المعنى

الأشعث بن قيس اسمه معدي كرب ، و ابوه قيس الأشج ، و امه كبشة بنت يزيد بن شرحبيل .

[ 55 ]

كان الأشعث ابدا اشعث الرأس ، فسمّي بالأشعث و غلب عليه ، و كان له اخت يقال لها : فتيلة . تزوجها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و لكنه توفّي قبل الوصول اليها .

كان أمير المؤمنين عليه السلام على منبر الكوفة يذكر قضية الحكمين سيأتيك شرحها و حاصل الكلام : أن معاوية لما رأى آثار الظفر و النصرة قد لاحت و ظهرت على أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام في صفين نصب المصاحف على الرماح ، و طلب من اصحاب الامام التحاكم الى القرآن بزعمه حفظا لدماء العرب ، فهجم أصحاب الامام على خيمته عليه السلام و الجأوه الى قبول المحاكمة فأبى عليهم ، و لكنه اضطرّ الى ذلك ، لأنّهم هددوه بالقتل و قالوا :

« نقتلك كما قتلنا عثمان بالامس » فوافق الامام على ذلك بشروط ، و لكنهم طلبوا منه أن يكون الحكم ابا موسى الأشعري حمار بن منافق ، الذي قد عرفت نفسيته و انحرافه في الجزء الأول من كتابنا ، فامتنع الامام عن ذلك ،

فأجبروه فوافقهم قهرا و كرها ، و كان الحكم من ناحية معاوية هو عمر بن العاص فكانت نتيجة التحكيم خلع امير المؤمنين عليه السلام عن الخلافة ، و ابقاء معاوية على رتبته ، فكانت الخسارة على أصحاب الامام ، فجرى ما جرى هناك .

و هؤلاء الذين اكرهوا الامام على التحكيم هم خرجوا عليه و حاربوه لقبوله التحكيم في النهروان ، و هم الخوارج ، و هذه صورة اجمالية مختصرة ملخصة من قضية التحكيم .

كان إمامنا يتكلم حول هذه المأساة ، إذ قام إليه رجل من الخوارج ، من

[ 56 ]

اولئك الذين أجبروه على التحكيم ثم لم يرضوا به و قال : « نهيتنا عن الحكومة ،

ثم أمرتنا بها ، فما ندري أي الأمرين أرشد ؟ » فصفق عليه السلام بإحدى يديه على الاخرى و قال : « هذا جزاء من ترك العقدة » كان قصد الامام من هذه الكلمة : أن هذا جزاؤكم حيث تركتم الرأي و الحزم ، و أصررتم على إجابة القوم إلى التحكيم .

و لكن الأشعث من سوء فهمه ظن ان الامام يقصد بكلامه : أن هذا جزائي حيث تركت الحزم و الرأي السليم ، و وافقتكم على التحكيم .

و لهذا قال الاشعث : « يا أمير المؤمنين : هذه عليك لا لك » يعني : هذه الكلمة ضررها عليك لا نفع لك ، و حيث أن الأشعث كان جالسا بالقرب من المنبر خفض عليه السلام اليه بصره ، أي طأطأه و قال : « ما يدريك ما علي مما لي » أي أين تدري أنت المصالح الشخصية للامام ؟ و كيف يجوز لك أن تعترض على إمام زمانك ؟ ، ثم لعنه و قال : عليك لعنة اللّه و لعنة اللاعنين » لم يلعنه أمير المؤمنين لأجل إعتراضه عليه بتلك الكلمة ، بل كان مستحقّا للعن لنفاقه و كفى بكلام الامام شاهدا على نفاقه ، و إن اللّه تعالى قد لعن المنافقين حيث قال جل ذكره : ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ، اولئك يلعنهم اللّه و يلعنهم اللاعنون .

و هذه صفة المنافقين ، و الاشعث أحدهم ، و كان هذا اللعين بايع ضبّا مع جماعة : منهم عمرو بن حريث ، و شبث بن ربعي ، خارج الكوفة و سموه الضب أمير المؤمنين و ذلك أنه رأى في جبانة الكوفة ضبا يعدو ، فنادى : يا ابا الحسن هلمّ يدك نبايعك بالخلافة .

فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فقال : إنهما يحشران و إمامهما الضب

[ 57 ]

و ستعرف في المستقبل أن كل فساد كان في أيام خلافة الامام عليه السلام ،

و كل إضطراب حدث من تحكيم الحكمين و واقعة النهروان ، و تلك الفتن و المخالفات و غير ذلك فالسبب الوحيد هو اللعين الأشعث بن قيس ، و كان هو و اهل بيته منحرفين عن أهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، فإنه الاشعث إشترك في قتل الامام امير المؤمنين عليه السلام و اعان إبن ملجم عليه اللعنة و سوء العذاب على ذلك ، و كذلك إبنته جعدة دست السم إلى مولانا الامام الحسن المجتبى عليه السلام و كانت زوجته ، و أما إبنه محمد بن الاشعث فهو سبب ألقاء القبض على سيدنا مسلم بن عقيل ، و سلبه سيفه ، و سلمه بيد الطاغي العهر بن العهر عبيد اللّه إبن زياد ، و إشترك ايضا في قتل الامام ابي عبد اللّه الحسين عليه السلام .

و هذا المنافق الاشعث اراد الدخول على أمير المؤمنين عليه السلام فرده قنبر ، فأدمى الاشعث أنف قنبر ، فخرج علي عليه السلام و هو يقول : ما لي و لك يا أشعث ؟ أ ما و اللّه لو بعبد ثقيف تمرست لاقشعرت شعيراتك . . . الخ ثم عيّره الامام عليه السلام بقوله : « حائك ابن حائك » الحائك هنا على معنيين : احدهما المعنى الحقيقي ، و هو الناسج ، و روي : أن الاشعث و اباه كانا ينسجان برود اليمن .

و أما ما قيل : أن أهل اليمن كلهم كانوا ينسجون البرود ، و أن هذا الذم لا يختص بالاشعث . فغير وجيه ،

أما أولا : فان أهل اليمن ما كانوا كلهم ينسجون البرود و يحوكونها ، نعم كانت الحياكة و النسج في اليمن اكثر من سائر البلاد ، كما قال خالد بن صفوان :

ما أقول في قوم ليس فيهم إلا حائك برد أو دابغ جلد ، أو سائس قرد

[ 58 ]

سلمنا أن اهل اليمن كلهم أجمعين كانوا ينسجون و يحوكون . فهل الكثرة ترد عنهم الذم و تزيل قبح هذا العمل ؟

و المعنى الثاني : هو حائك الكذب على اللّه و رسوله أو وليّه ، كما وردت الرواية باطلاق الحائك على من يحوك الكذب ، و هذا المعنى صحيح في غير هذا المكان قصد الامام عليه السلام بذكر حرفته و مهنته بيان نقصان عقله و قلة تدبيره ، كما وردت اخبار و أحاديث تشعر بقلة عقول الحوكة 1 كما قال الصادق عليه السلام : لا تستشيروا . . . و لا الحوكة ، فان اللّه قد سلبهم عقولهم .

و هذا مبالغة في قصور العقل ، لان ذهن الحائك عامة وقته منصرف إلى اوضاع الخيوط و تنظيمها و ترتيبها ، و يحتاج إلى حركة يديه و رجليه ، فهو اذا اشتغل فكره بالعمل ينسى كل شي‏ء لتوجه معظم فكره إلى عمله ، و هذا العمل ينتج قصور العقل ، و يمنع العقل من التوسع و إدراك سائر الاشياء ، كما و أن الجزارة تورث القسوة و تسلب الخشوع و الرحمة من القلب ، و لهذا ورد الذم من الشرع في اتخاذ هذه المهنة .

« منافق ابن كافر » كان هذا من جملة المشتركين في قتل الامام كما سبق و هو الذي قال لابن ملجم : النجا ، النجا ، فقد فضحك الصبح . و مات هذا اللعين بعد مقتل الامام عليه السلام بأربعين ليلة .

ثم اشار عليه السلام الى بعض سوابقه السيئة و صفحته السوداء المظلمة فقال :

« و اللّه لقد اسرك الكفر مرة » و ذلك أن قبيلة مراد قتلت قيسا أبا الاشعث فخرج الاشعث طالبا ثار ابيه ، فخرجت قبيلة كنده و هم عشيرته معه ، و عليهم امراء ثلاثة و ألوية ثلاثة متعاضدين ، و لكنهم ما ادركوا مرادا ، و حاربوا فقتل

-----------
( 1 ) جمع حائك

[ 59 ]

منهم اميران ، و هما : كبش بن هاني ، و القشعم . و اما الامير الثالث و هو الاشعث فانه أسر ، ففدى نفسه بثلاثة الآف بعير ، لم يفد بها عربي قبله و لا بعده كما قال معدي كرب :

فكان فداؤه الفي بعير
و ألفا من طريفات و تلد .

« و الاسلام أخرى » اما الاسر الثاني : فان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لما كان في مكة في اوائل بعثته ، كان يعرض نفسه على الحجاج ، أي يخبرهم بنبوّته ، و يأمرهم باتباعه ، و من جملة اولئك الحجاج بنو وليعه من قبيلة كنده فانهم دفعوه و لم يقبلوا منه صلى اللّه عليه و آله ، فلما هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من مكة إلى المدينة ، و شاع صيته في العرب و طار خبره في العالم و ازدادت قوته و قويت شوكته ، كانت وفود العرب تأتي اليه و تسلم على يديه ، و من جملة الوفود وفد كندة ، فانهم جاؤوا و معهم الاشعث و بنو وليعة ، فأسلموا على يديه صلى اللّه عليه و آله ، فاطعم رسول اللّه بني وليعة من صدقات حضر موت ، و كان زياد ابن لبيد عامل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله على حضر موت ، فأمره رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أن يدفع صدقات حضر موت إلى بني وليعة ، فدفعها زياد اليهم ، فأبوا أن يقبلوها ، و قالوا :

لا ظهر دواب لنا ، فابعث الى بلادنا على ظهر من عندك .

فأبى زياد ، و حدث بينهم و بين زياد شرّ كاد ان يكون حربا ، فرجع منهم قوم الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و كتب زياد اليه يشكوهم ، فعند ذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : لتنتهن يا بني وليعة ، أو لابعثن اليكم رجلا عديل نفسي ، يقتل مقاتليكم ، و يسبى ذراريكم .

قال عمر بن الخطاب : فما تمنيت الامارة إلا يومئذ ، و جعلت انصب له صدري رجاء أن يقول : هو هذا . فأخذ بيد علي و قال هو : هذا

[ 60 ]

ثم كتب لهم رسول اللّه الى زياد ، فوصلوا اليه الكتاب و قد توفّى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و طار الخبر بموته إلى قبائل العرب ، فارتدت بنو وليعة ،

و غنّت بغاياهم ، و خضبن له ايديهن فأمرّ أبو بكر زيادا على حضرموت ، و أمره ان يأخذ البيعة على اهلها ، و استيفاء صدقاتهم فبايعوه الا بني وليعة ، فلما خرج زياد ليقبض الصدقات من بني عمرو بن معاوية اخذ زياد ناقة لغلام منهم اسمه .

شيطان بن حجر ، و كانت الناقة صفية نفيسة اسمها : شذره ، فمنعه الغلام عنها و قال : خذ غيرها ، فأبى زياد ذلك ولج ، فاستغاث الشيطان بأخيه الفداء بن حجر ، فقال الفداء لزياد : دعها . فابى ذلك ، و لج الغلامان في أخذها ، و لج زياد ، فهتف الغلامان مسروق بن معدي كرب ، فقال مسروق : أطلقها . فابى ثم قام فاطلقها .

فاجتمع الى زياد بن لبيد اصحابه ، و اجتمع بنو وليعة ، و اظهروا امرهم الارتداد فبيتهم زياد و هم غارون ، فقتل منهم جمعا كثيرا ، و نهب و سبى و لحق اكثرهم بالاشعث بن قيس فاستنصروه ، فقال . لا انصركم حتى تملكوني .

فملكوه و توجوه كما يتوج الملك من قحطان ، فخرج الى زياد في جمع كثيف ،

و كتب ابو بكر الى مهاجر بن ابي أمية و هو على صنعاء . ان يسير بمن معه الى زياد . فسار مهاجر الى زياد فلقوا الاشعث ، و قتل مسروق ، و لجأ الاشعث و الباقون الى الحصن المعروف ب ( النجير ) فحاصرهم المسلمون حصارا شديدا حتى ضعفوا ، و نزل الاشعث ليلا الى مهاجر و زياد ، فسألهما الامان على نفسه و لعشرة من أهله ، حتى يقدما به الى ابي بكر ، فيرى فيه ، رأيه ، على ان يفتح لهم باب الحصن ، و يسلم اليهم من فيه .

فامناه ، و امضيا شرطه ، ففتح لهم الحصن فدخلوه ، و استنزلوا كل من فيه ،

[ 61 ]

و اخذوا أسلحتهم ، و قالوا للاشعث : إعزل العشرة . فعزلهم فتركوهم ، و قتلوا الباقين ، و كانوا ثمانمائة . و قطعوا أيدي النساء اللواتي شتمن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، فأسروا الاشعث و حملوه الى ابي بكر موثقا في الحديد هو و العشرة و قيل : انه بعث الى زياد يطلب الامان لاهله ، و لبعض قومه ، و كان من غفلته انه لم يطلب لنفسه بالتعيين . فلما نزل من الحصن اسره زياد و بعث به الى ابي بكر ، فقال له ابو بكر : ما ذا تراني أصنع بك ؟ فانك قد فعلت ما علمت .

فقال : تمن علي ، فتفكني من الحديد ، و تزوجني أختك فاني قد راجعت و اسلمت فقال أبو بكر : قد فعلت . فزوجه ام فروة بنت ابي قحافة ، و كانت عوراء او عمياء ، فخرج الاشعث من مجلس العقد ، و اخترط سيفه و دخل سوق الابل فجعل لا يرى جملا و لا ناقة إلا عرقبه ، فصاح الناس : كفر الاشعث . فلما فرغ طرح سيفه ، و قال : إنني و اللّه ما كفرت ، و لكن زوجني هذا الرجل اخته ، و لو كنا في بلادنا كانت وليمة غير هذه ، يا اهل المدينة كلوا . و يا اصحاب الابل :

تعالوا و خذوا شرواها ثمنها فكان ذلك اليوم قد شبه بيوم الاضحى ، و في ذلك يقول وبرة ابن قيس الخزاعي :

لقد أولم الكندي يوم ملاكه
وليمة حمال لثقل الجرائم

لقد سل سيفا كان مذ كان مغمدا
لدى الحرب منها في الطلى و الجماجم

فأغمده في كل بكر و سابح
و عير و بغل في الحشا و القوادم

فقل للفتى الكندي يوم لقائه
ذهبت بأسنى مجد اولاد آدم

و قال الاصبغ بن حرملة متسخطا لهذه المصاهرة :

اتيت بكندي قد ارتد و انتهى
إلى غاية من نكث ميثاقه كفرا

[ 62 ]

فكان ثواب النكث إحياء نفسه
و كان ثواب الكفر تزويجه البكرا

و لو أنه يأبى عليك نكاحها
و تزويجها منه لأمهرته مهرا

و لو أنه رام الزيادة مثلها
لأنكحته عشرا و أتبعته عشرا

فقل لأبي بكر : لقد شنت بعدها
قريشا ، و أخملت النباهة و الذكرا

أ ما كان في تيم بن مرة واحد
تزوجه لو لا أردت به الفخرا ؟

و لو كنت لما أن أتاك قتلته
لأحرزتها ذكرا و قدمتها ذخرا

فأضحى يرى ما قد فعلت فريضة
عليك فلا حمدا حويت و لا فخرا .

و بعد ذلك تندم ابو بكر مما فعل : من قبول توبة الأشعث المرتد ، و تزويجه أخته ام فروة و أظهر الندم لعبد الرحمن بن عوف ، لما جاءه عبد الرحمن عائدا له فقال في كلام طويل : ( اجل انني لا آسي على شي‏ء من الدنيا الاّ على ثلاث فعلتهن وددت اني تركتهن ، و ثلاث تركتهن وددت اني فعلتهن ، و ثلاث وددت اني سألت عنهن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله :

فاما الثلاث اللاتي وددت اني تركتهن : فوددت أني لم اكشف بيت فاطمة على شي‏ء و إن كانوا قد اغلقوه للحرب و وددت اني لم اكن احرقت فجأة السلمي ، و اني كنت قتلته سريحا ، او خليته صحيحا و ودت اني في يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر الخلافة في عنق أحد الرجلين : عمر ، و أبي عبيدة و اما الثلاث اللاتي تركتهن : فوددت اني يوم اتيت بالأشعث بن قيس اسيرا كنت ضربت عنقه ، فانه تخيّل لي أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه . . . الخ 1 « فما فداك من واحدة منهما مالك و لا حسبك » قد ذكرنا آنفا ، ان الأشعث

-----------
( 1 ) الطبرى و ابن ابي الحديد

[ 63 ]

لما اسر فدى نفسه بثلاثة آلاف بعير لم يفد بها عربي قبله و لا بعده ، إذن فما معنى كلام الامام عليه السلام : « فما فداك من واحدة منهما مالك » ؟

الظاهر : أن معنى هذا الكلام : أن مالك و حسبك ما منعا و ما دفعا الأسر عنك ، و ما نجاك من الوقوع في الأسر شي‏ء منهما ، و ليس المقصود الفداء الحقيقي .

ثم اشار عليه السلام إلى سابقة من سوابقه السيئة المخزية فقال : « و إن امرءا دلّ على قومه بالسيف ، و قاد اليهم الحتف لحري بأن يمقته الأقرب ، و لا يأمنه الأبعد » إشارة إلى الأسر الثاني الذي تقدم ذكره آنفا : أنه سلم قومه إلى القتل بل صار سببا لابادتهم ، و قاد اليهم الموت ، و هذا الأشعث مثال الغدر و رمز الخيانة ، و صورة الفساد و الفتنة ، و هو حري أي حقيق و جدير بأن يبغضه قومه الأقربون لافعاله ، و يخالفه سائر الناس و لا يأمنوا شره و مكره و خدعته .

و لهذا قال ابن جرير : كان المسلمون يلعنون الأشعث ، و يلعنه الكافرون ايضا و سبايا قومه ، و سماه نساء قومه : عرف النار . و هو اسم للغادر عندهم .

و اما ما ذكره سيدنا الرياضي : « و اما قوله عليه السلام : دل على قومه بالسيف . فأراد به حديثا كان للأشعث مع خالد بن الوليد باليمامة غر فيه قومه و مكر بهم حتى اوقع بهم خالد . . الخ » فانه خفي وجهه على شراح نهج البلاغة ،

فقال ابن ابي الحديد : . . . فانا لم نعرف في التواريخ ان الأشعث جرى له باليمامة مع خالد هذا و لا شبهه ، و اين كندة و اليمامة ؟ كندة باليمن ، و اليمامة لبني حنيفة . و لا أعلم من أين نقل الرضي رحمه اللّه تعالى هذا .

و قال ابن ميثم : فأما ما حكاه السيد ( ره ) من أنه أراد حديثا كان للاشعث مع خالد بن الوليد باليمامة و أنه غرّ قومه و مكر بهم حتى اوقع بهم خالد فلم أقف

[ 64 ]

على شي‏ء من ذلك في وقائع خالد باليمامة ، و حسن الظن بالسيد يقتضي تصحيح نقله ، و لعل ذلك في وقعة لم أقف على أصلها .

يقول مؤلف هذا الكتاب و إني بحمد اللّه ظفرت بما خفي هنا ، و بعد التحقيق و التدقيق ظهر لي الوجه في ذلك :

في السادس من البحار في باب غزوة عمرو بن معدى كرب ما هذا لفظه :

لما عاد رسول اللّه من تبوك إلى المدينة قدم إليه عمرو بن معدي كرب . فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله : أسلم يا عمرو : يؤمنك اللّه من الفزع الأكبر ؟ فقال : يا محمد و ما الفزع الاكبر فاني لا أفزع فقال يا عمرو : إنه ليس كما تظن و تحسب ،

إن الناس يصاح بهم صيحة واحدة ، فلا يبقى ميت إلا نشر ، و لا حي الا مات ما شاء اللّه ، ثم يصاح بهم صيحة اخرى فينشر من مات ، و يصفون جميعا ،

و تنشق السماء و تهد الأرض و تخر الجبال هدا ، و ترمي النار بمثل الجبال شررا ، فلا يبقى ذو روح الا انخلع قلبه ، و ذكر ذنبه ، و شغل بنفسه الا من شاء اللّه ،

فأين أنت يا عمرو من هذا ؟

قال : أ لا اني اسمع امرا عظيما . فآمن باللّه و رسوله ، و آمن من معه من قومه ،

و رجعوا الى قومهم ثم ان عمرو بن معدي كرب نظر الى ابي بن عثعث الخثعمي فأخذ برقبته ثم جاء به الى النبي فقال : اعدني على هذا الفاجر الذي قتل والدي . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : أهدر الاسلام ما كان في الجاهلية . فانصرف عمرو مرتدا ،

فأغار على قوم من بني الحرث بن كعب ، و مضى إلى قومه ، فاستدعى رسول اللّه علي بن ابي طالب عليه السلام و أمره على المهاجرين و انفذه الى بني زبيد ،

و ارسل خالد بن الوليد في طائفة من الاعراب ، و أمره أن يعمد لجعفى فاذا التقيا

[ 65 ]

فأمير الناس أمير المؤمنين ، و استعمل على مقدمته خالد بن سعيد بن العاص ،

و استعمل خالد على مقدمته أبا موسى الاشعري ، فاما جعفى فانها لما سمعت بالجيش إفترقت فرقتين ، فذهبت فرقة الى اليمن ، و انضمت الفرقة الاخرى الى بني زبيد ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام ، فكتب الى خالد بن الوليد : أن قف حيث أدركك رسولي . فلم يقف ، فكتب عليه السلام الى خالد بن سعيد بن العاص : تعرّض له حتى تحبسه . فاعترض له خالد حتى حبسه ، و ادركه أمير المؤمنين عليه السلام فعنّفه على خلافه ، ثم سار حتى لقي بني زبيد بواد يقال له :

( كش ) فلما رآه بنو زبيد قالوا لعمرو : كيف أنت يا أبا ثور : إذا لقيت هذا الغلام القرشي فاخذ منك الأناوة ؟ فقال : سيعلم ان لقيني . قال :

و خرج عمرو فقال : من يبارز ؟ فنهض اليه أمير المؤمنين عليه السلام فقام اليه خالد بن سعيد و قال له : دعني يا أبا الحسن بأبي أنت و امي ابارزه ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : ان كنت ترى أن لي عليك طاعة فقف في مكانك . فوقف ثم برز اليه أمير المؤمنين فصاح به صيحة ، فانهزم عمرو ، و قتل أخاه و ابن أخيه ، و . . . الخ .

فقد عرفت ما جرى بين عمرو بن معدي كرب و بين خالد بن الوليد ، و قد ذكرنا في اول المعنى : أن الأشعث ابن قيس اسمه معدي كرب . و لهذا التشابه بين الاسمين و الواقعتين التبس الامر على سيدنا الرضي عليه الرحمه و سبق الى ذهنه ،

و لا ينجو من السهو إلى المعصومون عليهم السلام .

و الى هنا انتهت الخطبة التاسعة عشر

[ 66 ]