المعنى

هذه المقطوعة من الخطبتين اللتين بعدها كلها خطبة واحدة كما ذكره الكليني و الطبرسي و غيرهما ، و لا اعلم سبب تقطيعها من الشريف الرضي ( ره ) و هي اول خطبة خطب بها أمير المؤمنين عليه السلام بعد ما ردت الخلافة اليه ثانيا ، بعد مقتل عثمان ، و نحن نشرح هذه الفصل من الخطبة و نذكر جميعها في المستقبل .

فنقول : ان القانون الذي وضعه نبي الاسلام صلى اللّه عليه و آله ان الاراضي العامرة كالمزارع و البساتين و القرى و الحصون و غيرها فى البلاد المفتوحة عنوة أي بالقهر و الغلبة لجميع المسلمين ، سواء الموجودين منهم في ذاك اليوم او المتولدين بعد ذلك ، و الداخلين في الاسلام بعد ذلك اليوم ، و لمن لم يخلق بعد ،

و يشترك في تلك الاراضي الاب و الابن على حد سواء ، فكل شبر من الاراضي لجميع المسلمين قاطبة على نحو الاشاعة .

و حيث انه لا يمكن لجميع المسلمين استيفاء حقوقهم و نصيبهم من تلك الاراضي فان الامام الشرعي حسب ولايته العامة على المسلمين يقطع تلك الاراضي الى اشخاص . و يأخذ منهم الخراج بدل الايجار أو الضريبة في كل سنة حسب رأيه ، و يجعل الخراج فى بيت مال المسلمين ، و يصرفه فى مصالح الاسلام و المسلمين من تقوية شوكة الاسلام و بث الدعاة و تقوية الدين كالجهاد و غير ذلك مما فيه مصلحة العامة ، و ليس لنفسه من ذلك قليل و لا كثير ، بل هو بصفته احد المسلمين شريكهم كأحدهم . و لكن عثمان كان لا يبالي بهذه الشروط بل كان يهب القطائع التي

[ 364 ]

هي لجميع المسلمين لمن أحب من بني ابيه ، و لا يأخذ منهم خراجا و لا غيره ، فلما ردت الخلافة إلى صاحبها الاول و هو أمير المؤمنين عليه السلام رأى من الواجب عليه شرعا استرداد اموال المسلمين من الغاصبين و لهذا قال عليه السلام :

( و اللّه لو وجدته قد تزوج به النساء ، او ملك به الاماء لرددته ) اي لوجدت تلك القطائع المغصوبة صارت مهورا للنساء أي تزوج بها المتصرفون فيها و جعلوها مهورا لحرائرهم أو ثمنا للجواري و الاماء لأخذت تلك المهور و تلك الجواري و رددتها الى بيت مال المسلمين كما قال ابن عباس : ان عليا عليه السلام خطب فى اليوم الثاني من بيعته بالمدينة فقال : ( الا إن كل قطيعة اقطعها عثمان ، و كل مال أعطاه من مال اللّه فهو مردود فى بيت المال فان الحق القديم لا يبطله شي‏ء ، و لو وجدته قد تزوج به النساء ، و فرق فى البلدان لرددته الى حاله ، فان فى العدل سعة ، و من ضاق عنه العدل فالجور عنه اضيق ) ثم قال عليه السلام : ( فان فى العدل سعة ) يعني استرداد تلك الاموال نوع من العدل ، و فى العدل سعة ،

اي اذا ردت هذه الاشياء إلى بيت مال المسلمين و صرفت فى مصالحهم يكون المسلمون فى سعة ، ( و من ضاق عليه العدل فالجور له اضيق ) اي القيام بهذا الحكم يضيق على بعض الناس ، و هم الذين تصرّفوا فى تلك الاراضى طيلة خلافة عثمان فهؤلاء إذا ضاق عليهم العدل و هو استرداد تلك الأموال فالجور عليهم اضيق ،

أي فعملهم و هو الاستيلاء على اموال المسلمين يكون عليهم فى الدنيا و الآخرة اما فى الآخرة فواضح ، و اما فى الدنيا فيحتمل إن تقوى المسلمون و حصلت لهم القدرة و المكنة ان يثوروا فى وجه الغاصبين ليستردوا منهم حقوقهم ، فهناك مظان الفتنة فالأحسن استيفاء الحقوق منهم مسالمة لا بالقهر و الغلبة .

قال الكلبي : ثم امر عليه السلام بكل سلاح وجد لعثمان فى داره مما تقوّى

[ 365 ]

بها على المسلمين فقبض . و أمر بقبض نجائب كانت في داره من ابل الصدقة فقبضت .

و امر بقبض سيفه و درعه . و أمر أن لا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمون ،

و بالكف عن جميع امواله التي وجدت في داره و غير داره ، و أمر أن يرتجع الاموال التي أجاز بها عثمان حيث اصيبت ، أو اصيب اصحابها .

فبلغ ذلك عمرو بن العاص ، و كان بايله من أرض الشام اتاها حيث وثب الناس على عثمان فنزلها ، فكتب إلى معاوية : ما كنت صانعا فاصنع ، إذا قشرك ابن ابي طالب من كل ما تملكه كما تقشر عن العصا لحائها ) .

قال ابن ابي الحديد : و قال الوليد بن عقبة ، و هو اخو عثمان من امه يذكر قبض على عليه السلام نجائب عثمان و سيفه و سلاحه :

بني هاشم ردوا سلاح ابن اختكم
و لا تنهبوه لا تحل مناهبه

بني هاشم كيف الهوادة بيننا ؟
و عند علي درعه و نجائبه

بني هاشم كيف التودد منكم ؟
و بزّ ابن اروى فيكم و حرائبه

بني هاشم إلا تردوا فاننا
سواء علينا قاتلاه و سالبه

بني هاشم انا و ما كان منكم
كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه

قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه
كما غدرت يوما بكسرى مرازبه

فأجابه عبد اللّه بن ابي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب بأبيات و من جملتها :

فلا تسئلونا سيفكم ان سيفكم
اضيع ، و القاه لدى الروع صاحبه

سلوا أهل مصر عن سلاح ابن اختنا
فهم سلبوه سيفه و حرائبه

و كان ولي الامر بعد محمد
علي و في كل المواطن صاحبه

علي إلى أن اظهر اللّه دينه
و أنت مع الاشقين فيمن يحاربه

و أنت امرؤ من اهل صفور نازح
فما لك فينا من حميم يغائبه

[ 366 ]

و قد انزل الرحمن انك فاسق
و ما لك في الاسلام حق تطالبه

و شبّهته كسرى و قد كان مثله
شبيها بكسرى هديه و ضرائبه

أي كان كافرا كما كان كسرى كافرا و كان المنصور إذا انشد هذا البيت يقول : لعن اللّه الوليد ، هو الذي فرّق بين بني عبد مناف بهذا الشعر .