المتن

و من خطبة له عليه السلام :

أمّا بعد : فإنّ الأمر ينزل من السّماء كقطرات المطر إلى كلّ

[ 88 ]

نفس بما قسّم لها : من زيادة أو نقصان ، فإذا رأى أحدكم لأخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس فلا تكوننّ له فتنة ، فإنّ المرء المسلم ما لم يغش دنائة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت ، و تغرى بها لئام النّاس كان كالفالج الياسر الّذي ينتظر أوّل فوزة من قداحه توجب له المغنم ، و يرفع بها عنه المغرم ، و كذلك المرء المسلم ، البري‏ء من الخيانة ينتظر من اللّه إحدى الحسنيين : إمّا داعي اللّه ، فما عند اللّه خير له ، و إمّا رزق اللّه فاذا هو ذو أهل و مال ، و معه دينه و حسبه ،

إنّ المال و البنين حرث الدّنيا ، و العمل الصالح حرث الآخرة ،

و قد يجمعهما اللّه لأقوام ، فاحذروا من اللّه ما حذّركم من نفسه ،

و اخشوه خشية ليست بتعذير ، و اعملوا في غير رياء و سمعة ، فإنّه من يعمل لغير اللّه يكله اللّه لمن عمل له .

نسأل اللّه منازل الشّهداء ، و معايشة السّعداء ، و مرافقة الأنبياء أيّها الناس : إنّه لا يستغني الرّجل و إن كان ذا مال عن عشيرته ،

و دفاعهم عنه بأيديهم و ألسنتهم ، و هم أعظم النّاس حيطة من ورائه ،

[ 89 ]

و ألمّهم لشعثه ، و أعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به ، و لسان الصّدق يجعله اللّه للمرء خير له من المال يورّثه غيره ،

أ لا : لا يعدلنّ أحدكم عن القرابة ، يرى بها الخصاصة أن يسدّها بالّذي لا يزيده إن أمسكه ، و لا ينقصه إن أهلكه ، و من يقبض يده عن عشيرته فإنّما يقبض عنهم يد واحدة ، و تقبض منهم عنه أيد كثيرة ، و من تلن حاشيته يستدم من قومه المؤدّة . قال الرضي رحمه الله : أقول : الغفيرة هنا : الزيادة و الكثرة . من قولهم للجمع الكثير : الجم الغفير ، و الجماء الغفير و يروى : عفوة من اهل او مال . و العفوة :

الخيار من الشي‏ء يقال : اكلت عفوة الطعام . اي خياره .

و ما احسن المعنى الذي أراده عليه السلام بقوله : « و من يقبض يده عن عشيرته الى تمام كلامه » فان الممسك خيره عن عشيرته انما يمسك نفع يد واحدة ،

فاذا احتاج إلى نصرتهم ، و اضطر الى مرافدتهم قعدوا عن نصره ، و تثاقلوا عن صوته ، فمنع ترافد ، الأيدي الكثيرة ، و تناهض الأقدام الجممة . و الفالح :

هو الظافر الفائز ، و الياسر : اللاعب بالايسار اي الأقداح .