كونوا مع كتابه ، فان امكم ناصحة لكم فيما تدعون اليه من الغضب له و الجهاد لمن قتل خليفة ، و ابتز المسلمين امرهم ، و قد اظهرهم اللّه عليه ، و ان ابن حنيف الضال المضل الذي كان بالبصرة يدعو المسلمين الى سبيل النار ، و انا اقبلنا الى البصرة ندعوا المسلمين الى كتاب اللّه ، و ان يضعوا بينهم القرآن ،

فيكون ذلك ارضى لهم و اجمع لأمرهم ، و كان ذلك للّه على المسلمين فيه الطاعة ،

فاما ان ندرك به حاجتنا ، او نبلغ به عذرا فلما دنونا البصرة ، و سمع بنا ابن حنيف جمع لنا الجموع ، و امرهم ان يتلقونا بالسلاح فيقاتلونا ، و يطردونا ، و شهدوا علينا بالكفر ، و قالوا فينا المنكر ، فاكذبهم المسلمون ، و انكروا عليهم ، و قالوا لعثمان بن حنيف ، ويحك انما تابعنا زوج النبي ، و ام المؤمنين ، و اصحاب رسول اللّه ،

و ائمة المسلمين .

فتمادى في غيه ، و اقام على امره ، فلما رأى المسلمون انه قد عصاهم ، و رد عليهم امرهم غضبوا للّه عز و جل ، و لأم المؤمنين ، و لم نشعر به حتى أطلنا في ثلاثة آلاف من جهلة العرب و سفهائهم ، و وضعهم دون المسجد بالسلاح ، فالتمسنا ان يبايعوا على الحق و لا يحولوا بيننا و بين المسجد فرد علينا ذلك كله :

حتى اذا كان يوم الجمعة و تفرق الناس بعد الصلاة عنه دخل طلحة و الزبير و معهما المسلمون ، و فتحوه عنوة ، و قدّموا عبد اللّه بن الزبير للصلاة بالناس ، و انا نخاف من عثمان و أصحابه أن يأتونا بغتة ليصيبوا منا غرة ، فلما رأى المسلمون انهم لم يبرحوا تحرّزوا لأنفسهم ، و لم يخرج و من معه ، حتى هجموا علينا ، و اباحوا سدة بيتي ، و معه صناديد لهم ، ليسفكوا دمي ، فوجدوا نفرا على باب بيتي فردوهم عني ،

و كان حولي نفر من القرشيين و الازديين فدفعوهم عني ، و قتل من قتل منهم ،

و انهزموا ، فلم نتعرض لبقيتهم ، و خلينا ابن حنيف منا منا عليه ، و قد توجه الى

[ 290 ]

صاحبه ، و عرفناكم ذلك عباد اللّه لتكونوا على ما كنتم عليه من النية في نصرة دين اللّه ،

و الغضب للخليفة المظلوم .

يا صاحبي ايها القارى‏ء لقد قرأت فيما تقدم ما صنعته عائشة و صاحباها بالناس ، و خاصة بعثمان بن حنيف ، و كل ما جرى فقد قرأته ، و قد قرأت أيضا كتابي عائشة الى المدينة و اليمامة فهل رأيت فيهما خبرا صحيحا أو كلمة صادقة ؟ فلا تعجب فهي ابنة الصديق كانت الرسائل و الكتب مستمرة بين البصرة و سائر البلاد ، فعائشة تستخبر مسير أمير المؤمنين ، و على عليه السلام يستطلع اعمال عائشة و اصحابها إلى أن علم ان امير المؤمنين قد قرب من البصرة ، فقام طلحة خطيبا في الناس ، فنعى اليهم عثمان ابن عفان ، و ذكر قاتليه ، و أكثر الذم لهم و الشتم ، و نسب قتله إلى علي بن ابيطالب ، و أنصاره ، و ذكر ان عليا أكره الناس على البيعة لنفسه و قال فيما قال :

يا معشر المسلمين ان اللّه قد منحكم بام المؤمنين و قد عرفتم حقها و مكانتها من رسول اللّه و مكان أبيها من الاسلام ، فهذه تشهد لنا ، انا لم نكذبكم فيما خبرناكم به ،

و لا غررنا فيما دعوناكم اليه من قتال ابن ابيطالب و أصحابه الصادين عن الحق ،

و لسنا نطلب خلافة و لا ملكا ، و انا نحذركم عن أن تغلبوا على امركم ، و تقصروا دون الحق ، و قد رجونا ان يكون ما عندكم عونا لنا على طاعة اللّه ، و صلاح الامة ،

فإنا أحق من عناه أمر المسلمين و مصلحتهم .

و أنتم يا اهل البصرة ليمكنكم بالدين ، و ان عليا لو علم الجد في نصرة امكم لاعتزل هذا الأمر حتى تختار الأمة لانفسها من ترضاه .

و هناك قام جمع من أهل البصرة و قالوا :

مرحبا و أهلا و سهلا بأم المؤمنين ، و الحمد للّه على إكرامنا بها ، و انتم عندنا

[ 291 ]

رضى و ثقة ، و أنفسنا مبذولة لكم ، و نحن نموت على طاعتكم و رضاكم .

ثم انصرف هؤلاء القوم الى عائشة فسلموا عليها ، و قالوا :

قد علمنا ان امنا لم تخرج الينا إلا لثقتها بنا ، و انها تريد الاصلاح ، و حقن الدماء و اطفاء الفتن ، و الألفة بين المسلمين ، و انا ننتظر أمرها في ذلك ، فان ابى عليها أحد فيه قاتلناه حتى يفي‏ء إلى الحق .

قد كان عبد اللّه بن حكيم التميمي بلغه مقالة طلحة في عثمان ، و أمير المؤمنين عليه السلام فجاء اليه و هو جالس مع اصحابه و قال له :

يا طلحة هذه كتبك وصلت الينا بعيب عثمان بن عفان ، و خبرك عندنا بالتأليب عليه حتى قتل ، و بيعتك عليا فى جماعة الناس ، و نكثك بيعته من غير حدث كان فما بلغني عنك ؟ و فيما جئت بعد الذي عرفناه من رأيك في عثمان ؟

طلحة : اما عيبي لعثمان و تأليبي عليه فقد كان ، فلم نجد لنا من الخلاص منه سبيلا إلا التوبة فيما اقترفناه من الجرم له ، و إلا الطلب بدمه ، و اما بيعتي لعلي فانه اكرهت على ذلك و خشيت منه أن يؤلب عليّ ان امتنعت من بيعته ، و يغري بى فيمن أغراه بعثمان حتى قتله .

عبد اللّه بن حكيم : هذه معاذير يعلم اللّه باطن الأمر فيها ، و هو المستعان على ما نخاف من عاقبة امرها .

لما رأى طلحة ما جرى بينه و بين عبد اللّه ، بمرأى من المسلمين و مسمع ،

قام خطيبا ، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال :

ان رسول اللّه توفي و هو عنا راض ، و كنا مع أبي بكر حتى توفاه اللّه فمات و هو عنا راض ، ثم كان عمر بن الخطاب فسمعناه و اطعناه ، حتى قبض و هو عنا راض .

فأمرنا بالتشاور في امر الخلافة من بعده ، و اختار ستة نفر و رضيهم للأمر ،

[ 292 ]

فاستقام أمرنا على رجل من الستة ولينا و اجتمع رأينا عليه و هو عثمان ، و كان أهلا لذلك فبايعناه و سمعنا له و اطعنا . فأحدث بعد ذلك احداثا لم تكن على عهد أبي بكر و عمر ، فكرهها الناس منه ، و لم يكن لنا بد مما صنعاه .

و اخذ هذا الرجل على الأمر دوننا من غير مشورتنا ، و تغلب عليه و نحن فيه و هو شرع سواء ، فأتي بنا اليه و نحن اكره الناس اليه ، و الح على أعناقنا ، فبايعناه كرها ، و الذي نطلب منه ايها الناس الآن أن يدفع الى ورثة عثمان قاتليه ، فانه قتل مظلوما ، و يخلع هذا الأمر و يعتزله ، ليتشاور المسلمون فيمن يكون إماما ، كسنّة عمر بن الخطاب فاذا استقام رأينا و رأي أهل الاسلام على رجل بايعناه . . . الخ لما فرغ طلحة من خطبته قام عظيم من عظماء عبد القيس فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال :

أيها الناس : انه قد كان ولي هذا الأمر و قوامه المهاجرين و الانصار بالمدينة ،

و لم يكن لأحد من أهل الامصار أن ينقضوا ما أبرموا ، و لا يبرموا ما انقضوا ،

فكانوا إذا رأوا رأيا كتبوا به إلى الامصار فسمعوا لهم و أطاعوا ، و ان عائشة و طلحة و الزبير كانوا أشد الناس على عثمان حتى قتل ، و بايع الناس عليا و بايعه في جملتهم طلحة و الزبير ، فجائنا نبأهما ببيعتهما له ، فبايعناه ، فو اللّه لا نخلع خليفتنا ، و لا ننقض بيعتنا .

صاح طلحة و الزبير عليه ، و امر بقرض لحيته ، فقام بعض الناس فنتفوا لحيته حتى لم يبق منها شي‏ء .

و قام رجل من بني جشم فقال : أيها الناس أنا فلان بن فلان و انما انتسب لهم ليعلموا ان له عشيرة تمنعه فلا يعجل عليه من لا يوافقه كلامه قال :

[ 293 ]

أيها الناس : ان هؤلاء القوم ان كانوا جاؤكم يطلبون بدم عثمان فو اللّه ما نحن قتلنا عثمان ، و ان جائوكم خائفين فو اللّه ما جائوا إلا من حيث يأمن الطير ،

فلا تغتروا بهم ، و اسمعوا قولي ، و أطيعوا امرى و ردوا هؤلاء القوم الى مكانهم الذي اقبلوا منه ، و اقيموا على بيعتكم لامامكم ، و اطيعوا لأميركم .

فصاح الناس عليه من كل جانب و قذفوه بالحصى .

و قام رجل آخر من متقدمي عبد القيس ، و قال : أيها الناس انصتوا حتى اتكلم لكم .

ابن الزبير : ويلك ما لك و للكلام ؟

الرجل : انا و اللّه للكلام و به و فيه ، فحمد اللّه و اثنى عليه و ذكر النبي فصلى عليه ثم قال :

يا معشر المهاجرين : كنتم اول الناس اسلاما ، بعث اللّه محمدا نبيه بينكم ،

فدعاكم فأسلمتم ، و أسلمنا لاسلامكم ، فكنتم القادة في ذلك ، و نحن لكم تبع ، ثم توفي رسول اللّه فبايعتم رجلا منكم لم تستأذنونا فى ذلك فسلمنا ، ثم ان الرجل توفي و استخلف عمر بن الخطاب فو اللّه ما استشارنا في ذلك ، فما رضيتم به رضينا ، ثم ان عمر جعلها شورى في ستة ، فاخبرتم منهم واحدا فسلمنا لكم و اتبعناكم ، ثم ان الرجل احدث احداثا انكرتموها ، فحصرتموه و خلعتموه و قتلتموه فما استشرتمونا فى ذلك ، ثم بايعتم علي بن ابيطالب و ما استشرتمونا في بيعته ، فرضينا و سلمنا و كنا لكم تبعا .

فو اللّه ما ندري بما ذا نقضتم عليه ؟ هل استأثر ؟ بمال أو حكم بغير ما انزل اللّه ؟

او احدث منكرا فحدّثونا به نكن معكم ، فو اللّه ما نراكم إلا قد ضللتم بخلافكم له .

ابن الزبير : ما أنت و ذاك ؟ و اراد أهل البصرة ان يثبوا عليه فمنعتهم عشيرته .

[ 294 ]

و فى تلك الأيام ايضا دخل نفر من وجوه اهل البصرة على طلحة و الزبير فقالوا لهما :

ان ولاة عثمان غيركما ، فدعوا ولاته ، يطالبون بدمه ، فو اللّه ما نراكما انصفتما رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فى حبيسته ، عرّضتماها للرياح و الشموس و القتال و قد أمرها اللّه ان تقرّ فى بيتها و تركتما نسائكما فى الاكنان و البيوت ، هلا جئتما بنسائكما معكما .

طلحة : اعزبوا عنا ، قبّحكم اللّه و جاء رجل يقال له : عمر بن حصين ، دخل على عائشة فقال لها :

قد كان لك يا عائشة فى اخواتك عبرة ، و فى امثالك من امهات المؤمنين اسوة ، اما سمعت اللّه تعالى يقول : و قرن فى بيوتكن ؟ فلو اتبعت امر اللّه كان خيرا لك .

عائشة : قد كان ما كان ، هل عندك عون لنا ؟ و إلا فاحبس عنا لسانك .

عمرو : اعتزلك و اعتزل عليا .

عائشة : رضيت بذلك منك .

تركنا امير المؤمنين متوجها الى البصرة مع ذلك الجيش الجرار و ذلك لما خرج من ذي قار ، و هو مكان قريب من الناصرية يقال له : المقيزّ ، و ارسل امير المؤمنين عليه السلام من هناك صعصعة بن صوحان بكتاب إلى طلحة و الزبير و عائشة ،

و كانت عائشة قد ارسلت كتابا من البصرة الى زيد بن صوحان و هو فى الكوفة ،

و هذا كتابها :

من عائشة بنت ابي بكر الصديق زوج النبي إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان .

اما بعد : فأقم في بيتك ، و خذّل عن علي ، و ليبلغني عنك ما احب . فانك

[ 295 ]

اوثق اهلي عندي و السلام . فكتب اليها الجواب :

من زيد بن صوحان إلى عائشة بنت ابي بكر : اما بعد فان اللّه أمرك بأمر ،

و امرنا بأمر . امرك ان تقري فى بيتك ، و امرنا أن نجاهد ، و قد اتاني كتابك فأمرتيني ان اصنع خلاف ما امرنى ربى ، فأكون قد صنعت ما امرك اللّه به ،

و صنعت ما امرني اللّه به فأمرك غير مطاع و كتابك غير مجاب و السلام .

لما سمعت عائشة ان امير المؤمنين متوجه الى البصرة قالت :

التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرجل حتى ابعثه اليه .

جاؤا برجل اليها ، فرفعت اليه رأسها و قالت :

ما بلغ عداوتك لهذا الرجل ؟

الرجل : كثيرا ما اتمنى على ربي انه علي و اصحابه فى وسطي ،

فضربت ضربة بالسيف ، يسبق السيف الدم .

عائشة : فانت له ، اذهب بكتابى فادفعه اليه ظاعنا او مقيما ، اما انك ان رأيته ظاعنا رأيته راكبا على بغلة رسول اللّه ، متنكبا قوسه معلقا كنانته بقربوس سرجه ، و اصحابه خلفه كأنهم طير صواف ، فتعطيه كتابي هذا ، و ان عرض عليك طعامه و شرابه فلا تناولن منه شيئا فان فيه السحر .

خرج الرجل من البصرة فلقي امير المؤمنين فى الطريق راكبا فناوله الكتاب ،

فضّ علي الكتاب و قرأه ثم قال : تبلغ الى منزلنا فتصيب من طعامنا و شرابنا ،

و نكتب جواب كتابك .

الرجل : هذا و اللّه ما لا يكون . ساء خلق امير المؤمنين ، و أحدق به اصحابه ثم قال له :

أمير المؤمنين . أسألك ؟

[ 296 ]

الرجل : نعم .

امير المؤمنين : و تجيبني ؟

الرجل : نعم .

أمير المؤمنين : فنشدتك اللّه : هل قالت : التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرجل ، فأتوا بك فقالت : ما بلغ من عداوتك لهذا الرجل علي ؟ فقلت :

كثيرا ما اتمنى على ربي انه و اصحابه في وسطي ، و اني ضربت ضربة ، بالسيف ،

يسبق السيف الدم ؟

الرجل : اللهم نعم .

امير المؤمنين : فنشدتك اللّه : أ قالت لك : اذهب بكتابي هذا فادفعه اليه ظاعنا كان أو مقيما ، اما انك ان رأيته ظاعنا رأيته راكبا على بغلة رسول صلى اللّه عليه و آله ، متنكبا قوسه ، معلّقا كنانته بقربوس سرجه ، و اصحابه خلفه كأنهم طير صواف ؟

الرجل : اللهم نعم .

أمير المؤمنين فنشدتك اللّه : هل قالت لك : ان عرض عليك طعامه و شرابه فلا تناولن منه شيئا فان فيه السحر ؟

الرجل اللهم نعم .

أمير المؤمنين : فمبلّغ انت عني ؟

الرجل : اللهم نعم ، فاني أتيتك و ما في الارض خلق أبغض إليّ منك ،

و انا الساعة ما في الأرض أحب إلى منك فمرني بما شئت .

الرجل : ارجع اليها بكتابى هذا و قل لها : ما اطعت اللّه و لا رسوله حيث امرك اللّه بلزوم بيتك فخرجت ترددين في العساكر ، و قل لهما : ما اطعتما اللّه و لا رسوله ، حيث

[ 297 ]

خلفتم حلائلكم فى بيوتكم ، و اخرجتم حليلة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله .

جاء الرجل بكتاب الامام الى عائشة و طرحه اليها ، و بلغها مقالته ، ثم رجع الى امير المؤمنين ، فاصيب بصفين ، فقالت عائشة : ما نبعث اليه احدا إلا افسده .

و في تلك الأيام أيضا بعث طلحة و الزبير رجلا من عبد القيس يقال له :

خداش . إلى أمير المؤمنين عليه السلام و قالا له :

انا نبعثك إلى رجل طالما كما نعرفه و أهل بيته بالسحر و الكهانة ، و أنت اوثق من بحضرتنا من انفسنا من أن تمتنع من ذلك ، و ان تحاجه حتى تفقه على امر معلوم ، و اعلم انه أعظم الناس دعوى ، فلا يكسرنّك ذلك عنه ، و من الابواب التي يخدع الناس بها الطعام و الشراب ، و العسل و الدهن ، و أن يخالى الرجل ، فلا تأكل له طعاما ، و لا تشرب له شرابا ، و لا تمس له عسلا و لا دهنا ، و لا تخل معه ، و احذر هذا كله منه ، و انطلق على بركة اللّه ، فاذا رأيته فاقرأ آية السخرة ، و تعوذ باللّه من كيده و كيد الشيطان ، فاذا جلست اليه فلا تمكنه من بصرك كله و لا تستأنس به ،

ثم قل له :

ان اخويك في الدين و ابني عميك يناشد انك القطيعة ، و يقولان لك : أ ما تعلم انا تركنا الناس لك ؟ و خالفنا عشائرنا فيك ، منذ قبض اللّه محمدا صلى اللّه عليه و آله ؟ فلما نلت أدنى مثال ضيّعت حرمتنا ، و قطعت رجائنا ، ثم قد رأيت افعالنا فيك ، و قدرتنا على الناس عنك ، و سعة البلاد دونك ، و ان كان من يصرفك عنا و عن صلتنا كان اقل لك نفعا و اضعف عند العرب ، ا تتخذ اللعن لنا دينا ،

و ترى ان ذلك يكسرنا عنك .

جاء خداش الى امير المؤمنين عليه السلام ، و صنع جميع ما امره طلحة و الزبير ،

نظر أمير المؤمنين اليه و هو يناجي نفسه ، فضحك عليه السلام و قال :

[ 298 ]

هيهنا يا أخا عبد قيس . و اشار الى مجلس قريب منه .

خداش : ما اوسع المكان اريد ان اؤدي اليك رسالة .

امير المؤمنين : نل تطعم و تشرب و تخلي ثيابك ، و تدّهن ، ثم تؤدي رسالتك ، ثم التفت الى خادمه و قال :

يا قنبر : قم فانزله .

خداش : ما بي الى شي‏ء مما ذكرت حاجة .

امير المؤمنين : فأخلو بك ؟

خداش : كل سرّ لي علانية .

امير المؤمنين : فأنشدك اللّه الذي هو اقرب اليك من نفسك ، الحائل بينك و بين قلبك الذي يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور : أ تقدم لك الزبير بما عرضت عليك ؟

خداش : اللهم نعم .

امير المؤمنين : لو كتمت بعد ما سألتك ما ارتد اليك ، فانشدك اللّه : هل علّمك كلاما تقوله اذا اتيتني ؟

خداش : اللهم نعم .

امير المؤمنين : آية السخرة ؟

خداش : نعم .

امير المؤمنين : فاقرأها .

خداش : ان ربكم اللّه الذى خلق السموات . . . الآية .

أمير المؤمنين يكرر عليه ، و يفتح عليه إذا اخطأ ، حتى قرأها سبعين مرة ،

خداش : ما يرى امير المؤمنين امره ؟ بترددها سبعين ؟

[ 299 ]

امير المؤمنين : ا تجد قلبك اطمئن ؟

خداش : اي و الذي نفسي بيده .

امير المؤمنين : فقل لهما : كفى بمنطقكما حجة عليكما ، و لكن اللّه لا يهدي القوم الظالمين ، زعمتما انكما اخواي في الدين ، و ابنا عمي في النسب ، اما النسب فلا انكره ،

و ان كان النسب مقطوعا إلا ما اوصله اللّه بالاسلام .

و اما قولكما : اخواي . فان كنتما صادقين فقد فارقتما كتاب اللّه عز و جل ،

و عصيتما امره بافعالكما في اخيكما في الدين ، و إلا فقد كذبتما و افتريتما بادعائكما :

انكما اخواي في الدين .

و اما مفارتكما الناس منذ قبض اللّه محمدا فان كنتما فارقتما بحق فقد نقضتما ذلك الحق بفراقكما اياي ، و ان فارقتماهم بباطل فقد وقع اثم ذلك الباطل عليكما مع الحدث الذي احدثتما مع ان صفتكما بمفارقتكما الناس لم يكن الا لطمع الدنيا ، زعمتما ،

و ذلك قولكما : قطعت رجائنا ، لا تعيبان بحمد اللّه عليّ من ذنبي شيئا .

و اما الذي صرفني عن صلتكما فما الذي صرفكما عن الحق و حملكما على خلعه من رقابكما ؟ كما يخلع الحرون لجامه ، و هو اللّه ربى لا اشرك به شيئا ، فلا تقولا :

اقلّ نفعا و اضعف دفعا . فتستحقا الشرك مع النفاق .

و اما قولكما : انى اشجع فرسان العرب ، و هربكما من لعني و دعائي ، فان لكل موقف عملا ، اذا اختلفت الاسنة ، و ماجت لبود الخيل ، و ملا سحراكما اجوفكما ، فثمّ يكفيني اللّه بكمال القلب ، و اما إذا ابيتما بانى ادعو اللّه ، فلا تجزعا من أن يدعو عليكما رجل ساحر من قوم سحرة زعمتما .

اللهم اقعص الزبير بشر قتلة ، و اسفك دمه على ضلاله ، و عرّف طلحة المذلة و ادخر لهما في الآخرة شرا من ذلك ان كانا ظلمانى و افتريا عليّ ، و كتما شهادتهما ،

[ 300 ]

و عصياني و عصيا رسولك . قل آمين .

خداش : آمين ، و جعل خداش يخاطب نفسه : و اللّه ما رأيت لحية قط ابين خطأ منك ، حامل حجة ينقض بعضها بعضا ، لم يجعل اللّه لها مسلكا ، انا ابرء الى اللّه منهما .

امير المؤمنين : ارجع اليهما ، و اعلمهما : ما قلت لك .

خداش : لا و اللّه حتى تسأل اللّه ان يردنى اليك عاجلا ، و ان يوفقني لرضاه فيك .

دعى أمير المؤمنين له بالرجوع و التوفيق .

جاء خداش إلى طلحة و الزبير ، ثم ابلغهما رسالة امير المؤمنين ، و رجع و التحق بعلي ، و قتل معه يوم الجمل ،

قد ذكرنا فيما سبق : ان امير المؤمنين عليه السلام أرسل صعصعة بن صوحان من ذي قار الى البصرة و معه كتاب الى عائشة و طلحة و الزبير . قدم صعصعة البصرة ، و مضمون الكتاب :

انه عليه السلام يعظم عليهم حرمة الاسلام و يخوفهم فيما صنعوا ، و قبيح ما ارتكبوا ، من قتل من قتلوا من المسلمين ، و ما صنعوا بصاحب رسول اللّه عثمان ابن حنيف ، و قتلهم المسلمين صبرا ، و يعظهم و يدعوهم الى الطاعة قدم صعصعة ، فبدأ بطلحة فاعطاه الكتاب ، و أدى الرسالة .

طلحة : الآن حين غضب ابن ابيطالب الحرب ترفق لنا ؟

خرج صعصعة و دخل على الزبير ، فوجده الى من طلحة ، ثم دخل على عائشة ، فدجدها اسرع الناس الى الشر .

عائشة : قد خرجت للطلب بدم عثمان ، و اللّه لأفعلن و افعلن

[ 301 ]

عاد صعصعة الى امير المؤمنين قبل أن يدخل البصرة ، فسأله امير المؤمنين :

ما ورائك يا صعصعة ؟

صعصعة رأيت قوما لا يريدون إلا قتالك .

امير المؤمنين : اللّه المستعان .

ثم دعا علي عليه السلام عبد اللّه بن عباس ، و قال له : انطلق اليهم فناشدهم ،

و ذكرهم العهد الذي في رقابهم .

جاء ابن عباس فبدأ بطلحة ، و ذكره العهد فقال :

طلحة : يابن عباس : و اللّه بايعت عليا و اللح على رقبتي .

ابن عباس انا رأيتك بايعت طائعا ، أ و لم يقل لك علي قبل بيعتك له :

ان احببت ابايعك .

فقلت : لا بل نحن نبايعك ؟

طلحة : انما قال لي ذلك ، و قد بايعه قوم ، لم استطع خلافهم ، و اللّه يابن عباس : ان القوم الذين معه يغرونه . . . . اما علمت يابن عباس : اني جئت اليه و الزبير ، و لنا من الصحبة ما لنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و القدم في الاسلام ،

و قد احاط به الناس قياما على رأسه بالسيف فقال لنا يهزل : ( ان احببتما بايعت لكما ) فلو قلنا له : نعم ، أفتراه يفعل ؟ و قد بايع الناس له ، فيخلع نفسه و يبايعنا ؟ لا و اللّه ما كان يفعل ، و حتى يغري بنا من لا يرى لنا حرمة فبايعناه كارهين ، و قد جئنا نطلب بدم عثمان ، فقل لابن عمك : ان كان يريد حقن الدماء و اصلاح امر الامة ،

فليمكننا من قتلة عثمان فهم معه ، و يخلع نفسه ، و يرد الامر ليكون شورى بين المسلمين ،

فيولوا من شاؤا ، فانما علي رجل كأحدنا ، و ان ابى اعطيناه السيف فما له عندنا غير هذا .

[ 302 ]

ابن عباس : يا ابا محمد : لست تنصف ا لم تعلم بانك حصرت عثمان حتى مكث عشرة ايام يشرب ماء بئره ، و تمنعه من شرب ماء الفرات ، حتى كلمك علي عليه السلام ، و ان تخلي الماء له و انت تأبى ذلك ، و لما رأى اهل مصر فعلك و انت صاحب رسول اللّه دخلوا عليه بسلاحهم فقتلوه ، ثم بايع الناس رجلا له من السابقة و الفضل و القرابة برسول اللّه و البلاء العظيم ما لا يدفع و جئت انت و صاحبك طائعين غير مكرهين حتى بايعتما ، ثم نكثتما ، فعجب و اللّه إقرارك لابي بكر و عمر و عثمان بالبيعة ، و وثوبك على إبن ابي طالب فو اللّه ما علي عليه السلام دون احد منكم .

و اما قولك : يمكنني من قتلة عثمان ، فما يخفى عليك من قتل عثمان و اما قولك : ان ابى علي فالسيف . فو اللّه انك تعلم ان عليا لا يتخوف .

طلحة : ايها ، الآن دعنا من جدالك .

اسرع بنا يا صاحبي الى البصرة قبل امير المؤمنين عليه السلام لنقف على الطريق و ننظر الى كيفية وصول الجيوش و العساكر ، فقد ظهرت طلائع الجند و قد قربوا . انظر انظر . . .

ورد موكب في نحو الف فارس ، يتقدمهم فارس على فرس اشهب ، عليه قلنسوة ، و ثياب بيض ، متقلد سيفا و معه راية ، و تيجان القوم الاغلب عليها البياض و الصفرة ، مدججين فى الحديد و السلاح هل عرفت هذا القائد ؟ هذا ابو ايوب الانصارى صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و الذين معه هم الانصار و غيرهم .

و هذا فارس آخر عليه عمامة صفراء ، و ثياب بيض ، متقلد سيفا متنكب قوسا ، و هو ايضا فى الف فارس فهل عرفته ؟ هذا خزيمة بن ثابت الانصاري ذو الشهادتين .

[ 303 ]

و هذا قائد ثالث . معتم بعمامة صفراء ، من تحتها قلنسوة بيضاء ، و هو مسلح بسيف و قوس هل عرفته ؟ هو ابو قتادة بن ربعي ، و معه الف فارس .

و هذا الرابع من القوّاد و هو على فرس اشهب ، عليه ثياب بيض و عمامة سوداء قد سدّلها من بين يديه و من خلفه ، شديد الأدمة ، عليه سكينة و وقار ، رافع صوته بقرائة القرآن ، متقلد سيفا متنكب قوسا ، معه راية بيضاء في الفي 2000 من الناس مختلفي التيجان ، حوله مشيخة و كهول و شبان ، كأنما قد اوقفوا للحساب ،

اثر السجود في جباههم ، لعلك عرفت القائد و عرفت من معه فهو عمار بن ياسر ،

و هؤلاء المهاجرون و الانصار و ابناؤهم .

انظر الى هذا البطل الراكب على فرس اشقر ، و رجلاه تخطان على الارض فلا تعجب فان هذا قيس بن سعد بن عبادة ، و طوله ثمانية عشر شبرا ، و هو في جماعة من الانصار و ابنائهم و غيرهم من قطحان .

و هذا فارس آخر في مقدمة العسكر ، علي فرس أشهل ، ما رأينا أحسن منه ،

عليه ثياب بيض و عمامة سوداء بين يديه لواء ، فهذا عبد اللّه بن العباس ابن عم امير المؤمنين عليه السلام ، و معه عدة من اصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله .

و هذا فارس آخر شبيه بعبد اللّه بن العباس لأنه أخوه عبيد اللّه بن العباس .

و هذا قثم بن العباس معه خلق كثير .

انظر الى المواكب و الرايات ، يتقدم بعضها على بعض ، انظر الى الرماح و السيوف . انظر الى الناس كأنهم سيل من البشر .

و هذا موكب عظيم و لعله آخر المواكب ، و فيه خلق كثير عليهم السلاح و الحديد ، يقدمهم رجل شديد الساعدين ، نظره الى الأرض اكثر من نظره الى فوق ، انظر جيوشه خلفه كان على رؤسهم الطير ، و عن يمينه شاب حسن الوجه ، و عن

[ 304 ]

يساره شاب حسن الوجه ، و بين يديه شاب معه الراية .

هل عرفت هذا الرجل ؟ كيف لا تعرفه ؟ و هو سيد الاوصياء اسد اللّه الغالب نعم هذا أمير المؤمنين علي بن ابيطالب عليه الصلاة و السلام ، و عن جانبيه شبلاه و نجلاه الحسن و الحسين عليهما السلام ، و بين يديه ابنه محمد بن الحنفية ، و هذا الذي خلفه صهره عبد اللّه بن جعفر بن ابيطالب ، و هؤلاء ولد عقيل و غيرهم من فتيان بني هاشم و هؤلاء المشايخ هم أهل بدر من المهاجرين و الانصار رجع ابن عباس من عند طلحة الى امير المؤمنين و كان علي قد دخل البصرة امير المؤمنين : ما ورائك يابن عباس ؟

اخبره ابن عباس الخبر امير المؤمنين : اللهم افتح بيننا و بين قومنا بالحق و انت خير الفاتحين ارجع الى عائشة و اذكر لها خروجها من بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و خوفها من الخلاف على اللّه عز و جل و نبذها عهد النبي ، و قل لها : ان هذه الامور لا يصلحها النساء ،

و انك لم تؤمري بذلك فلم ترضي بالخروج عن امر اللّه فى تبرجك ، و بيتك الذي امرك النبي بالمقام فيه حتى سرت البصرة فقتلت المسلمين . و عمدت الى عمار لى فاخرجتيهم ، و فتحت بيت المال ، و امرت بالتنكيل بالمسلمين ، و أبحت دماء الصالحين ،

فارعي و راقبي اللّه عز و جل فقد تعلمين انك كنت اشد الناس على عثمان فما عدا مما بدا ؟

جاء ابن عباس و دخل عليها ثانيا ، و أبلغها رسالة امير المؤمنين عليه السلام فقالت :

عائشة : يابن عم : ابن عمك يزعم انه قد تملّك البلاد ، لا و اللّه ما بيده منها شي‏ء و بيدنا اكثر منه .

ابن عباس : يا اماه ان امير المؤمنين عليه السلام له فضل و سابقة في الاسلام ،

و عظيم عناء .

[ 305 ]

عائشة : الا تذكر طلحة ؟ و عناء يوم أحد ؟

ابن عباس : و اللّه ما نعلم أحدا أفضل من علي .

عائشة : أنت تقول هذا ، و مع علي اشياء كثيرة .

ابن عباس : اللّه اللّه في دماء المسلمين .

عائشة : و أي دم يكون للمسملين ؟ إلا أن يكون علي يقتل نفسه و من معه .

ابن عباس يبتسم .

عائشة : مما تضحك يابن عباس ؟

ابن عباس : و اللّه معه قوم على بصيرة من أمرهم ، يبذلون مهجهم دونه .

عائشة : حسبنا اللّه و نعم الوكيل .

لقد كان أمير المؤمنين عليه السلام قد أوصى ابن عباس بأن يلقى الزبير وحده ، و أن يكلمه و ليس عنده ابنه ، جاء ابن عباس مرة و مرتين و كل مرة يرى الزبير و عنده ابنه ، ثم جاء مرة اخرى فوجده وحده و ليس معه ابنه ، فدخل عليه ،

و أمر الزبير شرحسا أن يجلس على الباب و يحبس عنهم الناس ، جعل ابن عباس يكلمه ، فقال الزبير : عصيتم ان خولفتم ، و اللّه لتعلمن عاقبة ابن عمك .

جعل ابن عباس يلين له في الكلام ، و الزبير يلين تارة و يغضب تارة ، و سمع شرحس كلامهما فأسرع إلى ابن الزبير و كان عند طلحة فأخبره ، جاء ابن الزبير مسرعا ، و دخل عليهما و قال :

يابن عباس : دع بنيات الطريق ، بيننا و بينكم عهد خليفة ، و دم خليفة ،

و انفراد واحد ، و اجتماع ثلاثة ، و أم مبرورة ، و مشاورة العامة .

يسكت ابن عباس و لا يجيبه ثم قال ابن عباس : لو اردت أن أقول لقلت .

ابن الزبير : و لم تؤخر ؟ و قد بلغ السبل الزبى .

[ 306 ]

ابن عباس : اما قولك : عهد خليفة . فان عمر جعل الشورى إلى ستة ، فجعل النفر أمرهم إلى رجل منهم يختار لهم منهم ، و يخرج نفسه منها ، فتعرض الأمر على علي عليه السلام فخلف عثمان ، و ابى علي أن يخلف فبايع عثمان فهذا عهد خليفة .

و اما دم خليفة فدمه عند أبيك ، لا يخرج أبوك من خصلتين : إما قتل و إما خذل .

و اما انفراد و اجتماع ، فان الناس لما قتلوا عثمان فزعوا الى علي فبايعوه طوعا ،

و تركوا اباك و صاحبه و لم يرضوا بواحد منهما .

و اما قولك : ان معكم امّا مبرورة فان هذه الام انتما اخرجتماها من بيتها ،

و قد امرها اللّه تعالى أن تقرّ فيه ، فابيت ان تدعها ، و قد علمت أنت و أبوك ان النبي صلى اللّه عليه و آله حذّرها من الخروج و قال لها : يا حميراء : إياك أن تنبحك كلاب الحوأب ، و كان منها ما قد رأيت .

و اما دعواك : مشاورة العامة . فكيف يشاور فيمن قد اجتمع عليه ، و أنت تعلم أن أباك و طلحة بايعا طائعين غير كارهين .

ابن الزبير : و اللّه ما تقول يابن عباس ؟ و قد سئل عبد الرحمن بن عوف عن أصحاب الشورى فكان صاحبكم أخيبهم عنده ، و ما أدخله عمر في الشورى و هو يقرفه ،

و لكنه خاف فتقه في الاسلام .

و اما قتل خليفة ، فصاحبك كتب إلى الآفاق حتى قدموا عليه ثم قتلوه ،

و هو في داره ، بلسانه و يده و انا معه في الدار اقاتل دونه حتى جرحت بضعة عشر جرحا .

و اما قولك : ان عليا بايعه الناس طائعين ، فو اللّه ما بايعوا إلا كارهين ،

و السيف على رقابهم ، غصبهم امرهم .

[ 307 ]

الزبير : دع عنك ما ترى يابن عباس ، جئتنا لتوفينا ؟

ابن عباس : انتم طلبتم هذا و اللّه ما عدوناكم قط ، ما قطعت من بني هاشم برك لاخوانك و محبتك لهم حتى أدرك ابنك هذا فقطع أرحامهم .

الزبير : دع عنك هذا .

خرج ابن عباس من عند الزبير و ابنه غاضبا ، و جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام و أخبره بما جرى .

فاستعد علي للحرب و نظم الجيش و سيأتيك التفصيل .

و لما سمع طلحة و الزبير استعداد امير المؤمنين للحرب و تنظيمه الجيش استعدا للحرب و الذي يظهر من بعض الأخبار : ان زيد بن صوحان كان مع ابن عباس لما أرسله أمير المؤمنين إلى عائشة فوعظاها و خوّفاها ، فقالت عائشة : لا طاقة لي بحجج علي .

ابن عباس : لا طاقة لك بحجج المخلوق ، فكيف طاقتك بحجج الخالق ؟ لما تيقّن طلحة و الزبير بان عليا استعد للحرب و نظم جيوشه . قصدا الى تنظيم جيوشهما ، و كان أهل البصرة قد اختلفوا عليهما ، و ان الاحنف الذي كان رئيس قبيلة بني سعد قعد عنهما و هما يظنان ان الاحنف معهما ، و كذلك قبيله الأزد قعدوا عنهما لقعود كعب بن سور القاضي ، و كان كعب سيد الازد .

أنفذ طلحة و الزبير رسولا إلى كعب يسئلانه النصرة لهما ، و القتال معهما ،

فأبى عليهما ، و قال :

أنا أعتزل الفريقين ، فقالا : إن قعد عنا كعب خذلنا الازد بأسرها و لا غنى لنا عنه .

فصارا اليه . و استأذنا عليه ، فلم يأذن لهما ، و حجبهما ، فصارا الى عائشة ،

[ 308 ]

فأخبراها و طلبا منها أن تسير اليه ، فأبت ، و أرسلت اليه : تدعوه للحضور عندها ،

فاستعفاها من ذلك ، فقال طلحة و الزبير :

يا ام : ان قعد عنا كعب قعدت عنا الأزد كلها ، و هي حي البصرة ،

فاركبي اليه ، فانك إن فعلت لم يخالفك ، و انقاد لرأيك .

فركبت بغلا ، و أحاط بها نفر من أهل البصرة ، و صارت إلى كعب بن سور فاستأذنت عليه فأذن لها ، و رحّب بها فقالت :

عائشة : يا بني : أرسلت اليك لتنصر اللّه ، فما الذي أخرك عني ؟

كعب : يا اماه : لا حاجة لي في خوض هذه الفتنة .

عائشة : يا بني : اخرج معي ، و خذ بخطام جملي ، فاني أرجو اللّه أن يقربك بي إلى الجنة . و استعبرت باكية . فرق لها كعب ، و اجابها ، و علّق المصحف في عنقه ، و خرج معها ، فلما خرج و المصحف في عنقه قال غلام من بني وهب ، و قد كان عرف امتناعه ، و تأبيه عن خوض الفتنة فقال :

ايا كعب رأيك ذاك الجزيل
امثل من رأيك الخاطل

الخ ثم اجتمع رأي طلحة و الزبير على تكتّب الكتائب ، و تنظيم العساكر . و نظم الفريقان جيوشهما و قد اشترك في نصرة أمير المؤمنين عليه السلام العشائر و القبائل من المهاجرين و الأنصار ، و ممن التحق به في الطريق من الكوفة ، و بني طي ، و جماعات من أهل البصرة الذين ثبتوا على بيعتهم و ولايتهم ، و جعل أمير المؤمنين عليه السلام على كل قبيلة قائدا ، و هم خيالة و مشاة ، و جعل على كل منهما قائدا أعلى ، و هاك أسماء العشائر و قوادهم ، اما عمار بن ياسر فهو القائد العام للخيالة . و محمد بن ابي بكر قائد المشاة العام

[ 309 ]

القائد ( الخيالة ) العشيرة هند الجملي مذحج سعد بن قيس همدان حجر بن عدي كنده رفاعة بن شداد بجيلة عدي بن حاتم قضاعة عبد اللّه بن زيد خزاعة و افناء اليمن جندب بن زهير الأزد عبد اللّه بن هاشم بكر بن وائل اهل الكوفة زيد بن صوحان بني عبد القيس سفيان بن ثور بكر بن وائل اهل البصرة قبيصة بن جابر الاسد عمر بن عطارد أهل الكوفة عبد اللّه بن الطفيل قيس غيلان اهل الكوفة هاشم المرقال قريش و كنانة حارثة بن قدامة تميم البصرة المنذر بن الجارود بنى عبد القيس أهل البصرة القائد ( المشاة ) العشيرة شريح بن هاني مذحج زياد بن كعب همدان رفاعة بن شداد بجيلة عدي بن حاتم قضاعة عمر بن الحمق خزاعة ابو زينب الازد حسان بن مخدوع بكر بن وائل اهل الكوفة الحرث بن مرة عبد القيس جوهر بن جابر المهازم العكبر بن وائل عبد القيس معقل بن قيس الاسد قرة بن نوفل اهل الكوفة هاشم بن هاشم قيس غيلان أعين بن ضبيعة قريش و كنانة تميم البصرة رجل و حين الاصطفاف للحرب كان عمار بن ياسر على الميمنة و مالك الاشتر

[ 310 ]

على الميسرة و عبد اللّه بن عباس على المقدّم و هند المرادي على المؤخر .

و خرج كل فريق بقومه ، و قام خطباءهم بالتحريض على القتال ، قام عبد اللّه بن الزبير خطيبا في معسكرهم ، فحمد اللّه و اثنى عليه و قال :

ايها الناس : ان هذا الرعث و الوعث قتل عثمان بالمدينة ، ثم جائكم ينشر اموركم بالبصرة ، و قد غصب أنفسهم ، ا لا تنصرون خليفتكم المظلوم ؟ ا لا تمنعون حريمكم المباح ؟ ا لا تتقون اللّه في عطيتكم من انفسكم ؟ ا ترضون أن يتوردكم أهل الكوفة في بلادكم ؟ اغضبوا فقد غضبتم ، و قاتلوا فقد قوتلتم ، ان عليا لا يرى ان معه في هذا الأمر أحد سواه ، و اللّه لئن ظفر بكم ليهلكن دينكم و دنياكم ، و اكثر من هذا القول .

سمع أمير المؤمنين عليه السلام كلام ابن الزبير فقال لولده الحسن عليه السلام :

قم يا بني فاخطب .

فقام الامام الحسن عليه السلام خطيبا ، فحمد اللّه و اثنى عليه و قال :

ايها الناس قد بلغتنا مقالة ابن الزبير ، و قد كان و اللّه يتجنى على عثمان الذنوب و قد ضيق عليه البلاد حتى قتل ، و ان طلحة راكز رايته على بيت مال عثمان و هو حي ، و اما قوله : ان عليا ابتز الناس أمرهم ، فانه أعظم حجة لأبيه زعم انه بايع بيده و لم يبايعه بقلبه ، فقد أقر بالبيعة و ادعى الوليجة ، فليأت على ما ادعاه ببرهان و أنى له ذلك ؟

و اما تعجبه من تورد أهل الكوفة على أهل البصرة ، فما عجبه من أهل حق تورد على اهل باطل ، و لعمري و اللّه ليعلمن اهل البصرة ، و ميعاد ما بيننا و بينهم اليوم نحاكمهم إلى اللّه تعالى ، فيقضي اللّه بالحق و هو خير الفاصلين .

لما فرغ الامام الحسن عليه السلام من كلامه قام رجل يقال له : عمر بن

[ 311 ]

محمود و أنشد شعرا يمدح به الامام الحسن ، بلغ طلحة و الزبير خطبة الحسن عليه السلام و مدح المادح له ، قام طلحة خطيبا في اصحابه و قال :

يا اهل البصرة قد ساق اللّه اليكم خيرا ما ساقه إلى قوم قط ، امكم و حرمة نبيكم ، و حواري رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و ابن عمته و من وقاه بنفسه .

ان عليا غصب الناس أنفسهم بالحجاز ، و تهيأ للشام ، يريد سفك دماء المسلمين ، و التغلب على بلادهم فلما بلغه مسيرنا اليكم ، و قصدنا قصدكم ، و قد اجتمع معه منافقوا مضر ، و انصار ربيعة رجالة اليمن ، فاذا رأيتم القوم فاقصدوا قصدهم ،

و لا ترعوا عنهم ، و تقولوا : ابن عم رسول اللّه ، و هذه معكم زوجة الرسول ، و احب الناس اليه و ابنة الصديق الذي كان احب الخلق الى رسول اللّه .

قام إلى طلحة رجل يقال له : حبران بن عبد اللّه من أهل الحجاز ، كان قدم البصرة و هو غلام فقال :

يا طلحة : و اللّه ما تركت جنبا صحيحا عليه بشتمك ربيعة و مضر و اليمن ،

و إن كان القول كما تقول ، فانا لمثلهم و هم منا و نحن منهم ، و ما يفرق بيننا و بينهم غيرك و غير صاحبك ، و لقد سبقت الينا من علي ثمّ بيعة لا ينبغي لنا ان ننقضها ، و انا لنعلم حالكم اليوم و حالكم امس .

فهمّ القوم به ، فمنعهم بنو اسد ، فخرج منهم مستخفيا اشفاقا على دمه .

فقام الاسود بن عوف لما سمع طلحة شتمه الاحياء من ربيعة و مضر و اليمن و قال :

يا هذا ان اللّه لا يفرّق بيننا و بين مضر ، و ان اهل الكوفة من غاب منهم كمن شهد ، الأخ إلى الاخ ، و انما خالفنا القوم في هوان ، فاعفنا مما ترى .

ثم خرج فلحق بعمان ، و لم يشهد الجمل و لا صفين .

[ 312 ]

و بلغ امير المؤمنين لغط القوم و اجتماعهم على حربه فقام خطيبا ، و قد مرت خطبته فلا نعيدها ، و لما فرغ من كلامه قام اليه حكيم بن مناف حتى وقف بين يديه و قال :

ابا حسن ايقضت من كان نائما
و ما كل من يدعى الى الحق يسمع

و ما كل من يعطى الرضا يقبل الرضا
و ما كل من أعطيته الحق يقنع

و انت امرؤ اعطيت من كل وجهة
محاسنها ، و اللّه يعطي و يمنع

و ما منك بالامر المؤلم غلطة
و ما فيك للمرء المخالف مطمع

و ان رجالا بايعوك و خالفوا
هداك و اجروا في الضلال و ضيعوا

لأهل لتجريد الصوارم فيهم
و سمر العوالي و القنا تتزعزع

فاني لأرجو أن تدور عليهم
رحى الموت حتى يسكتوا و يصرعوا

و طلحة فيها و الزبير قرينه
و ليس لما لا يدفع اللّه مدفع

فان يمضيا فالحرب اضيق حلقة
و ان يرجعا عن تلك فالسلم اوسع

و ما بايعوه كارهين لبيعة
و ما بسطت منهم الى الكره اصبع

و لا بطيا عنها فراقا و لا بدا
لهم احد بعد اللذين تجمعوا

على نقضها ممن له شدّ عقدها
فقصراهما منه اصابع أربع

خروج بأم المؤمنين و غدرهم
و عيب على من كان في القلب اشجع

و ذكرهم قتل ابن عفان خدعة
و هم قتلوه و المخادع يخدع

فعود علي نبعة هاشمية
و عودهما فيما هما فيه خروع

و لما علم امير المؤمنين ان اهل البصرة قد عزموا على حربه التفت الى اصحابه ،

و خطبهم بهذه الخطبة ، و كان مما قال :

عباد اللّه : انهدوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم بقتالهم ، فانهم نكثوا بيعتي

[ 313 ]

و قتلوا شيعتي ، و نكلوا بعاملي عثمان بن حنيف ، و أخرجوه بعد أن آلموه بالضرب المبرّج ، و العقوبة الشديدة ، و هو شيخ من وجوه الانصار و الفضلاء ، و لم يرعوا له حرمة و قتلوا السبابحة : رجالا صالحين ، يأخذونهم في كل حايط و عابية ، و تحت كل رابية ثم يأتون بهم فيضربون أعناقهم صبرا ، ما لهم قاتلهم اللّه أنى يؤفكون ؟

فانهدوا اليهم عباد اللّه أسودا ، و كونوا أشداء عليهم ، فانهم شرار ،

و مساعدوهم على الباطل شرار ، فالقوهم صابرين محتسبين موطنين أنفسكم انكم منابذوهم و مقاتلوهم ، و قد وطنتم أنفسكم على الضرب و الطعن و منازلة الاقران .

فأي أمرء أحسّ من نفسه رباطة جأش عند الفزع ، و شجاعة عند اللقاء و رأى من أخيه فشلا أو وهنا فليذب عن أخيه الذي فضله اللّه عليه كما يذب عن نفسه فلو شاء اللّه لجعله مثله .

فقام اليه شداد بن شمر العبدي ، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال :

اما بعد : فانه لما كثر الخطأون ، و تمرد الجاحدون فزعنا إلى آل نبينا الذين بهم ابتدينا بالكرامة ، و هدينا من الضلالة ، الزموهم رحمكم اللّه ، و دعوا من أخذ يمينا و شمالا فان اولئك في غمرتهم يعمهون و في ضلالهم يترددون .

كانت ساحة القتال في الخريبة ، و الخريبة اليوم واقعة بين الزبير و البصرة ،

و يقال لها : الخر . و هناك قبر طلحة . و كانت الحرب يوم الجمعة عاشر جمادى الاولى .

و كان أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام مستميتين يطلبون منه الدخول في الحرب فلم يأذن لهم ، و كان يريد أن يبتدأ القوم بالحرب فيحاربهم ، و كان عليه السلام يجول بين الصفين و عليه قميص و رداء ، و على رأسه عمامة سوداء و هو راكب على بغلة رسول اللّه الشهباء ، فنظرت اليه عائشة و هي في هودجها فقالت :

انظروا اليه ، كأنّ فعله فعل رسول اللّه يوم بدر ، أما و اللّه لا ينتظر بك

[ 314 ]

إلا زوال الشمس .

أمير المؤمنين : يا عائشة عما قليل لتصبحن نادمين .

أراد أصحابه الهجوم على العدو فنهاهم أمير المؤمنين و قال :

لا تعجلوا على القوم حتى اعذر فيما بيني و بين اللّه و بينهم ، فقام اليهم و قال :

يا أهل البصرة : هل تجدون عليّ جورا فى حكم ؟

أهل البصرة : لا .

أمير المؤمنين : فحيفا فى قسم ؟

أهل البصرة : لا .

امير المؤمنين : فرغبة فى دنيا اصبتها لي و لأهل بيتي دونكم ؟ فنقمتم علي فنكثتم بيعتي .

اهل البصرة : لا .

امير المؤمنين : فأقمت فيكم الحدود و عطلتها عن غيركم ؟

أهل البصرة : لا .

امير المؤمنين : فما بال بيعتي تنكث و بيعة غيري لا تنكث ؟ اني ضربت الامر انفه و عينه ، و لم اجد إلا الكفر أو السيف . ثم التفت إلى أصحابه و قال :

ان اللّه تعالى يقول فى كتابه : و إن نكثوا ايمانهم من بعد عهدهم ، و طعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون . ثم قال : و الذي فلق الحبة و برء النسمة و اصطفى محمدا بالنبوة : انهم لأصحاب هذه الآية ، و ما قوتلوا منذ نزلت هذه الآية . ثم التفت إلى ابن عباس و قال له :

يابن عباس : إمض بهذا المصحف إلى طلحة و الزبير و عائشة و ادعهم الى ما فيه ، و قل لطلحة و الزبير : أ لم تبايعاني مختارين ؟ فما الذي دعاكما الى نكث

[ 315 ]

بيعتي ؟ هذا كتاب اللّه بيني و بينكما .

جاء عبد اللّه بن عباس فبدأ بالزبير و قال له :

ان امير المؤمنين يقول لك : ا لم تبايعني طائعا ؟ فبم تستحل دمي ؟ و هذا المصحف و ما فيه بيني و بينك فان شئت تحاكمنا اليه .

الزبير إرجع الى صاحبك ، فانا بايعنا كارهين ، و ما لي حاجة في محاكمته .

انصرف ابن عباس إلى طلحة ، و الناس يركضون ، و المصحف فى يد ابن عباس ، فوجده قد لبس الدرع ، و هو محتبي بحمائل سيفه . و دابته واقفة فقال له :

ان امير المؤمنين يقول لك : ما حملك على الخروج ؟ و بما استحللت نقض بيعتي و العهد عليك ؟

طلحة : خرجت اطلب بدم عثمان ، أ يظن ابن عمك انه قد حوى على الكوفة ،

و قد و اللّه كتبت إلى المدينة : يؤخذ لي بمكة .

ابن عباس : إتق اللّه يا طلحة ، فانه ليس لك ان تطلب بدم عثمان ، و ولده اولى بدمه منك ، هذا أبان بن عثمان ما ينهض فى طلب دم ابيه طلحة : نحن اقوى على ذلك منه ، قتله ابن عمك ، و ابتزّ امرنا .

ابن عباس : اذّكر لك اللّه فى المسلمين و فى دمائهم ، و هذا المصحف بيننا و بينكم ، و اللّه ما انصفتم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إذ حبستم نسائكم في بيوتكم ،

و اخرجتم حبيسة رسول اللّه .

يعرض طلحة عن ابن عباس ، و ينادي بقومه : ناجزوا القوم ، فانكم لا تقومون لحجاج ابن ابي طالب .

ابن عباس : يا ابا محمد : أ بالسيف تخوف ابن ابي طالب ؟ و ا ما و اللّه ليعاجلنك بالسيف .

[ 316 ]

طلحة : ذلك بيننا و بينكم .

انصرف ابن عباس من عند طلحة إلى عائشة ، و هي في هودج مدقق بالدفوف ، على جملها عسكر و كعب بن سور القاضي قد أخذ بخطامه و حولها بنو أزد و بنو ضبة ، فلما رأته عائشة قالت بسرعة و غضب :

ما الذي جاء بك يابن عباس ؟ و اللّه ما سمعت منك شيئا ، ارجع يابن عباس إلى صاحبك ، ارجع يابن عباس لئلا يسفك دمك ؟

رجع ابن عباس الى أمير المؤمنين فأخبره الخبر ، و قال : ما تنتظر ؟ و اللّه لا يعطيك القوم إلا السيف فاحمل عليهم قبل أن يحملوا عليك .

امير المؤمنين : نستظهر باللّه عليهم . و هناك خرج أمير المؤمنين بين الصفين و نادى بأعلى صوته : اين الزبير ؟ فليخرج .

ثم نادى ثانيا ، و كان طلحة و الزبير واقفين أمام صفهما ، فخرج الزبير ،

و خرج اليه أمير المؤمنين عليه السلام ، فصاح به اصحابه : يا أمير المؤمنين : أ تخرج الى الزبير الناكث بيعته و انت حاسر ؟ و هو على فرس شاكي السلاح ، مدجج في الحديد و أنت بلا سلاح ؟

امير المؤمنين : ليس عليّ منه بأس ، إن عليّ منه جنة واقية ، لن يستطيع أحد فرارا من أجله ، و اني لا اموت ، و لا اقتل إلا بأيدي أشقاها ، كما عقر ناقة اللّه أشقى ثمود .

خرج اليه الزبير فقال عليه السلام : أين طلحة ؟ ليخرج .

فخرج طلحة ، و قربا منه عليه السلام ، حتى اختلفت أعناق دابتهما ، فقال امير المؤمنين للزبير : ما حملك على ما صنعت ؟

الزبير : الطلب بدم عثمان .

[ 317 ]

امير المؤمنين : أنت و أصحابك قتلتموه ، فيجب عليك أن تقيد من نفسك ،

و لكن انشدك اللّه الذى لا إله إلا هو ، الذى انزل الفرقان على نبيه محمد صلى اللّه عليه و آله : ا ما تذكر يوما ؟ قال لك رسول اللّه : يا زبير : ا تحب عليا ؟ فقلت : و ما يمنعني عن حبه و هو ابن خالي ؟ فقال لك رسول اللّه : ا ما انت فستخرج عليه يوما ،

و انت له ظالم ؟

الزبير : اللهم بلى قد كان ذلك .

امير المؤمنين : فانشدك اللّه الذي انزل الفرقان على نبيه محمد صلى اللّه عليه و آله : ا ما تذكر يوما جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من عند ابن عوف ، و انت معه ، و هو آخذ بيدك ، فاستقبلته انا ، فسلمت عليه فضحك فى وجهي ، فضحكت انا اليه ، فقلت أنت لا يدع ابن ابي طالب زهوة ابدا .

فقال لك النبي صلى اللّه عليه و آله : مهلا يا زبير ، فليس به زهو ، و لتخرجن عليه يوما و انت ظالم له ؟ الزبير : اللهم بلى ، و لكن نسيت ، فاما اذا ذكرتني ذلك فلأنصرفنّ عنك و لو ذكرت هذا لما خرجت عليك .

ثم التفت اليهما معا و قال :

نشدتكما اللّه : ا تعلمان و أولوا العلم من اصحاب محمد و عائشة بنت ابي بكر :

ان اصحاب الجمل ، و اهل النهروان ملعونون على لسان محمد صلى اللّه عليه و آله و قد خاب من افترى ؟

الزبير : كيف نكون ملعونين و نحن من اهل الجنة ؟

امير المؤمنين : لو علمت انكم من اهل الجنة لما استحللت قتالكم .

الزبير : ا ما سمعت رسول اللّه يقول يوم احد : اوجب طلحة الجنة ؟ و من

[ 318 ]

اراد أن ينظر إلى الشهيد يمشي على الأرض حيا فلينظر الى طلحة ؟ أ و ما سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول : عشرة من قريش في الجنة ؟

امير المؤمنين فسمّهم .

جعل الزبير يعدّ تسعة منهم ، و فيهم : ابو عبيدة بن الجراح ، و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل .

امير المؤمنين ، عددت تسعة فمن العاشر ؟

الزبير : أنت .

امير المؤمنين : اما انت فقد اقررت اني من أهل الجنة ، و اما ما ادعيت لنفسك و أصحابك فأني به لمن الجاحدين ، و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لقد عهد النبي الامي إليّ : ان بعض من سميت فى تابوت في جب في أسفل درك من جهنم ، و في نسخة : ان في جهنم جبا ، فيه ستة من الاولين و ستة من الآخرين ، على رأس ذلك الجب صخرة ، اذا أراد اللّه تعالى ان يسعر جهنم على أهلها امر بتلك الصخرة فرفعت ، و ان في ذلك الجب بعض من سميت ، و إلا اظفرك اللّه بي و سفك دمي بيدك ، و إلا فأظفرني اللّه بك و باصحابك .

دع هذا ، أ فلست بايعتني طائعا ؟

الزبير : بلى .

امير المؤمنين : أ فوجدت منى حدثا يوجب مفارقتي ؟

سكت الزبير ثم قال : لا جرم ، و اللّه لا قاتلتك .

ثم التفت عليه السلام إلى طلحة و قال :

يا طلحة : معكما نسائكما ؟

طلحة : لا .

[ 319 ]

امير المؤمنين : عمدتما الى امرأة موضعها في كتاب اللّه القعود في بيتها ،

فأبرزتماها ، و صنتما حلائلكما في الخيام و الحجال ، ما انصفتما رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، قد امر اللّه أن لا يكلمن إلا من وراء حجاب 1 .

اخبرني عن صلاة ابن الزبير بكما ، ا ما يرضى أحدكما بصاحبه ؟ اخبرني عن دعائكما الاعراب الى قتالي ؟ ما يحملكما على ذلك ؟

طلحة : يا هذا : كنا في الشورى ستة ، مات منا واحد ، و قتل آخر ، فنحن اليوم اربعة ، كلنا لك كاره .

امير المؤمنين : ليس ذاك عليّ ، قد كنا فى الشورى و الأمر في يد غيرنا ،

و هو اليوم في يدي أ رأيت لو أردت بعد ما بايعت عثمان ان أرد هذا الامر شورى ،

أ كان ذلك لي ؟

طلحة : لا .

أمير المؤمنين : و لم ؟

طلحة : لأنك بايعت عثمان طائعا .

امير المؤمنين : و كيف ذلك ؟ و الأنصار معهم السيوف مخترطة ، يقولون :

لئن فرغتم و بايعتم واحدا منكم ، و إلا ضربنا اعناقكم اجمعين ، فهل قال لك و لأصحابك أحد شيئا من هذا وقت ما بايعتماني ؟ و حجتي في الاستكراه في البيعة قال رجل من بني ضبة :

صنتم حلائلكم و قدتم امكم
هذا لعمرك قلة الانصاف

أمرت بجر ذيولها في بيتها
فهوت تشق البيد بالايجاف

عرضا يقاتل دونها ابناؤها
بالنبل و الخطي و الاسياف

-----------
( 1 ) و اذا سألتموهن متاعا فاسئلوهن من وراء حجاب .

[ 320 ]

اوضح من حجتك ، و قد بايعتني انت و اصحابك طائعين غير مكرهين ، و كنتما اول من فعل ذلك ، و لم يقل احد :

لتبايعان أو لنقتلنكما ؟

انصرف الرجلان الى صفهما ، فأراد الزبير الخروج من الحرب ، و الانصراف الى البصرة ، فقال له طلحة :

ما لك يا زبير ؟ ما لك تنصرف عنا ؟ سحرك ابن ابي طالب ؟

الزبير : لا ، و لكن ذكرني ما كان انسانيه الدهر ، و احتج عليّ ببيعتي له .

طلحة : لا ، و لكن جبنت وانتفخ سحرك .

الزبير : لم أجبن ، و لكن أذكرت فذكرت .

عائشة : ما ورائك يا ابا عبد اللّه ؟

الزبير : و اللّه ورائي ، اني ما وقفت موفقا فى شرك و لا إسلام إلا و لي فيه بصيرة و انا اليوم على شك من امري ، و ما اكاد ابصر موضع قدمي .

عائشة : لا و اللّه ، بل خفت سيوف ابن ابيطالب ، ا ما انها طوال حداد ،

تحملها سواعد أمجاد ، و لئن خفتها فلقد خافها الرجال من قبلك .

عبد اللّه بن الزبير : جبنا جبنا الزبير : يا بني قد علم الناس أني لست بجبان ، و لكن ذكرني علي شيئا سمعته من رسول اللّه ، فحلفت ان لا اقاتله .

عبد اللّه بن الزبير : يا ابه أجئت بهذين العسكرين العظيمين ، حتى اذا اصطفا للحرب ، قلت اتركهما و انصرف ؟ فما تقول قريش غدا بالمدينة ؟ اللّه اللّه يا ابة :

لا تشمت بنا الاعداء ، و لا تشن نفسك بالهزيمة قبل القتال .

الزبير : ما اصنع بابني و قد حلفت أن لا اقاتله ؟

[ 321 ]

عبد اللّه بن الزبير : كفّر عن يمينك ، و لا تفسد أمرنا .

الزبير : عبدي مكحول حرّ لوجه اللّه ، كفارة ليميني ، ثم عاد معهم للقتال .

و لقد احسن و اجاد همام الثقفي حيث يقول :

أ يعتق مكحول و يعصي نبيه ؟
لقد تاه عن قصد الهدى ثم عوق

ا ينوي بهذا الصدق و البر و التقى ؟
سيعلم يوما من يبر و يصدق

لشتان ما بين الضلالة و الهدى
و شتان من يعصي النبي و يعتق

و من هو في ذات الاله مشمر
يكبر برّا ربه و يصدق

أ في الحق أن يعصى النبي سفاهة
و يعتق في عصيانه و يطلق

كدافق ماء للسراب يؤمه
أ لا في ضلال ما يصب و يدفق

فعند ذلك أخذ أمير المؤمنين عليه السلام المصحف بيده ، و طلب من يقرأ عليهم هذه الآية : و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فان بغت احديهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء الى امر اللّه .

فما قام اليه أحد إلا غلام حدث السن من عبد القيس ، عليه قباء أبيض ،

يقال له : مسلم المجاشعي ، فقال : ها انا ذا يا امير المؤمنين ، قد احتسبت نفسي عند اللّه .

فأعرض عنه امير المؤمنين اشفاقا عليه ، و نادى ثانية ، فما اجابه إلا الغلام ،

ثم نادى ثالثة ، فما قام اليه إلا ذلك الفتى ، فاعطاه المصحف و قال له : امض اليهم ،

و اعرضه عليهم ، و ادعهم الى ما فيه .

فاقبل الغلام حتى وقف بازاء الصفوف و نشر المصحف و قال :

هذا كتاب اللّه ، و امير المؤمنين يدعوكم إلى ما فيه . فقالت عائشة :

أشجروه بالرماح ، قبحه اللّه ، فتبادروا اليه ، و قطعوا يمينه فأخذ المصحف بشماله ،

[ 322 ]

فقطعوها ، فأخذ المصحف بأسنانه ، فأحاطوا به ، و طعنوه بالرماح من كل جانب و مكان ، و كانت امه حاضرة تنظر إلى ما يصنع بفلذة كبدها ، فصاحت و طرحت نفسها عليه ، و جرته من موضعه ، و ساعدها على حمل ابنها جماعة من عسكر أمير المؤمنين حتى طرحته بين يدي امير المؤمنين و هي تبكي و تقول :

يا رب ان مسلما أتاهم
بمحكم التنزيل إذ دعاهم

يتلو كتاب اللّه لا يخشاهم
فخضبوا من دمه قناهم

و امهم قائمة تراهم
تأمرهم بالقتل لا تنهاهم

فرملوه رمّلت لحاهم

فلما رأى أمير المؤمنين ما صنعه القوم بذلك الغلام الذين دعاهم إلى القرآن ،

و سفكوا دمه ، رفع يديه إلى السماء و قال :

اللهم اليك شخصت الابصار ، و بسطت الايدي ، و افضت القلوب ، و تقربت ،

اليك بالاعمال ، ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالفتح و أنت خير الفاتحين .

كان امير المؤمنين عليه السلام ينتظر الظهر لتزول الشمس ، و يبدء أهل الجمل بالحرب ، فلهذا بينما جالس إذ جائه الناس يهتفون به و يقولون : يا امير المؤمنين لقد نالنا النبل و النشاب ، فسكت عليه السلام ، ثم جاء آخرون ، و قالوا : قد جرحنا .

و ذلك لأن أهل البصرة جعلوا يرمون اصحاب امير المؤمنين ، فكانت سهامهم كالجراد المنتشر ، فهناك قال عليه السلام :

يا قوم : من يعذرني من قوم يأمرونني بالقتال ، و لم تنزل بعد الملائكة ، فلقد انبأنى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و قال :

يا على ان اللّه يمدك بخمسة آلاف من الملائكة مسومين .

فبينما هم كذلك إذ هبت ريح طيبة من خلفهم ، حتى وجدوا بردها بين

[ 323 ]

اكتافهم من تحت الدروع و الثياب ، فلما هبت تلك الريح صب امير المؤمنين درعه ،

ثم قام الى القوم ، و امر مناديه فنادى :

لا تقاتلوا القوم حتى يبدئوكم ، فانكم بحمد اللّه على حجة ، و كفّكم عنهم حتى يبدئوكم حجة اخرى ، فاذا قاتلتموهم ، فلا تجهزوا على جريح ، فاذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا و لا تكشفوا عورة ، و لا تمثلوا بقتيل ، و اذا وصلتم الى رجال القوم فلا تهتكوا سترا و لا تدخلوا دارا ، و لا تأخذوا من اموالهم شيئا ، و لا تهيّجوا إمرأة بأذى ، و ان شتمن أعراضكم ، و سببن امرائكم و صلحائكم ، فانهن ضعفاء القوى و الأنفس و العقول ، و لقد كنا نؤمر بالكف عنهن و انهن لمشركات ، و ان كان الرجل ليتناول المرأة بالهراوة و الجريدة فيعيّر بها و عقبه من بعده .

جعلت السهام تترى على أصحاب أمير المؤمنين كالمطر ، فقتل رجل من اصحابه بسهامهم ، فلما رآه أمير المؤمنين عليه السلام قال اللهم اشهد ، ثم جاء سهم و اصاب ابن عبد اللّه بديل فقتله فحمله ابوه عبد اللّه و ابن عباس حتى وضعاه امام امير المؤمنين عليه السلام فقال ابو المقتول :

حتى متى يا امير المؤمنين ندلي نحورنا للقوم ، يقتلون رجلا رجلا ؟ قد و اللّه قد اعذرت ان كنت تريد الاعذار هناك دعى امير المؤمنين ابنه محمد بن الحنفية ،

فاعطاه الراية و هي راية سوداء كبيرة ، و هي راية رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ،

فقال عليه السلام له يا بني هذه راية ما ردت قط ، و لا ترد أبدا ، و قيل كانت الراية بيضاء تملأ الرمح .

قال محمد : فأخذتها و الريح تهب عليها ، فلما تمكنت من حملها صارت الريح على طلحة و الزبير و اصحاب الجمل ، فأردت أن أمشى بها فقال امير المؤمنين : قف يا بنى حتى آمرك ، ثم دعى بدرع رسول اللّه فلبسها ، و حزم بطنه بعصابة اسفل من سرته ، و دعي ببغلته الشهباء ، و هي بغلة رسول اللّه فاستوى على ظهرها ، و وقف امام

[ 324 ]

صفوف اصحابه ، ثم التفت إلى محمد بن الحنفية ، و قال : رايتك يا بني قدمها ،

فوقف بالراية بين يديه ، فجاء قيس بن سعد و أنشأ يقول :

هذا اللواء الذي كنا نحف به
مع النبي ، و جبريل لنا مددا

ما ضر من كانت . . .
ان لا يكون له من غيرها احدا

قوم إذا حاربوا طالت اكفهم
بالمشرفية ، حتى يفتحوا البلدا

و صفّ اصحاب عائشة صفوفهم ، و جاؤا بالجمل و عليه الهودج و فيه عائشة ،

و خطامه في يد كعب بن سور ، و قد تقلد المصحف و قد احاط بالجمل بنو ضبة و الازد ،

و عبد اللّه بن الزبير بين يدي عائشة ، و مروان بن الحكم عن يمينها ، و الزبير يدير العسكر . و طلحة على الفرسان و محمد بن طلحة على الرجالة .

و خرج امير المؤمنين ، كما ذكرنا ، و ليس عليه إلا قميص واحد ، ثم قال لابنه محمد بن الحنفية : تقدم باللواء ، فقال محمد : يا ابه في مثل هذا اليوم بقميص واحد ؟ فأجابه امير المؤمنين عليه السلام بقوله :

أحرز كل امرء أجله ، و اللّه قاتلت مع رسول اللّه و انا حاسر اكثر مما قاتلت و انا دارع .

و في بعض الكتب : دعى عليه السلام بدرعه البتراء و لم يلبسها بعد النبي إلا يومئذ فكان في كتفيه قد و هى و جاء امير المؤمنين و بيده شسع نعل ، فقال له :

ابن عباس : ما تريد بهذا الشسع يا امير المؤمنين ؟

امير المؤمنين : اربط بها ما قد توهى من هذا الدرع من خلفي ابن عباس : أ مثل هذا اليوم تلبس هذا الدرع ؟

امير المؤمنين : لم ؟

ابن عباس اخاف عليك .

[ 325 ]

امير المؤمنين : لا تخف ان اوتي من ورائى ، و اللّه يابن عباس : ما وليت في زحف قط لبس عليه السلام درعه ، و جرد سيفه فهزه حتى رضي به فاغمده ، و أمر بتسوية الصفوف حتى إذا اعتدلت التفت الى ابنه محمد بن الحنفية و قال : تقدم بالراية ، و اعلم ان الراية إمام اصحابك ، فكن متقدما يلحقك من خلفك فان كان لمن تقدم من اصحابك جولة رجع اليك .

عند ذلك عجل اصحاب الجمل ، و زحفوا نحو معسكر امير المؤمنين فصاح الامام بابنه محمد :

إمض ، فمضى بين يدي والده يخطو بالراية خطوا ، و تبعه اصحابه ،

و اشتعل القتال .

كان امير المؤمنين خلف حامل الراية يقول : تقدم يا بني : فقال محمد :

ما اجد متقدما إلا على الأسنة ، فغضب عليه السلام و قال : اقول لك : تقدم . و تقول :

على الاسنة ؟ ثق باللّه يا بني و تقدم على الاسنة فأخذ عليه السلام الراية من ولده ،

و تقدم يهرول ، فأخذته الحدة ، فلحق اباه و قال : اعطني الراية ، فقال : خذها .

و قد عرف محمد ما وصف له أبوه ، و اعطاه تعاليم حربية اخرى ، فمضى محمد ، و مضى علي خلفه فناداه :

يا ابا القاسم فقال : لبيك يا ابه : قال : يا بني لا يستفزنك ما ترى ، قد حملت الراية و أنا اصغر منك فما استفزني عدوي ، و ذلك انني لم ابارز أحدا إلا حدثتني نفسي بقتله ، فحدّث نفسك بعون اللّه تعالى بظهورك عليهم ، و لا يخذلك ضعف النفس من اليقين ، فان ذلك اشد الخذلان .

فقال محمد : يا ابه أرجو أن اكون كما تحب ان شاء اللّه ، فقال عليه السلام :

[ 326 ]

فالزم رايتك ، فان اختلفت الصفوف قف مكانك ، و بيّن اصحابك ، فانك ان لم تبين من اصحابك فاعلم انهم سيرونك .

قال محمد : و اللّه اني لفي وسط اصحابي ، فصاروا كلهم خلفي ، و ما بيني و بين القوم أحد يردهم عني ، و ان اريد أن اتقدم في وجوه القوم فما شعرت إلا بأبي ، خلفي قد جرد سيفه ، و هو يقول :

لا تقدم حتى اكون امامك ، فتقدم ابي بين يدي يهرول و معه طائفة من اصحابه جعل محمد بن الحنفية ينظر الى اشجع اهل العالم ، فرآه يورد السيف و يصدره ، و ليس على السيف دم ، و ذلك لسرعة اليد ، و سبق السيف الدم ، و هو ينادي : ( يا منصور أمت ) و كان هذا شعاره عليه يوم الجمل ، ثم صاح بأعلى صوته :

يا محمد بن ابي بكر : اذا صرعت عائشة فوارها ادفنها ثم حمل على اهل البصرة ، و تبعه امراء الجيوش ، و الضباط و القواد و تبعهم الجنود ، و صاح الامام : احملوا على بركة اللّه .

اما أصحاب الجمل لما سمعوا قول الامام لمحمد ابى بكر : ( إذا صرعت عائشة فوارها ) تيقنوا انهم مغلوبون ، و ان عائشة ستقتل فتزلزلت اقدامهم ، و ارتعدت فرائصهم ، و تضعضعوا عن مقاماتهم و هذه من احسن فنون الحرب .

و حمل عمار بن ياسر على ميسرة على اصحاب الجمل ، و حمل مالك الاشتر على ميمنتهم ، و تداخلت الميمنة و الميسرة .

حملوا حملة واحدة ، فانشب بعضهم رماحهم في بعض ، حتى لو مشى ماش لمشى عليها ، فنادى منادي امير المؤمنين :

عليكم بالسيوف ، فجعلوا يضربون بالسيوف على الرؤس ، ثم نادى المنادي :

عليكم بالاقدام . فلم ير يوم كان اكثر قطع أقدام منه :

[ 327 ]

شبت نار الحرب ، فسقطت الرؤس و طارت الايدي و جذت الاقدام و الارجل ، و شقت البطون و فاضت الارض من الدماء .

و يعجبني ان اذكر اراجيز الفريقين في ذلك اليوم ، فانها مثال البطولة و الاخلاص و التفاني :

برز رجل من بني عدي من اصحاب الجمل مرتجزا :

اضربكم و لو أرى عليا
ضربته ابيض مشرفيا

اريح منه قومنا عديا

فحمل عليه رجل من اصحاب أمير المؤمنين يقال له : امية العبدي مجيبا له :

هذا علي و الهدى سبيله
و الرشد فيه و التقى دليله .

من يتبع الحق يكن دليله

ثم اختلت بينهما ضربتان فقتله العبدي .

ثم جاء مقامه رجل آخر من اصحاب الجمل يقال له : الحرباء عاصم بن مرة مرتجزا :

انا ابو الحرباء و اسمي عاصم
و امنا ام لها محارم

فحمل عليه رجل من اصحاب امير المؤمنين مرتجزا :

اليك اني تابع عليا
و تارك امكم مليا

إذ عصت الكتاب و النبيا
و ارتكبت من امرها فريا

و ضربه فقتله ، فقام مقامه رجل من اصحاب عائشة يسمى : ابا الهيثم بن كليب الازدي مرتجزا :

نحن نوالي امنا الرضية
و ننصر الصحابة المرضية

فشد عليه رجل من اصحاب امير المؤمنين قائلا :

[ 328 ]

دليكم عجل بني امية
و امكم خاسرة شقية

هاوية في فتنة عمية

و ضربه ، ففلق هامته فخر صريعا لليدين و للفم .

فعند ذلك برز عمر بن يثري ، و كان من شياطين اصحاب الجمل ، فنادى :

هل من بارز ؟ فبرز اليه علباء بن الهيثم ، فاختلفت بينهما ضربتان ، فقتل عمر علباء رحمه اللّه ، فجاء هند المرادي و قام مقام علباء ، و ضرب بالسيف عمر بن يثري ،

و لكن عمر اتقى الضربة ، فجاء عبد اللّه بن الزبير و ضرب هندا .

فبرز عند ذلك زيد بن صوحان ، و كان من اشراف اصحاب امير المؤمنين ،

المخلصين و لما أراد زيد أن يخرج لمبارزة ابن يثري ، قال لأمير المؤمنين « ع » .

يا امير المؤمنين اني رأيت في المنام يدا أشرفت عليّ من السماء و هي تقول : هلم الينا . و انا خارج الى ابن يثري فاذا قتلني فادفني بدمي ، و لا تغسلني فاني مخاصم عند ربي ، فبرز فتضارب هو و عمر بن يثري . و جاء فارس من اصحاب الجمل محاميا لعمر ، فطعنه زيد في خاصرته طعنة اثخنته بها ، و ركض عمر الى زيد فقتله ، و كان زيد يرتجز :

ديني ديني و بيعي بيعي

و لما صرع جاء اليه امير المؤمنين عليه السلام و جلس عند رأسه ، و به رمق فقال :

رحمك اللّه يا زيد ، قد كنت خفيف المؤنة عظيم المعونة ، فرفع زيد رأسه اليه و قال :

و أنت فجزاك اللّه يا امير المؤمنين : و اللّه ما قاتلت معك على جهالة ، و لكني سمعت ام سلمة زوجة النبي تقول : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول :

[ 329 ]

من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه ، و انصر من نصره و اخذل من خذله .

فكرهت و اللّه ان اخذ لك فيخذلني اللّه لما قتل عمر بن يثري هؤلاء الثلاثة من اصحاب امير المؤمنين ، و هم علباء و هند و زيد جعل يفتخر و يرتجز :

ان تنكروني فانا ابن يثري
قاتل علبا و ابن هند الجملي

ثم ابن صوحان على دين علي

فبرز اليه الاشتر ، و ضربه على وجهه ضربة وقع منها على الأرض جريحا ،

و حماه اصحابه ، فنهض و قد تراجعت نفسه قائلا : لا بد من الموت ، دلوني على علي ابن ابيطالب ، فلإن بصرت به لأملأن سيفي من هامته .

فبرز اليه عمار بن ياسر مرتجزا :

لا تبرح العرصة يابن يثري
اثبت اقاتلك على دين علي

نحن و بيت اللّه اولى بالنبي

و كان عمر بن يثري آخذا بخطام جمل عائشة و هو يرتجز مفتخرا :

ارديت علباء و هندا في طلق
ثم ابن صوحان خضيبا في علق

قد سبق اليوم لنا ما قد سبق
و الوتر منا في عدي ذي الفرق

و الاشتر الغاوي و عمرو بن الحمق
و الفارس المعلم في الحرب الحقق

ذاك الذي في الحادثات لم يطق
اعني عليا ليته فينا مرق

و ترك الخطام ، و جعل يطلب المبارزة ، فبرز اليه عمار كما تقدم و الناس يسترجعون له ، لأنه كان اضعف من برز اليه يومئذ ، أقصرهم سيفا ، و اقصفهم رمحا ، و احمشهم ساقا ، حمالة سيفه من نسعة الرحل ، و ذباب سيفه قريب من ابطه ،

[ 330 ]

فاختلفا ضربتين فنشب سيف بن يثري في حجفة عمار ، فضربه عمار على رأسه فصرعه ،

فأخذ برجله يسحبه حتى انتهى به الى امير المؤمنين فقال عمر يا امير المؤمنين : استبقني أجاهد بين يديك ، و اقتل منهم مثل ما قتلت منكم فقال علي عليه السلام . أ بعد زيد و هند و علباء استبقيك ؟ لاها اللّه اذا ، فقال : فأدنني منك اسارّك ، فقال عليه السلام :

أنت متمرد ، و قد اخبرني رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بالمتمردين ، و ذكرك فيهم فقال عمر : اما و اللّه لو وصلت اليك لعضضت انفك عضة ، أبنته منك ،

فأمر به امير المؤمنين عليه السلام فضرب عنقه .

و قيل : انه لما قتل هؤلاء الثلاثة ، و اراد البراز التفت للأزد ، و قال : يا معشر الأزد : انكم قوم لكم حياة و باس ، و انى قد وترت القوم ، و هم قاتلي ، و هذه امكم نصرها دين ، و خذلانها عقوق ، و لست اخشى ان اقتل حتى اصرع ، فان صرعت فاستنقذوني . فقالت له الازد : ما في هذا الجمع احد نخافه عليك إلا الاشتر :

قال : فاياه اخاف .

فبرز اليه الاشتر مرتجزا :

اني اذا ما الحرب ابدت نابها
و اغلقت يوم الوغى ابوابها

و مزقت من حنق أثوابها
كنا قداماها و لا اذنابها

ليس العدو دوننا اصحابها
من هابها اليوم فلن اهابها

لا طعنها اخشى و لا ضرابها

ثم حمل عليه فطعنه و صرعه ، و حامت عنه الازد فاستنقذوه ، و هو و قيد ثقيل ،

فلم يستطع ان يدفع عن نفسه و استعرضه عبد الرحمن البكرى فطعنه فصرعه ثانية ،

و وثب عليه رجل من سدوس فأخذه مسحوبا برجله ، حتى اتى به عليا عليه السلام ،

فناشده اللّه و قال :

[ 331 ]

يا امير المؤمنين : اعف عنى فان العرب لم تزل قائلة عنك : انك لم تجهز على جريح قط فأطلقه عليه السلام و قال : اذهب حيث شئت . فجاء الى اصحابه و هو لما به حضرته الوفاة ، فقالوا له : دمك عند أى الناس ؟ فقال : اما الاشتر فلقيني و انا كالمهر الآرن ، فعلى حدّه حدى ، و لقيت رجلا يبتغي له عشرة امثالي ، و اما البكرى فلقيني و انا لما بي ، و كان يبتغي لي عشرة امثالي ، و تولى اسرى اضعف القوم ، و صاحبي ( أى قاتلي الأشتر . ثم مات .

و سمعت ابنته فرثته :

يا ضب انك قد فجعت بفارس
حامي الحقيقة من بني عدنان

لو غير الاشتر ناله لندبته
و بكيته ما دام هضب ابان

لكنه من لا يعاب بقتله
اسد الاسود و فارس الفرسان

و قيل : ان عبد الرحمن البكرى ، و هو الذى ضرب عمر بعد الاشتر قال لقومه : انا و اللّه قتلت عمر ، و ان الاشتر كان بعدي ، و انا أمامه في الصعاليك ،

فطعنت عمر طعنة لم احسب انها تجعل للاشتر دوني ، و انما الاشتر ذو حظ في الحرب ،

و انه ليعلم انه كان خلفى ، و لكن ابى الناس الا انه صاحبه قاتله و لا ارى او اكون خصم العامة ، و ان الاشتر لأهل ان لا ينازع .

فلما بلغ الأشتر قوله قال : اما و اللّه لو لا اني أطفأت جمرته عنه ما دنى منه ،

و ما صاحبه غيرى ، و ان الصيد لمن وقذه .

فقال عبد الرحمن : لا انازع فيه ، ما القول إلا ما قاله .

فخرج كعب بن سور و هو شيخ صبيح الوجه نبيل ، عليه جبة وشى ، يحض الناس على الحرب ، و هو رئيس الأزد ، و قيل : انه اول من قتل من أصحاب الجمل ،

فأخذ بخطام الجمل و هو يرتجز و يقول :

[ 332 ]

يا معشر الأزد عليكم امكم
فانها صلاتكم و صومكم

و النعمة العظمى التي تعمكم
فاحضروها جدكم و حزمكم

لا يغلبن سم العدو سمكم
ان العدو إن علاكم رمكم

و خصكم بجوره و عمكم
لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم

كانت اراجيز هذا الشيخ كقنبلة انفجرت ، و لهذا استقتل ، و ثبتوا حول الجمل ، فقتل هو و ثلاثة من اخوته فخرج عوف بن قطن و هو ينادي : ليس لعثمان ثار إلا علي بن ابيطالب و ولده ، فأخذ بخطام الجمل و قال :

يا ام يا ام خلا مني الوطن
لا ابتغي القبر و لا ابغي الكفن

من هيهنا محشر عوف بن قطن
ان فاتنا اليوم علي فالغبن

او فاتنا ابناه حسين و حسن
اذن امت بطول هم و حزن

ثم تقدم و جعل يقاتل حتى قتله محمد بن الحنفية .

كانت هذه القاعدة جارية عند اصحاب الجمل : ان كل من اراد الجد في الحرب ، و قاتل قتال مستميت يتقدم الى الجمل فيأخذ بخطامه ، ثم يحمل على العدو ،

فتسئل عائشة عن اسمه ، فبرز عبد اللّه بن ابزى ، و تناول خطام الجمل ثم شد على عسكر أمير المؤمنين قائلا :

اضربهم و لو أرى ابا حسن
ها إن هذا حزن من الحزن

فشد عليه امير المؤمنين ، فطعنه بالرمح فقتله ، ثم قال : قد رأيت ابا حسن فكيف رأيته ؟ و ترك الرمح فيه .

كانت الاراجيز ذلك اليوم كثيرة حتى قيل : ما حفظ رجز أكثر من رجز قيل يوم الجمل ، اذ خرج رجل من بني ضبة من عسكر البصرة مرتجزا :

نحن بنو ضبة اصحاب الجمل
ننازل الموت اذا الموت نزل

[ 333 ]

ننعى ابن عفان بأطراف الاسل
ردوا علينا شيخنا ثم بجل

الموت أحلى عندنا من العسل
لا عار في الموت إذا حان الأجل

ان عليا هو من شر البدل
إن تعدلوا بشيخنا لا يعتدل

ابن الوهاد و شماريخ القلل

و خرج رجل آخر منهم قائلا :

نحن بنو ضبة اعداء علي
ذاك الذي يعرف فيهم بالوصي

و خرج اخو عمر بن يثري قائلا :

اضربكم و لو ارى عليا
عممته ابيض مشرفيا

و اسمرا عطنطنا خطيا
أبكي عليه الولد و الوليا

فخرج اليه امير المؤمنين متنكرا مرتجزا مجيبا له :

يا طالبا في حربه عليا
يمنحه أبيض مشرفيا

اثبت ستلقاه بها مليا
مهذبا سميذعا كميا

فضربه ، فرمى نصف رأسه ، فناداه عبد اللّه بن خلف الخزاعي صاحب منزل عائشة في البصرة : أ تبارزني يا علي ، فقال عليه السلام : ما اكره ذلك ،

و لكن ويحك يابن خلف : ما راحتك في القتل ، و قد علمت من أنا :

فقال ذرني من بذخك نفسك يابن ابيطالب و ادن منى لترى اينا يقتل صاحبه ، فثنى علي ( ع ) عنان فرسه اليه فبدره ابن خلف بضربة فأخذها في جحفته ثم عطف عليه السلام بضربه أطار بها يمينه ، ثم ضربه ضربة اخرى أطار بها قحف رأسه قال :

إن تدن مني يا علي فترا
فانني دان اليك شبرا

بصارم يسقيك كاسا مرّا
ها ان في صدري عليك وترا

[ 334 ]

فبرز اليه امير المؤمنين مجيبا له :

يا ذا الذي يطلب مني الوترا
ان كت تبغي أن تزور القبرا

حقا و تصلى بعد ذاك جمرا
فادن تجدني أسدا هزيرا

اصطعك اليوم زعافا صبرا

و في رواية : فضربه فطير جمجمته ، فخرج مازن الضبي قائلا

لا تطمعوا في جمعنا المكلل
الموت دون الجمل المجلل

فبرز اليه عبد اللّه بن نهشل قائلا :

إن تنكروني فانا ابن نهشل
فارس هيجا و خطيب فيصل

فقتل مازنا ، و كان طلحة يحث الناس و يقول : عباد اللّه الصبر الصبر ،

فخرج رجل من عسكر البصرة قائلا :

يا ايها الجند الصليب الايمان
قوموا قياما و استعينوا الرحمن

اني اتاني خبر ذو ألوان
ان عليا قتل ابن عفان

ردوا الينا شيخنا كما كان
يا رب و ابعث ناصرا لعثمان

يقتلهم بقوة و سلطان

فأجابه رجل من عسكر امير المؤمنين عليه السلام قائلا :

ابت سيوف مذحج و همدان
بأن نرد نعثلا كما كان

خلقا سويا بعد خلق الرحمن
و قد قضى بالحكم حكم الشيطان

و فارق الحق و نور الفرقان
فذاق كأس الموت شرب الظمآن

و من الاراجيز المحفوظة في ذلك اليوم :

يا امنا عائش لا تراعي
كل بنيك بطل المصاع

ينعى ابن عفان اليك ناعي
كعب بن سور كاشف الفناع

[ 335 ]

فارض بنصر السيد المطاع
و الازد فيهم كرم الطباع

و خرج ابن حفير الازدي يقول :

قد وقع الامر بما لم يحذر
و النبل ياخذن وراء العسكر

و امنا في خدرها المشمر

فبرز اليه الأشتر قائلا :

اسمع و لا تعجل جواب الأشتر
و اقرب فلاق كأس موت احمر

ينسيك ذكر الجمل المشمر

فقتله الاشتر ، ثم قتل عمير الغنوي ، و عبد اللّه بن عتاب بن اسيد ، ثم جال في الميدان جولا و هو يقول : نحن بنو الموت به غذّينا . فخرج عبد اللّه بن الزبير ،

و اخذ بخطام الجمل فسألته عائشة : من أنت ؟ فاجابها : انا ابن اختك . فقالت :

و اثكل اسما فبرز عبد اللّه الى الاشتر و اصطرعا ، و طرحه الأشتر و جلس على صدره ،

فجعل يصيح عبد اللّه : اقتلوني و مالكا .

و لو قال : اقتلوني و الأشتر لكان الأشتر مقتولا و كان الاشتر يقول :

اقتلوني و عبد اللّه و لو قال : اقتلوني و ابن الزبير لكان عبد اللّه بن الزبير مقتولا ،

و لكن الأشتر طعنه طعنة ثقيلة فافلت من تحته ، و سقط جريحا بين القتلى ، و جائه الأسود بن ابى البحتري فوجده صريعا فأخذه على فرسه ، فاذا رأى إنسانا من أصحاب علي « ع » القاه على الأرض ، و اذا لم ير أحدا حمله ، حتى جاء به و أنزله على رجل من بني ضبة له امرأتان : تميمية و بكرية من شيعة عثمان ، فعسلت احديها جراحته ،

و ملأتها كافورا . هذا بناء على بعض التواريخ و ستطلع على صورة اخرى فيما يتعلق بابن الزبير .

و حمل رجل من الازد على محمد بن الحنفية و هو يقول : يا معشر الأزد كروا .

[ 336 ]

فضربه محمد بن الحنفية فقطع يده و قال : يا معشر الأزد فروا . و خرج جابر الأزدي قائلا :

يا ليت أهلي من عمار حاضري
من سادة الأزد و كانوا ناصري

فقتله محمد بن ابي بكر ، فخرج بشر الضبي مرتجزا :

ضبة أبدي للعراق عقمة
و اضرمي الحرب العوان المضرمة

فقتله عمار ، و كانت عائشة تنادي بأرفع صوتها : أيها الناس عليكم بالصبر ،

فانما يصبر الأحرار .

فخرج رجل من أصحاب المؤمنين عليه السلام يقال له : الحرث بن زهير الأزدي إلى الجمل ، و رجل آخذ بخطامه لا يدنوا أحد إلا قتله ، فلما رآه الحرث بن زهير مشى اليه بالسيف و ارتجز فقال لعائشة :

يا امنا اعق أمّ تعلم
و الام تغذو ولدها و ترحم

اما ترين كم كميّ يكلّم
و تختلى هامته و المعصم

فاختلف هو و الرجل ضربتين ، فكلاهما اثخن صاحبه ، قال جندب بن عبد اللّه الازدي : فجئت حتى وقفت عليهما ، و هما يفحصان بأرجلهما حتى ماتا ، قال :

فأتيت عائشة بعد ذلك اسلّم عليها بالمدينة فقالت من أنت ؟ قلت : رجل من أهل الكوفة قالت : هل شهدتنا يوم البصرة ؟ قلت : نعم قالت : مع أي الفريقين ؟

قلت : مع علي : قالت : هل سمعت مقالة الذى قال : يا امنا اعق امّ تعلم . ؟ قلت نعم و اعرفه ، قالت : من هو ؟ قلت : ابن عم لي : قالت : و ما فعل ؟ قلت : قتل يوم الجمل ، و قتل قاتله . قال : فبكت حتى ظننت انها لا تسكت ، ثم قالت : لوددت اني كنت مت قبل ذلك بعشرين سنة .

و من اراجيز أصحاب امير المؤمنين عليه السلام ذلك اليوم :

[ 337 ]

قلت لها و هي على مهوات
: ان لنا سواك امهات

في مسجد الرسول ثاويات

و قال آخر :

يا معشر الأنصار قد جاء الاجل
اني أرى الموت عيانا قد نزل

فبادروه نحو أصحاب الجمل
ما كان في الانصار جبن و فشل

فكل شي‏ء ما خلا اللّه جلل

و قال خزيمة بن ثابت :

لم يغضبوا للّه إلا للجمل
و الموت خير من مقام في خمل

و الموت احرى من فرار و فشل

و قال شريح بن هاني :

لا عيش إلا ضرب أصحاب الجمل
و القول لا ينفع إلا بالعمل

ما ان لنا بعد علي من بدل

و قال هاني بن عروة :

يا لك حربا حثها حمالها
قائدة ينقضها ضلالها

هذا علي حوله أفيالها

و قال سعد بن قيس :

قل للوصي اجتمعت قحطانها
ان يك حرب اضرمت نيرانها

و قال عمار بن ياسر :

إني لعمار و شيخي ياسر
صاح كلانا مؤمن مهاجر

طلحة فيها و الزبير غادر
و الحق في كف علي ظاهر

و قال الاشتر :

[ 338 ]

هذا علي في الدجى مصباح
نحن بذا في فضله فصاح

و قال عدي بن حاتم :

انا عدي و يماني حاتم
هذا علي بالكتاب عالم

لم يعصه في الناس إلا ظالم

و قال عمرو بن الحمق :

هذا علي قائد يرضى به
اخو رسول اللّه في اصحابه

من عوده النامي و من نصابه

و قال رفاعة بن شداد البجلي :

ان الذين قطعوا الوسيله
و نازعوا عليا الفضيله

في حربه كالنعجة الاكيله

و برز له رجل يقال له حنتمة بن الاسود فقال :

نحن صحاب الجمل المكرم
و مانعي هودجه المعظم

و ناصروا زوج النبي الاكرم
ذلك دين اللّه فينا الاقدم

فخرج اليه رجل من شيعة علي يقال له عبيد اللّه بن سالم قائلا :

نحن مطيعون جميعا لعلي
إذ أنت ساع في الفساد يا شقي

ان الغوي تابع امر الغوي
قد خالفت زوج النبي النبي

و خرجت من بيتها مع من هوي

ثم ضرب يده بالسيف فقطعها ، و وقع لجنبه ، فرام أصحابه تخليصه و ازحموا عليه فوطؤه .

قيل : كان شعار أمير المؤمنين عليه السلام : حم ، و كان محمد بن طلحة المعروف بالسجاد قد خرج على أبيه ، و اوصى أمير المؤمنين عليه السلام ان لا يقتله

[ 339 ]

من عساه يظفر به ، فلقيه شريح بن اوفى العبسى من أصحاب امير المؤمنين فطعنه فقال محمد : حم . و قد سبق كما قيل السيف العدل فاتى على نعنيه ، و قال شريح :

و اشعث قوّام بآيات ربه
قليل الاذى فيما ترى العين مسلم

شككت بصدر الرمح جيب قميصه
فخرّ صريعا لليدين و للفم

على غير شي‏ء غير ان ليس تابعا
عليا و من لم يتبع الحق يندم

يذكرني : حم و الرمح شاجر
فهلا تلى حم قبل التقدم

لما بدت آثار الغلبة لامير المؤمنين عليه السلام ، و لاح لأهل البصرة و عائشة انهم مغلوبون و انهزم جمع كثير من اصحاب الجمل بعد أن قتل منهم جمع كثير و جم غفير أراد طلحة أن ينهزم ، و كان مروان حاضرا فاغتنم الفرصة ، و قال : و اللّه لأدركن ثاري ، و لأفزن منه و لا أطلب ثارى بدم عثمان بعد هذا اليوم و اللّه و قاتل عثمان بين اعجاز الابل و صدورها . فرمى مروان طلحة بسهم فأصاب نساه ركبته و رماه سهما ثانيا فوقع طلحة ، فأقبل اليه بعض الناس ، فالتفت الى غلامه و قال : إلتمس لي مكانا أدخل فيه ، فقال الغلام : ما أدري اين ادخلك . فقال طلحة : ما رأيت كاليوم اضيع دم شيخ مثلي . ثم مات و قبره الآن بين البصرة و الزبير في الصحراء .

ثم التفت مروان الى ابان بن عثمان بن عفان ، و قال له : لقد كفيتك احد قتلة أبيك . و كان مروان يرمي الفريقين لعدم دينه .

و لما رأى امير عليه السلام كثرة القتلى من الفريقين ، و علم ان وجود الجمل هو السبب الوحيد لتفاني أهل البصرة حول الجمل ، أمر بعقر الناقة ، و لما كانت الآلاف من أهل البصرة قد أحاطوا بالجمل لا يفارقونه امر عليه السلام بالهجوم ،

و وضع سيفه على عاتقه و عطف نحو الجمل و امر أصحابه بذلك ، و الخطام في تلك

[ 340 ]

الساعة مع بني ضبة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، و استحر القتال في بني ضبة فقتل منهم مقتلة عظيمة ، و خلص علي في جماعة من النخع و همدان الى الجمل فقال عليه السلام لرجل من النخع اسمه بحير : دونك الجمل يا بحير و في رواية : قال عليه السلام :

ما أراه يقاتلكم غير هذا الهودج ، اعقروا الجمل . و في رواية : عرقبوه ، فانه شيطان .

أو : اعقروه و إلا فنيت العرب ، لا يزال السيف قائما و راكعا حتى يهودي هذا البعير إلى الأرض فضرب عجز الجمل فوقع لجنبه ، و ضرب بجرانه الارض و عجّ عجيجا لم يسمع باشد منه فما هو إلا ان صرع حتى فرت الرجال كما يطير الجراد في الريح الشديدة الهبوب ، و سقط الهودج ، فصاح الامام اقطعوا البطان .

اختلف المؤرخون في عاقر هذا الجمل ، و كثرت الأقوال و الروايات في ذلك و اليك بعضها :

روى المجلسي ( ره ) انه عرقب الجمل أولا امير المؤمنين عليه السلام ، و يقال مسلم بن عدنان ، و يقال رجل من الانصار ، و يقال رجل ذهلي و قيل لعبد الرحمن ابن صرد التنوخي : لم عرقبت الجمل ؟

فقال :

عقرت و لم اعقر بها لهوانها
عليّ و لكني رأيت المهالكا

الى قوله : فيا ليتني عرقبته قبل ذلك .

سقط الهودج ، و تقدم محمد بن أبي بكر و قطع البطان و أخرج الهودج فقالت عائشة : من أنت ؟

محمد : أبغض أهلك اليك .

عائشة : ابن الخثعمية ؟

محمد : نعم ، و لم تكن دون امهاتك

[ 341 ]

عائشة : لعمري بل هي شريفة ، دع عنك هذا ، الحمد للّه الذي سلمك .

محمد : قد كان ذلك ما تكرهين .

عائشة : يا اخي لو كرهته ما قلت ما قلت .

محمد : كنت تحبين الظفر و اني قتلت .

عائشة : قد كنت احب ذلك ، و لكنه لما صرنا إلى ما صرنا اليه اخببت سلامتك لقرابتي منك فاكفف ، و لا تعقّب الامور ، و خذ الظاهر و لا تكن لومة و لا عذلة ، فان اباك لم يكن لومة و لا عذلة و جاء علي فقرع الهودج برمحه و قال :

أمير المؤمنين : يا شقيراء بهذا أوصاك رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله .

عائشة : يا ابن أبيطالب ملكت فأصفح و ظفرت فاسجح .

أمير المؤمنين : و اللّه ما أدرى متى اشتفى غيظى ؟ أ حين أقدر على الانتقام فيقال لي : لو عفوت ، أم حين اعجز عن الانتقام فيقال لي : لو صبرت بلى أصبر فان لكل شي‏ء زكاة ، و زكاة القدرة و المكنة العفو و الصفح .

ثم التفت عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر و قال شأنك باختك فلا يدنو منها أحد سواك .

فأمر عليه السلام فاحتملت عائشة بهودجها إلى دار عبد اللّه بن خلف في البصرة ، و أمر بالجمل أن يحرق ثم يذرى في الريح و قال عليه السلام إشارة إلى الجمل : لعنه اللّه من دابة ، فما أشبه بعجل بني إسرائيل ثم تلى : و انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا .

ركبت عائشة و هي تقول : فخرتم و غلبتم ، و كان أمر اللّه قدرا مقدورا ،

و نادى أمير المؤمنين يا محمد بن أبي بكر سلها هل وصل اليها شي‏ء من الرماح و السهام ؟

فسالها فقالت : نعم وصل إليّ سهم خدش رأسي و سلمت من غيره ، اللّه بيني و بينكم .

[ 342 ]

محمد : و اللّه ليحكمنّ عليك يوم القيامة ما كان بينك و بين امير المؤمنين حين تخرجين عليه ، و تولين الناس على قتاله ، و تنبذى كتاب اللّه وراء ظهرك .

عائشة : دعنا يا محمد و قل لصاحبك يحرسني .

قال محمد : و الهودج كالقنفذ من النبل فرجعت إلى أمير المؤمنين عليه السلام و أخبرته بما جرى بيني و بينها و ما قلت و ما قالت ، فقال عليه السلام : هي امرأة ،

و النساء ضعاف العقول ، فتول أمرها ، و احملها إلى دار ابن خلف حتى ننظر في امرها .

فحملتها إلى الموضع ، و ان لسانها لا يفتر عن السب لي و لعلي عليه السلام ،

و الترحم على أصحاب الجمل ، و محمد يقول لها : ما فعلت بنفسك ؟ عصيت ربك ،

و هتكت سترك ثم ابحت حرمتك و تعرضت للقتل ، فقالت : اقسمت عليك أن يطلب عبد اللّه بن الزبير جريحا كان أو قتيلا . فقال محمد : انه كان هدفا للاشتر .

فانصرف محمد إلى العسكر فوجده . فقال له : اجلس يا ميشوم أهل بيته فاتاها به ،

فصاحت و بكت ثم قالت : يا أخي إستأمن لي من علي . فاتى محمد بن أبي بكر الى أمير المؤمنين عليه السلام فاستأمن له منه فقال عليه السلام : امنته و امنت جميع الناس .

قد ذكرنا فيما مضى : ان طلحة و الزبير ارسلا الى الاحنف بن قيس و كعب ابن سور يطلبان منهما النصرة ، أما الاحنف فقال : انا اعتزل الفريقين . و اما كعب فانه امتنع ، و لكن عائشة ركبت اليه و بكت و طلبت منه النصرة فاجابها و قتل و المصحف في عنقه كما تقدم .

اما الاحنف فانه بعث إلى أمير المؤمنين عليه السلام حين دخوله البصرة يقول له : اني مقيم على طاعتك ، في قومي فان شئت أتيتك في مأتين من أهل بيتي فعلت ، و ان شئت حبست عنك اربعة آلاف سيف من بني سعد .

[ 343 ]

فبعث اليه امير المؤمنين عليه السلام : بل احبس و كف .

فجمع الأحنف قومه فقال : يا بني سعد : كفوا عن هذه الفتنة ، و اقعدوا في بيوتكم ، فان ظهر أهل البصرة فهم إخوانكم ، لم يهيجوكم ، و إن ظهر علي « ع » سلمتم ، فكفوا و اتركوا القتال ، و أقبل رجل منهم اسمه هلال إلى الأحنف حين بلغه ذلك فقال : ما يقول سيدنا في هذا الامر فقال الأحنف : انما اكون سيدكم غدا إذا قتلتم و بقيت انا . فقال هلال : بل انت سيدنا اليوم و شيخنا . فقال الأحنف : انا شيخكم المعصي و أنت الشاب المطاع ، اقعد في بيتك و لا تخرج مع طلحة و الزبير .

امتنع الرجل عن قبول كلام الاحنف ، فجمع الأحنف تميما كلهم ، فبايعوه إلا نفر منهم ، فبلغ طلحة و الزبير هذا الخبر ، فارسلا اليه يستميلانه و يرومان أن يدخل في طاعتهما فقال اختاروا مني احدى خصال ثلاث : اما ان اقيم في بيتي ، و اكف نفسي و لا اكون معكما و لا عليكما ، و اما أن التحق بعلي بن ابيطالب ، و اما ان اتي إلى الاهواز فاقيم بها .

فاستشار طلحة و الزبير اصحابهما فأشاروا عليهما و قالوا لهما : اما علي فعدوكم ،

و لا ينبغي أن يكون معه الاحنف ، و اما الاهواز إذا اتاها يلحق به كل من لا يريد القتال معكما ، و ليكن قريبا منكما ، فان تحرك وطأتماه على صماخه ، فأمراه بالقعود .

فذهب إلى الأحنف الى وادى السباع ، و وادي السباع اليوم حوالي القرنة من نواحي البصرة .

و ذكرنا لك آنفا : ان أمير المؤمنين عليه السلام احتج على الزبير يوم الجمل ،

و ذكّره ما تناسى أو نسي و ندم الزبير على ما فعل ، فرجع إلى معسكره ، و جرى ما جرى هناك ، و لما ثارت الحرب خرج الزبير ، و مر بوادي السباع ، و كان الزبير

[ 344 ]

قد التقى برجلين يقال لهما : عبد اللّه بن سعيد المجاشعي ، و ابن مطرح السعدي ،

فقالا : يا حواري رسول اللّه أنت في ذمتنا لا يصل اليك أحد . فأقبل معهما ، فهو يسير مع الرجلين إذ أتى رجل إلى الاحنف بن قيس فقال : أريد أن أسرّ اليك سرا ادن مني فدنى منه ، فقال : يا ابا الحسن : هذا الزبير قد هرب ، و اني رأيته بين رجلين من مجاشع و منقر و انى لا اظنه يريد التوجه الى المدينة .

فرفع الاحنف صوته قائلا : ما اصنع ان كان الزبير قد القى الفتنة بين المسلمين حتى ضرب بعضهم بعضا ، ثم هو يريد أن يرجع إلى أهله إلى المدينة سالما .

و في رواية : ما اصنع بالزبير لف بين غازين من المسلمين حتى اخذت السيوف منها مأخذها انسلّ و تركهم ، اما انه لخليق بالقتل قتله اللّه .

انما رفع الأحنف صوته بهذا الكلام لأنه ما احب أن يسلم الزبير و ينجو من القتل ، و كره أن يأمر بقتله ، و لكن سمع رجلان من أصحابه يقال لهما : عمر بن جرموز ، و فضالة بن محابس ، سمعا و علما قصد الاحنف من هذا الكلام ، فنهض ابن جرموز ، و معه صاحبه ، و توجها الى الزبير فلما رآهما من كان مع الزبير قالا له :

هذا ابن جرموز و انا نخافه عليك ، فقال الزبير : انا اكفيكم ابن جرموز ، و انتم اكفوني ابن محابس ، فلما قربا منهم وقف الزبير و قال لابن جرموز : ما شأنك ؟

فقال ابن جرموز : جئت لأسئلك عن أمر الناس . قال الزبير : تركتهم قياما في الركب يضرب بعضهم وجه بعض بالسيف .

فقال ابن جرموز : يا ابا عبد اللّه أخبرني عن أشياء اسئلك عنها ، قال الزبير : هات قال ابن جرموز : أخبرني : عن خذلك عثمان ، و عن بيعتك عليا ،

و عن نقضك بيعته ، و عن إخراجك ام المؤمنين و عن صلاتك خلف ابنك ، و عن هذه الحرب التي جنيتها ، و عن لحوقك بأهلك ؟

[ 345 ]

فقال الزبير : اما خذلي عثمان : فأمر قدّم اللّه فيه الخطيئة و أخر فيه التوبة ،

و اما بيعتي عليا فلم أجد بدا إذ بايعه المهاجرون و الانصار ، و اما نقضي بيعته فانما بايعته بيدي دون قلبي ، و اما إخراجي ام المؤمنين فأردنا أمرا و أراد اللّه غيره ،

و اما صلاتي خلف ابني فان خالته عائشة قدمته .

فتنحى ابن جرموز قائلا : قتلني اللّه إن لم اقتلك .

فتبعه ابن جرموز و هو يسايره ، و تاره يتقدم على الزبير ، و اخرى يتأخر عنه ، إلى أن قرب منه و قال له : يا أبا عبد اللّه إنزع درعك ، و اجعلها على فرسك فانها تثقلك و تعييك فنزعها الزبير ، و لم يزل ابن جرموز معه حتى اطمأن الزبير ،

فحمل عليه ابن جرموز و طعنه بين كتفيه ، و أخرج السنان من بين ثدييه ، ثم نزل فاحتز رأسه .

هذا هو المشهور بين المؤرخين في كيفية قتله ، و هناك رواية اخرى ، ذكرها ابن ابي الحديد و هي : ان ابن جرموز سار مع الزبير ، و كل منهما يتقي الآخر ، فلما حضرت الصلاة قال الزبير : يا هذا انا نريد أن نصلي : فقال ابن جرموز : و أنا اريد ذلك . فقال الزبير : فتؤمنني و اومنك ؟ قال : نعم فثنى الزبير رجله و أخذ وضوئه ، فلما قام الى الصلاة شد عليه ابن جرموز فقتله و احتز رأسه ، و أخذ خاتمه و سيفه و حثى عليه ترابا يسيرا ، و رجع إلى الاحنف فأخبره فقال الاحنف : و اللّه ما أدري اسأت ام أحسنت اذهب إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره .

نهض ابن جرموز و أقبل حتى دخل المعسكر يريد فسطاط امير المؤمنين ،

فلما رآه العسكر ما عرفوه ، و قالوا له : من أنت ؟ قال : انا رسول الأحنف .

فمن قائل يقول : مرحبا بك و بمن جئت من عنده ، و قائل يقول لا مرحبا بك و لا بمن جئت به من عنده ، حتى وصل إلى خيمة الامام ، فخرج اليه رجل

[ 346 ]

ضخم طويل ، عليه درع ، يتجسس ، فاذا هو الأشتر فقال : من أنت ؟ قال : أنا رسول الأحنف فقال الأشتر : مكانك ، حتى استأذن لك .

فأستأذن له فدخل ، و أمير المؤمنين متكى‏ء ، و بين يديه ترس عليه أقراص من الطعام الشعير ، فسلم عليه ، و هنأه بالفتح عن الأحنف ، لأن الحرب كانت قد وضعت أوزارها حينئذ ، و قال : انا رسول الأحنف و قد قتلت الزبير ، و هذا رأسه و سيفه ، فالقاهما بين يديه ، فقال عليه السلام : كيف قتلته ؟ و ما كان من أمره فحدثنا كيف كان صنعك به ؟ فقص عليه ما جرى فقال ناولني سيفه . فناوله سيفه ، فاستله و هزه ، و قال : سيف أعرفه سيف طالما جلى الكرب عن وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، ثم التفت علي عليه السلام إلى ابن جرموز قائلا :

و اللّه ما كان ابن صفية جبانا و لئيما ، و لكن الحين و مصارع السوء ، ثم تفرس في وجه الزبير و قال : لقد كان لك برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله صحبة ، و منه قرابة ،

و لكن دخل الشيطان منخرك ، فأوردك هذا المورد .

فقال ابن جرموز : الجائزة يا امير المؤمنين .

فقال عليه السلام : اما انى سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول :

بشر قاتل ابن صفية بالنار .

فخرج ابن جرموز خائبا و هو يقول :

أتيت عليا برأس الزبير
ابغي به عنده الزلفة

فبشر بالنار يوم الحساب
فبئست بشارة ذي التحفة

فقلت له : ان قتل الزبير
لو لا رضاك من الكلفة

فان ترض منا فذاك الرضى
و إلا فدونك لي حلفة

و رب المحلين و المحرمين
و رب الجماعة و الالفة

[ 347 ]

لسيّان عندي قتل الزبير
و ضرطة عنز بذي الحجفة

فيقال : انه قتل نفسه بالسيف ، و يقال : خرج مع اهل النهروان و قتل معهم خرج امير المؤمنين يطوف على قتلى اهل البصرة و هو يقول : هذي قريش جدعت انفي و شفيت نفسي ، فقد تقدمت اليكم احذّركم عض السيف ، و كنتم احداثا لا علم لكم بما ترون ، و لكنه الحين سوء المصرع ، و اعوذ باللّه من سوء المصرع .

فمر عليه السلام على معبد او سعيد بن المقداد فقال : رحم اللّه أبا هذا الغلام ،

اما لو كان حيا لكان أحسن من رأي هذا .

فقال عمار : الحمد للّه الذى اوقعه ، و جعل خذه الأسفل ، إنا و اللّه يا امير المؤمنين لا نبالي من عند عن الحق من والد و ولد .

فقال امير المؤمنين : رحمك اللّه و جزاك عن الحق خيرا .

ثم مر بعبد اللّه بن ربيعة و هو في القتلى فقال : هذا البائس ما كان اخرجه ؟

أ دين اخرجه ام نصر لعثمان ؟ و اللّه ما كان رأي عثمان فيه و لا في ابيه بحسن .

ثم مر بمعبد بن زهير بن ربيعة فقال : و اللّه لو كانت الفتنة في الثريا لأدركها هذا الغلام ، و اللّه ما كان بذي تخبرة ، و لقد اخبرني من ادركه ، و انه ليولول فرقا من السيف .

ثم مر بمسلم بن قرظة و هو يقول : البرّ اخرج هذا و اللّه لقد كلمني ان اكلّم له عثمان في شي‏ء كان يدعيه قبله بمكة ، فاعطاه عثمان و قال مسلما لي : ( لو لا انت ما اعطيته ، ان هذا ما علمت بئس العشيرة ) ثم جاء المشوم للحين ينصر عثمان .

ثم مر بعبد اللّه بن حميد بن زهير فقال هذا أيضا ممن اوضع في قتالنا ، زعم يطلب اللّه بذاك ، و لقد كتب إليّ كتبا يؤذي عثمان فيها ، فاعطاه شيئا فرضى عنه .

[ 348 ]

ثم مر بعبد اللّه بن حكيم بن حزام فقال : هذا خالف اباه في الخروج ،

و ابوه حين لم ينصرنا قد احسن في بيعته لنا و ان قد كف و جلس و شل في القتال ،

ما الوم اليوم من كف عنا و عن غيرنا ، و لكن المليم الذى يقاتلنا .

ثم مر بعبد اللّه بن المغيرة بن الاخنس فقال : اما هذا فقتل ابوه يوم قتل عثمان في الدار فخرج مغضبا لقتل ابيه و هو غلام حدث لا علم له بعواقب الامور .

ثم مر بعبد اللّه بن عثمان بن الاخنس فقال : اما هذا فكأنّي انظر اليه و قد اخذ القوم السيوف هاربا يعدو من الصف ، فنهنهت عنه فلم يسمع من نهنهت حتى قتله ،

و كان هذا مما خفي على فتيان قريش اغمار لا علم لهم بالحرب ، خدعوا و استرابوا ،

فلما وقفوا لججوا فقتلوا .

ثم مر بكعب بن سور القاضي رئيس الأزد و هو صريع بين القتلى ،

و المصحف في عنقه فقال عليه السلام : نحوا المصحف ، و ضعوه في مواضع الطهارة ،

هذا الذي خرج علينا في عنقه المصحف يزعم انه ناصر امّه ، يدعو الناس الى ما فيه المصحف و هو لا يعلم ما فيه ، ثم استفتح فخاب كل جبار عنيد ، انه دعى اللّه ليقتلني ، فقتله اللّه أجلسوا كعبا فاجلس فقال : يا كعب لقد وجدت ما وعدني ربي حقا ، فهل وجدت ، ما وعدك ربك حقا ثم قال : اضجعوا كعبا .

و مر على طلحة فقال : هذا الناكث بيعتي ، و المنشى‏ء الفتنة فى الامة ،

و المجلب علي ، و الداعي الى قتلي ، و قتل عترتي ، اجلسوا طلحة بن عبيد اللّه فأجلس ، فقال له : يا طلحة قد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدت ما عدك ربك حقا ؟ لقد كانت لك صحبة ، و لقد شهدت و سمعت و رأيت ، و لكن الشيطان ازاغك و امالك فأوردك جهنم ثم قال : أضجعوا طلحة .

ثم سار ، فقال له بعض من كان معه : أتكلّم كعبا و طلحة بعد قتلهما ؟

[ 349 ]

فقال عليه السلام : اما و اللّه لقد سمعا كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول اللّه يوم بدر .

و مر بعبد اللّه بن خلف الخزاعي و عليه ثياب حسان فقال الناس : هذا و اللّه رأس الناس فقال عليه السلام : ليس برأس الناس و لكنه شريف ، منيع النفس .

و مر بعبد الرحمن بن عتاب بن اسيد فقال : هذا يعسوب القوم ، و رأسهم كما ترون .

هذا اللباب المحض من بني عبد مناف ، ثم قال : شفيت نفسي و قتلت معشرى الى اللّه اشكو عجري و بجري ، قتلت الصناديد من بني عبد مناف ، و افلتني الاغيار من بني مذحج ، فقال قائل : لشدّ ما اطريت هذا الفتى منذ اليوم يا امير المؤمنين فقال عليه السلام : انه قام عني و عنه نسوة لم يقمن عنك .

ثم نادى مناديه : من أحب ان يوارى قتيله فليواره .

و قال عليه السلام : واروا قتلانا في ثيابهم التي قتلوا فيها فانهم يحشرون على الشهادة و اني لشاهد لهم بالوفاء .

ثم رجع الى خيمته و دعى عبد اللّه بن رافع كاتبه فكتب كتابا الى اهل المدينة ، و كتابا الى اهل الكوفة يخبرهم بما جرى ، و يبشرهم بالفتح ، و سنذكرهما في باب المختار من رسائله عليه السلام ان شاء اللّه .

ثم توجه امير المؤمنين الى البصرة و معه بعض اصحابه حتى وصلوا الى بيت المال ، فأمرهم بفتح الابواب التي داخلها المال ، فلما رأى كثرة ما فيها قال :

هذى جناي .

و هناك اقبل ابن عباس اليه و قال :

يا امير المؤمنين : ان لي حاجة .

[ 350 ]

امير المؤمنين : ما اعرفني بالحاجة التي جئت فيها تطلب الامان لابن الحكم .

ابن عباس : نعم اريد أن تؤمنه .

امير المؤمنين : أمنته ، و لكن اذهب و جئني به ، و لا تجئني به إلا رديفا ،

فانه أذل له .

جاء ابن عباس به ردفا خلفه كانه قرد فقال :

امير المؤمنين : ا تبايع ؟

مروان : نعم و في النفس ما فيها .

امير المؤمنين : اللّه اعلم بما في القلوب ، فلما بسط يده ليبايعه اخذ كفه من كف مروان و جذبها ، و قال : لا حاجة لي فيها ، انها كف يهودية ، لو بايعني بيده عشرين مرة لنكث باسته ، ثم قال : هيه يابن الحكم : خفت على رأسك ان تقع في هذه المعمعة ؟ كلا و اللّه حتى يخرج من صلبك فلان و فلان يسومون هذه الامة خسفا و يسقونهم كأسا مصبرة .

و لأمير المؤمنين عليه السلام كلام مع مروان يوم الجمل يأتي ذكره في المستقبل .

و هناك أقبل عمار بن ياسر و مالك الأشتر الى عائشة فقالت :

عائشة : يا ابا اليقظان و من معك ؟

عمار : مالك الاشتر .

عائشة : أنت فعلت بعبد اللّه ابن الزبير ما فعلت ؟

الاشتر : نعم ، و لو لا كوني شيخا كبيرا ، و طاويا لقتلته ، و ارحت المسلمين منه .

عائشة : ا و ما سمعت قول رسول اللّه : ان المسلم لا يقتل إلا عن كفر بعد إيمان أو زنا بعد احصان ، أو قتل النفس التي حرم اللّه قتلها

[ 351 ]

الاشتر : على احد الثلاثة قاتلناه يا ام المؤمنين و ايم اللّه ما خانني سيفي قبلها و لقد اقسمت أن لا يصحبني بعدها .

ثم أنشد يقول :

ا عائش لو لا انني كنت طاويا
ثلاثا لألفيت ابن اختك هالكا

عشية يدعو و الرجال تجوزه
باضعف صوت : اقتلوني و مالكا

فلم يعرفوه إذ دعاهم و عمه
خدّب 1 عليه في العجاجة باركا

فنجاه مني اكله و شبابه
و اني شيخ لم اكن متماسكا

الى أن قال :

و قالت : على أي الخصال قتلته
بقتل أتى أم ردة ؟ لا أبا لكا

ام المحصن الزاني الذي حل قتله ؟
فقلت لها : لا بد من بعض ذالكا

و قبض أمير المؤمنين عليه السلام ما وجد في عسكر الجمل من سلاح و دابة و مملوك و متاع فقسمه بين أصحابه ، فقال بعض أصحابه : إقسم بيننا أهل البصرة ،

فاجعلهم رقيقا . فقال لا . فقالوا : كيف تحل لنا دماؤهم ، و تحرم علينا سبيهم ؟

فقال : كيف يحل لكم ذرية ضعيفة في دار هجرة و إسلام ؟ و اما ما جلب به القوم في معسكرهم عليكم فهو لكم مغنم ، و اما ما وارت الدور و اغلقت عليه الأبواب فهو لأهله ،

و لا نصيب لكم في شي‏ء منه .

فلما اكثروا عليه قال : فاقرعوا على عائشة لأدفعها إلى من تصيبه القرعة ،

فقالوا نستغفر اللّه يا امير المؤمنين ثم انصرفوا .

و لما دخل عليه السلام بيت المال في نفر من المهاجرين و الانصار ، و نظر الى كثرة ما فيه قال غري غيري : مرارا ، ثم نظر الى المال ، و صعّد و صوّب بصره ،

-----------
( 1 ) الخدب بكسر الخاء و فتح الدال و تشديد الباء : الضخم .

[ 352 ]

و قال : اقسموه بين أصحابي خمسمائة خمسمائة ، فقسم بينهم ، فلا و الذي بعث محمدا بالحق ما نقص درهما و لا زاد درهما ، كأنه كان يعرف مبلغه و مقداره ، و كان مقدار المال ستة ملايين ، و عدد اصحابه اثنى عشر الف رجل .

و أخذ هو خمسمائة درهم كواحد منهم ، فجائه رجل لم يحضر الواقعة فقال :

يا أمير المؤمنين : كنت شاهدا بقلبي ، و ان غاب عنك جسمي ، فأعطني من الفي‏ء شيئا . فدفع اليه الذى اخذه لنفسه ، و لم يصب من الفي‏ء شيئا .

و في رواية اخرى : جاء رجل فقال : ان اسمي سقط من كتابك فقال عليه السلام : ردوها عليه ، ثم قال : الحمد للّه الذى لم يصل الي من هذا المال شي‏ء .

و لما فرغ من تقسيم بيت المال قام خطيبا في أصحابه ، فحمد اللّه تعالى و اثنى عليه و قال : ايها الناس اني احمد اللّه على نعمه ، قتل طلحة و الزبير و هربت عائشة و ايم اللّه لو كانت عائشة طلبت حقا و هانت باطلا لكان لها في بيتها مأوى ، و ما فرض اللّه عليها الجهاد ، و أن أول خطأها في نفسها ، و ما كانت و اللّه على القوم أشأم من ناقة الصخرة ، و ما ازداد عدوكم إلا حقدا و ما زادهم الشيطان إلا طغيانا ، و لقد جاءوا مبطلين و ادبروا ظالمين ، ان اخوانكم المؤمنين جاهدوا فى سبيل اللّه و آمنوا يرجون مغفرة اللّه و اننا لعلى الحق و انهم لعلى الباطل ، و يجمعنا اللّه و اياهم يوم الفصل و استغفر اللّه لي و لكم .

ارسل امير المؤمنين عليه السلام ابن عباس الى عائشة يأمرها بتعجيل الرحيل ،

و قلة العرجة الاقامة فجائها ابن عباس و هي فى قصر بني خلف فى جانب البصرة ، فطلب الإذن عليها ، فلم تأذن له ، فجاء ابن عباس و دخل عليها بغير إذنها فاذا بيت قفار لم يعد له فيه مجلس فاذا هي من وراء سترين ، نظر ابن عباس الى ما فى الحجرة ، فوقع بصره على طنفسة على رحل ، فمد الطنفسة و جلس عليها ، فقالت عائشة من وراء الستر : يابن عباس اخطأت السنة : دخلت بيتنا بغير اذننا ،

[ 353 ]

و جلست على متاعنا بغير اذننا .

ابن عباس : نحن اولى بالسنة منك ، و نحن علمناك السنة ، و انما بيتك الذى خلّفك فيه رسول اللّه فخرجت منه ظالمة لنفسك ، غائشة لدينك ، عاتية على ربك عاصية لرسول اللّه ، فاذا رجعت الى بيتك لم ندخله إلا باذنك ، و لم نجلس على متاعك إلا بأمرك ، ان امير المؤمنين علي بن ابيطالب بعث اليك يأمرك بالرحيل الى المدينة و قلة العرجة .

عائشة : رحم اللّه امير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب ابن عباس : هذا و اللّه أمير المؤمنين ، و إن تربدت فيه وجوه ، و رغمت فيه معاطس ، و اما و اللّه لهو امير المؤمنين ، و امسّ برسول اللّه رحما ، و أقرب قرابة ،

و اقدم سبقا ، و اكثر علما ، و أعلى منارا ، و اكثر آثارا من أبيك و من عمر .

عائشة : أبيت ذلك ابن عباس : ا ما و اللّه ان كان إباؤك عدم قبولك فيه لقصير المدة ،

عظيم التبعة ، ظاهر الشوم ، بيّن النكد ، و ما كان إباؤك فيه إلا حلب شاة حتى صرت ما تأمرين ، و لا تنهين و لا ترفعين و لا تضعين ، و ما كان مثلك إلا كمثل ابن الحضرمي ابن يحمان أخي بني أسد حيث يقول :

ما ذاك إهداء القصائد بيننا
شتم الصديق و كثرة الألقاب

حتى تركتهم كأن قلوبهم
في كل مجمعة ؟ ؟ ؟ ذباب

سمعت عائشة فأراقت دمعتها ، و بدا عويلها ثم قالت :

أخرج و اللّه عنكم ، فما في الأرض بلد أبغض إلي من بلد تكونون فيه .

ابن عباس : فلم و اللّه ما ذا بلائنا عندك ، و لا بصنعنا اليك ، انا جعلناك للمؤمنين اما ، و انت بنت ام رومان ، و جعلنا اباك صدّيقا و هو ابن ابي قحافة :

[ 354 ]

حامل قصاع الودك لابن جذعان الى أضيافه .

عائشة : يا ابن عباس تمنون علىّ برسول اللّه ؟ ابن عباس : و لم لا نمن عليك بمن لو كان منك قلامة منه مننتنا به ؟ و نحن لحمه و دمه و منه . و ما أنت إلا حشية من حشايا تسع ، خلفهن بعده ، لست بأبيضهن لونا و لا بأحسنهن وجها و لا بأرشحهن عرقا ، و لا بأنضرهن ورقا ، و لا بأطهرهن أصلا ، صرت تأمرين فتطاعين ، و تدعين فتجابين ، و ما مثلك إلا كما قال أخو بني فهر :

مننت على قومي فابدوا عداوة
فقلت لهم : كفوا العداوة و الشكرا

ففيه رضا من مثلكم لصديقكم
و احجى بكم أن تجمعوا البغي و الكفرا

ثم نهض ابن عباس و أتى أمير المؤمنين فأخبره بمقالتها ، و ما رد عليها فقال امير المؤمنين : ا ما لو كنت أعلم بك حيث بعثتك .

و دخل عليها عمار قائلا : يا امه : كيف رأيت ضرب بينك دون دينهم ؟

عائشة : استبصرت يا عمار من انك غلبت ؟

عمار : انا اشد استبصارا من ذلك ، ام و اللّه لو ضربتمونا حتى تبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنّا على الحق ، و انكم على الباطل .

عائشة : هكذا يخيل اليك . اتق اللّه يا عمار ، فان سنك قد كبرت ، و دق عظمك ، و فني أجلك ، و اذهبت دينك لابن ابيطالب عمار : اني و اللّه اخترت لنفسي في أصحاب رسول اللّه فرأيت عليا اقرأهم لكتاب اللّه عز و جل ، و اعلمهم بتأويله ، و أشدهم تعظيما لحرمته ، و اعرفهم بالسنة ،

مع قرابته من رسول اللّه ، و عظم عنائه و بلائه في الاسلام . فسكتت عائشة .

لقد وردت روايات و اخبار كثيرة فى ان حرب الجمل ابتدأت من الزوال

[ 355 ]

و انتهت عند الغروب ، و في بعضها ان الحرب استمرت ثلاثة ايام ، كما ذهب اليه ابن ابي الحديد و غيره و كيفما كان فقد بلغ عدد القتلى من الفريقين في البصرة بناء على بعض الروايات خمسة و عشرون الف قتيل ، ستة آلاف من أصحاب الامام ،

و الباقون من اصحاب عائشة و اما الايدي و الارجل التي قطعت ذلك اليوم فقد بلغ عدها أربعة عشر الف .

واها لأم المؤمنين كيف تلاعبت بدماء ابنائها ، واها لها ثم واها واها كيف زهقت بأرواح المسلمين ، و أثارت نار الحرب بينهم هؤلاء عدد القتلى ، و لا تسئل عن الجرحى ، و لا تسئل عن ارامل هؤلاء و يتاماهم و لعل الاصح ان الفريقين كانوا مستعدين للحرب متقابلين ثلاثة أيام بين إعذار و إنذار و تهديد و توبيخ ثم وقعت الحرب فى وقت الزوال من اليوم الثالث و وضعت أوزارها عند المغرب .

لما كان الامام عليه السلام في البصرة و عنده اصحابه ، إستند إلى حائط من حيطان البصرة ، فاجتمع اصحابه حوله ، فركب عليه السلام و الناس نزول حوله ،

فجعل يدعو الرجل باسمه فيأتيه ، ثم يدعو الرجل باسمه فيأتيه ثم يدعو الرجل باسمه فيأتيه ، حتى وافاه منهم ستون شخصا ، و من جملتهم الاصبغ بن نباته ، و كلهم قد صغروا اللحى و عقصوها ، و اكثرهم يومئذ من همدان ، فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام طريقا من طرق البصرة و أصحابه معه و عليهم الدروع و المغافر ، متقلدي السيوف ، متنكبي الأترسة ، حتى وصل الى دار واسعة ، فدخل و دخل معه اصحابه ،

فاذا فيها نسوة يبكين ، فلما رأينه صحن صيحة واحدة ، و قلن : هذا قاتل الأحبة .

فأمسك عنهن ، ثم قال : اين منزل عائشة ؟ فأومأ إلى حجرة في الدار ،

فتقدم بعض الصحابة فأنزلوا الامام عن دابته ، فدخل عليها ، و لم يسمع احد شيئا من

[ 356 ]

كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، إلا ان عائشة كانت امرأة عالية الصوت ، فسمع الاصحاب كلامها كهيئة المعاذير : اني لم افعل كذا ، و نحو هذا الكلام ، ثم خرج من عندها و تقدم اليه اصحابه فأركبوه على دابته ، فعارضته امرأة من قبل الدار فقال الامام : أين صفية ؟

قالت صفية : لبيك يا امير المؤمنين .

الامام : ا لا تكفيّن عني هؤلاء الكلبات اللاتي يزعمن اني قاتل الاحبّة ؟ لو قتلت الأحبة لقتلت من فى تلك الدار و اشار بيده إلى ثلاث حجر في الدار .

فلما سمع اصحابه ذلك قبضوا على قوائم سيوفهم ، و نظروا الى تلك الحجر التي اشار الامام اليها ، فما بقيت فى الدار باكية إلا سكتت ، و لا قائمة إلا جلست ،

فتبادر الاصحاب الى تلك الحجرات ففتحوها .

اما الأولى : فكان فيها مروان بن الحكم جريحا ، و معه شباب قريش جرحى .

و اما الثانية فكان فيها عبد اللّه بن الزبير ، و معه آل الزبير جرحى ، و اما الثالثة فكان فيها رئيس أهل البصرة ، يدور مع عائشة اينما دارت .

سأل رجل عن الاصبغ بن نباته الذي كان مع الامام قال : يا ابا القاسم هؤلاء اصحاب القرحة اسباب الفتنة فهلاّ ملتم عليهم بهذه السيوف ؟

فقال : يا ابن اخي : ان امير المؤمنين كان اعلم منك ، وسعهم امانة ، انا لما هزمنا القوم نادى مناديه : لا يدنف على جريح ، و لا يتبع مدبر ، و من القى سلاحه فهو آمن ، سنة يستن بها بعد يومكم هذا .

رجع الامام الى المعسكر ، ثم بعث مرة ثانية محمد بن ابي بكر و عمار بن ياسر الى عائشة :

ان ارتحلي ، و الحقي بيتك الذي تركك فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله .

فقالت : و اللّه لا اريم هذا البلد ابدا .

[ 357 ]

فرجعا الى امير المؤمنين و اخبراه فغضب ، ثم ردهما اليهما و بعث معهما الاشتر فقال : و اللّه لتخرجن او لتحملن احتمالا .

ثم التفت عليه السلام الى بني عبد القيس و هم انصاره ، و قال يا معشر عبد القيس اندبوا إلى الحرة الخيرة من نسائكم ، فان هذه المرأة من نسائكم ، فانها قد أبت ان تخرج لتحملوها احتمالا ، فلما علمت بذلك قالت : قولوا له : فليجهزني ،

فاتوا الامام فذكروا لها ذلك فجهزها ، و بعث معها أربعين امرأة من بني عبد القيس ،

و امرهن ان يلبسن ثياب الرجال و يلبسن العمائم و القلانس ، و قلدهن السيوف و امرهن ان يكنّ معها فى الطريق عن يمينها و شمالها ليحفظنها .

فجعلت تقول فى طريقها : اللهم افعل بعلي بن ابيطالب كذا و كذا ، بعث معي الرجال الاجانب ، و لم يحفظ بي حرمة رسول اللّه ، فلما قدمن المدينة ، و ألقين النساء العمائم و القلانس و السيوف و دخلن معها ، و رأتهن ندمت على ما فرطت بذم أمير المؤمنين و سبه ، قالت : جزى اللّه علي بن أبيطالب خيرا ، فلقد حفظ فيّ حرمة الاسلام ، و بكت من خجلها .

و لما فرغ امير المؤمنين من حرب الجمل أمر مناديا ينادي فى أهل البصرة :

ان الصلاة جامعة لثلاثة ايام من غد إن شاء اللّه و لا عذر لمن تخلف إلا من حجة أو علة ، فلا تجعلوا على انفسكم سبيلا .

فلما كان اليوم الذي اجتمع فيه الناس خرج فصلى بالناس صلاة الغداة في المسجد الجامع فلما قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة عن يمين المصلى ،

فحمد اللّه و اثنى عليه و صلى على النبي صلى اللّه عليه و آله ، و استغفر للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات ، ثم قال : يا أهل البصرة يا اهل الموتفكة . . . الخ و في يوم من تلك الايام قام اليه رجل أثناء خطبته و قال : يا أمير المؤمنين

[ 358 ]

اخبرني من أهل الجماعة ؟ و من أهل الفرقة ؟ و من أهل البدعة ؟ و من أهل السنة ؟

امير المؤمنين : ويحك اما إذا سألتني فافهم عني ، و لا عليك ان لا تسأل عنها أحدا بعدي اما اهل الجماعة فانا و من اتبعني و ان قلوا ، و ذلك الحق عن امر اللّه و عن أمر رسوله . و أهل الفرقة : المخالفون لي و لمن تبعني و ان كثروا ، و اما اهل السنة : فالمتمسكون بما سنه اللّه لهم و رسوله و إن قلوا ، و اما أهل البدعة :

فالمخالفون لأمر اللّه تعالى و كتابه و لرسوله ، و العاملون برأيهم و اهوائهم و ان كثروا و قد مضى منهم الفوج الاول ، و بقيت أفواج و على اللّه فضها و استئصالها عن جدد الارض .

فقام اليه عمار بن ياسر فقال : يا أمير المؤمنين ان الناس يذكرون الفيئي ،

و يزعمون : ان من قاتلنا فهو و ماله و ولده فيئي لنا .

فقام رجل من بكر بن وائل يدعى : عباد بن قيس و كان ذا عارضة و لسان شديد فقال :

يا أمير المؤمنين و اللّه ما قسمت بالسوية و لا عدلت بالرعية امير المؤمنين : و لم ويحك .

عباد : لأنك قسمت ما في العسكر ، و تركت النساء و الأموال و الذرية .

أمير المؤمنين : أيها الناس : من كانت له جراحة فليداوها بالسمن .

عباد : جئنا نطلب غنائمنا ، فجائنا بالترهات أمير المؤمنين : ان كنت كاذبا فلا اماتك اللّه حتى يدركك غلام ثقيف .

فقيل : و من غلام ثقيف ؟

أمير المؤمنين : رجل لا يدع للّه حرمة إلا انتهكها .

فقيل : أ فيموت أو يقتل ؟

[ 359 ]

أمير المؤمنين : يقصمه قاصم الجبارين بموت فاحش ، يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه يا اخا بكر : أنت امرؤ ضعيف الرأي ، أو علمت انا لا ناخذ الصغير بذنب الكبير و ان الاموال كانت لهم قبل الفرقة ، و تزوجوا على رشد ، و ولدوا على فطرة ، و انما لكم ما حوى عسكرهم ، و ما كان في دورهم فهو ميراث ، و ان عدى أحد منهم أخذنا بذنبه ، و إن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره .

يا أخا بكر : لقد حكمت فيكم بحكم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فى اهل مكة ، فقسم ما حوى العسكر و لم يتعرض لسوى ذلك ، و انما اتبعت اثره ، حذو النعل بالنعل . يا اخا بكر : اما علمت ان دار الحرب يحل ما فيها ، و ان دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بحق ، فمهلا مهلا ، رحمكم اللّه ، فان لم تصدقوني و اكثرتم عليّ ذلك انه تكلم في هذا غير واحد فأيكم يأخذ عائشة بسهمه ؟

القوم : يا امير المؤمنين اصبت و أخطأنا ، و علمت و جهلنا ، فنحن نستغفر اللّه تعالى .

و نادى الناس من كل جانب . اصبت يا امير المؤمنين ، اصاب اللّه بك الرشاد و السداد .

عمار بن ياسر : أيها الناس و اللّه ان اتبعتموه و اطعتموه لن يضل عن منهل نبيكم حتى قيس شعره ، و كيف لا يكون كذلك و قد استودعه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله المنايا و الوصايا و فصل الخطاب على منهج هارون عليه السلام ، و قال : انت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا انه لا نبي بعدي .

فضلا خصه اللّه به ، و إكراما منه لنبيه صلى اللّه عليه و آله حيث اعطاه ما لم يعطه

[ 360 ]

احدا من خلقه .

امير المؤمنين : انظروا رحمكم اللّه ما تؤمرون به فامضوا له ، فان العالم بما يأتي به أعلم من الجاهل الخسيس الأخس ، فاني حاملكم إن شاء اللّه ان اطعتموني على سبيل النجاة ، و ان كانت فيه مشقة شديدة ، و مرارة عتيدة و الدنيا حلوة ،

و الحلاوة لمن اغتر بها من الشقوة و الندامة عما قليل .

ثم اني اخبركم ان جيلا من بني إسرائيل امرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر ، فلجّوا في ترك امره ، فشربوا منه إلا قليلا منهم ، فكونوا رحمكم اللّه من اولئك الذين اطاعوا نبيهم و لم يعصوا ربهم ، و اما عائشة فأدركها رأي النساء ، و لها بعد ذلك حرمتها الاولى و الحساب على اللّه ، يعفو عمن يشاء و يعذب من يشاء .

لما فرغ امير المؤمنين من تلك الخطبة نزل و مشى فمر بالحسن البصري و هو يتوضأ فقال امير المؤمنين : يا حسن اسبغ الوضوء .

حسن : يا امير المؤمنين لقد قتلت بالامس اناسا يشهدون ان لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، و ان محمدا عبده و رسوله ، و يصلون الخمس ، و يسبغون الوضوء امير المؤمنين : قد كان ما رأيت ، فما منعك ان تعين علينا عدونا ؟

حسن : و اللّه لأصدّقنك يا امير المؤمنين : لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت و تحنطت و صببت علي سلاحي ، و انا لا اشك فى ان التخلف عن ام المؤمنين عائشة هو الكفر ، فلما انتهيت إلى موضع من الخريبة نادى مناد : يا حسن ارجع فان القاتل و المقتول فى النار .

فرجعت ذعرا ، و جلست فى بيتي ، فلما كان اليوم الثاني لم اشك ان التخلف عن ام المؤمنين هو الكفر ، فتحنطت و صببت علي سلاحي و خرجت اريد القتال ،

[ 361 ]

حتى انتهيت إلى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي : إلى اين ؟ مرة بعد اخرى فان القاتل و المقتول فى النار .

امير المؤمنين : صدقت ، ا فتدري من ذاك المنادي ؟

حسن : لا .

امير المؤمنين : ذاك اخوك ابليس ، و صدقك ، ان القاتل و المقتول منهم فى النار حسن : الآن عرفت يا امير المؤمنين ان القوم هلكى .

ثم كتب امير المؤمنين كتبا إلى الكوفة و المدينة و غيرهما و استعد للخروج من البصرة ، و التوجه إلى الكوفة ، و استخلف على البصرة إبن عمه عبد اللّه بن العباس و وصّاه ، و كان في وصيته له ان قال :

يابن عباس : عليك بتقوى اللّه ، و العدل بمن ولّيت عليه ، و ان تبسط للناس وجهك ، و توسع عليهم مجلسك و تسعهم بحلمك ، و اياك و الغضب فانه طيرة الشيطان ، و اياك و الهوى فانه يصدك عن سبيل اللّه ، و اعلم ان ما قربك من اللّه فهو مباعدك من النار ، و ما باعدك من اللّه فمقرّبك من النار ، و اذكر اللّه كثيرا و لا تكن من الغافلين .

ثم خطب الناس فحمد اللّه و اثنى عليه ، و صلى على النبي صلى اللّه عليه و آله ثم قال :

معاشر الناس قد استخلفت عليكم عبد اللّه بن العباس ، فاسمعوا له و اطيعوا أمره ما اطاع اللّه و رسوله ، فان أحدث فيكم أو زاغ عن الحق فاعلموا اني اعزله عنكم ، فاني أرجو ان اجده عفيفا تقيا ورعا ، و اني لم اوله عليكم و إلا و انا اظن ذلك به غفر اللّه لنا و لكم .

[ 362 ]

و في تلك الأيام قام في أهل البصرة خطيبا فقال :

ما تقمون مني يا أهل البصرة ؟ و اشار إلى قميصه و ردائه و اللّه انهما لمن غزل اهلي ، ما تنقمون مني يا اهل البصرة ؟ و اشار إلى صرة في يده فيها نفقته و اللّه ما هي إلا من غلتي في المدينة ، و ان خرجت عنكم بأكثر مما ترون فانا عند اللّه من الخائنين .

ثم خرج ، و شيّعه الناس إلى خارج البصرة ، و تبعه الأحنف بن قيس إلى الكوفة و تبعه ايضا جمع من اشراف البصرة و غيرهم ، و لما خرج من البصرة ، و صار على علوة استقبل الكوفة بوجهه و هو راكب بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فقال :

الحمد للّه الذي اخرجني من اخبث البلاد ، و اخشنها ترابا ، و اسرعها خرابا و اقربها من الماء و ابعدها من السماء ، بها مغيض الماء ، و بها تسعة اعشار الشر ، و هي مسكن الجن ، الخارج منها برحمة ، و الداخل اليها بذنب ، اما انها لا تذهب الدنيا حتى يجي‏ء اليها كل فاجر ، و يخرج منها كل مؤمن ، و حتى يكون مسجدها كأنه جؤجؤ سفينة .