المعنى

لا خلاف بين اهل القبلة المسلمين حسب الممكن في التخطئة في العقليات بمعنى عدم مطابقة الآراء في العقليات للواقع ، فلو ذهب احد بالوحدة و آخر بالتعدد كالثنوية فلا اشكال في خطأ أحدهما ، لأنه لا يعقل الجمع بينهما ، و كذلك اذا ذهب احد الى نبوة موسى عليه السلام و عيسى عليه السلام فعلا ، و الآخر الى نبوة محمد صلى اللّه عليه و آله ، و كذلك اذا ذهب احد الى المعاد الجسماني او الروحاني ، و الآخر إلى الروحاني فقط ، و هكذا في كل فرع من فروع الاعتقاديات ، و هكذا في غير الاصول و الفروع الاعتقادية ، من سائر العقليات : من الرياضيات الفلسفيات و غيرها ،

نعم وقع الاختلاف في ان المخطى‏ء في الاعتقادات آثم ام لا ؟ و قد كثر فيه الكلام ، و الحق الموافق لمذهب الامامية ان المقصر آثم و القاصر غير آثم ، و لا يستحق العقاب ، فإن خرج من الدنيا و هو على إعتقاده الباطل امتحن في القيامة او نحو ذلك ، اذ ان العقاب على غير المقدور محال .

و قد خالف في الاثم الجاحظ ، و ابو عبد اللّه العنبري ، و هو شاذّ مخالف للعقل و النقل ، ان كان مرادهما ما يظهر من كلامهما ، فلا حاجة الى تفصيل الكلام في هذا الموضوع .

و اما المختلفون في الاحكام الشرعية الفرعية من المجتهدين كالاختلاف في خصوصيات الصلاة و الصوم و الحج و الزكاة و الجهاد و غيرها فهو ينقسم الى قسمين :

[ 51 ]

الاول : ما كان عليه دليل قاطع من عقل او نقل ، و لا شبهة في خطإ المخالف ، و مسألة العقاب تابعة للتقصير ، و الثاني : ما ليس عليه دليل قاطع ، فقد اختلف في ذلك العامة و الخاصة .

فالخاصة الشيعة إلامامية بأجمعهم قديمهم و حديثهم اتفقوا على اصابة الكل فيها و قالوا . ( ان للّه تعالى في كل واقعة حكما واحدا لا يتغير و لا يتبدل ،

و المتفحص عنه ان اصابه كان منجزا عليه ، و ان اخطأه بدون تقصير كان معذورا ) .

و استدلوا لذلك بالاجماع القطعي الكاشف عن قول المعصوم الذي هو حجة قطعا و بالاخبار المروية عن الأئمة الاطهار صلوات اللّه عليهم اجمعين الدالة على ان لله تعالى في كل واقعة حكما معينا ، بينه لرسوله ، و بينه النبي لوصيه ، و بينه الوصي للأوصياء من بعده ، فكلامهم عن جدهم عن جبرئيل عن الباري .

فجميع الأحكام محفوظة عنده ، مخزونة لديه حتى ارش الخدش فما دونه ،

كما ذكرت جملة منها في كتب الاخبار ، و قد ذكرنا منها شيئا في أوائل الجزء الاول من كتابنا ، و قد يضاف الى هذين الدليلين دليل ثالث هو .

ان الاحكام كما قد تقرر في محله تابعة للمصالح و المفاسد الكامنة ، و الا لزم اللغو ، و قد دلت على تبعية الاحكام للمصالح جملة من الاخبار ، و على هذا فلا يعقل مطابقة حكمين للواقع ، بأن يكون في صلاة الجمعة مصلحة ملزمة لمطابقتها لنظر احد الفقهاء ، و في تركها مصلحة ملزمة لمطابقتها لنظر فقيه آخر .

و أما العامة فقد ذهبوا الى التصويب ، و ان كل مجتهد مصيب في رأيه ، بمعنى ان لله احكاما بعدد آراء المجتهدين ، فما يؤدي اليه الاجتهاد فهو حكمه تعالى و استدلوا لذلك بأدلة واهية ليس لها قيمة علمية اصلا

[ 52 ]

قالوا : لو كان لله تعالى في الواقعة المبحوث عنها حكم معين لكان ما انزل الله فيها ذلك الحكم ، فيكون الحاكم بغيره عند الخطأ في الاجتهاد فاسقا كافرا ،

لقوله تعالى . و من لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الفاسقون ، و قوله تعالى شأنه .

و من لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون ، و التالي باطل للاجماع على عدم كفره و فسقه ، فيبطل المقدم ايضا ، و اما اذا تجردت الواقعة عن الحكم لم يصدق عليه انه لم يحكم بما انزل الله ، اذ لم ينزل في الواقعة ما يغاير فتواه بالنسبة اليه ليصدق انه لم يحكم به .

و الجواب : ان الله تعالى حيث عيّن مدارك الاحكام ، فحكم المجتهد الناشي عن تلك المدارك حكم الله تعالى ، و تفصيل الكلام موكول الى الكتب الاصولية ،

اذا تمهدت هذه المقدمة فنقول . ان أمير المؤمنين عليه الصلوة و السلام يريد خطأ العامة القائلين بالتصويب ، لا الخاصة الشيعة المختلفين في بعض الفروع الفقهيّة ، و يدل على ما ذكرنا قوله عليه السلام في آخر هذا الكلام . « ثم يجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم فيصوب ارائهم جميعا » و من المعلوم ان هذا يلائم شأن المختلفين من مجتهدي المصوبة الذين اذا اجتمعوا عند امامهم يصوبهم ، و اما المخطئة فانهم اذا اجتمعوا عند إمامهم عليه السلام يخطئهم جميعا ، او بعضهم ، و لهذا اذا اختلفوا راجعوا الى الامام عليه السلام كما في بعض الاخبار .

و لا يتوهم ان الجمل الدالة على الذم في كلام الامام عليه السلام شامل لمجتهدي المخطئة لاتحاد المناط في الاختلاف ، لانا نقول : قد وقع كثير من الاختلافات بين علماء الشيعة في عصر الائمة عليهم السلام ، لأن كل واحد منهم كان يستفيد من كلام الامام شيئا ، بل كان الامام يفتي لاحدهم بحكم التقية ، او

[ 53 ]

نحوها ، و يفتي للاخر بالحكم الواقعي ، او لأحدهما بحكم الاختيار ، و للآخر بحكم الاضطرار ، فقد تختفي القرائن ، و كل يقول بحسب فهمه و مسموعه ، حتى سألوا الامام عن علاج الأخبار المختلفة ، فبين عليه السلام وجه العلاج في أخبار كثيرة ، أفردها العلماء ببحث يسمى « التعادل و التراجيح » و على كل حال فهذا الاختلاف غير ذلك الاختلاف ، خصوصا ، و إختلافهم كان اجتهادا في مقابل باب أحكام اللّه تعالى ، و مستقى علوم النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلّم فهل ترى عذرا في ذلك ؟ و هو نص في مقابل الاجتهاد و كيف يقبل العذر عمن زغى عن الحق بحضرة الامام الأعلم ، وصى رسول اللّه : أمير المؤمنين عليه السلام ، و الكلام حول المقام كثير ، إكتفينا بهذا المختصر . و لا حاجة إلى شرح الكلمات لوضوحها .

قد تمت الخطبة الثامنة عشر