المعنى

كان دأب الشراح في هذا المقام أن يبدئوا بترجمة حياة معاوية و نسبه و جناياته و مخازيه و ساير سيئاته ، تمهيدا لأعمال بسر بن أرطاة ، و لكن هذا بحث يطول بيانه ، و لنا مجال واسع في المستقبل القريب إن شاء اللّه و الآن نقول :

بسر بن أرطاة ، أو إبن أبي أرطاة عميل من عملاء معاوية ، و سيئة من سيئاته و سيف غدره الذي كان يريق به دماء الابرياء من أولياء اللّه الصالحين ، و هم شيعة الامام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ، او الابرار من عباد اللّه المؤمنين الذين ما كانوا يخضعون و لا يلوون جيدهم لابن آكلة الاكباد ، لابن هند ذات الاعلام في مكة ، لابن ابي سفيان رئيس المنافقين و المفسدين ذلك الذي عرفت شيئا يسيرا من جرائمه و موبقاته في الجزء الاول و إليك بعض الفجائع التي ارتكبها عميل معاوية ، عميل الشيطان ، أجير الكفر و الظلم ، وليد الجور و الطغيان ، ربيب القسوة و الفظاظة ، حليف الهمجية و الوحشية عدو الانسانية و الاسلامية ، اولئك الذين سوّدوا صحائف التاريخ ، و مما يؤسف له : ان هؤلاء المجرمين كانوا تحت ستار الاسلام ، و الاسلام يتبرأ منهم ، و الانسانية تتنفر عنهم ، و البشرية تستنكف أن تشملهم و لا غرو و لا عجب فهذه بركات معاوية على الاسلام و المسلمين و هؤلاء ولائد ابن هند الزانية الشهيرة ، و هذه جنايات بني امية على أمة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، تلك الجنايات التي يتجدد ذكرها ما دام التاريخ موجودا عند البشر ، و اليك الواقعة :

[ 106 ]

روى ابن ابي الحديد : أن قوما بصنعاء اليمن كانوا من شيعة عثمان يعظمون قتله ، لم يكن لهم نظام و لا رأس ، فبايعوا لعلي عليه السلام على ما في أنفسهم ، و عامل أمير المؤمنين على صنعاء يومئذ عبيد اللّه بن العباس ، و عامله على الجند سعيد بن نمران ، فلما اختلف الناس على علي عليه السلام بالعراق و قتل محمد ابن ابي بكر بمصر ، و كثرت غارات أهل الشام ، تكلموا و دعوا إلى الطلب بدم عثمان ، فبلغ ذلك عبيد اللّه بن العباس فأرسل إلى الناس من وجوههم ، فقال :

ما هذا الذي بلغني عنكم ؟ قالوا : إنا لم نزل نفكر في قتل عثمان ، و نرى مجاهدة من سعى عليه .

فحبسهم ، فكتبوا الى من في الجند من أصحابهم ، فساروا بسعيد بن نمران و اخرجوه من الجند ، و اظهروا امرهم ، و خرج اليهم من كان بصنعاء و انضم اليهم كل من كان على رأيهم ، و لحق بهم قوم لم يكونوا على رأيهم ، ارادة أن يمنعوا الصدقة ، فالتقى عبيد اللّه العباس بسعيد بن نمران و معهما شيعة علي عليه السلام ، فقال ابن عباس لابن نمران : و اللّه لقد اجتمع هؤلاء ، و انهم لنا لمقاربون و إن قاتلناهم لا نعلم على من تكون الدائرة ؟ فلهم لنكتب الى أمير المؤمنين عليه السلام بخبرهم .

فكتب الى أمير المؤمنين عليه السلام ، اما بعد ، فانا نخبر أمير المؤمنين أن شيعة عثمان وثبوا بنا ، و اظهروا أن معاوية قد شيد امره ، و اتسق له اكثر الناس و إنا سرنا إليهم بشيعة أمير المؤمنين ، و من كان على طاعته . . . الخ فلما وصل كتابهما ساء عليا عليه السلام و أغضبه ، و كتب اليهما .

من علي أمير المؤمنين الى عبيد اللّه بن العباس و سعيد بن نمران .

سلام اللّه عليكما ، فإني احمد إليكما الله الذي لا اله إلا هو ، أما بعد . فانه

[ 107 ]

لما أتاني كتابكما تذكران فيه خروج هذه الخارجة ، و تعظّمان من شأنها صغيرا و تكثران من عددها قليلا ، و قد علمت أن نخب جبن افئدتكما و صغر أنفسكما ، و شتات رأيكما و سوء تدبيركما هو الذي افسد عليكما من كان عن لقائكما جبانا ، فاذا قدم رسولي عليكما فامضيا إلى القوم حتى تقرئا عليهم كتابي اليهم ، و تدعواهم الى حظّهم ، و تقوى ربهم ، فان اجابوا احمدنا الله و قبلناهم ، و ان حاربوا استعنا بالله عليهم و نابذناهم على سواء ، إن الله لا يحب كيد الخائنين .

فكتب عليه السلام . من عبد اللّه علي أمير المؤمنين الى من شاق و غدر من أهل الجند و صنعاء اما بعد . فاني احمد الله الذي لا إله إلا هو الذي لا يعقب له حكم ، و لا يرد له قضاء ، و لا يرد بأسه عن القوم المجرمين ، و قد بلغني تجرؤكم و شقاقكم و إعراضكم عن دينكم بعد الطاعة ، و اعطاء البيعة ، فسألت أهل الدين الخالص و الورع الصادق و اللب الراجح عن بدء مخرجكم و ما نويتم به ، و ما أحمشكم له فحدّثت عن ذلك بما لم أر لكم في شي‏ء منه عذرا مبينا ، و لا مقالا جميلا و لا حجة ظاهرة ، فاذا أتاكم رسولي فتفرقوا ، و انصرفوا الى رحالكم ، أعف عنكم و اصفح عن جاهلكم و احفظ قاصيكم ، و أعمل فيكم بحكم الكتاب ، فان لم تفعلوا فاستعدّوا لقدوم جيش جم الفرسان ، عظيم الاركان يقصد لمن طغى و عصى ، فتطحنوا كطحن الرحى ، فمن أحسن فلنفسه ، و من أساء فعليها و ما ربك بظلام للعبيد .

و ارسل الكتاب مع رجل من همدان ، فقدم عليهم بالكتاب ، فلم يجيبوه الى خير ، فقال لهم : اني تركت أمير المؤمنين يريد ان يوجه اليكم يزيد بن قيس الارحبي في جيش كثيف ، فلم يمنعه الا انتظار جوابكم . فقالوا : نحن سامعون إن عزل عنا هذين الرجلين . عبيد اللّه و سعيدا .

[ 108 ]

فرجع الهمداني الى علي عليه السلام فأخبره خبر القوم ، و كتبت تلك العصابة حينئذ الى معاوية يخبرونه ، فلما قدم كتابهم دعا معاوية بسر ابن ارطأة ، و كان قاسي القلب ، فظا سفاكا للدماء ، لا رأفة عنده و لا رحمة ، فأمره أن يأخذ طريق الحجاز و المدينة و مكة حتى ينتهي الى اليمن ، و قال له : لا تنزل على بلد على طاعة علي إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لا نجاة لهم ، و انك محيط بهم ثم اكفف عنهم ، و ادعهم الى البيعة لي فمن ابى فاقتله ، و اقتل شيعة علي حيث كانوا .

سار بسر بن أرطاة في ثلاثة آلاف ، اذا وردوا ماء أخذوا إبل اهل ذلك الماء فركبوها ، و قادوا خيولهم حتى يردوا الماء الآخر فيردون تلك الابل ، و يركبون إبل هؤلاء لئلا يصل الخبر الى البلاد التي يقصدونها فلم يزل يصنع ذلك حتى قرب الى المدينة فاستقبلتهم قضاعة ينحرون لهم الجزر حتى دخلوا المدينة ، و عامل علي عليه السلام على المدينة أبو ايوب الانصاري صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه و آله ، فخرج عنها هاربا ، و دخل بسر المدينة فخطب الناس و شتمهم ،

و تهددهم يومئذ و توعدهم ، و قال . شاهت الوجوه ، ان الله تعالى ضرب مثلا .

قرية كانت آمنة مطمئنه ، يأتيها رزقها رغدا فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع و الخوف . و قد أوقع الله تعالى ذلك المثل بكم و جعلكم أهله ، كان بلدكم مهاجر النبي و منزله ، و فيه قبره و منازل الخلفاء من بعده . فلم تشكروا نعمة ربكم و لم ترعوا حق نبيكم ، و قتل خليفة الله بين اظهركم ، فكنتم بين قاتل و خاذل ، و متربص و شامت ، ان كانت للمؤمنين قلتم . أ لم نكن معكم و ان كان للكافرين نصيب قلتم . أ لم نستحوذ عليكم و نمنعكم من المؤمنين .

ثم شتم الانصاري فقال . يا معشر اليهود و أبناء بني زريق و بني النجار و بني سالم و بني عبد الاشهل و اللّه لاوقعن بكم وقعة تشفي غليل صدور

[ 109 ]

المؤمنين ، و آل عثمان ، ا ما و الله لادعنّكم احاديث كالامم السالفة .

فتهددهم حتى خاف الناس أن يوقع بهم ، ففزعوا الى حويطب بن عبد العزى و يقال انه زوج امه . فصعد اليه المنبر و ناشده ، و قال : عترتك و انصار رسول الله ، و ليست بقتلة عثمان . فلم يزل به حتى سكن ، و دعا الناس الى بيعة معاوية فبايعوه و نزل ، فأحرق دورا كثيرة . منها دار زرارة بن حرون ، و دار أبي ايوب الانصاري ، و فقد جابر بن عبد الله الانصاري فقال : ما لي لا ارى جابرا ؟

يا بني سلمة . لا امان لكم عندي او تأتوني بجابر . فعاذ جابر بأم سلمة زوجة :

النبي ، فارسلت الى بسر بن ارطاة فقال . لا آمنه حتى يبايع : فقالت له ام سلمة اذهب فبايع . و قالت لابنها عمر . اذهب فبايع فذهبا فبايعاه .

ثم خرج الى مكة ، فلما قرب منها هرب قثم بن العباس ، و كان عامل علي عليه السلام و دخلها بسر ، فشتم أهل مكة و أنبّهم ، ثم خرج عنهم ، و استعمل عليهم شيبة بن عثمان ، و في طريقه من المدينة قتل رجالا و اخذ اموالا . ثم دخل الطائف و شتم و قتل ، ثم دخل نجران و شتم و قتل ، حتى دخل صنعاء ، و قد خرج عنها عبيد اللّه بن العباس و سعيد بن نمران ، و قد استخلف عبيد الله عليها عمرو بن اراكة ، فمنع بسرا عن دخولها ، و قاتله فقتله بسر و دخل صنعاء فقتل منها قوما ، و أتاه وفد مارب فقتلهم فلم ينج منهم الا رجل واحد .

ثم خرج بسر من صنعاء ، فأتى أهل جلسان و هم شيعة علي عليه السلام فقاتلهم و قاتلوه فهزمهم ، و قتلهم قتلا ذريعا ، ثم رجع الى صنعاء فقتل بها مأة شيخ من ابناء فارس . لأن ابني عبيد الله بن العباس كانا مستترين في بيت إمرأة من ابنائهم ، و ذبح بسر ابني عبيد الله بمدية كانت معه « و كانا طفلين صغيرين ،

و هما : عبد الرحمن و قثم ، فلما أراد ذبحها قيل : و كانا عند رجل من بني كنانة فقال له الكناني : و لم تقتل هذين و لا ذنب لهما ؟ فان كنت قاتلهما فاقتلني

[ 110 ]

معهما . قال : أفعل . فقتله ، ثم ذبحهما ، فخرجت نسوة من بني كنانة فقالت امرأة : يا هذا قتلت الرجال فعلا م تقتل هذين ؟ و الله ما كانوا يقتلون في الجاهلية و الاسلام ، و الله يا ابن أرطاة ان سلطانا لا يقوم الا بقتل الصبي الصغير و الشيخ الكبير و نزع الرحمة و عقوق الأرحام لسلطان سوء .

فلما سمعت ام الطفلين خبر ذبح ولديها اصلبها و له على ابنيها ، فكانت لا تعقل و لا تصغي الا الى قول من اعلمها انهما قد قتلا ، و لا تزال تطوف في الموسم تنشد الناس ابنيها بهذه الابيات :

و من احس 1 بابني الذين هما
كالدرتين تشظى عنهم الصدف

يا من احس بابني الذين هما
سمعى و قلبي فقلبي اليوم مردهف

يا من احس بابني الذين هما
مخ العظام فمخّى اليوم مختطف

نبئت بسرا و ما صدقت ما زعموا
من قولهم ، و من الافك الذي اقترفوا

انحى على ودجي ابني مرهفة
مشحوذة ، و كذاك الافك يقترف

حتى لقيت رجالا من ارومته
شم الأنوف لهم في قومهم شرف

فالآن العن بسرا حق لعنته
هذا لعمر ابي بسر هو السرف

من دل والهة حرى مولهة
على حبيبين ضلا اذ غدى السلف

و لما بلغت هذه الاخبار الى امير المؤمنين عليه السلام جزع جزعا شديدا ، و دعا على بسر لعنه الله و قال : اللهم اسلبه دينه ، و لا تخرجه من الدنيا حتى تسلبه عقله .

فاصابه ذلك و فقد عقله ، و كان يهذي بالسيف و يطلبه ، فيؤتى بسيف من خشب و يجعل بين يديه زق منفوخ ، فلا يزال يضربه حتى يسأم او يغشى عليه الى ان مات عليه لعائن الله .

-----------
( 1 ) و في نسخة : ها من احس .

[ 111 ]

و بلغ عدد القتلى الذين قتلهم بسر في الحجاز و اليمن ثلاثين الفا ، سوى الذين احرقهم بالنار ، و عدا الدور التي هدمها .

و الخطب الأفظع الأشنع الذي ارتكبه عميل معاوية بسر بن ارطاة هو انه لما أغار على قبيلة همدان ، و هم شيعة علي أمير المؤمنين عليه السلام قتل رجالهم و سبى نسائهم ، فكن اول مسلمات سبين في السلام ، و لقد اشار سيدنا ابو ذر الغفاري الى هذه الجناية التي تقشعر منها الجلود جلود اهل الغيره و الحمية و الايمان بقوله :

و اما يوم العورة : فان نساء من المسلمات يسبين ، فيكشف عن سوقهن جمع ساق فأيتهن كانت اعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها ، فدعوت الله ان لا يدركني هذا الزمان .

فصدرت هذه الجناية من بسر بن ارطاة . انه بعد ان سبى نساء الشيعة من همدان و ذهب بهن الى الشام اقامهن في السوق ، و عرضهن للبيع كما ذكرنا .

وصلت هذه الاخبار الفجيعة الى أمير المؤمنين عليه السلام و هو في الكوفة و كان عليه السلام يجلس كل يوم في موضع من المسجد الاعظم يسبح به بعد الغداة الى طلوع الشمس ، فلما طلعت نهض الى المنبر فضرب باصبعيه على راحته و هو يقول : ما هي الا الكوفة . . . الخطبة .

ثم خطب خطبة اخرى و هي : أما بعد ايّها الناس إن اول فرقتكم و بدء نقصكم ذهاب اولى النهي و اهل الرأي منكم ، الذين كانوا يلقون فيصدّقون ، و يقولون فيعدلون ، و يدعون فيجيبون ، و أنا و اللّه قد دعوتكم عودا و بدءا ، و سرا و جهارا في الليل و النهار و الغدو و الآصال ،

فما يزيدكم دعائي الا فرارا و ادبارا ، أما تنفعكم العظة ؟ و الدعاء الى الهدى و الحكمة ؟ و اني لعالم بما يصلحكم و يقيم اودكم ، و لكني و اللّه لا أصلحكم بفساد

[ 112 ]

نفسي ، و لكن أمهلوني قليلا ، فكانكم و اللّه بامري‏ء قد جائكم يحرمكم و يعذّبكم فيعذبه اللّه كما يعذبكم .

ان من ذل المسلمين و هلاك الدين ان ابن ابي سفيان يدعو الارذال و الاشرار فيجاب ، و ادعوكم و انتم الافضلون الاخيار فتراوغون و تدافعون ما هذا ا بفعل لمتقين ان بسر بن أرطاة وجّه الى الحجاز ، و ما بسر ؟ لعنه اللّه ، لينتدب اليه منكم عصابة حتى تردوه عن سننه . . . الخ فسكت القوم مليا لا ينطقون ، فقال عليه السلام : ما لكم ؟ مخرسون ؟

لا تتكلمون فقام اليه ابو بردة فقال : ان سرت يا امير المؤمنين سرنا معك . فقال :

اللهم : ما لكم ؟ ما سددتم لمقال الرشد ، في مثل هذا ينبغي لي ان اخرج ؟ انما يخرج في مثل هذا رجل ممن ترضون من فرسانكم و شجعانكم ، و لا ينبغي لي ان ادع الجند و المصر ، و بيت المال و جباية الارض و القضاء بين المسلمين ، و النظر في حقوق الناس ، ثم اخرج في كتبيه تتبع اخرى في فلوات و شغف الجبال ؟ هذا و للّه الرأي السوء ، و اللّه لو لا رجائي الشهادة عند لقائهم لو قد حمّ لي لقاؤهم لقرّبت ركابي ، ثم لشخصت عنكم ، فلا اطلبكم ما اختلف جنوب و شمال ،

فو اللّه ان فراقكم لراحة للنفس و البدن .

فقام اليه جارية بن قدامة السعدي فقال : يا امير المؤمنين : لا اعدمنا اللّه نفسك و لا ارانا اللّه فراقك ، انا لهؤلاء القوم ، فسرحني اليهم . قال : فتجهز ،

انت لعمري لميمون النقيبة حسن النية صالح العشيرة .

فقام اليه وهب بن مسعود الخثعمي فقال : انا انتدب اليهم يا امير المؤمنين .

قال : فانتدب بارك اللّه فيك . فنزل .

[ 113 ]

فخرج جارية في الفين ، و ندب عليه السلام مع الخثعمي من الكوفة الفين ،

و قال لهما : اخرجا في طلب بسر حتى تلحقاه اينما لحقتماه ، فناجزاه فاذا التقيتما فجارية على الناس . و امر عليه السلام جارية ان يأتي البصرة ، و يضم الى عسكره مثلهم ، فخرج جارية و خرج معه الامام عليه السلام يشيّعه ، فلما ودّعه قال :

اتق اللّه الذي اليه تصير ، و لا تحتقر مسلما و لا معاهدا و لا تغصبن مالا و لا ولدا و لا دابة ، و ان حفيت و ترجّلت ، و صلّ الصلاة لوقتها .

فقدم جارية البصرة ، و ضمّ اليه مثل الذي معه من الجيش ، ثم اخذ على طريق الحجاز حتى قدم اليمن ، و لم يغصب احدا ، و لم يقتل احدا الا قوما ارتدّوا باليمن فقتلهم و حرقهم ، و سأل عن طريق بسر . فقالوا : اخذ على بلاد بني تميم . فقال : اخذ في ديار قوم يمنعون انفسهم . و اسرع في السير في طلب بسر حتى علم انه بمكة ، فسار نحوه ، و وثب الناس على بسر حين انصرف ، لسوء سريرته ، فهرب بسر الى الشام حتى دخل على معاوية و قال : احمد اللّه يا امير المؤمنين : اني سرت في هذا الجيش اقتل عدوك ذاهبا و جائيا ، لم ينكب رجل منهم نكبة .

فقال معاوية : اللّه فعل ذلك لا أنت .

و اجتمع يوما عند معاوية عبيد اللّه بن العباس و بسر ، فقال ابن العباس لمعاوية انت أمرت هذا القاطع البعيد الرحم ، القليل الرحم بقتل ابني ؟ فقال معاوية : ما امرته بذلك ، و لوددت ان لم يكن قتلهما . فغضب بسر و نزع سيفه فالقاه و قال لمعاوية : اقبض سيفك عني ، قلّدتنيه و أمرتنى أن أخبط به الناس ففعلت ، حتى اذا بلغت ما اردت قلت : لم أهو و لم آمر ؟ فقال معاوية : خذ سيفك اليك ،

فلعمري انك ضعيف عاجز مائق ، حين تلقى السيف بين يدي رجل من بني

[ 114 ]

عبد مناف ، قد قتلت أمس إبنيه . فقال عبيد اللّه : أ تحسبني يا معاوية قاتلا بسرا بأحد إبني ؟ هو أحقر و الأم من ذلك ، و لكني لا أرى لي مقنعا و لا أدرك ثارا إلا ان اصيب بهما : يزيد و عبد اللّه ابني معاوية فتبسم معاوية و قال :

و ما ذنب معاوية و ابني معاوية هذه جملات اقتطفناها من كتب التواريخ ، و لقد اعرضنا عن ذكر كثير من القضايا التي صدرت بيد الاثيم المجرم بسر بن ارطأة ، و الدماء التي أراقها في الحجاز ، و نقلنا ما تقدم عن شرح ابن ابي الحديد و الغدير لشيخنا الاميني و الآن نشرع في شرح الخطبة فنقول :

قال عليه السلام « ما هي إلا الكوفة اقبضها و ابسطها » اي اتصرّف فيها كتصرف الانسان بيده و قبضها و بسطها ، و المقصود تحقير الكوفة بالنسبة الى سائر البلاد التي استولى عليها الخصم ، و تصرف فيها العدو ، يعني ما الفائدة من الكوفة و قد استولى معاوية على سائر البلاد كما يقول احدنا اذا كان ماله قليلا و هو بحاجة الى مال كثير : ما اصنع بهذا المال القليل مع احتياجى الى المال الكثير ؟

ثم وجّه عليه السلام الخطاب الى الكوفة فقال : « فان لم تكوني إلاّ أنت ،

تهب اعاصيرك فقبّحك اللّه » يعني ان لم تكن مملكتي الا الكوفة فهل هي مستقرة مطمئنة ؟ مع كثرة الرياح الشديدة اي الارآء المختلفة و الفتن فيها ، و اختلاف الأقوال ، و عصيان الناس أو امري ؟

ثم تمثل عليه السلام بقول الشاعر :

لعمر ابيك الخير يا عمرو : إنني
على وضر من ذا الاناء قليل

شبّه عليه السلام الكوفة و إمارتها بالدسم الباقي في الاناء بعد الفراغ منه ،

[ 115 ]

بالنسبة الى ما يشتمل عليه ، فالمقصود ان سلطتي و سلطنتي على الكوفة كبقية الدسم الموجودة في الأناء ثم اخبرهم بخروج بسر على اليمن فقال : انبئت بسرا قد اطلع على اليمن ، و ظهر على اهلها » اي وصلني الخبر ان بسر بن ارطاة دخل اليمن و غلب على اهلها ، « و اني و اللّه لاظن ان هؤلاء القوم سيدالون منكم » اي يغلبون عليكم ، اراد الامام عليه السلام أن يثير فيهم الحميّة ، و يهيج فيهم روح الشجاعة ، و لهذا عيّرهم و قال : اني اظن ان اصحاب معاوية سينتصرون عليكم و يغلبونكم ، و تكون لهم الدولة عليكم . ثم بيّن سبب ذلك بقوله :

« باجتماعهم على باطلهم » و هو إطاعة معاوية « و تفرّقكم عن حقكم » اي اطاعة اوامره بالجهاد مع معاوية و اصحابه « و بمعصيتكم إمامكم في الحق » و هو حكم اللّه الصحيح الحقيقي « طاعتهم امامهم في الباطل » و هو محاربته امام زمانه امير المؤمنين عليه السلام و سائر أحكامه الضالة المضلة ، و سيأتيك التفصيل ان شاء اللّه ثم بيّن السبب الثالث لنصرة اتباع معاوية فقال : و بأدائهم الامانة الى صاحبهم » حيث اطاعوا أمره ، لانهم بايعوه بالخلافة « و خيانتكم » اي الامام نفسه ، لانهم ما قاموا بمقتضيات البيعة اذ لو كان كذلك لما وقعت قضية تحكيم الحكمين ، و لما تكوّنت واقعة النهروان ، و لما وقعت تلك الفتن و الفجائع التي قام بها الخوارج ثم ذكر السبب الرابع فقال . « و بصلاحهم في بلادهم و فسادكم » و لعل السبب في ذلك كله ان اهل الشام كانوا يقلّدون اوليائهم بكل ما قالوا و امروا ، حتى و لو كان مخالفا للعقل كانوا يطيعون بلا تفكر و تدبر و امعان و نظر ، و اهل العراق كانوا يناقشوا اوليائهم و يظهرون ارائهم في كل موضوع ،

و لا يعرفون للامام قدره و حرمته و ذمته .

ثم شرح و شرع في بيان مقدار خيانتهم فقال : « فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته » اي لو جعلت قعبا و هو القدح المصنوع من الخشب أمانة عند احدكم لخفت ان يسرق و يأخذ علاقته ، اي ما يتعلق بالقعب

[ 116 ]

و ليس هذا بمبالغة ، ففي الحديث ان رجلا فقيرا رأى أمير المؤمنين عليه السلام و هو راكب ، فوصل الامام الى باب المسجد فنزل عن راحلته ، و اراد ان يصلي في المسجد صلاة التحية ، فالتفت الامام الى ذلك الرجل الفقير و سلم اليه عنان جواده ، و قال : انتظرني حتى اصلي ركعتين و اخرج . فلما دخل الامام عليه السلام الى المسجد ليصلي أقبل الرجل و سرق ركاب الجواد ، و ربط العنان بباب المسجد ، و ذهب الى السوق و باعه بدرهمين . . . الخ ثم انه عليه السلام دعا عليهم بقوله : « اللهم إني مللتهم و ملّوني ، و سئمتهم و سئموني » شكى عليه السلام الى اللّه تعالى ما لاقاه من الناس ، لأن الناس الى اشباههم أميل و أرغب ، فأمير المؤمنين يميل الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله :

و الى سلمان و عمار و ابي ذر و نظرائهم و أهل الكوفة تارة يبايعون الضب ، و تارة يطيعون ابا موسى الأشعري الحمار ، و تارة يصلون خلف الوليد السكران و يميلون الى زياد بن ابيه و الى ابنه ، و الى الحجاج و من شاكلهم ، فهذا عبد اللّه بن عمر بن الخطاب لا يبايع امير المؤمنين بعد مقتل عثمان ، و لكنه يبايع رجل الحجاج نيابة عن يد عبد الملك بن مروان ، فرع الشجرة الملعونة ، و هكذا و هلم جرا « فأبدلني بهم خيرا منهم و ابدلهم بي شرا مني » اولا : قد سبق أن الانبياء كانوا اذا يئسوا من هداية امتهم و ايمانهم باللّه يدعون عليهم ، و يسألون اللّه لهم العذاب كما قال نوح عليه السلام رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا . . . الايات ، و كذلك قوم لوط و صالح و عاد و ثمود و غيرهم نزل عليهم العذاب بطلب من نبيّهم ، بالاضافة الى المعاصي التي ارتكبوها ، و أغضبوا اللّه تعالى .

و ثانيا : قد يتجاهل بعض الناس في معنى هاتين الجملتين : « ابدلني بهم خيرا منهم و ابدلهم بي شرا مني » فالظاهر من افعل التفضيل يقتضي أن اهل الكوفة كانوا صلحاء اخيارا ، فسأل الامام ربه أن يعوّضه خيرا منهم ، او أن الامام أمير المؤمنين

[ 117 ]

صلوات اللّه عليه كان و العياذ باللّه شرا ، فدعا اللّه ان يبدلهم شرا منه اي اكثر منه شرا ، و ليس المقصود هذا و قد ورد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير بقوله تعالى : أ فمن يلقى في النار خير ام من يأتي آمنا يوم القيامة . و قوله عز و جل : ا ذلك خير نزلا ام جنة الخلد . و قول يوسف عليه السلام : رب :

السجن أحب الي مما يدعونني اليه .

فالمعنى أبدلني بالاخيار و أبدلهم برجل شر ، لأنه لا خير فيهم و لا شر فيه ،

ثم دعا عليه السلام بتراكم الهموم و الغموم على قلوبهم فقال : « اللهم : مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء » اي اذب قلوبهم بالخوف و الاحزان ، كما يذوب الملح في الماء ، لأنهم ملأوا قلبه قيحا و صدره غيظا بمخالفتهم امره ، و عصيانهم قوله ، و قد استجاب اللّه دعاء الامام عليه السلام على اهل الكوفة حين ظهر عليهم الحجاج و عذبهم بأنواع العذاب ، و أنتقم اللّه منهم بالحجاج ، كما في الحديث : الظالم سيفي انتقم به ، و انتقم منه .

ثم تمنى عليه السلام ان يكون له اصحاب من بني فراس بن غنم ، و بنو فراس حي معروف بالشجاعة فقال عليه السلام : « ا ما و اللّه لوددت ان لي بكم الف فارس من بني فراس بن غنم .

( هنا لك لو دعوت أتاك منهم
فوارس مثل ارمية الحميم )

و قد مر كلام سيدنا الرضي في معنى هذا البيت .

قد فرغنا من الخطبة الخامسة و العشرين

[ 118 ]