المقدمة

[ 5 ]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين نحمدك اللّهم على ما أنعمت ، و نشكرك على ما ألهمت ، و نصلّي و نسلّم على نبيّك و حبيبك و أشرف خلقك محمّد و آله أصفيائك و أوليائك المقرّبين صدر الجزء الأول من هذا الكتاب ، و تهافت عليه روّاد الفضيلة و هواة العلم و الحقيقة ، و تلقيت في هذه المدة رسائل و كتبا من أرباب العلم و حملة الأدب تشجعني او تنتقدني على الكتاب .

و قد كنت اعلم قبل الخوض في ميادين التأليف أن من صنّف إستهدف .

فيكون هدفا للمدح و القدح ، و الثناء و النقد ، و ذلك لاختلاف الآراء و تفاوت الاذواق ، و قد قلت في مقدمة الجزء الأول و اقول الآن ايضا : إني اقبل كل نقد علمي أو أدبي أو تاريخي .

[ 6 ]

كان الانتقاد الموجه إلى : عدم ذكر المصادر و المدارك في الكتاب مما يتعلق بالقضايا التاريخية مع العلم أني ذكرت بعض مصادرها كالبحار و الارشاد و الاحتجاج و الغدير و المراجعات و شرح النهج لأبن ابي الحديد ، و النصرة للمفيد ، و نقلت من بعض الصحاح اقوال أئمة الحديث ، كما و اعتمدت على بعض كلام الطبري و ابن الاثير و البيهقي و غيرهم كما لا يخفى ذلك .

و لكن ما الفائدة من ذكر المصدر و المدرك ؟ فهذه مؤلفات اصحابنا في التوحيد و الامامة و الفقه و غير ذلك ، و قد احتوت تلك المؤلفات على ذكر المصادر من كتب المخالفين مع ذكر اسم الكتاب و الجزء و الصحيفة و محل الطبع و تاريخه ، كالكتب التي صدرت في هذه الايام ضد المبادى‏ء الالحادية فهل افاد المعاند أو هل رجع الجاهل عن غيّه و جهله ، و هل استبصر الأعمى ؟ ؟ و من جملة الانتقادات الباردة التي توجهت إلينا : اننا في عصر احوج ما نكون فيه إلى الاتفاق و الوحدة ، و ان هذه الكتب تورث الأفتراق و الأختلاف بين المسلمين أقول : الوحدة بين المسلمين هي ضالتنا المنشودة ، و مأمولنا الوحيد ،

و مسؤلنا الوطيد ، و منتهى آمال الجميع ، و مطلوب كل مسلم مؤمن ، فهذا كتاب اللّه المرشد الأول الذي يدعو المسلمين الى الوحدة و يهتف بها ، بقوله تعالى : و إن هذه امتكم امة واحدة و انا ربكم فاعبدون ، و قوله عز و جل :

و اعتصموا بحبل اللَّه جميعاً و لا تفرقوا ، و اذكروا نعمة اللَّه عليكم إِذ كنتم اعداء فألف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته ، اخواناً ، و قوله عز شأنه : و اطيعوا اللَّه و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم ، و قوله تعالى : ان الذين فرّقوا دينهم و كانوا شيَعاً لست منهم في شي‏ء ، انما امرهم الى اللّه ثم ينبئهم بما كانوا

[ 7 ]

يفعلون ، و قوله عز اسمه : و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ، و اولئك لهم عذاب عظيم و قوله سبحانه : انما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم ، و قوله عزّ من قائل : و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما إلى غير ذلك من الايات الكريمة التي تأمر بالوحدة و تنهي عن التفرقة ، لكنا نحن المسلمين نبذناها وراء ظهورنا من يوم وفاة النبي صلى اللّه عليه و آله و كذلك الاحاديث النبوية في هذا الموضوع لا تخفى على المسلمين ، و ما أحسن الاتحاد و ما انفع الانفاق و الوحدة للمسلمين لدينهم و دنياهم و آخرتهم ، و لكن . . .

و لكن اقول : و متى كان المسلمون متفقين متحدين ؟ ا في زمن النبي ام بعد وفاته ؟ أم في ايام الخلفاء الامويين و العباسيين ؟ فكيف تشكلت المذاهب الأربعة بعد أن تلخصت من مذاهب كثيرة مختلفة ؟ ، و كيف تشعبت الفرق الاسلامية فالاشاعرة و المعتزلة و الخوارج و النواصب ، و كل منهم على طرائق مختلفة و مذاهب متشتة ، كالمذاهب التي تشكلت و تكوّنت كالزيدية و الاسماعيلية من البهرة و الاغاخانية و الشيخية و الكشفية و غيرهم من المذاهب ، و قد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في حديث متفق عليه بين المسلمين . . . و ستفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة فرقة في الجنة و الباقون في النار .

ثم ليت شعري و ليتني كنت أدري أن قادة الاصلاح و هواة الاتحاد و الاتفاق ما يقصدون من هذه الكلمة ؟ و فيمن يريدون تطبيق هذا المعنى ؟ أ في البلاد الاسلامية و الوضع كما نرى أم في البلاد العربية و الحالة كما نشاهدها ؟ أم في قطر خاص و حكومة خاصة مع كثرة الأحزاب و المبادى‏ء الباطلة بين المسلمين ؟

[ 8 ]

فانك لا ترى أربعة أشخاص في عائلة واحدة في بيت واحد إلا و كل واحد من الأربعة على مبدأ غير مبدأ أصحابه ، يدعو له و يكافح غيره ، و لا تسأل عن القوميات و المعارك حولها فلا ترى إلا واترا أو موتورا ، فهل يريدون ايجاد الوحدة بين البهائم و السباع بين الذئب و الغنم و الهر و الفار ؟ ؟ و هنا سؤال آخر : و هو أن الانبياء و المرسلين المؤيدين من الله تعالى ما استطاعوا إيجاد الوحدة بين الناس ، و حتى رسول اللّه صلى الله عليه و آله مع قوة نفسه ، و كرم أخلاقه ، و وفور عقله و قدرته ، و إتصاله بالمبدء الأعلى ما تمكن من توحيد الكلمة في امته ، و كلما صرح القرآن الكريم بقوله تعالى : يا ايها الناس :

انا خلقناكم من ذكر و انثى ، و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم . و مع ذلك كله كان بعض الصحابة يتفوه بالقومية ، حين ما دخل على رسول اللّه صلى الله عليه و آله فوجد عنده سلمان فقال الرجل : من هذا الأعجمي المتصدر علينا ؟ و بعد وفاة رسول الله قالوا : منا أمير و منكم أمير . إلى ان تشكلت قضايا السقيفة و هلم جرا ، فالشي‏ء الذي عجز عنه الأنبياء و الخلفاء و النوابغ و السلاطين هل يستطيع قادة الاصلاح الذين يهتفون بالوحدة ، و يعتبرون انفسهم اقوى من الانبياء ، و ان كلامهم آثر في النفوس من الوحي الالهي و من كلام الانبياء ان يوحّدوا صفوف المسلمين ؟ ثم كيف يمكن تحقق الوحدة الاسلامية و عادتها قد أخذوا المعاول بأيديهم و اهووا على قبور ائمة الشيعة في البقيع ، و حافظوا على قبور ائمتهم ليكون ذلك قاعدة لبث التفرقة و العداء و الانشقاق في صفوف المسلمين ؟ ؟

ثم الآن هل في العالم شرقا و غربا حكومة أو أمة استطاعت توحيد كلمتها

[ 9 ]

بجميع معنى الكلمة ؟ فهذه امريكا التي تدعي أنها ارقى البلاد ثقافة و حضارة .

و مع ذلك ترى الفرق الكثير في الشعب الامريكي بين الأسود منهم و الأبيض ،

فالأسود محروم من حق الانتخابات و ليس له أن يتصدر مسند الحكم و القضاء ،

و مدارس الزنوج تفرق عن مدارس غيرهم ، و كذلك انديتهم و فنادقهم و ختاما : هل هذه الكتب التي تتطرق إلى وقائع تاريخية مذكورة في كتب تواريخ الفريقين تورث التفرقة و الاختلاف ؟ نعم ، و لكن تلك الكتب المسمومة المأجورة التي ملأت اسواق المسلمين من رائدي الاصلاح ، و مراشد الامة الاسلامية التي تمس بكرامات الشيعة و مقدساتهم فلا بأس بها و هنالك لفيف منهم قام باعادة طبع تلك الكتب لاثارة دفائن الفتن و الاحقاد و اليك اسماء بعض تلك الصحائف المسودة : الصواعق المحرقة ، لابن حجر ،

مختصر منهاج السنة ، لابن تيمية مختصر تحفة الاثنى عشرية ، للآلوسي ، التمهيد ،

للباقلاني ، المغني للقاضي عبد الجبار المعتزلي ، ابو سفيان ، محمد الحفناوي و غيرها .

أضف إلى ذلك كتاب : الامام الصادق لابي زهرة و كتاب : الحديث و المحدثون لابي زهوه ، و امثالها من الكتب التي ما كتبت و ما طبعت و ما اعيد طبعها و ما نشرت الا خدشا لعواطف امة مسلمة كبيرة ، و مسّا بكرامتهم ،

و المقالة الموجهة اخيرا المنشورة في احدى الصحف الحجازية التي ملأها السب الشنيع و الذم القبيح و التكفير لامة اسلامية تشهد الشهادتين ، و ذنبها الوحيد حب اهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و التمسك بولائهم و اخذ معالم الاسلام منهم تشهد بصدق ما ذكرنا .

فهل هذه النعرات لا مانع منها ، و لا توجب الافتراق ، و لا تورث العداء و الشحناء في قلوب مائة مليون شيعي ؟ ؟

[ 10 ]

ثم إن حرية الاديان التي شملت جميع الملل في العالم ، و سمحت لهم بالتبليغ و التبشير و الدعاية لدينهم كاليهود و النصارى و سائر الاديان كما نرى و نشاهد معابدهم و مدارسهم فى بلاد الاسلام ، و كتابهم المقدس المحرّف قد ترجم بجميع اللغات الحية ، و اذاعتهم لا تخلو من التبليغ ، و صحفهم قد انتشرت في بلاد القرآن ،

ا ما تسمح هذه الحرية الشاملة للكل لامة مسلمة ان تتظلم لأهل العالم ،

و تعرّف لهم عظمة أوليائها و قداسة عظمائها ، و جلالة قدرهم و عظم شأنهم و شرف منزلتهم و سمو مكانتهم و علو درجتهم عند اللّه ؟ ا ما آن للشيعة ان تصرخ من آلامها ؟ ا ما يسمح لها ان ترفع الشكوى الى اهل العالم ؟ و الى متى تبقى تحت اغلال الخمول و التقية ؟ و الحق معها ، و القرآن يصدق كلامها ، و رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يؤيدها و الاسلام ما ظهر و ما قام الا بها ، و الثروة العلمية الاسلامية عندها ، و اوصياء رسول اللّه و خلفائه الاثنا عشر حماة الدين ولاتها ، و الى متى تبقى مضطهدة ؟ فقد بقيت اربعة عشر قرنا تحت اثقال الظلم و الحرمان ، تبكي على حالها و تصرخ من الضغط الشديد الذي اصابها ؟

مع العلم ان كتّاب الشيعة من المؤلفين ما زالوا و لا يزالون يراعون التحفظ على العواطف ، و يواظبون على أدب القلم ، و يحترمون مقدسات الامم الاسلامية ،

فلا يكتبون الا تحت ظلال الدليل و الحجة بكل عفة و ادب ، و لو ارادوا خدش العواطف لاستطاعوا ، و هاك مثالا :

ذكر الخطيب البغدادي و هو من اعاظم علماء العامة في تاريخ بغداد في حرف النون ، في ترجمة نعمان بن ثابت و هو الامام الاعظم ابو حنيفة اخبارا تجعله اضل من ابليس و اكفر من فرعون ، فراجع حتى تعرف ، الى غير ذلك من الامور التي اعرضت الشيعة عن ذكرها و نقلها من المصادر الموثوقة عند العامة حفظا للعواطف .

[ 11 ]

و اخيرا لعلك ايها القاري‏ء تظن : اني ممن يحب التفرقة بين المسلمين ، او يكره الوفاق و الوحدة بينهم ، و حاشاك ان تظن ذلك ، فان الكلام ذو وجوه ،

فالاتحاد و الوحدة احسن شي‏ء للمسلمين و اصلح دواء و علاج لمشاكلهم الدينية و الدنيوية ، و لكنه مستحيل الا بقوة قاهرة و سيف صارم يخضع له جميع طبقات البشر ،

فان يكن هناك امل و رجاء فهو في ايام دولة المصلح الاكبر و المنقذ الاعظم الخليفة الفاطمي العلوي ، الامام الثاني عشر سيدنا و مولانا المهدي بن الحسن عليهما السلام الذي ينتظر اذن ربه حتى يملأ الأرض قسطا و عدلا اللهم عجل فرجه ، و اصلح به كل أمت و عوج ، و أنقذ عبادك المسلمين من اعدائهم ليعيشوا سعداء تحت ظل كتابك المجيد ، و تعاليم رسولك الأقدس الاعظم ، و توجيهات اوصيائه الأصفياء الطاهرين انك سميع الدعاء قريب مجيب .

كربلاء المقدسة : السيد محمد كاظم ابن المرحوم آية اللّه السيد محمد ابراهيم القزويني الموسوي الحائري

[ 12 ]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم