المعنى

« شغل من الجنة و النار أمامه » كل فرد من افراد البشر حتى

[ 16 ]

الجنين اذا سقط عن بطن امه لا بد أن يؤول أمره و يكون مصيره اما الى الجنة و اما الى النار ، فالجنة و النار أمام كل احد ، فينبغي لكل من كان هكذا أن يكون مشغولا بهاتين المرحلتين الأخيرتين ، فيجد و يجتهد في انقاذ نفسه من النار ، و يسعى و يعمل في طلب الجنة ، فمن زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فاز « ساع سريع نجا ، و طالب للحق رجا ، و مقصر في النار هوى » قسم عليه السلام الناس الى ثلاثة اقسام : القسم الأول : هو الذي يسعى في تحصيل الجنة ،

و يسرع في النجاة من العذاب .

و القسم الثاني : هو الذي يطلب رضوان اللّه تعالى ، و لكنه بطي‏ء في عمله و سيره ، و لكن يرجو رحمة ربه .

و القسم الثالث : هو المقصر الذي يعلم الحق و لا يتبعه ، و يعرف الباطل و لا يتركه فهو مقصر لا يقبل منه العذر ، فبسبب التقصير سقط في نار جهنم ،

و قد صرّح القرآن الكريم بهذا التقسيم ، و وردت الاحاديث ايضا في تفسير تلك الآيات الشريفة .

« اليمين و الشمال مضلة . و الطريق الوسطى هي الجادة » الجادة : الطريق المستقيم ، و السبيل : كل طريق و ان لم يكن مستقيما ، و المقصود أن الانسان اذا انحرف عن الطريق يمينا او شمالا يضل عن السبيل ، و لا يصل الى مطلوبه و مقصوده ، و الطريق الذي يوصل الانسان الى مراده هو الطريق المستقيم ، و اما قوله عليه السلام : و الطريق الوسطى . فقد ذكر الطريحي في مجمع البحرين : عن الأخفش : اهل الحجاز يؤنثون الطريق و الصراط و السبيل ، و السوق و الزقاق ،

و بنو تميم يذكرون هذا كله .

[ 17 ]

و يمكن ان يكون المراد بالطريق الوسطى هو طريق آل محمد و ولايتهم ،

و اليمين و الشمال طريق الغالين و القالين ، لأن طريق الولاية هو الوسط بين الجانبين : جانب الغلو و هم القائلون بألوهية علي عليه السلام ، و جانب العداوة و النصب ، و هم الخوارج و النواصب و أمثالهم من اعداء اهل البيت المنحرفين عن ولايتهم .

و الدليل على ان المقصود من الطريق الوسطى هو طريق آل محمد و ولايتهم قوله عليه السلام : « عليها باقي الكتاب » و في بعض النسخ . ( عليها ما في الكتاب ) اي على تلك الطريقة كل ما في القرآن ، و بناء على الأول عليها باقي الكتاب اي الكتاب الباقي بين الامة ، الذي تركه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بين أمته ، و لا شك أن القرآن نزل في بيت آل محمد ، و اهل البيت ادرى بما في البيت ، فهم اعلم بجميع خصوصيات القرآن و علومه و فنونه و تفسيره و تأويله ،

و سائر أقسامه « و آثار النبوة » اي على تلك الطريقة آثار رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من الوصاية و الولاية و الوراثة و الخلافة ، و عندهم مواريث الانبياء كما تقدم في الجزء الاول .

« و منها منفذ السنة » أي من تلك الطريقة تخرج السنة النبوية ، و تطلع الشريعة الأحمدية الصحيحة ، و تنتشر الأحكام الاسلامية و التعليمات و القوانين الشرعية ، كما هو واضح ، فهذه مئآت الكتب مشحونة مملؤة باحاديثهم و آثارهم من الروايات التي رويت عنهم في كل ما يتعلق بالأصول و الفروع ، من الواجبات و المحرّمات ، و المستحبات و المكروهات ، و المباحات ، و الأخلاقيات و الاجتماعيات و الاقتصاديات ، و جميع انحاء الحياة الاجتماعية و قد اشرنا إشارة اجمالية الى ذلك

[ 18 ]

في كتابنا الموسوم . ( الاسلام و التعاليم التربوية ) 1 و لعلنا نلتقى بالقراء الكرام بهذا الموضوع في غير هذا الكتاب ان شاء اللّه تعالى .

« و اليها مصير العاقبة » اي إلى آل محمد عليهم السلام مصير عواقب الخلق ،

فان الناس لا يدخلون الجنة الا بعد الاعتقاد بولاية آل محمد ، و عواقب الخلق و مصيرهم بيد آل محمد ، كما في الاحاديث المتواترة عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث طويل أنه قال . . . اقول للنار . هذا عدوي فخذيه ، و هذا وليي فذريه ، و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله . كأني بك يا علي و بيدك عصا عوسج تسوق قوما الى الجنة و قوما الى النار . و لعلك تظن أن هذا مما تفردت به الشيعة و سلكت سبيل الغلو و المغالاة في حق أهل البيت ؟ فهذا ابن أبي الحديد صرّح بهذا الاعتقاد في قصيدته العلوية التي يقول فيها مخاطبا لأمير المؤمنين عليه السلام .

( لي فيك معتقد سأكشف سره
فليصغ ارباب النهى و ليسمعوا

و اللّه لو لا حيدر ما كانت الد
نيا و لا جمع البرية مجمع

و اليه في يوم المعاد حسابنا
و هو الملاذ لنا غدا و المفزع

هذا اعتقادي قد كشفت غطائه
سيضر معتقدا له أو ينفع )

و الأحاديث المروية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و عن أهل بيته الطاهرين المذكورة في كتب الفريقين كثيرة جدا ، و لا مجال لذكرها الآن .

« هلك من ادّعى و خاب من افترى » لما كان هذا الكلام مسوقا في ما يتعلق بالخلافة و الخلفاء ، و كلامه عليه السلام كله كنايات عن الامامة ، لا عن

-----------
( 1 ) صدر في سلسلة منابع الثقافة الاسلامية التي تصدر في كربلاء المقدسة بإشراف جماعة من رواد العلم و الفضيلة

[ 19 ]

غيرها ، و لهذا يمكن ان نقول : ان المقصود من ( هلك من ادعى ) اي هلك من ادعى الامامة بغير استحقاق ، و خاب من افترى في ادعاء الخلافة لنفسه كذبا .

فهذا دعاء منه عليه السلام على متقمّصي الخلافة كذبا و زورا ، دعاء عليهم بالهلاك و الخيبة و الحرمان من ثواب الآخرة ، او اخبار منه عليه السلام على مدعي الامامة و الخلافة من غير استحقاق .

« من أبدى صفحته للحق هلك » و في بعض النسخ : عند جهلة الناس .

أي من اظهره جانبه للحق هلك عند جهال الناس ، و المقصود من هذا الكلام نفسه عليه السلام ، و المعنى ان الانسان اذا اراد اظهار الحق في مقابلة الباطل ،

و مكافحة الجهال ، بأن يكلفهم الحق ، و يحمّلهم على صعوبته و مرارته ، يكون معرضا للهلاك ، لأن الناس لا يسكتون عمن يزاحمهم في منافعهم ، و يعاملهم بما لا تشتهي انفسهم لانهم العامة و فيهم الكثرة الا اذا عجزوا عن المقاومة بسبب ضعفهم و قوة خصمهم ، كل حكومة او أمة اذا تجردت لاظهار الحق و العدل لا يستقيم امرها ، و تكثر فيها الفتن و المؤامرات .

و كذلك كل حكومة او دولة اذا تجرّدت للباطل و الظلم فان مصيرها الانقراض و الانهيار ، الا اذا كانت ذات قوة قاهرة تقضي على كل مخالف معارض ، و انما يستقيم الامر و يتم اذا كان الحق ممزوجا بالباطل ، و العدل مشوبا بالظلم ،

و اليك الحديث المفسر لما نحن فيه :

في زهر الربيع للجزائري ره : سئل الامام الصادق عليه السلام ، عن الخلفاء الاربعة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : ما بال الشيخين قد انتظمت لهما امور الخلافة ، و جرت على أيديهم فتوح البلاد من غير معارضة احد من المسلمين ؟ و ما بال عثمان و أمير المؤمنين عليه السلام لم ينتظم لهما امور الخلافة ؟ بل قامت المسلمون

[ 20 ]

على عثمان و حصروه في داره ، و قتلوه في وسط بيته ، و أما أمير المؤمنين عليه السلام فثارت الفتن في زمن خلافته حتى قتل الناكثين و القاسطين و المارقين ؟ ؟

فاجاب عليه السلام : أن امور الدنيا و الخلافة فيها لا يجري بباطل بحت محض و لا بحق خالص ، بل يجري بحق و باطل ممزوجين فاما عثمان فاراد ان يجري امور الخلافة بمحض الباطل فلم يتم له الأمر .

و اما أمير المؤمنين عليه السلام فأراد ان يجري احكامها على الطريقة المستقيمة و السنن النبوية فلم يحصل له ما اراد و اما الشيخان فأخذا قبضة من الحق و قبضة من الباطل فجرت لهما الأمور كما أرادا .

و يحتمل ان يكون المعنى : من خاصم الحق و عارضه هلك « و كفى بالمرء جهلا ان لا يعرف قدره » لهذه الجملة احتمالان : الاول : كفى بالمرء جهلا ان يطلب فوق قدره و درجته ، كالجاهل يعرف نفسه عالما و الفاسق مؤمنا ، و الوضيع شريفا و هلمّ جرا الى ان يعرف الانسان نفسه خليفة و هو لا يعرف معنى الأب و هكذا .

و الثاني ان ينزل نفسه دون ما هي . فالشريف يجالس الأوباش ، و المؤمن يعاشر الفساق و لكن الظاهر ان المقصود هو الاحتمال الاول ، فيكون المراد الاشخاص الذين تقمّصوا الخلافة و هم يعلمون انهم ليسوا بأهلها ، و الذين ادّعوا الامامة و هم يعرفون انفسهم بعدم لياقتهم و كفائتهم لها « لا يهلك على التقوى سنخ اصل » اي كل عمل كان بناؤه و اساسه على

[ 21 ]

التقوى لا يهلك و لا يضمحل ما دام بنيانه قائما على أصول الموازين الشرعية و الأحكام الالهية .

« و لا يظمأ عليها زرع قوم » لما كان الزرع انما يبقى بالماء ، فاذا لم يصل إليه الماء الكافي فسد و ذبل و اصفرّ ، كذلك مشروع اذا تأسس على التقوى لا يحتاج الى الماء لادامة حياته و ابقائه ، و كذلك كل عمل و بناء و مشروع تأسس على الظلم و الجور ، او المعصية لا يدوم ذلك البناء بل لا تنقضي الأيام و الليالي أو الاعوام إلا و تنهدم و تنهار ، و اليك مثالا من القرآن الكريم شاهدا لما نحن فيه .

قال المفسرون : ان بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء بضم القاف و هو موضع بقرب المدينة المنورة من جهة الجنوب ، فلما فرغوا من بنائه بعثوا الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ان يأتيهم ، فأتاهم النبي ، و صلى في مسجدهم ،

فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف فقالوا : نبني مسجدا فنصلي فيه ،

و لا نحضر جماعة محمد ، و كانوا اثنى عشر رجلا ، و قيل . خمسة عشر ، فبنوا مسجدا الى جنب مسجد قباء ، فلما فرغوا منه اتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و هو يتجهز الى تبوك ، فقالوا : يا رسول اللّه : إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة و الحاجة و الليلة المطيرة و الشاتية ، و انا نحب أن تأتينا فتصلي فيه لنا ، و تدعو بالبركة .

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله . اني على جناح السفر ، و لو قدمنا اتيناكم ان شاء الله ، و صلينا لكم فيه « فلما انصرف رسول الله من تبوك نزلت

[ 22 ]

عليه الآيات في شأن المسجد : و الذين اتخذوا مسجداً ضراراً و كفراً و تفريقاً بين المؤمنين ، و إرصاداً لمن حارب اللَّه و رسوله من قبل ، و ليحلفن إن أردنا إلا الحسنى و اللَّه يشهد انهم لكاذبون . لا تقم فيه أبداً ، لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق ان تقوم فيه ، فيه رجال يحبّون ان يتطهروا و اللّه يحب المطهّرين ، أ فمن أسس بنيانه على تقوى من اللّه و رضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ؟ فانهار في جهنم و اللّه لا يهدي القوم الظالمين 1 فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله عمارا و وحشيا و قال لهما : إنطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدما و حرّقاه . و أمر ان يتخذ كناسة يلقى فيه الجيف فالمستفاد مما تقدم : أن عمل المؤمن المتقي ثابت مستقيم مبني على أصل صحيح ثابت و عمل المنافق ليس بثابت بل ساقط في نار جهنم ، و المقصود : ان أمير المؤمنين عليه السلام يقول هنا : إن أعمالي و افعالي على أسس التقوى العدالة الالهية ، فلا اخاف من المخالفين المعارضين ، و خاصة اذا علمت و تيقنت أن تلك الافعال هي ما أمر اللّه تعالى بها .

« فاستتروا في بيوتكم ، و اصلحوا ذات بينكم ، و التوبة من ورائكم حيث ان هذه الخطبة هي اول خطبة خطب بها امير المؤمنين عليه السلام بعد ما بويع له بالخلافة بعد مقتل عثمان ، كما تقدم الكلام في صدر الخطبة في الجزء الاول ، و خاصة هذه الجملات فانها مسبوقة بقوله عليه السلام : ( ان اللّه داوى هذه الامة بدوائين : السوط و السيف ، لا هوادة عند الامام فيها ، فاستتروا في بيوتكم و اصلحوا ذات بينكم و التوبة من ورائكم . . الخ ) و هذا يمكن ان

-----------
( 1 ) سورة التوبة

[ 23 ]

نقول : ان هذه الجملات إنذار و تهديد لكل من يخالف حكم اللّه عز و جل ،

فكأنه عليه السلام أمرهم بالهدوء و مراعات النظام و عدم الاخلال بالامن العام و الاعتزال من إثارة الفتن و المشاغبات فيما بين المسلمين ، و حيث ان جماعة كانوا من المنحرفين عن أمير المؤمنين عليه السلام في ايام الخلفاء الثلاثة ، و لما تمت الخلافة للامام عليه السلام خافوا على أنفسهم من سطوة الامام و نقمته و لهذا رفع الامام لهم راية الأمن و الامان بقوله : ( و التوبة من ورائكم ) فكأنه يقبل التوبة و الندم و الاعتذار من اولئك المنحرفين عنه « و لا يحمد حامد إلا ربه ، و لا يلم لائم الا نفسه » لعله عليه السلام يشير بكلامه إلى أن كل خير و سعادة فهو من اللّه تعالى ، فاذا حصل للانسان لا يحمد أحدا إلا ربه ، لان اللّه هو الذي بيده كل خير ،

و إذا اتفقت للانسان أمور غير مرضية من المعاصي و الذنوب ، فالسبب في ذلك نفسه فقط ، و لا يتوجه اللوم إلا الى نفسه .

و إلى هنا انتهت الخطبة السادسة عشر

[ 24 ]