المعنى

من جملة حكم اللّه تعالى ان اخفى على خلقه ما يجرى عليهم حين الموت و بعده ،

و في عالم البرزخ ، لمصالح لا يعلمها إلا هو ، و لا يعلم الانسان ما يجري عليه غدا

[ 67 ]

في حياته ، فكيف يعلم ما يجري عليه بعد موته ؟ و الموت إنتقال من هذا العالم الى عالم آخر ، و شتّان بين العالمين ، و الاخبار و الاحاديث الواردة عن اهل البيت عليهم السلام تبين و تشير إشارة اجمالية الى ما يشاهده الانسان حين الاحتضار ،

و بعد الموت من التجهيز و التغسيل و التكفين و الدفن سؤال منكر و نكير ، و اين تذهب الارواح ؟ و تنعم او تعذب ، و اين تجتمع الارواح ، و هل تشعر الروح و تعقل و تسمع و تبصر ؟ و هل لها علاقة بالبدن بعد ان صار ترابا ، و استحال الى مادة اخرى ؟

و لنا مجال في المستقبل لبيان هذا السرّ و شرحه على ضوء الاخبار و الاحاديث .

و الآن نقول : إن الموت هو انتقال إلى عالم غير مرئي ، و هذا الانتقال مخوف مرعب ، و هو مفارقة الروح للبدن بصورة موقتة ، و مفارقة الانسان عن كل ما يحب من الاهل و الاولاد و المال فاذا انتقل إلى ذلك العالم و رأى ارواح ملايين الملايين من البشر كيف تعذّب و كيف تنعّم و رأى أرواح الانبياء و الاولياء ،

و ارواح الفراعنة و الكفار و المشركين ، و ما هناك من صياح و صراخ و بكاء و عويل ، و غير ذلك غلب عليه الخوف و الفزع ، و لهذا يقول عليه السلام :

« فانكم لو قد عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم و وهلتم » كما هو شأن الانبياء و الأولياء ، فانهم بسبب علمهم و إطلاعهم على ذلك العالم كانوا يبكون ذلك البكاء الشديد ، و يبيتون ليالهم خائفين وجلين ، و يسهرون الليل بالبكاء و التضرع و الناس لو كانوا يعلمون ذلك لما وجد إنسان عاصي ، و لكان الناس كلهم مؤمنين متّقين ، و لهذا قال عليه السلام : « و سمعتهم و أطعتم » و لو كان الناس كلهم يعلمون و يطلعون على ذلك العالم لاختل النظام الاجتماعي ، و لما زرع الزارع ، و ما اتجر التاجر ، و صارت الأشغال معطلة و الحالة مضطربة ، « لكن محجوب عنكم ما قد

[ 68 ]

عاينوا ، و قريب ما يطرح الحجاب » فان الروح اذا خرجت من البدن ، و طارت من قفص الجسد ظهر لها كل ما كان محجوبا مخفيا ، ثم قال عليه السلام : « و لقد بصّرتم إن أبصرتم » أي صيّرتم مبصرين ، اي لكم عيون إن نظرتم بها « و اسمعتم ان سمعتم » أي جعل لكم السمع ان كنتم تسمعون كلام اللّه و مواعظ الانبياء و الاوصياء « و هديتم ان اهتديتم » أي علمتم الطريق ان وصلتم الى المطلوب و المقصود ، و مشيتم في الطريق المؤدي الى رضوان اللّه « بحق اقول : لقد جاهرتكم العبر » اي العبر جمع عبرة و هي ما يعتبر به الانسان قد اعلنت لكم بشأن الدنيا بما جرى على الامم السالفة و الفراعنة و القياصرة و العمالقة و سائر الملوك و السلاطين ، و أجهرت العبر بما حل بآبائكم و بسائر الناس من المصائب و النوائب و الشدائد « و زجرتم بما فيه مزدجر » كل ما كان فيه زجر كالنهي الاكيد عن المعاصي و الامر الشديد بالواجبات قد زجركم اللّه به « و ما يبلغ عن اللّه اللّه بعد رسل السماء الا البشر » كل تبليغ و إنذار و تبشير و حكم و امر من عند اللّه فلا يبلغها الى الناس بعد الملائكة ملائكة الوحي و رسل السماء الا الانبياء و الأوصياء و من سلك طريقتهم ، و بلغ عنهم ،

و اما الاخبار و الاحاديث الواردة عن اهل بيت النبوة عليهم السلام فكثيرة جدا ، و نقتصر هنا على شي‏ء يسير منها :

في البحار : عن الامام العسكري عن آبائه عليهم السلام : قال : قيل للصادق عليه السلام : صف لنا الموت . قال عليه السلام : للمؤمن كأطيب ريح يشمّه ،

فينعس لطيبه ، و ينقطع التعب و الالم كله ، و للكافر كلسع الافاعي و لدغ العقارب أو اشد . قيل : فان قوما يقولون : انه اشد من نشر بالمناشير و قرض بالمقاريض ، و رضخ بالاحجار و تدوير قطب الارحية على الاحداق احداق

[ 69 ]

العين قال عليه السلام : كذلك ، هو على بعض الكافرين و الفاجرين ، أ لا ترون منهم من يعاني تلك الشدائد ؟ فذلكم الذي هو أشد من هذا ، إلا من عذاب الآخرة فانه اشد من هذا ،

قيل فما لنا نرى كافرا يسهل عليه النزع نزع الروح فينطفي بعد أن كان يحدّث و يضحك و يتكلم ، و في المؤمنين ايضا من يكون كذلك ، و في المؤمنين و الكافرين من يقاسي عند الموت من هذه الشدائد ؟

فقال عليه السلام : ما كان من راحة للمؤمن فهو عاجل ثوابه ، و ما كان من شديدة فتمحيصه من ذنوبه ليرد الآخرة نقيا نظيفا مستحقا لثواب الأبد ، لا مانع له دونه ، و ما كان من سهولة هناك على الكافر فليوفّى أجر حسناته في الدنيا ، ليرد الآخرة و ليس له الا ما يوجب عليه العذاب ،

و ما كان من شدة على الكافر فهو إبتداء عذاب اللّه له ذلكم بان اللّه عدل لا يجور .

و عن الامام الجواد عن آبائه عليهم السلام قال : قيل لأمير المؤمنين عليه السلام : صف لنا الموت . فقال عليه السلام : على الخبير سقطتم : هو احد ثلاثة امور يرد عليه : اما بشارة بنعيم الأبد ، و إما بشارة بعذاب الأبد ، و اما تحزين و تهويل امره منهم لا يدري من اي الفرق هو ؟

فأما وليّنا المطيع فهو المبشر بنعيم الأبد ، و اما عدونا المخالف علينا فهو المبشر بعذاب الابد ، و اما المبهم أمره ، الذي لا يدري ما حاله و هو المؤمن المسرف على نفسه ، لا يدري ما يؤول اليه ، يأتيه الخبر مبهما مخوفا ، ثم لن يسويه اللّه عز و جل بأعدائنا ، و لكن يخرجه من النار بشفاعتنا ، فاعملوا و أطيعوا

[ 70 ]

و لا تتكلوا و لا تستصغروا عقوبة اللّه عز و جل ، فان من المسرفين من لا تلحقه شفاعتنا الا بعد عذاب ثلثمائة الف سنة و قال الامام السجاد عليه السلام لما قيل له : ما الموت ؟ للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة ، و فك قيود و اغلال ثقيلة ، و الاستبدال بأفخر الثياب و أطيبها روائح ، و أوطى‏ء المراكب و آنس المنازل ،

و للكافر كخلع ثياب فاخرة ، و النقل من منازل أنيسة ، و الاستبدال بأوسخ الثياب و اخشنها ، و اوحش المنازل و أعظم العذاب .

و قيل للامام الباقر عليه السلام : ما الموت ؟ قال : هو النوم الذي يأتيكم كل ليلة ، الا انه طويل مدته ، لا ينتبه منه الا يوم القيامة . . . الخ و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : فو الذي نفس محمد بيده : لو يرون مكانه و يسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ، و لبكوا على نفوسهم ، حتى اذا حمل الميت على نعشه رفرفت روحه فوق النعش ، و هو ينادي : يا أهلي و يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، فجمعت المال من حله و غير حله ، ثم خلفته لغيري ، فالمهنا له و التبعة عليّ ، فاحذروا مثل ما حل بي .

سئل الامام الصادق عليه السلام عن المؤمن : أ يستكره على قبض روحه ؟

قال : لا و اللّه . قلت : و كيف ذاك ؟ قال : لأنه اذا حضر ملك الموت جزع الميت فيقول له ملك الموت : لا تجزع ، فو اللّه لانا أبر بك و اشفق من والد رحيم لو حضرك ، افتح عينيك و انظر . قال : و يتهلل له رسول اللّه و أمير المؤمنين علي بن ابي طالب و الحسن و الحسين و الائمة من بعدهم ، و الزهراء عليهم السلام ،

قال : فينظر اليهم فيستبشرهم ، فما رأيت شخوصه ؟ قلت : بلى . قال : فانما ينظر اليهم . قال : قلت : جعلت فداك ، قد يشخص المؤمن و الكافر . قال :

[ 71 ]

ويحك ان الكافر يشخص الى خلفه ، لان ملك الموت انما يأتيه ليحمله من خلفه ،

و المؤمن من أمامه ، و ينادي روحه مناد من قبل رب العزة ، من بطنان العرش فوق الافق الاعلى و يقول : يا ايتها النفس المطمئنة الى محمد و آله ارجعي الى ربك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي .

فيقول ملك الموت . اني قد امرت ان اخيّرك الرجوع الى الدنيا و المضى .

فليس شي‏ء احب اليه من اسلال روحه .

و هذا حديث آخر ، و هو حديث الحارث الهمداني نذكره تيّمنا ، و نظرا لطول الحديث نقتطف منه جزءا . . .

قال أمير المؤمنين عليه السلام في ذيل كلامه مع الحارث : و ابشرك يا حارث لتعرفني عند الممات و عند الصراط ، و عند الحوض ، و عند المقاسمة . قال الحارث و ما المقاسمة ؟ قال : مقاسمة الجنة و النار ، أقاسمهما قسمة صحيحة ، أقول : هذا وليّي فاتركيه ، و هذا عدويّ فخذيه .

ثم اخذ أمير المؤمنين عليه السلام بيد الحارث . و قال يا حارث : اخذت بيدك كما اخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بيدى فقال لي و قد شكوت اليه حسد قريش و المنافقين لي . إنه اذا كان يوم القيامة اخذت بحبل الله و بحجزته يعني عصمته من ذي العرش و اخذت انت يا علي بحجزتي و اخذ ذريتك بحجزتك ، و اخذ شيعتكم بحجزتكم فما ذا يصنع الله بنبيه ؟ و ما ذا يصنع نبيه بوصيه ؟ خذها اليك يا حارث قصيرة من طويله . انت مع من احببت ، و لك ما اكتسبت ( يقولها ثلاثا ) فقام الحارث يجرّ ردائه و يقول . ما ابالي بعدها متى لقيت الموت او لقيني .

و السيد اسماعيل الحميرى الشاعر في القرن الثاني ضمن هذا الحديث في شعره حيث يقول :

[ 72 ]

قول علي لحارث عجب
كم ثم أعجوبة له حملا

يا حار همدان من يمت يرني
من مؤمن او منافق قبلا

يعرفه طرفه و اعرفه
بعينه و اسمه و ما عملا

و انت عند الصراط تعرفني
فلا تخف عثرة و لا زللا

اسقيك من بارد على ظمأ
تخاله في الحلاوة عسلا

اقول للنار حين توقف
لل . . . . عرض : دعيه لا تقربي الرجلا

دعيه لا تقريبه ان له
حبلا بحبل الوصي متصلا

قد ذكرنا هذه الاخبار الشريفة بمناسبة المقام ، و لكن المستفاد من الكافي ان هذا الخطاب من الخطبة كان لاصحابه عليه السلام ، و انذارا لهم . و المقصود من : « من مات منكم » هم الذين خالفوه و نابذوه .

فلقد روى الكليني ره في الكافي رواية عن الامام الصادق عليه السلام قال :

قال أمير المؤمنين عليه السلام . لا تختانوا ولاتكم ، و لا تغشوا هداتكم ، و لا تجهلوا ائمّتكم ، و لا فتفشلوا و تذهب ريحكم ، و على هذا فليكن تأسيس اموركم ،

و الزموا هذه الطريقة ، فانكم لو عاينتم ما عاين من قد مات منكم ممن خالف قد تدعون اليه لبدرتم و خرجتم ، و أسمعتم ، و لكن محجوب عنكم ما قد عاينوا ،

و قريب ما يطرح الحجاب .

و الى هنا تم الكلام عن الخطبة العشرون

[ 73 ]