المعنى

انتقل الامام امير المؤمنين عليه السلام من كلامه السابق الى الترهيب عن المعاصي ، و الترغيب في التقوى ، و اشار الى نتيجة الذنوب و فوائد التقوى ، فقال :

« ا لا و ان الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها ، و خلعت لجمها ، فتقحمت بهم

[ 13 ]

في النار » شبه الخطيئة بحصان شموس ، قد نزعوا لجامه من فمه ، و شبه الخاطى‏ء العاصي براكب ذلك الحصان ، فاذا ركب انسان على فرس صعب يمنع ظهره عن الركوب ، و لا يطيع راكبه ، و ليس له لجام و لا عنان ، ما ترى يصنع هذا الفرس براكبه اذا غار ؟ هل يمكن للناس ان يدركوا الراكب ؟ و هل يتمكن الراكب من حفظ نفسه و ايقاف ذلك الفرس ؟ ا ليست نتيجة ذلك الركوب هو السقوط و الهلاك ؟ كذلك الذنوب تورد المذنب الى عذاب اللّه و عقابه ثم قال عليه السلام : « ا لا و ان التقوى مطايا ذلل ، حمل عليها اهلها ، و اعطوا ازمتها فأوردتهم الجنة » شبه عليه السلام التقوى بالناقة الذليلة المطيعة المنقادة ،

التي عليها زمام ، و الزمام : الخيط الذي يشد به الخشاش ، و الخشاش : العود الذي يجعل في انف البعير ليكون اسرع لانقياده ، و شبه المتقي براكب تلك الناقة ، ( و اعطوا ) لهذه الجملة وجهان : احدهما بناء على المجهول ، اي الذي اركبهم اعطاهم زمام تلك الناقة ، و الوجه الثاني بناء على المعلوم ، اي الراكبون اعطوا مطاياهم زمامها ، لأن الراكب يطمئن من تلك الناقة الذليلة ، و لا يخاف على نفسه من الوقوع في التهلكة ، و كذلك الانسان المطيع يمنعه تقواه عن ارتكاب القبائح و يوصله الى الجنة .

مثّل الامام عليه السلام هذين المثالين رعاية لأذهان اهل زمانه ، و التمثيل و التشبيه المناسبان لهذا العصر : ان الخطايا كالسيارة او الدراجة او غيرها من المحركات البخارية ، يركبها سائقها و قد انقطعت منها آلة التوقيف ( بريك ) و آلة الاستدارة المسماة بالسكان ، فهي تسير من غير اختيار من السائق ، و لا يتمكن السائق من توقيفها و امالتها و ادارتها او اطفائها ، فترى السيارة او غيرها تصادم جبلا او تقع في حفرة ، او تسقط في واد ، او تصادف شيئا آخرا ، و نتيجة الاصطدام معلومة واضحة

[ 14 ]

و كذلك التقوى ، إلا أن آلة التوقيف قوية مضبوطة ، و كذا آلة الادارة فمتى اراد السائق ايقاف السيارة او تخفيض السرعة او غير ذلك تمكن من ذلك بواسطة تلك الآلة القوية .

( حق و باطل و لكل اهل ) أي الأمور حق و باطل ، او هنا حق و باطل ،

او التقوى و الخطايا حق و باطل ، أو الامام حق و باطل ، كما صرح بذلك القرآن الكريم بقوله تعالى : فمنهم أئمة يدعون الى النار و لكل واحد من الامامين أهل و أتباع ( فلئن أمر الباطل فلقديما فعل ) اي ليس هذا بشي‏ء جديد أن يتقوى الباطل ، فانه لم يزل الباطل كثيرا في كل زمان ، و أهل الباطل أكثر من أهل الحق ، و ليست كثرة الباطل بشي‏ء جديد حتى يستدل بها على حقيّة اهل الباطل .

( و لئن قل الحق فلربما و لعل ) أي لئن قل الحق و أهله ، فلربما يعود و يكثر و يغلب ، و لعل أهل الحق يزدادون و يكثرون ، و يمكن ان يقال : إنه عليه السلام أشار بكلامه الى دولة الامام الثاني عشر المهدي بن الحسن عليهما السلام ، ( و لقلما أدبر شي‏ء فأقبل ) اشارة الى استبعاد رجوع الحق الى الكثرة و القوة بعد الضعف و القلة ، و ذلك بسبب نقصان اهل الحق ، و لعل له معنى غير هذا .

و قد أطرى سيدنا الرضي ره لهذه الخطبة من الناحية الادبية و مزاياها من جهة الفصاحة و البلاغة ، اذ ان كل جملة منها مستقلة بنفسها ، محتملة لمعاني و وجوه ، و مشتملة على فنون الكلام ، من الوعظ و الانذار ، و الاخبار عما يأتي ، و التشبيه الحسن ، و غير ذلك مما هو خارج عن عهدة القلم ، و ليس ذلك

[ 15 ]

بعجيب ، فهذا الكلام فوق كلام المخلوق و دون كلام الخالق .

و الى هنا انتهى الكلام عن بقايا الخطبة ( السادسة عشر ) .