المعنى

هذه الخطبة الشريفة قد احتوت على المواعظ الكافية و النصائح الشافية ،

و الأمر باقتناء الفضائل و الاشتمال على المكارم ، و النهي عن الاخلاق الرذيلة ،

و تسلى الفقير و تأديب الغني ، فان اللّه تعالى خلق الخلق و جعل فيهم القوي و الغرائز و الطبائع التي تربو و تنمو بنموّ الانسان ، و لا تفارقه الا حين الموت .

فمن تلك الطبائع : الشهوة ، الغضب ، حب الحياة ، حب الاستقلال ، حب الاستطلاع ، حب الترقّي و التعالي و هو الحسد : و معنى الحسد أن الأنسان من حيث غريزته لا تطيب نفسه بأن يرى قرينه او شخصا مثله قد وصل الى مقامات مشكورة مذكورة من المال و الولد و الجاه و غيرها ، فيحب أن يسهّل لنفسه الوصول الى تلك الدرجات حتى يعادل ذلك الشخص ، و يسلبه إختصاص تلك الفضيلة ، فاذا لم يتمكن من ذلك تمنيّ زوال تلك النعمة عن صاحبها ، حتى يزول الامتياز و هذا هو الحسد .

و هذه الغريزة موجودة في كل فرد من افراد الناس : من الرجال و النساء و الاطفال ، و لكن هناك موانع تحول بين بعض الاشخاص و بين اظهار تلك الغريزة و الطبيعة ، و تلك الموانع إمّا شرعية كالاخبار الواردة في ذم الحسد ، أو موانع عرفية كالمحافظة على شخصية المتكلم ، او الخوف المحسود أو غير ذلك من الموانع ،

و النواهي الواردة عن الشرع في هذا الموضوع إنما تنهي عن اظهار الحسد و إبرازه ، و لا تنهي عن وجوده ، لأنه تكليف فوق الطاقة ، إذ الانسان مجبّل على هذه الطبيعة ، فلا يمكن تركها ، فذكر أمير المؤمنين عليه السلام مقدمة لبيان النهي عن الحسد ، حتى يكون ذو المقدمة أوقع في النفوس و آثر ، و المقدمة هذه :

[ 91 ]

« أما بعد فانّ الأمر ينزل من السماء كقطرات المطر إلى كل نفس بما قسّم لها من زيادة أو نقصان » أي جميع المقدرات و الوقائع ، و كل ما يجري على الناس من الحياة و الممات ، و الصحة و المرض ، و العزة و الذله ، و الغنى و الفقر ، و غير ذلك من الأحوال التي يراها الانسان كلها بأمر اللّه تعالى و تقديره و تدبيره و حكمه ، و بعبارة أخرى : لا مؤثّر في الكون إلاّ اللّه تعالى ، و المقدرات تنزل من السماء إلى أهل الأرض كقطرات الأمطار من حيث الكثرة إلى كل فرد و كل نفس من الناس ، من الأشياء المقسومة لها من زيادة في العمر أو الرزق ،

أو نقصان في المال أو الأولاد و حاصل الكلام : أن الامور الواقعة الحادثة الكائنة لا تقع و لا تكون لا بعد إرادة اللّه و إذنه و تقديره و أمره « فإذا رأى أحدكم لأخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس فلا تكونن له فتنة » لا شك ان الناس في الدنيا على طبقات و درجات من جميع النواحي ، فاذا رأى الانسان عند أخيه المؤمن زيادة نعمة من نعم اللّه تعالى كالعزة و الشرف و زيادة الأهل و المال و الولد و غير ذلك لا يحسده على تلك النعم ، لأنّ اللّه هو الذي أنعم على عبده بتلك النعمة ، كما قال تعالى : أم يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله . و هذا تأديب للفقراء بعدم وقوعهم في الفتنة بسبب الحسد ، لأن الحسد معناه الغضب من أمر اللّه تعالى و إرادته ، و عدم الرضا بذلك ، و هذا الحسد هو الذين يوقع الانسان في العذاب و الفتنة ، و لا يناله الاّ الحرمان و الندم ، كاخوة يوسف الذين طرحوا أخاهم في البئر كي تتوجه اليهم عاطفة ابيهم يعقوب عليه السلام ، فانتقض الغرض .

و الشواهد كثيرة من الآيات و الاخبار و الاحاديث و القضايا و الوقائع

[ 92 ]

و الابيات قد تكون مذكورة في محالها ، نضرب عن ذكرها صفحا ، حفظا الاسلوب الكتاب .

« فان المرء المسلم ما لم يغش دناءة تظهر فيخشع لها اذا ذكرت ، و تغرى بها لئام الناس كان كالفالج الياسر الذي ينتظر اول فوزة من قداحة ، توجب له المغنم ، و يرفع بها عنه المغرم » المسلم اذا لم تظهر منه نقيصة أو معصية ، أو دنائة نفسية فيخجل اذا ذكّر بها و يستحيي منها ، و لا يكون امله اشد شي‏ء في الخارج بحيث يحتج لئام الناس و عوامهم بفعله ، كالرجل اذا كان من ذوي البيوت و الشرف و تظاهر بالمعصية علنا كاللعب بالقمار أو سائر المعاصي فان عمله هذا يكون سببا لبعض اللئام و السفلة من الناس ، و كأنهم يعتبرون عمله هذا حجة عليهم ،

و جائزا و مستوفيا و يستدلون به .

و المسلم اذا كان سليم العرض و المقصود من العرض : هو موضع المدح و الذم من الانسان ، سواء كان في نفسه او سلفه ، او من يلزمه امرء ، كالزوجة و الولد و الأهل و لم تكن له صحيفة سوداء ، و لا سابقة سيئة من المعايب الاخلاقية ، و النقائص النفسية كان كالفالج ، و هو المقامر الفائز في قماره .

و توضيحا لهذه التشبيه لا بد من ذكر الميسر اي القمار الذي كان متداولا في زمن الجاهلية ، حتى يظهر وجه الشبه ، و يتضح الكلام فقد ذكر ابن ميثم ،

و غيره من الشراح و المفسرين و اللغويين ما هذا مضمونه : ان كان يجتمع عشرة رجال ، و يشترون جذورا بعيرا نسيئة ، ثم ينحرون و يقسمون لحمه عشرة جزاء متساوية ، ثم يأتون بخشبات كالسهام ، الا انها لا رويش لها و لا نصل ، يقال لها القداح و الازلام .

و لكلّ واحدة من تلك الخشبات اسم و فرض ، أي من فاز بخشبة معينة فله نصيب واحد ، و النصيب العشر من اجزاء الجزور ، و من فاز بخشبة اخرى فله

[ 93 ]

نصيبان ، و هكذا و هذه اسماء القداح و مقدار فروضها :

1 الفذ : و فيه نصيب واحد 2 التوأم : و فيه نصيبان 3 المسبل : و فيه ثلاثة حصص 4 النافس : و فيه اربعة حصص 5 الحلس : و فيه خمسة حصص 6 الرقيب : و فيه ستة حصص 7 المعلى : و فيه سبعة حصص فهذه خشبات سبعة بأسمائها و مقدار حصصها ، و كانوا يضيفون الى هذه القداح قداحا ثلاثة ، و أسماؤها : السفيح و المنيح و الوغد . و هذه الثلاثة لا نصيب لها ، فاذا إجتمع العشرة أخذ كل واحد منهم خشبة و كتب عليها إسمه ، او علمه ،

بعلامة ، ثم يأتون برجل قد اشتهر أنه لم يأكل لحما بثمن يقال له الحرضة .

فيدفعون اليه الخشبات ، فيضعها في حجره ثم يلقون عليها ثوبا كاللعب بالخاتم و يعصبون أصابع هذا الرجل كيلا يمس فيعرف الخشبات و مقدار سهامها ، ثم يأتي رجل آخر و يقف خلف الرجل الذي عنده القداح يقال له :

الرقيب . فيدخل ( الحرضة ) يده تحت الثوب ، و يخرج قدحا قدحا باسم اولئك العشرة ، مثلا : يخرج قدحا باسم زيد ، فينظر زيد الى مقدار حصته ، فيأخذ حصته من اجزاء الجزور ثم يخرج قدحا آخر باسم سعيد مثلا ، فينظر سعيد إلى مقدار نصيب القدح فيأخذ حقه ، و هكذا حتى تستوفي الاجزاء و السهام ،

و بعبارة اخرى : يخرج القداح بقدر الأعشار العشرة ، فاذا استوفت الأجزاء غرم الباقون ثمن الجزور ، فيدفعون الثمن إلى بائع الجزور بحسب سهامهم التي

[ 94 ]

في قداحهم المكتوبة عليها اسماؤهم كما تقدم .

و اكثر هذه السهام هو القدح المعلى الذي لا نصيب اكثر منه ، اذا عرفت هذا فاعلم أن أمير المؤمنين عليه السلام شبه المؤمن التقي ، الطاهر الثوب باللاعب الذي ينتظر الحظ الأوفر و القدر الأكثر بغير غرامة .

و بيان ذلك كلامه عليه السلام : « و كذلك المسلم البري‏ء من الخيانة ينتظر من اللّه إحدى الحسنيين : إما داعي الله فما عند الله خير له ، و اما رزق اللّه فاذا هو ذو أهل و مال و معه دينه » اي أن المسلم اذا رأى نعمة على أحد ، و مالت نفسه الى تلك النعمة ، فسأل من اللّه تعالى أن يرزقه تلك النعمة فهو بين امرين :

اما أن يقبضه اللّه بالموت ، فما عند اللّه خير و أبقى ، و لا شك ان الموت للمؤمن خير من الحياة ، لأن الموت عنده هو الانتقال من سجن الى قصر كما أسلفنا .

و اما ان يستجيب اللّه دعائه فيرزقه و يعطيه ما سأل و اراد من الرزق الواسع و الأهل و الولد و سائر لوازم الحياة مع سلامة دينه ، و بقاء شرفه و شخصيته ،

و صيانة ايمانه ، و حفظ معنوياته ، بعكس الحسد الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ، و الحسود دائما مهموم مغموم ، و لا يصل الى مقصوده و مطلوبه « ان المال و البنين حرث الدنيا ، و العمل الصالح حرث الآخرة » هاتان الجملتان مأخوذتان من الآية الشريفة : المال و البنون زينة الحياة الدنيا و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً و خير أَملا .

لأن كل ما يحتاج اليه الانسان في حياته لأجل المعيشة فهو حرث الدنيا ،

أي ما يكتسبه الانسان في الدنيا لدنياه ، كما قال تعالى : زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة ، و الخيل المسومة و الانعام و الحرث ، ذلك متاع الحياة الدنيا و اللَّه عنك حسن المئآب

[ 95 ]

فهذه الاشياء المتقدمة بعض ما يحبه الانسان ، و لكنها لا تنفعه في آخرته لأن الآخرة يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون الا من اتى الله بقلب سليم ، فالحرث الذي ينفع الانسان في آخرته هو العمل الصالح الذي عمله في حياته كما في الحديث : الدنيا مزرعة الآخرة .

و حرث الآخرة ايضا الصدقات الجارية الباقية بعد مماته ، كما قال رسول الله صلى الله عليه و آله اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا عن ثلاث : ولد صالح يستغفر له ، او صدقة جارية ، او علم ينتفع به الناس .

« و قد يجمعهما الله لاقوام » اي قد يعطي الله الدنيا و الآخرة لبعض عباده كما قال عز من قائل : فآتيهم الله ثواب الدنيا و حسن ثواب الآخرة و الله يحب المحسنين . و في الديوان المنسوب الى امير المؤمنين عليه السلام :

و واحد فاز بكلتيهما
قد جمع الدنيا مع الآخرة

« فاحذروا من اللّه بما حذركم من نفسه » هذه الكلمة مأخوذة من قوله تعالى :

و يحذركم اللَّه نفسه ، و ذلك كما يقال : احذر الاسد . اي صولته و افتراسه ،

دون عينه ، فالمعنى الحذر من غضب اللّه و نقمته و عذابه . او مأخوذة من الآية الكريمة : فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم .

« و اخشوه خشية ليست بتعذير » الخشية : هي الخوف ، و لكنها تفرق عن الخوف في اصطلاح اهل الحقائق ، كما قال شيخنا الطوسي ( قدس سره ) في بعض مؤلفاته ما حاصله : ان الخشية و الخوف و ان كانا في اللغة بمعنى واحد ، الا ان بين خوف اللّه و خشيته في عرف ارباب القلوب فرقا : و هو ان الخوف تألم النفس من العقاب المتوقع بسبب ارتكات المنهيات ، و التقصير في الطاعات ،

[ 96 ]

و هو يحصل لأكثر الخلق ، و ان كانت مراتبه متفاوتة جدا ، و المرتبة العليا لا تحصل الا للقليل ، و الخشية تحصل عند الشعور بعظمة الحق و هيبته ، و خوف الحجب عنه ، و هذه حالة او لا تحصل الا لمن اطلع على حال الكبرياء ، و ذاق لذة القرب ، و لذا قال سبحانه : انما يخشى الله من عباده العلماء ، و اما قوله : خشية ليست بتعذير . فان المعصية و مخالفة حكم الله تعالى على قسمين : قسم يعتذر منه العبد الى الله عز و جل ، و القسم الثاني هي المعصية التي يرتكبها الشخص بلا عذر و هو يعلم ان الله يعذبه ، فهو يخاف و يخشى ، و خشيته ليست بتعذير ، فيأمر عليه السلام الناس ان يخشوا الله خشية بلا عذر .

« و اعملوا في غير رياء و سمعة ، فانه من يعمل لغير الله يكله الله لمن عمل له » ينهى امير المؤمنين عليه السلام عن العمل بقصد الرياء ، كأن يصلي الرجل صلاة فيطيل ركوعه و سجوده حتى يراه الناس فيمدحونه ، او يقوم بعمل كبناء مسجد يريد به السمعة ، اي يحب ان يسمع بعمله الذي عمله .

فان العمل اذا كان مشوبا بالرياء و السمعة اي لم يكن خالصا لوجه الله تعالى لا اجر فيه و لا ثواب بل هو نوع من انواع الشرك الخفي ، و معنى الشرك الخفي : ان الانسان يعبد ربه للناس فهو قد اشرك في عبادة ربه ، لأنه صلى الله و للناس ، و العبد يعاقب على الرياء في العمل . كما في الحديث : ينادى المرائي يوم القيمة باربعة اسماء : يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر : ظل سعيك و بطل عملك ،

لا خلاق لك ، التمس اجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع .

و هذا تصريح منه عليه السلام ان العمل اذا لم يكن خالصا لله لا يقبل ،

و يقال له : اطلب اجرك من الذي عملت . فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه احدا .

[ 97 ]

« نسأل اللّه منازل الشهداء و معايشة السعداء ، و مرافقة الانبياء » دعا عليه السلام ربه و سأله درجات أوليائه الصالحين و عباده المكرمين من الشهداء و السعداء ، و مصاحبة الانبياء و هي مراتب و درجات ، بعضها على بعض ، فالشهيد يكون سعيدا ، ثم يرافق الانبياء في الجنة .

إلى هنا كان كلامه عليه السلام في النهي عن الحسد ، و تأديب الفقراء و تسليتهم ،

فذكر ان مجاري الأمور بيد اللّه تعالى ، و أنه ينبغي ان يسأل العبد من ربه كل ما يريد من نعم الدنيا و الآخرة ، و لا ينبغي أن يحسد ارباب النعم ، و ختم كلامه بخظاب خاطب به الأغنياء و أصحاب الثروة ، و أمرهم بمساعدة ارحامهم و أقربائهم ، و لعلنا نذكر في المستقبل إنشاء اللّه بعض الأخبار و الاحاديث الواردة في فوائد صلة الرحم ، و مضار قطعه ، و لهذا قال عليه السلام :

« ايها الناس : لا يستغني الرجل و ان كان ذا مال عن عشيرته ، و دفاعهم عنه بأيديهم و السنتهم » لأن الانسان كلما ازداد مالا ازداد احتياجا ، و هذا شي‏ء ضروري لا يحتاج الى برهان ، فاحتياج الغني الى الناس أكثر من احتياج الفقير ،

فالغني يحتاج الى : سائق لسيارته ، و بوّاب لداره ، و فلاح لحديقته ، و طباخ لطعامه ، و خادم لبيته ، و عامل في محل تجارته ، و محاسب لمصارفه ، و مترجم لمراسلاته الى غير ذلك من انواع الاحتياج ، و الفقير بمعزل عن هذه الاشياء كلها ،

و الانسان اذا وجدت له شخصية مرموقة لا بد و أن الناس يحسدونه ، و يوجّهون اليه التهم ، و يتربصون به الدوائر ، فيحتاج الى مدافع يدفع عنه بيده و لسانه ، بأن يرد عنه الغيبة ، و يقوم في وجه من يذكره بسوء ، و يحامي عنه لدى الاحتياج ، و يذب عنه اعدائه ، و يساعده عند الشدائد و يعاونه في النوائب ،

و عشيرة الانسان أولى من غيرهم بالدفاع عنه ، و كلامهم فيه اصدق عند الناس

[ 98 ]

من غيرهم ، فالانسان مهما كان صاحب مال و ثروة مع ذلك فهو محتاج ، فلا ينبغي له ان يقطع إحسانه عن أفراد عشيرته الأقربين إن كانوا فقراء و لا يظن بأنه غني عنهم فلا يبالي أرضوا عنه ام غضبوا عليه ، فيطغى أن رأه استغنى .

« و هم أعظم الناس حيطة من ورائه و ألمهّم لشعثه ، و اعطفهم عليه عند نازلة اذا انزلت به » لما كان الانسان عبدا للاحسان ، فالاحسان يورث الحب و الوداد في القلوب ، و من دواعي الحب الدفاع عن الشخص المحسن ، و مساعدته لدى الاحتياج ،

و خاصة اذا كان اقارب الشخص و ارحامه فقراء مستحقين للاحسان ، فاذا أحسن اليهم ، و أشبع جائعهم ، و كسى عريانهم ، و آوى مسكينهم ، و أغناهم بالمال فان نتيجة ذلك اولا : الثواب الآلهي في الدنيا و الآخرة ، و ثانيا ان اذا دهمته بليّة ، او ابتلي بما يحتاج فيه إلى المساعدة فعشيرته اولى بان يجتمعوا حوله و يعاضدوه ، فان شفقة العشيرة و عاطفتهم جبليّة ، كما قيل : العرق دساس .

كمحبة الآباء و الامهات .

لأن العشيرة اعظم الناس حيطة و احاطة بالشخص ، و أجمعهم لأموره المتفرقة المتشتّتة ، و أعطفهم و أرأفهم به إذا نزلت به مصيبة ، او ابتلي بمرض او عدو ،

لان القرابة من دواعي الشفقة و المحبة بين ذوي الأرحام و الأقارب ، فلا ينبغي للغني ان يقطع و يمنع إحسانه عن فقراء عشيرته ، او يحبس عنهم لطفه و فضله إن لم يكونوا فقراء و على إي حال ينهي امير المؤمنين عن قطع الرحم و منع الشخص إحسانه عن عشيرته سواء كانوا فقراء او اغنياء ، و لا اقصد بالاحسان مطلق الانفاق عليهم حتى لا يتصور ذلك في أغنيائهم ، بل المقصود من الاحسان الانفاق على فقرائهم ، و عيادة مرضاهم ، و تشييع جنائزهم ، و التزاور و التبادل و غير ذلك من آداب الانسانية التي هي من مصاديق صلة الرحم ، ثم قال عليه السلام :

« و لسان الصدق يجعله اللّه للمرء في الناس خير له من المال يورّثه غيره » هذه نعمة

[ 99 ]

تفضل اللّه بها على خليله ابراهيم عليه السلام و اولاده لقوله تعالى : و وهبنا لهم من رحمتنا و جعلنا لهم لسان صدق علياً ، اي ثناء حسنا في الناس ، سائرا فيهم ،

فالمقصود من لسان الصدق هو الذكر الجميل ، و الحديث الحسن ، يجعله اللّه لعبده بسبب الاحسان على الناس ، و هذا الذكر الجميل يتركه الانسان من بعده حتى يذكره الناس بالخير ، و يترحمون عليه و يذكرونه بالجميل خير و أحسن له من ان يترك الانسان الاموال لغيره ، و يمنع عشيرته عنها ، لأن البخل انما يهدّد الانسان بالفقر و نفاد المال ، و لكن ليس الامر كذلك ففي الحديث : إن للّه مناديا ينادي : اللهم اخلف لكل منفق خلفا و لكل ممسك تلفا . و قال الشاعر :

اذا جادت الدنيا عليك فجد بها
على الناس طرا قبل ان تتقلّت

فلا الجود يفنيها إذا هي اقبلت
و لا البخل يبقيها اذا هي ولّت

ثم قال عليه السلام : « أ لا : لا يعدلن احدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة ان يسدّها بالذي لا يزيده إن امسكه و لا ينقصه إن اهلكه » اي اذا رأى احدكم الخصاصة الفقر على اقاربه و أرحامه فلا يميل و لا يرغب عن سدّ فاقتهم ،

و إصلاح شأنهم و كفّ ماء وجههم بالمال ، ذلك المال الذي لا ينمو و لا يزيد بالامساك ، و لا يضره الانفاق ، لأنه زائد عن مقدار حاجته و فاضل معيشته ،

ثم بيّن عليه السلام بعض المضار الاجتماعية و الفردية لقطع الرحم فقال : « و من يقبض يده عن عشيرته فانما تقبض منه عنهم يد واحدة ، و تقبض منهم عنه أيد كثيرة » يعنى ان الانسان اذا قاطع عشيرته ، و منع إحسانه عن اقربائه فانه إنما يقطع عنهم احسان شخص واحد و يد واحدة ، و لكنه قطع بالنتيجة عن نفسه احسان الأشخاص الكثيرين ، و فوائد جماعة كبيرة ، تلك الفوائد التي مرّ ذكرها ،

و لقد شرح سيدنا الرضى هذا المعنى ، كما ذكرنا .

ثم قال عليه السلام : « و من تلن حاشيته يستدم من قومه المودة » عطفا على

[ 100 ]

ما سبق ، ان كل من حسن خلقه ، و تواضع للناس تدوم محبة الناس له ، لان حسن الخلق سيب للتآلف ، و التواضع ينتج المودة في القلوب ، كما ان التجبّر و التفرعن يورث التنفر و الانزجار كما قال تعالى : فبما رحمة من اللّه لنت لهم ، و لو كنت فظاً غليظ ، القلب لانفضوا من حولك .

و قد روى شيخنا الكليني في الكافي هذه المقطوعة من الخطبة بصورة اخرى ، نذكرها على عهدنا في أول الكتاب :

قال امير المؤمنين عليه السلام : لن يرغب المرء عن عشيرته و ان كان ذا مال و ولد و عن مودتهم و كرامتهم ، و دفاعهم بأيديهم و السنتهم ، هم اشدّ الناس حيطة من ورائه ، و اعطفهم اليه ، و المهم لشعثه ان اصابته مصيبة ، و انزل به بعض مكاره الامور ، و من يقبض يده عن عشيرته فانما يقبض عنهم يدا واحدة ، و يقبض عنه منهم ايدي كثيرة ، و من يلن حاشيته يعرف صديقه منه المودة ، و من بسط يده بالمعروف اذا وجده يخلف اللّه له ما انفق في دنياه ،

و يضاعف له في آخرته ، و لسان الصدق للمرء يجعله اللّه في الناس خير من المال يأكله و يورّثه .

لا يزدادنّ احدكم كبرا و عظما في نفسه ، ونأيا بعدا عن عشيرته أن كان موترا في المال ، و لا يزدادن احدكم في اخيه زهدا ، و لا منه بعدا اذا لم يرد منه مروة و كان معوزا في المال ، و لا يعقل أحدكم عن القرابة بها الخصاصة ان يسدّها بما لا ينفعه إن امسكه ، و لا يضره ان استهلكه .

و هنا انتهت الخطبة الثالثة و العشرون

[ 101 ]