المعنى

ذكرنا سابقا فصلين من الخطبة ، و ان هذا الفصل الثالث من نفس الخطبة ، و نحن نذكرها بتمامهما ، ثم نشرع في المعنى فنقول :

روى الكلينى ( ره ) ان امير المؤمنين عليه السلام لما بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر فقال :

الحمد للّه الذى على فاستعلى ، و دنى فتعالى ، و ارتفع فوق كل منظر ، و اشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، و اشهد ان محمدا رسول اللّه خاتم النبيين و حجة اللّه على العالمين ، مصدّقا للرسل الأوّلين ، و كان بالمؤمنين رؤفا رحيما ، و صلى اللّه و ملائكته عليه و على آله .

اما بعد : ايها الناس فان البغي يقود اصحابه إلى النار ، و ان أول من بغى على اللّه جل ذكره عناق بنت آدم ، و أول قتيل قتله اللّه عناق ، و كان مجلسها جريبا من الأرض في جريب 1 ، و كان لها عشرون اصبعا ، في كل اصبع ظفران مثل المنجلين ، فسلط اللّه عليها اسدا كالفيل ، و ذئبا كالبعير و نسرا مثل البغل فقتلوها ، و قد قتل اللّه الجبابرة على أفضل أحوالهم ، و آمن ما كانوا عليه ، و أمات هامان ، و أهلك فرعون ، و قد قتل عثمان .

-----------
( 1 ) الجريب ستون ذراعا فى ستين ذراع ، و طول الذراع اربع و عشرون اصبعا

[ 368 ]

ألا و ان بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيه ، و الذى بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ، و لتغربلن غربلة ، و لتساطن سوط القدر حتى يعود اسفلكم اعلاكم و اعلاكم اسفلكم ، و ليسبقن سابقون كانوا قصّروا ، و ليقصرن سباقون كانوا سبقوا ، و اللّه ما كتمت وشمة ، و لا كذبت كذبة ، و لقد نبئت بهذا المقام و هذا اليوم ، ألا و ان الخطايا خيل شمس ، حمل عليها اهلها و خلعت لجمها ، فتقحمت بهم في النار ، الا و ان التقوى مطايا ذلل ، حمل اهلها ، و اعطوا أزمّتها ،

فأوردتهم الجنة ، و فتحت لهم ابوابها ، و وجدوا ريحها و طيبها ، و قيل لهم : ادخلوا بسلام آمنين .

الا و قد سبقني الى هذا الامر من لم اشركه فيه ، و لم أهبه له ، و من ليست له توبة إلا بنبي يبعث ألا و لا نبي بعد محمد صلى اللّه عليه و آله ، أشرف منه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ، حق و باطل ، و لكل اهل ، فلئن امر الباطل لقديما فعل ، و لئن قلّ الحق فلربما و لعل ، و لقلّ ما ادبر شي‏ء فأقبل ، و لئن ردّ عليكم امركم انكم سعداء ، و ما عليّ إلا الجهد ، و اني أخشى ان تكونوا على فترة ملتم عني ميلة واحدة كنتم فيها عندى غير محمودي الرأى ، و لو اشاء لقلت عفا اللّه عما سلف ، سبق فيه الرجلان ، و قام الثالث كالغراب همته بطنه ، ويله لو قصّ جناحاه و قطع رأسه لكان خيرا له ، شغل من الجنة و النار أمامه ، ثلاثة و اثنان خمسة ، ليس لهم سادس ، ملك يطير بجناحيه ، و نبي اخذ اللّه بضبعيه ، و ساع مجتهد ،

و طالب يرجو ، و مقصر فى النار هوى .

اليمين و الشمال مضلة ، و الطريق الوسطى هي الجادة ، عليها باقى الكتاب ،

و آثار النبوة ، هلك من ادعى ، و خاب من افترى ، ان اللّه أدّب هذه الامة

[ 369 ]

بالسيف و السوط ، و ليس لأحد عندي فيهما هوادة ، فاستتروا في بيوتكم و اصلحوا ذات بينكم ، و التوبة من ورائكم ، من ابدى صفحته للحق هلك .

قال ابن ميثم ( ره ) : ثم قال عليه السلام : أ لا و ان كل قطيعة اقطعها عثمان و ما أخذه من بيت مال المسلمين فهو مردود عليهم في بيت مالهم ، و لو وجدته قد تزوج به النساء ، و فرّق في البلاد ، فانه ان لم يسعه الحق فالباطل اضيق عنه .

و ذكر ابن ابي الحديد المعتزلي في هذه الخطبة كلاما لا بأس بذكره : قال : و هذه الخطبة من حلائل خطبه عليه السلام ، و من مشهوراتها ، و قد رواها الناس كلهم ،

و فيها زيادات حذفها الرضي إما اختصارا أو خوفا من ايحاش السامعين . و قد ذكرها شيخنا ابو عثمان الجاحظ في كتابه : ( البيان و التبيين ) على وجهها ، و رواها عن ابي عبد اللّه معمر بن المثنى قال :

أول خطبة خطبها امير المؤمنين علي عليه السلام بالمدينة في خلافته .

فحمد اللّه و أثنى عليه ، و صلى على النبي صلى اللّه عليه و آله ثم قال : أ لا لا يرعينّ مرع إلا على نفسه ، شغل من الجنة امامه ، ساع مجتهد ، و طالب يرجو و مقصر في النار ، ثلاثة ، و اثنان : ملك طائر بجناحيه ، و نبي أخذ اللّه بيده ، لا سادس .

هلك من ادعى ، و ردى من اقتحم ، اليمين و الشمال مضلة ، و الوسطى الجادة ، منهج عليه باقي الكتاب و السنة ، و آثار النبوة ، ان اللّه داوى هذه الامة بدوائين : السوط و السيف ، لا هوادة عند الامام فيهما ، استتروا في بيوتكم و اصلحوا ذات بينكم ، و التوبة من ورائكم .

من أبدى صفحته للحق هلك ، قد كانت امور لم تكونوا عندي فيها غير محمودين ، اما لو اشاء لقلت ، عفا اللّه عما سلف ، سبق الرجلان ، و قام الثالث

[ 370 ]

كالغراب همته بطنه ويحه لو قص جناحاه و قطع رأسه لكان خيرا له ، انظروا فان انكرتم فانكروا ، و ان عرفتم فآزروا ، حق و باطل ، و لكل اهل ، و لئن امر الباطل لقديما فعل ، و إن قلّ الحق فلربما و لعل . و قلّ ما ادبر شي‏ء فاقبل ، و لئن رجعت اليكم اموركم إنكم لسعداء ، و إني اخشى أن تكونوا في فترة ، و ما علينا إلا الاجتهاد .

قال شيخنا ابو عثمان : و قال ابو عبيدة : و زاد فيها في رواية جعفر بن محمد عليهما السلام عن آبائه عليهم السلام : أ لا إن أبرار عترتي و اطائب ارومتي احلم الناس صغارا ، و اعلم الناس كبارا ، أ لا و انّا اهل بيت من علم اللّه علمنا ، و بحكم اللّه حكمنا ،

و من قول صادق سمعنا ، فان تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا ، و ان لم تفعلوا يهلككم اللّه بأيدينا .

معنا راية الحق ، من تبعها لحق ، و من تأخر عنها غرق ، أ لا و بنا يدرك ترة كل مؤمن ، و بنا يخلع ربقة الذل عن اعناقكم ، و بنا فتح اللّه لا بكم ، و بنا يختم لا بكم ، انتهى كلام ابن ابي الحديد .

فلنشرع في شرح الخطبة فنقول : ان هذه الخطبة مشتملة على جملات ، و كل جملة منها مستقلة تشير إلى بعض الوقائع ، و فيها شي‏ء من الكنايات و التلميح و التلويح قال عليه السلام :

( ذمتي بما أقول رهينة و أنا به زعيم ) أي أنا ضامن و ملتزم بصحة ما أقول ، و كفيل بما أدعيه ( ان من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن التقحم فى الشبهات ) أي من كشفت له العبر و هي الامور التي يعتبر بها الانسان من المثلات اي العقوبات الواقعة بالامم السالفة و القرون الماضية حصل له اعتبار ، و أدى ذلك إلى الخوف و الخشية من اللّه ، و منعه الخوف من اللّه من أن يقتحم في الامور المشتبهة أى يلقي نفسه بدون تفكر و روية ، كأن يقدم الانسان

[ 371 ]

على عمل لا يبالي بما ينتج ذلك العمل ، و الشبهات هنا هي الامور الباطلة التي تشبه الحق ، كما قال عليه السلام :

و انما سميت الشبهة شبهة لانها تشبه الحق . فاذا كان للانسان ورع و تقوى لم يقدم على تلك الامور ، و قد وردت في هذا الموضوع اخبار و احاديث عديدة عن اهل البيت عليهم السلام .

منها : في الوسائل عن المفضل بن عباس عن الامام الصادق عليه السلام قال قلت له : من الورع من الناس ؟ قال عليه السلام : الذي يتورع عن محارم اللّه ،

و يجتنب هؤلاء ، فاذا لم يتق الشبهات وقع في الحرام و هو لا يعرفه .

و قال أيضا عليه السلام : . . و انما الامور ثلاثة بيّن رشده فيتّبع . و أمر بيّن غيّه فيجتنب ، و امر مشكل يرد علمه إلى اللّه سبحانه ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : حلال بين و حرام بيّن ، و شبهات بين ذلك ، فمن ترك الشبهات نجى من المحرّمات ، و من اخذ الشبهات ارتكب المحرمات ، و هلك من حيث لا يعلم .

ثم قال في آخر : فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات .

قال امير المؤمنين عليه السلام : « أ لا و ان بليتكم هذه قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيه صلى اللّه عليه و آله » اشار إلى حال الناس فى زمن الخلفاء الثلاثة ،

فشبه حالهم بزمن الجاهلية قبل النبوة ، من تشتت الآراء و ظهور الباطل ، و خفاء الحق ، و شبه بيعته الثانية ببعثة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و نبه على انهم كانوا فى ذلك العهد على الباطل ، لا على دين اللّه تعالى ، كالذين كانوا فى زمان الفترة و قد عرفت حال الناس و دينهم فى تلك الأيام ، و صرّح أيضا بابتلاء الناس و امتحانهم ،

و قد عرفت شيئا و سيأتيك التفصيل ان شاء اللّه فى سائر أجزاء الكتاب حتى ترى العجب العجاب .

[ 372 ]

« و الذى بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ، و لتغربلن غربلة » اقسم عليه السلام باللّه عز و جل و أخبر عن وقوع بلاء و امتحان على الناس ، و لعله اشار الى تلك الحروب و الغزوات التي اتفقت أيام خلافته ، و أشار الى الوقائع التي جرت على اهل المدينة من بعده كوقعة الحرة ، و هدم الكعبة ، و ما فعل الحجاج بأهل العراق ، و على اي تقدير فهذا اخبار منه عليه السلام بما سيجري على الناس و معنى الجملة الأولى : انكم يختلط بعضكم ببعض ، بحيث تزول عزة ذوى العزة ، و جلالة الاجلاّء ، فيختلط العالم بالجاهل ، و المؤمن بالمنافق ، و الشريف بالدني . و معنى الجملة الثانية : ( و لتغربلن غربلة ) فهذه الكلمة مأخوذة من الغربال الذى يغربل به الدقيق و غيره ، و معناها :

انهم يميزون . فينتخب الفاسق و يترك المؤمن ، و يكرم الوضيع ، و يهان الشريف و يقدّر الخائن ، و يضيع الأمين ، أى يفرّق بين الجيد و الردي .

و هناك معنى آخر ذكره بعض الشراح قالوا : معناها : يتميز المؤمن من الفاسق و الصالح من الطالح بالامتحان و هناك معنى ثالث : و هو ان الجملة الثانية مأخوذة من غربلت اللحم قطعته ، فهي اشارة الى الفتن و الاضطهادات التي جرت على مشاهير المسلمين في زمن الامويين ، ثم قال عليه السلام : ( و لتساطن سوط القدر حتى يعود اعلاكم اسفلكم و اسفلكم اعلاكم ) المسوط و المسواط : خشبة يحرك بها ما في القدر لاختلاط ما فيها . و لهذه الجملة احتمالات ثلاث : الاول انقلاب العقائد من حيث الكفر و الاسلام ، و النفاق و الايمان ، أي ينقلب المؤمن في تلك الامتحانات منافقا و المنافق مؤمنا ، كالمنحرفين الذين انحرفوا عنه ، و شهروا سيوفهم فى وجهه ،

و كالذين شهروا سيوفهم في وجهه ثم تابوا و صاروا من اصحابه ، و قتلوا في سبيله .

و الاحتمال الثاني : هو انتقال الامارة و السلطنة من الاشراف الاعزاء الى الاجلاف الانذال و السفلة الاذلاء .

[ 373 ]

و الاحتمال الثالث : هو ان يعود العزيز ذليلا و الذليل عزيزا . فهذه تفاسير مذكورة في بعض الشروح .

( و ليسبقن سابقون كانوا قصّروا ، و ليقصرن سبّاقون كانوا سبقوا ) هاتان الجملتان كأخواتهما من حيث الاشارة الى انقلاب الناس ، و التغييرات التي تكون ، و معناها : ان اناسا كانوا قد قصّروا في نصرته و مساعدته في ابتداء الامر ثم سابقوا غيرهم الى نصرته ، و اناسا آخرين سابقوا الناس الى نصرته ثم خذلوه و حاربوه كطلحه و الزبير و مروان و امثالهم .

( و اللّه ما كتمت وشمة ) قرأت هذه الكلمة على أربعة اوجه : ( كتمت ) بناء على المعلوم ، و ( كتمت ) بناء على المجهول ، و بناء على الوجه الأول يكون المعنى : ما كتمت اى ما سترت عنكم كلمة أخبرنى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ،

و هذا بعيد جدا ، لأن امير المؤمنين كان معدن أسرار النبي الاعظم و مخزنها ، و السر لا يجوز إظهاره ، فليس المعنى انى اخبرتكم بكل ما اخبرنى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله به ، و يصح المعنى على الوجه الثانى ، أى ما كتمني رسول اللّه كلمة ابدا اخبرني بكل ما اخبره اللّه و علمني كل ما يعلم ، كما أشار رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في خطبته يوم الغدير .

و الوجه الثالث : ما كتمت وسمة بالسين المهملة اى العلامة ، و المعنى اني ما كتمت عنكم علامة تدل على سبيل الحق .

و الوجه الرابع : ما كتم مني رسول اللّه أثرا ، و لا علامة من العلامات التي يجب إظهارها ، و اللّه العالم .

( و لا كذبت كذبة ) لقد تكلم امير المؤمنين كلاما لا يستطيع أحد من المخلوقين أن يدعيه إلا الأنبياء و الأوصياء هذا من اعجب العجب و هو العصمة بعينها

[ 374 ]

أ لا تعجب من رجل يعيش حوالي ثلاثا و ستين سنة ، و يخطب الخطب الطوال ، و يحتج بأنواع الاحتجاجات و له من الخصماء و الاعداء عدد الشعر و الوبر ،

و يحضر الغزوات و الحروب ، و يكثر كلامه هذه الكثرة ، فهذا كتاب نهج البلاغة ،

و هو المختار من كلامه عليه السلام ، و لو أراد الرضي أن يجمع جميع كلام الامام عليه السلام ، لألّف كتابا يزيد على نهج البلاغة أربعين ضعفا ، و لكن الرضي ( ره ) اختار هذه الخطب في كتابه ، و سماه بهذا الاسم ليكون انموذجا من فصاحة امير المؤمنين عليه السلام و بلاغته ، و سعة اطلاعه بالموجودات . و يظهر ضمنا شي‏ء من شخصية امير المؤمنين عليه السلام و قليل من غرازة علمه . فهذا الرجل الموصوف بهذه الأوصاف لا يكذب كذبة واحدة ، هل تعرف من متقمصي الخلافة من الامويين و العباسيين ، رجلا استطاع أن يتفوه بهذا الكلام في مركز الاسلام و مطلعه ، و هو مسجد النبي الأقدس ، و في المسجد الموالي و المعادي و سائر الناس ؟ ؟

و ليت شعرى من يستحق لقب الصديق ، أ هذا الرجل ؟ ام الذي قال :

سمعت رسول اللّه يقول : نحن معاشر الانبياء لا نورث ؟ ( و لقد نبئت بهذا المقام و هذا اليوم ) كشف أمير المؤمنين عليه السلام الغطاء عن أمره للمسلمين ، فقال : أنبئني رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و اخبرني بان الخلافة ستعود إلي ، و يبايعني الناس فى هذا اليوم و هذا المكان ، أى لا يقولن احدكم : كانت بيعة علي فلتة بغتة ، و لا يقول قائل : ( ان هذه البيعة من جملة القضايا الاتفاقية ، و انتقلت البيعة الى علي عليه السلام بسبب جماعة من الكوفيين و المصريين الثوار الذين اجتمعوا فى المدينة لقطع يد العابثين في المملكة الاسلامية ) و هنا نقطع شريط الكلام ، و نلتقي بك أيها القارى‏ء في الجزء الثانى من الكتاب ان شاء اللّه ، فقد انتهى الجزء الأول و اللّه الموفق و الحمد له اولا و آخرا .

كربلاء السيد محمد كاظم القزويني