المعنى

المستفاد من كلمة ( منها ) أن السيد الرضي قدس سره قد قطع هذه الخطبة تقطيعا ، فهذه المقطوعة الثانية التي تشير الى القضايا التي حدثت بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في السقيفة و غيرها .

و قد وصلنا الى اصل الموضوع ، و اساس النزاع ، و مركز الخلاف ، و مبدء التفرقة بين المسلمين ، و مطلع كل فتنة وقعت في الاسلام و المسلمين ، و قد واعدناك يا صاحبي في الجزء الاول ان نلتقي بك في السقيفة ، و قد وصلنا الى السقيفة ،

[ 121 ]

و هي كالساباط ، لها سعف ، كانت مجمع الانصار ، و دار ندوتهم لفصل القضايا ،

و يقال لها : ظلة بني ساعدة . لأنها كانت كالظلال ، يستظلون بها عن الحر و البرد ،

و الشمس و المطر ، و مساحتها 500 متر مربع تقريبا ، و تبعد عن المسجد النبوي حوالي ستمائه . . قدم او اكثر ، من طريق باب السلام ، و كانت خربة خاوية على عروشها ، و لكن الحكومة السعودية جدّدت بنائها في السنوات الاخيرة ، و لما ذا ؟

لست ادري و على اي حال فانا نشكر الحكومة السعودية لاحيائها هذا الشاهد القديم الاصيل الذي هو أكبر شاهد على ما تدعيه الشيعة ، و اقوى دليل على فساد تلك الخلافة المدبّرة في ذلك المكان ، و انجاز المؤامرات و الدسائس التي تمّت خريطتها قبل ذلك .

لقد تركنا عليا عليه السلام في الجزء الاول يغسّل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و ليس في البيت احد الا العباس او الفضل بن العباس و هو مربوط العين ، و جماعة من الناس وقوف خلف باب بيت النبي ينتظرون الفراغ .

و لا بد و انك تعلم يا صاحبي ان المهاجرين هم الذين اسلموا في مكة على يد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، ثم لما هاجر النبي من مكة الى المدينة هاجر بعده المسلمون شيئا فشيئا ، بعد ان تركوا ديارهم و اموالهم المنقولة و غير المنقولة ،

و ازواجهم و اولادهم لأجل ان ينقذوا أنفسهم من الضغط الشديد الذي شملهم من كفار مكة ، و مشركي قريش ، فهؤلاء المهاجرون .

و الانصار و هم المسلمون من اهل المدينة ، و هم قبيلتان : الأوس و الخزرج ،

و لكل منهما رئيس كبير مطاع ، و بينهما تنافس شديد و رقابة ،

اما رئيس الأوس فهو اسيد بن حصين او بشير بن سعد ، و رئيس الخزرج سعد بن عبادة ، و ابوه من الكرماء المشاهير ، يقصده الضيوف و ارباب الحوائج ،

[ 122 ]

و هذا الرجل سعد بن عبادة من الذين حضروا يوم الغدير ، و سمعوا خطبة النبي يومذاك ، و كان من الذين بايعوا عليا و سلّموا عليه بإمرة المؤمنين ، و لكن سوء الحظ و العاقبة أحضره في السقيفة .

لا يعرّفنا التاريخ إبتداء إجتماع الناس في السقيفة ، بيد ان المستفاد من مطاوي التاريخ أن الجماهير جعلت تزداد ساعة بعد ساعة ، و علي عليه السلام مشغول بتجهيز رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و الناس يبكون في المسجد لتلك المصيبة العظمى و الفاجعة الكبرى التي لم تكن مصيبة أعظم منها ،

فاذا بعمر بن الخطاب اقبل و دخل المسجد ، فصاح بالناس الباكين :

ويلكم : ان محمدا لم يمت ، بل ذهب الى ميقات ربه ، كما ذهب موسى بن عمران من قبل ، و الله ليرجعن و ليقطعن ايدي و ارجل من يزعم انه مات . 1 يقول المؤلف : انا لا ادري ما الذي كان يقصد عمر من هذا الافتعال ؟ و ممن سمع هذا الخبر ؟ و كيف فهم ؟ مع ان النبي صلى اللّه عليه و آله نعى نفسه كرارا و مرارا ، في غدير خم و في المسجد و على المنبر و في كل موطن ؟ و عرف و من اين عرف ؟ و هو الذي رأى رسول الله قبل ساعة يعالج سكرات الموت ،

و قد اشتد به المرض ، و هو الذي قال : ان الرجل ليهجر . 2 و لم يكتف بارتفاع الصياح و العويل و البكاء و الصراخ من بيت رسول الله ، و على اي حال ، فان دلائل موت رسول الله كانت كثيرة ، و لم يكن هناك شاهد و لا دليل و لا برهان عقلي او نقلي على ما فهمه عمر ، فما الذي دعاه الى هذا الكلام ؟

فهل اراد تخدير الاعصاب حتى يؤدي مهمته المدبرة ؟ او اراد ايقاع الخلاف الشك بين المسلمين كيلا تنفذ وصايا رسول اللّه في خليفته علي بن ابي طالب ؟ او جال بخاطره شي‏ء لم يفطن اليه احد من العالمين ؟ انا ما ادري . غير انه كان يمر على

-----------
( 1 ) ابن ابي الحديد .

-----------
( 2 ) صحيح البخاري باب مرض النبي ( ص )

[ 123 ]

الناس ، و يهتف بهذا الهتاف ، و اذا سمع احدا يقول . ( مات محمد ) يخبطه و يتوعده ، حتى جاء ابو بكر فقال : ايها الناس . من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ، و من كان يعبد رب محمد فانه حي لم يمت ، ثم تلى قوله تعالى . أ فأن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم .

لا يقلّ كلام ابي بكر عن كلام عمر غرابة ، أ ما كان ابو بكر يعرف ان ينعي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ب انا للّه و انا اليه راجعون أن يعزي المسلمين بمصيبة نبيهم ، ؟ ا ما وجد كلاما احسن من هذا الكلام ان يقول . ( من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ) فهل المسلمون يعبدون غير اللّه ، و هم الذين يتلون قوله تعالى . اياك نعبد و إياك نستعين ، في كل يوم مرات ؟

نعم هذا من سوء التعبير و سوء اللسان و البيان و سوء كل شي‏ء قال عمر . لما سمعته يتلوها هويت الى الارض و علمت ان رسول الله قد مات .

سبحان الله ، كيف نسي عمر هذه الآية كأنه لم يسمعها ، و هو الذي قال قبل ساعة حسبنا كتاب الله 1 بلغ هذا الخبر اجتماع الانصار في السقيفة الى عمر ، فأخبر به ابا بكر ،

و مضيا مسرعين الى السقيفة و معهما ابو عبيدة بن الجراح .

فهيا بنا يا صاحبي لنذهب الى السقيفة لننظر من هناك ، و لنعلم الخبر .

في السقيفة خلق كثير من الانصار ، و فيهم سعد بن عبادة ، و هو مريض ،

-----------
( 1 ) و ذلك لما دخل عليه داره و كان في الدار رجال و قال الرسول ( ص ) ايتوني بدواة و كتف لاكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي ابدا راجع التفصيل في صحيح البخاري باب مرض رسول اللّه

[ 124 ]

و قد رشح نفسه للامارة و الرئاسة ، و لكن الأمر لا يتم له بهذه السرعة ، لأن الانصار قبيلتان كما سمعت ، و سعد بن عبادة رئيس الخزرج و سيدهم فلا تخضع له الأوس لما بين القبيلتين من تنافس و تزاحم ، و لهذا وقع النزاع بين الانصار حول الخليفة الذي يريدون نحته و نصبه دخل هؤلاء الثلاثة ابو بكر و عمر و ابو عبيدة في وسط الناس كأنهم منهم .

إستمع يا صاحبي : فهنا نقطة دقيقة ، يجب أن تلتفت إليها ، و تتوجه بجميع فكرك إصغ الى كلمات هؤلاء الثلاثة الذين دخلوا السقيفة الآن ، و دخلوا بين الناس : تكلم ابو بكر و قال في آخر كلامه : إنما أدعوكم الى ابي عبيدة بن الجراح أو عمر ، و كلاهما قد رضيت لهذا الأمر ، و كلاهما اراه له أهلا .

عمر و ابو عبيدة : ما ينبغي لنا أن نتقدمك يا أبا بكر ، أنت أقدمنا إسلاما و انت صاحب الغار و ثاني اثنين ، فانت أحق بهذا الأمر و أولانا به .

الأنصار : نحذر ان يغلب على هذا الامر من ليس منا و منكم ، فنجعل منا أميرا و منكم اميرا ، و نرضى به على انه إن هلك اخترنا آخر من الانصار ابو بكر بعد ان يمدح المهاجرين : انتم معشر الانصار : ممن لا ينكر فضلهم ، و لا نعمتهم العظيمة في الاسلام ، رضيكم اللّه انصارا لدينه و لرسوله ،

و جعل إليكم مهاجرته ، و فيكم محل ازواجه ، فليس احد من الناس بعد المهاجرين الأولين بمنزلتكم ، فهم الامراء و انتم الوزراء .

الحباب بن المنذر الانصاري : يا معشر الانصار : أملكوا على ايديكم ،

فانما الناس في فيئكم و ظلالكم ، و لن يجترى‏ء على خلافكم ، و لن تصدر الناس إلا عن رأيكم و أثنى على الانصار ثم قال : فان أبي هؤلاء تأميركم عليهم فلسنا

[ 125 ]

نرضى بتأميرهم علينا . و لا نقنع بدون أن يكون منا أمير و منهم أمير .

عمر بن الخطاب : هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد ، إنه لا ترضى العرب أن تأمركم و نبيها من غيركم ، و لكن العرب لا تمتنع ان تولي امرها من كانت النبوّة فيهم ، و اولو الامر منهم ، و لنا بذلك على من خالفنا الحجة الظاهرة و السلطان البيّن ، فما ينازعنا سلطان محمد و نحن اولياؤه و عشيرته إلا مدل بباطل او متجانف باثم أو متورط في الهلكة محب للفتنة .

الحباب المنذر : يا معشر الانصار : أمسكوا على ايديكم ، لا تسمعوا مقال هذا الجاهل فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر ، و إن ابوا ان يكون امير و امير فاجلوهم عن بلادكم ، و تولوا هذا الامر عليهم ، فأنتم و اللّه احق به منهم ،

فقد دان بأسيافكم قبل هذا الوقت من لم يكن يدين بغيرها ، و انا جذيلها المحكك 1 و عذيقها المرحب 2 و اللّه لئن رد احد قولي لأحطمن انفه بالسيف عمر بن الخطاب : فلما كان حباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه جواب في كلام ، فانه جرت بيني و بينه منازعة في حياة رسول اللّه ، فنهاني رسول اللّه عن مهاترته ، فحلفت ان لا اكلمه ابدا . ثم التفت الى أبي عبيدة و قال : تكلم .

فقال ابو عبيدة و ذكر فضائل الانصار و تكلم بكلام كثير .

قد ذكرنا أن سعد بن عبادة سيد الخزرج كان مرشحا للامارة او الخلافة ،

و ذكرنا المنافسة بين الأوس و الخزرج ، و لهذا قام بشير بن سعد ، و حسد على سعد بن عبادة و أراد إفساد الامر على رقيبه سعد لئلا تصل الرئاسة إليه ، فتكلم

-----------
( 1 ) العود الذي ينصب للابل الجربي تحتك فيه . و المعنى : انا الذي يستشفى برأيه كما يستشفى الابل الجربى بالاحتكاك بهذا العود .

-----------
( 2 ) اي النخلة بحملها .

[ 126 ]

بكلام ، و وافق على تأمير قريش ، و جعل بحث الأنصار على الرضا بما يفعله المهاجرون ليريح الامارة عن سعد بن عبادة ابو بكر : هذا عمر و ابو عبيدة شيخا قريش ، فبايعوا أيهما شئتم .

عمر و ابو عبيدة : ما نتولى هذا الأمر عليك امدد يدك نبايعك .

بشير بن سعد سيد الأوس : و انا ثالثكما .

فلما سمعت الأوس مقاله سيدهم بشير بن سعد اكتبوا على ابي بكر بالبيعة ،

و تكاثروا على ذلك ، و تزاحموا ، فجعلوا يطأون سعدا من شدّة الازدحام و هو مريض على فراشه .

فصاح سعد بن عبادة : قتلتموني .

عمر بن الخطاب : اقتلوا سعدا قتله اللّه .

قيس بن سعد بن عبادة و قد أخذ بلحية عمر و اللّه يا ابن صهاك الجبان في الحروب الفرار ، الليث في الملأ و الأمن لو حركت فيه شعرة ما رجعت وجهك واضحة .

ابو بكر : مهلا يا عمر ، فان الرفق أبلغ و أفضل .

سعد بن عبادة : يابن صهاك و كانت جدة عمر أما و اللّه لو أن لى قوة على النهوض لسمعتا مني في سككها زئيرا ، و زعجك و اصحابك منها ، و لألحقتكما بقوم كنتما فيهم أذنابا أذلاّء تابعين غير متبوعين ، لقد اجترئتما . ثم قال للخزرج : احملوني من مكان الفتنة فحملوه إلى داره .

بايع الأنصار الحاضرون في السقفية و بايع غيرهم ، و قم فرغ علي عليه السلام من تغسيل رسول اللّه و تحنيطه و تكفينه ، و صلّى هو بنفسه على جنازة رسول اللّه صلى عليه و آله ، و دخل المسلمون عشرة عشرة في حجرة رسول اللّه ، و النبي

[ 127 ]

مسجّي فيصلون عليه بغير إمام ، لأن امير المؤمنين قال لهم : إن رسول اللّه إمامنا حيا و ميتا ، و كانت كيفية الصلاة عليه هي تلاوة الآية الكريمة : إن اللّه و ملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه و سلّموا تسليماً . ثم يدعون للنبي فيخرجون و يدخل قوم آخرون ، و دفن النبي في الموضع الذي توفي فيه و جرى ما جرى هناك .

فعند ذلك جاء علي عليه السلام و جلس في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ،

فاجتمع إليه بنو هاشم و منهم الزبير ، و اجتمعت بنو امية إلى عثمان بن عفان ،

و بنو زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف ، اذ أقبل ابو بكر و عمر و ابو عبيدة ،

فقالوا : ما لنا نراكم حلقا شتى ؟ قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته الانصار و الناس .

فقام عثمان و عبد الرحمن بن عوف و من معهما فبايعوا ، و انصرف علي عليه السلام إلى منزله و معه بنو هاشم و الزبير ، فذهب إليهم عمر في جماعة ممن بايع أبا بكر فقالوا لهم : بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس .

فوثب الزبير إلى سيفه فقال عمر : عليكم بالكلب العقور فاكفونا شره فبادر سلمة بن سلامة فانتزع السيف من يد الزبير ، فأخذ عمر السيف فضرب به الأرض فكسره ، و أحدقوا بمن كان هناك من بني هاشم ، و مضوا بجماعتهم إلى ابي بكر فلما حضروا قالوا لهم : بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس ، و أيم اللّه لئن أبيتم لنحاكمنّكم بالسيف فلما رأى ذلك بنو هاشم أقبل رجل رجل فجعل يبايع حتى لم يبق ممن حضر إلا علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقالوا له : بايع أبا بكر فقال عليه السلام .

أنا أحق بهذا الأمر منه و أنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار

[ 128 ]

و احتججتم عليهم بالقرابة من الرسول اللّه ، و تأخذونه منا أهل البيت غصبا ؟

أ لستم زعمتم للانصار أنكم اولى بهذا الأمر منهم لمكانكم من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، فأعطوكم المقادة و سلموا لكم الامارة ؟ و أنا احتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار ، انا اولى برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله حيا و ميتا ، و انا وصيه و وزيره ، و مستودع علمه ، و انا الصديق الاكبر ، و أول من آمن به و صدقه ،

و أحسنكم بلاء في جهاد المشركين ، و أعرفكم بالكتاب و السنة ، و أذربكم لسانا ، و اثبتكم جنانا ، فعلا م تنازعونا هذا الأمر ؟ أنصفونا إن كنتم تخافون اللّه من انفسكم ، و اعرفوا لنا مثل ما عرفته لكم الأنصار ، و الا فبوؤا بالظلم و العدوان و أنتم تعلمون .

في الأحتجاج و خصال الصدوق و الطبرى هذا الخبر ما هذا الفظة : خبر الأثني عشر رجلا الذين انكروا على ابي بكر جلوسه في مجلس رسول اللّه :

ان الذين انكر على ابي بكر فعله و جلوسه مجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله اثنا عشر رجلا من المهاجرين و الانصار :

1 خالد بن سعيد بن العاص و كان من بني امية 2 سلمان الفارسي 3 ابو ذر الغفاري 4 المقداد بن الاسود الكندي 5 عمار بن ياسر 6 بريدة الأسلمي 7 ابو الهيثم بن التيّهان 8 سهل بن حنيف

[ 129 ]

9 عثمان بن حنيف 10 خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين 11 ابي بن كعب 12 ابو أيوب الانصاري .

فلما صعد ابو بكر المنبر تشاوروا بينهم ، فقال بعضهم لبعض : و اللّه لنأتينه ،

و لننزلنه عن منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله . و قال اخرون : و اللّه لئن فعلتم ذلك اذا لأعنتم على انفسكم ، فقد قال اللّه تعالى : و لا تلقوا بأيديكم الى التهلكة . فانطلقوا بنا الى أمير المؤمنين لنستشيره و نستطلعه على الامر ،

و نستطلع رأيه .

فانطلق القوم بأجمعهم الى امير المؤمنين و قالوا : يا امير المؤمنين : تركت حقا انت احق به و اولى منه ، لانا سمعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول : ( علي مع الحق و الحق مع علي يميل مع الحق كيف مال . ) و لقد هممنا ان نصير الى ابي بكر فننزله عن منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، فجئناك لنستشيرك ، و نستطلع رأيك فيما تأمرنا .

فقال عليه السلام : و ايم الله : لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم الا حربا ، و لكنكم كالملح في الزاد و كالكحل في العين ، و ايم الله لو فعلتم ذلك لاتيتموني شاهرين أسيافكم ، مستعدّين للحرب و القتال ، و اذن لآتوني ، فقالوا لي : بايع و الا قتلناك ، فلا بد من دفع القوم عن نفسي ، و ذلك ان رسول الله صلى اللّه عليه و آله اوعز الى قبل وفاته و قال لي : يا ابا الحسن : ان الامة ستغدر بك بعدي ،

و تنقض فيك عهدي ، و انك مني بمنزلة هرون من موسى .

فقلت : يا رسول الله : فما تعهد الىّ اذا كان كذلك ؟ قال صلى اللّه عليه و آله : ان

[ 130 ]

وجدت اعوانا فبادر اليهم و جاهدهم ، و ان لم تجد اعوانا كف يدك و احقن دمك حتى تلحق بي مظلوما . . .

فانطلقوا بأجمعكم الى هذا الرجل فعرّفوه ما سمعتم من قول نبيكم ،

حتى يكون ذلك اؤكد للحجة ، و ابلغ للعذر ، و ابعد لهم من رسول الله ،

اذا ورد عليه .

فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله . و كان يوم الجمعة ،

فلما صعد ابو بكر قال المهاجرون للأنصار : تقدّموا فتكلموا . فقام خالد بن سعيد بن العاص و قال : اتق اللّه يا ابا بكر فقد علمت ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال و نحن محتوشوه يوم بني قريظة ، حين فتح الله له ، و قد قتل عليّ يومئذ عدة من صناديد رجالهم ، و اولي البأس و النجدة منهم : يا معاشر المهاجرين و الانصار : إني اوصيكم بوصية فاحفظوها ، و مودّعكم امرا فاحفظوه : ا لا ان علي ابن ابي طالب اميركم بعدي و خليفتي فيكم ، بذلك اوصاني ربي ، ا لا و إنكم ان لم تحفظوا فيه وصيتي و توازروه و تنضروه اختلفتم في احكامكم ، و اضطرب اليكم امر دينكم ، و وليكم شراركم ، ا لا ان اهل بيتي هم الوارثون لامري ، و العالمون بأمر أمتي من بعدي ، اللهم : من اطاعهم من أمتي و حفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي ، و اجعل لهم نصيبا من مرافقتي ، يدركون به نور الآخرة اللهم : و من أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنه التي عرضها كعرض السماء و الارض .

عمر بن الخطاب : اسكت يا خالد ، فلست من اهل المشورة ، و لا من يقتدي برأيه .

خالد بن سعيد : اسكت انت يابن الخطاب ، فانك تنطق على لسان غيرك ،

و أيم الله لقد علمت قريش انك من ألأمها حسبا و ادناها منصبا ، و أخسّها قدرا ،

[ 131 ]

و اخملها ذكرا ، و أقلهم عناء عن الله و رسوله ، و انك لجبان في الحروب ، بخيل في المال ، لئيم العنصر ، مالك في قريش من فخر ، و لا في الحروب على ذكر ،

و انك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان إذ قال للانسان : اكفر . فلما كفر قال :

إني اخاف الله رب العالمين ، فكان عاقبتهما انهما في النار خالدين فيها و ذلك جزاء الظالمين . فسكت عمر و جلس خالد .

سلمان الفارسي : كرديد و نكرديد ، و ندانيد كه چه كرديد .

يا ابا بكر : الى من تستند أمرك اذا نزل بك ما لا تعرفه ؟ و الى من تفزع اذا سئلت عما لا تعلمه ؟ فما عذرك في تقدم من هو اعلم منك و اقرب من رسول الله ،

و اعلم بتأويل كتاب الله و سنة نبيّه ، و من قدمه النبي في حياته ، و اوصاكم به عند وفاته ؟ فنبذتم قوله : و تناسيتم وصيته ، و اخلفتم الوعد ، و نقضتم العهد ،

و حللتم العقد الذي كان عقده عليكم على النفوذ تحت راية اسامة بن زيد ، حذرا من مثل ما آتيتموه ، و تنبيها للامة على عظيم ما اجترتموه : من مخالفة أمره ، فعن قليل يصفو لك الأمر ، و قد اثقلك الوزر ، و نقلت الي قبرك ، و حملت معك مما كسبت يداك ، فلو راجعت الحق من قرب ، و تلافيت نفسك ، و تبث الى الله من عظيم ما اجترمت كان ذلك اقرب الى نجاتك يوم تفرد في حفرتك ، و يسلمك ذو نصرتك ، فقد سمعت كما سمعنا ، و رأيت كما رأينا ، فلم يردعك عما أنت متشبّث به من هذا الامر الذي لا عذر لك في تقلده ، و لا حظ للدين و لا للمسلمين في قيامك به ، فالله الله في نفسك ، فقد اعذر من انذر ، و لا تكن أنت كمن ادبر و استكبر .

ابو ذر الغفاري : يا معشر قريش : اصبتم قباحة ، و تركتم قرابة ، و الله ليرتدن جماعة من العرب ، و ليشكنّ في هذا الدين ، و لو جعلتم هذا الامر في

[ 132 ]

اهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان ، و الله لقد صارت لمن غلب ، و لتطمحنّ اليها اعين من ليس باهلها ، و ليسفكن فيها دماء كثيرة .

لقد علمتم و علم خياركم ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال : ( الامر بعدي لعلي ثم لابنيّ الحسن و الحسين ، ثم للطاهرين من ذريتي ) فاطرحتم قول نبيّكم ،

و تناسيتم ما عهد به اليكم ، فاطعتم الدنيا الفانية ، و نسيتم الآخرة الباقية التي لا يهرم شبابها ، و لا يزول نعيمها ، و لا يحزن أهلها ، و لا يموت سكانها ، بالحقير التافه الفاني الزائل ، و كذلك الامم من قبلكم كفرت بعد أنبيائها ، و نكصت بالى أعقابها ، و غيرت و بدلت و اختلفت ، فساويتموهم حذو النعل بالنعل ، و القذة لقذة ، و عما قليل تذوقون وبال أمركم ، و تجزون بما قدمت ايديكم ، و ما اللّه بظلام للعبيد .

المقداد بن الأسود : يا ابا بكر : ارجع عن ظلمك ، و تب الى ربك ،

و الزم بيتك ، و ابك على خطيئتك ، و سلم الامر الى صاحبه الذي هو اولى به منك ، فقد علمت ما عقده رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في عنقك من بيعته ،

و الزمك من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد و هو مولاه ، و نبّه على بطلان وجوب هذا الامر لك ، و لمن عضدك عليه بضمه لكما الى علم النفاق و معدن الشتات و الشقاق عمرو بن العاص الذي أنزل الله فيه على نبيه : إن شانئك هو الابتر . فلا اختلاف بين اهل العلم انها نزلت في عمرو ، و هو كان اميرا عليكما و على سائر المنافقين ، في الوقت الذي انفذه رسول الله صلى اللّه عليه و آله في غزاة ذات السلاسل ، و إن عمرو قلدكما حرس عسكره ، فأين الحرس الى الخلافة ؟

إتق الله ، و بادر الى الاستقامة ، فان ذلك اسلم لك في حياتك و بعد وفاتك و لا تركن الى الدنيا ، و لا تغرنك قريش و غيرها ، فعن قليل تضمحل عنك

[ 133 ]

دنياك ثم تصير الى ربك فيجزيك بعملك ، و قد علمت و تيقنت ان علي بن ابى طالب صاحب الامر بعد رسول الله ، فسلمه اليه بما جعله الله له ، فانه اتم لسترك ، و اخف لوزرك ، فقد و الله نصحت ان قبلت ، و الى اللّه ترجع الامور .

بريدة الأسلمي : إنا لله و انا اليه راجعون ، ما ذا لقي الحق من الباطل ؟

يا ابا بكر : ا نسيت أم تناسيت ؟ و خدعت ام خدعتك نفسك و سؤلت تلك الاباطيل ؟ ا و لم تذكر ما أمرنا به رسول الله صلى اللّه عليه و آله من تسمية علي بامرة المؤمنين ؟ و النبي بين اظهرنا ، و قوله صلى اللّه عليه و آله في عدة اوقات ( هذا علي امير المؤمنين ، و قاتل القاسطين ) اتق الله ، و تدارك نفسك قبل ان لا تدركها ، و انقذها مما يهلكها ، و اردد الامر الى من هو احق به منك ، و لا تتماير في اعتصابه ، و راجع و انت تستطيع ان تراجع ، فقد محضتك النصح ،

و دللتك على طريق النجاة فلا تكونن ظهيرا للمجرمين .

عمار بن ياسر : يا معاشر قريش ، و يا معاشر المسلمين : ان كنتم علمتم اعلموا ، ان اهل بيت نبيكم اولي به و احق بإرثه ، و اقوم بامور الدين ،

و آمن على المؤمنين ، و احفظ لملته ، و انصح لامته .

فمروا صاحبكم فليرد الحق الى اهله قبل ان يضطرب حبكم ، و يضعف أمركم ، و يظهر شأنكم ، و تعظم الفتنة بكم ، و تختلفوا فيما بينكم ، و يطمع فيكم عدوكم ، فقد علمتم : ان بني هاشم اولى بهذا الامر منكم ، و علي من بينهم وليّكم بعهد الله و رسوله ، و فرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال ،

عند سد النبي ابوابكم التي كانت الى المسجد غير بابه ، و إيثاره اياه بكريمته فاطمة الزهراء دون سائر من خطبها اليه منكم ، و قوله صلى اللّه عليه و اله : انا مدينة الحكمة و علي بابها ، فمن اراد الحكمة فليأتها من بابها .

[ 134 ]

و إنكم جميعا مضطرون فيما اشكل عليكم من امور دينكم اليه ، و هو مستغن عن كل احد منكم ، الى مآله من سوابق التي ليست لافضلكم عند نفسه فما بالكم تحيدون عنه ؟ و تبترون عليا حقه ؟ و توثرون الحيوة الدنيا على الأخرة ؟ بئس للظالمين بدلا ، اعطوه ما جعله الله له و لا تولوا مدبرين . و لا ترتدّوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين .

ابي بن كعب : يا ابا بكر لا تجحد حقا جعله الله لغيرك ، و لا تكن اول من عصى رسول الله صلى اللّه عليه و آله في وصيه وصفيه . و صدف عن أمره .

اردد الحق الى اهله تسلم . و لا تتمار في غيك فتندم . و بادر الى الانابة يخف وزرك . و لا تخصصن بهذا الامر الذي لم يحله الله لك نفسك ، فتلقى وبال عملك ، فعن قليل تفارق ما انت فيه ، و تصير الى ربك فيسئلك مما جنيت و ما ربك بظلام للعبيد .

خزيمة بن ثابت : ايها الناس : ا لستم تعلمون : ان رسول الله صلى اللّه عليه و آله قبل شهادتي وحدي . و لم يزد معي غيري ؟ قالوا . بلى . قال . فاشهد اني سمعت رسول الله صلى اللّه عليه و آله يقول : ( اهل بيتي يفرقون بين الحق و الباطل . و هم الائمة الذين يقتدى بهم ) و قد قلت ما علمت . و ما على الرسول الا البلاغ المبين .

ابو الهيثم بن التّيهان . و انا اشهد على نبينا صلى الله عليه و آله . انه اقام عليا في يوم غدير خم . فقالت الانصار . ما اقامه الا للخلافة . و قال بعضهم . ما اقامه الا ليعلم الناس انه مولى من كان رسول الله مولاه . و كثر الخوض في ذلك فبعثنا رجالا منا الى رسول الله فسألوه عن ذلك فقال لهم . قولوا . علي ولي المؤمنين بعدي ، و انصح الناس لامتي . و قد شهدت بما حضرني . فمن شاء

[ 135 ]

فليؤمن ، و من شاء فليكفر إن يوم الفصل كان ميقاتا .

سهل بن حنيف حمد اللّه و اثنى عليه ، و صلى على محمد صلى اللّه عليه و آله :

يا معاشر قريش : إشهدوا علي أني اشهد على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و قد رأيته في هذا المكان الروضة و قد أخذ بيد علي بن ابي طالب ، و هو يقول :

أيها الناس : هذا علي إمامكم بعدي ، و وصيي في حياتي و بعد مماتي ، و قاضي ديني و منجز وعدي ، و أول من يصافحني على حوضي ، فطوبى لمن إتبعه و نصره ،

و الويل لمن تخلف عنه و خذله .

عثمان بن حنيف : سمعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول : أهل بيتي نجوم الارض ، فلا تتقدّموهم و قدموهم ، فهم الولاة بعدي . فقام إليه رجل و قال :

يا رسول اللّه و أي اهل بيتك ؟ فقال : علي و الطاهرون من ولده و قد بيّن ،

فلا تكن يا ابا بكر أول كافر به ، فلا تخونوا اللّه و الرسول ، و تخونوا أماناتكم و انتم تعلمون .

ابو ايوب الانصاري : اتقوا اللّه عباد الله : في أهل بيت نبيكم ، و ارددوا اليهم حقهم الذي جعله الله لهم ، فقد سمعتم مثل سمع اخواننا في مقام بعد مقام لنبينا صلى اللّه عليه و آله ، و مجلس بعد مجلس يقول . أهل بيتي أئمتكم بعدى و يؤمي الى علي و يقول : هذا أمير البررة ، و قاتل الكفرة ، مخذول من خذله ،

منصور من نصره . ) فتوبوا الى الله من ظلمكم ، إن الله تواب رحيم ، و لا تتولوا عنه مدبرين ، و لا تتولوا عنه معرضين .

ابو بكر افحم و لم يحر جوابا : وليتكم و لست بخيركم ، اقيلوني .

عمر يخاطب أبا بكر انزل يا لكع إن كنت لا تقوم بحجج

[ 136 ]

قريش لم اقمت نفسك هذا المقام ؟ و اللّه لقد هممت أن اخلعك ، و اجعلها في سالم مولى حذيفة نزل ابو بكر و أخذ بيد عمر ، و ذهب الى منزله ، و بقوا الى ثلاثة ايام لا يخرجون الى المسجد ، فلما كان اليوم الرابع أقبل خالد بن الوليد و سالم مولى حذيفة ،

و معاذ بن جبل ، و مع كل واحد منهم جماعة ، و دخلوا على ابي بكر ، فقال خالد ما جلوسكم ؟ فقد طمع فيها و اللّه بنو هاشم .

فخرج هؤلاء شاهرين سيوفهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بمسجد رسول اللّه ، فقال : و الله يا أصحاب علي : لئن ذهب الرجل منكم يتكلم بالذي تكلم به أمس لنأخذن الذي فيه عيناه .

خالد بن سعيد : يابن صهاك الحبشية : أ فبأسيافكم تهدّدونا ؟ أم بجمعكم تفزعونا ؟ و الله ان أسيافنا أحد من اسيافكم ، و انا لأكثر منكم و ان كنا قليلين ، لان حجة الله فينا ، و الله لو لا اني اعلم ان طاعة الله و طاعة رسوله و طاعة امامي اولى بي لشهرات سيفي و جاهدتكم في الله ، الى ان أبلي عذري .

أمير المؤمنين : اجلس يا خالد ، فقد عرف لك مقامك ، و شكر لك سعيك .

فجلس و قام سلمان الفارسي فقال اللّه اكبر الله اكبر ، سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و الا صمتا يقول : بينا اخي و ابن عمي جالس في مسجدي و معه نفر من اصحابه اذ تكبسه جماعة من كلاب اهل النار ، يريدون قتله ، و قتل من معه .

و لست اشك الا انهم هم . فهمّ به عمر بن الخطاب ، فوثب اليه امير المؤمنين و اخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الارض و قال : يابن صهاك الحبشية : لو لا كتاب من اللّه سبق ، و عهد من اللّه تقدم لاريتك ايّنا اضعف ناصرا ، و اقل عددا .

[ 137 ]

و قام الاصحاب و انصرفوا عزيزي ايها القاري هذه شهادات الشهود من عظماء اصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في حق علي عليه السلام ، و قد سمعت كلامهم ، فما تصنع الآن ؟ هل تبقى تحت اغلال العصبيّة العمياء ؟ فتكون في حزب اصحاب السقيفة ، مخالفا لقول اللّه تعالى في مواضع عديدة من القرآن الكريم حيث يشير الى فضائل علي و مناقبه ،

و مخالفا لكلام النبي في شأن علي في مواطن كثيرة ام تنتمي الى حزب اللّه هم الغالبون ، فتقول بامامة من امر اللّه عباده باتباعه و اختاره اللّه لخلافة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و آتاه ما لم يوت احدا من العالمين ، الخليفة الذي نصبه رسول اللّه بأمر الله تعالى أماما من امر الله تعالى اماما و اميرا ، و قد ذكرنا بعض النصوص الدالة على امامته في الجزء الاول من الكتاب ؟ ؟

انا هديناه السبيل ، اما شاكرا و اما كفورا ، فمنهم شقي و سعيد .

لا اكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي . ا فمن يهدي الى الحق احق أن يتبع ام من لا يهديّ الا ان يُهدى . يا قومنا اجيبوا داعي الله . لقد حق القول على اكثرهم فهم لا يؤمنون . و ما تأتيهم من ايات ربهم الا كانوا عنها معرضين .

ا لم اعهد اليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان انّه لكم عدو مبين .

هذه جملات موجزة عن قضايا مفصلة حدثت في اول انقلاب بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و اول ثورة قام بها المتأمرون من الناس بعد رحلة النبي الاعظم ، فهكذا تمت الخلافة لهم بالقهر و الغلبة لا بالأهلية و الاستحقاق ، و لا بالنص و التعيين ، و لا بالاجماع و الاتفاق ، فقد عرضنا عليك متن التاريخ و جعلنا الحكم بيدك ، و احلنا القضاء الى ضميرك ، ايها القارى‏ء .

فلو كنت في ذلك اليوم و انت ترى ذلك المنظر الرهيب المهيب المزعج المدهش

[ 138 ]

ما الذي كنت تصنع ؟

فرسول الله صلى اللّه عليه و آله مطروح على المغتسل يغسّله امير المؤمنين بتصريح و تعيين و وصية من النبي .

المسلمون في المسجد قد رفعوا أصواتهم بالبكاء و النحيب و الصراخ و العويل فلا ترى الا باكيا او باكية .

جماعة من الناس في السقيفة ، و هم في صدد انتخاب رئيس لهم باسم الامارة لا الخلافة ، فكأنهم كانوا يعتبرون النبوة و الرسالة ملكا و سلطنة ، و لهذا كان الكلام في السقيفة حول الامير و الامارة لا الخلافة و الامامة ، و لكن المتأمرين قلبوا المعنى فورا فصارت الامارة خلافة و إمامة و ما يصنع الامام أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الساعة ؟ أ يترك جنازة رسول اللّه بلا غسل ؟ أو بلا كفن ؟ أو بلا صلاة ؟ أو بلا دفن ؟ فيحضر في السقيفة شاهرا سيفه ؟ إذن فما كان يقول له الناس لو كان يفعل ذلك ؟ في تلك المدة التي لم تتجاوز ساعة و نصف انتهى تجهيز رسول الله صلى اللّه عليه و آله و انتهت المؤامرة في نفس المدة في السقيفة ، و لما فرغ الامام عليه السلام من إنجاز وصايا النبي فيما يتعلق بتجهيزة و حضر في المسجد و احتج بذلك الاحتجاج ، ما أجابه الخصم جوابا منطقيّا معقولا ، بل ردوا عليه قوله تارة : انك قد وترت العرب و قتلت صناديدهم في غزوات رسول اللّه صلى الله عليه و آله فلا ترضى العرب بك فليت شعري كيف رضيت العرب برسول الله و آمنت به و هو السبب الوحيد و القائد الاعلى في جبهات القتال ؟ و هو الآمر و الناهي ، و انّما كان المجاهدون يحاربون و يهجمون بامر رسول الله .

ثم أما كان الخلفاء الثلاثة قد وتروا العرب ؟ ا لم يحضروا ساحة القتال مع رسول الله ؟ ام حضروا و لم يجاهدوا ؟ و جاهدوا و لم يقتلوا احدا ؟ او قتلوا و لم

[ 139 ]

يقتلوا من العرب ؟ او قتلوا من العرب و لكن اعمالهم مغفرة عند العرب ؟

و هل و هل ؟

هذه أسئله تبقى بلا جواب كالأسئلة التي توجهت الى نفس الخلفاء في عهدهم .

ثم ردوا عليه قوله تارة أخرى : بانك شاب حدث السن ، و في الصحابة المشايخ أصحاب اللحى البيض أمثال ابي بكر و عمر و ابي عبيدة ، لا كأمثال سلمان و عمار و ابي ذر و سائر شيوخ الصحابة مع العلم ان عليا عليه السلام كان له من العمر يومذاك ثلاث و ثلاثون سنة ،

و مع ذلك قالوا فيه : شاب حدث السن . فكيف خفي هذا العيب على الله تعالى لما اوحى الى نبيه بقوله عز و جل : يا ايها الرسول بلّغ ما انزل اليك من ربك و ان لم تفعل فما بلغت رسالته . و قوله تعالى : انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون ،

و كيف خفي هذا العيب على جبرئيل يوم أحد لمّا هتف بين السماء و الأرض :

لا فتى إلاّ علي لا سيف إلاّ ذو الفقار ؟ ؟

و كيف لم يظهر هذا النقص لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في مواطنه و مواقفه حين ما قال لعلي عليه السلام : انت مني بمنزلة هرون بن موسى الا انه لا نبي بعدي ، و انا مدينة العلم و على بابها ، و من كنت مولاه فعلي مولاه ، و اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي اهل بيتي ، و انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض . الى غير ذلك من شهاداته في حق ذلك الشباب الحدث السن و ليت شعري : ان الانبياء الذين بعثهم الله تعالى بالرسالة كم كان عمرهم يوم بعثتهم ؟ فالقرآن الكريم يحدثنا عن بعض الانبياء كموسى بن عمران عليه السلام انه بعث نبيا و هو ابن اربعين سنة ، و كذلك نبينا صلى الله عليه و آله بعث و عمره

[ 140 ]

اربعون سنة ، و كم الفرق بين الثلاث و الثلاثين و بين الاربعين ؟

نعم هذا هو الاجتهاد في مقابل حكم الله و رسوله ، و الارادة المعارضة لارادة الله و نبيّه .

و اما الخطبة « فنظرت فاذا ليس لي معين إلا اهل بيتي فضننت بهم عن الموت » يذكر عليه السلام غربته و وحدته ، و عدم ناصر له و معين الا اهل بيته الاقربين ،

فيقول : فضننت بهم عن الموت . اي بخلت بهم عن الموت ، اي حفظتهم لنفسي عن الموت ، لاني علمت أنّي لو نهضت مع قلة الناصر و هم اهل بيتي لهلكوا ، و لهذا احجمت لئلا يهلك اهل بيتي .

« و أغضيت على القذى و شربت على الشجى ، و صبرت على اخذ الكظم ، و على أمرّ من طعم العلقم » اي اطبقت جفون عيني على القذى ، و هو ما يقع في العين من تراب او تبن او وسخ او غير ذلك ، و شربت علي الشجى ، و هو ما ينبت في الحلق من عظم و نحوه ، فيغص به ، و هي كناية عن النقمة و مرارة الصبر و التألم من الغير ، و صبرت على اخذ الكظم ، و هو حبس الغيظ مع القدرة على إمضائه ، و العلقم هو شجر مرّ ، و الصبر على امر من طعم العلقم مبالغة في التألم الشديد و الصبر على خشونة الحياة من المكاره .

و سنلتقي بك ايها القارى‏ء مرة أخرى لبيان إتمام القضية ، و ما جرى على سيدة النسآء فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها في سبيل الدفاع عن زوجها ، حين هجم القوم لاتقاء القبض على أمير المؤمنين عليه السلام لأخذ البيعة منه .

و هنا انتهت المقطوعة الثانية من الخطبة السادسة و العشرين .

[ 141 ]