المعنى

هذه هي المقطوعة الثالثة من خطبة مفصلة ، ستأتي قريبا ، و قد سبق مقطوعتان منها و هذه المقطوعة تشير الي اشتراط عمرو بن العاص على معاوية ان يجعل اليه ولاية مصر اذا هو أعانه على محاربة الامام أمير المؤمنين عليه السلام في صفين ، و لنا في المستقبل مجال لشرح الموضوع ، و هو غزوة صفين و مقدماتها ، و ما يلحق بها ، و نكتفي

[ 142 ]

الآن بذكر ترجمة يسيرة من حياة هذا المجرم لتطلع على شخصيته و نفسيّته ، و مدى إيمانه و سوابقه و لواحقه حتى يزول العجب إن قرأنا و اطلعنا على خباثته و كفره ،

و إلحاده ، و اليك بعض ما وعدناك :

هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم ، ابوه هو الابتر بتصريح من القرآن الحكيم : ان شانئك هو الابتر . كما ذكره اكثر المفسرين كالرازي و غيره ، و ذلك :

أن العاص ابن وائل ابو عمرو كان يقول : إن محمدا أبتر ، لا إبن له يقوم مقامه بعده ، فاذا مات إنقطع ذكره ، و إسترحتم منه و كان قد مات ابن رسول اللّه عبد اللّه من خديجة أو ابراهيم من مارية ، كما ذكره الرازي في تفسيره عن ابن عباس .

و أما امه النابغة : فهي ليلى . و كانت أشهر بغيّ بمكة ، و أرخصهن اجرة ،

و لما وضعته ادّعاها خمسة كلهم أتوها ، غير أن ليلى ألحقته بالعاص ، و السبب في ذلك أنها كانت بغيا من طوائف مكة و معها بنات لها ، فوقع عليها العاص بن وائل في الجاهلية في عدة من قريش منهم : ابو لهب ، امية بن خلف ، هشام بن مغيرة ، ابو سفيان بن حرب ابو معاوية في طهر واحد ، فولدت عمرا ،

فاختصم القوم جميعا فيه ، كل يزعم أنه ابنه ، ثم انه أضرب عنه ثلاثة ، و بقي إثنان : العاص بن وائل و ابو سفيان ، فقال ابو سفيان : أنا و اللّه وضعته في حر امه ، و قال العاص : ليس هو كما تقول ، هو ابني فجعلا امه حكما فقالت : هو للعاص . فقيل لها بعد ذلك : ما حملك على ما صنعت ؟ و ابو سفيان أشرف من العاص . فقالت : ان العاص كان ينفق على بناتي ، و لو ألحقته بأبي سفيان لم ينفق عليّ العاص شيئا ، و خفت الضيعة .

و اليك حديثا آخر يدل على شرافة النابغة و عفافها و اشتهارها بذلك :

[ 143 ]

غانمة بنت غانم : أطول نساء قريش عمرا ، بلغها و هي مكة سبّ معاوية و عمرو بن العاص بنى هاشم ، فقالت : معشر قريش : و اللّه ما معاوية بأمير المؤمنين ، و لا هو كما يزعم ، هو و اللّه شاني‏ء رسول اللّه ، اني‏ء آتية معاوية و قائلة له بما يعرق جبينه ، و يكثر منه عويله .

فكتب عامل معاوية اليه بذلك ، فلما بلغه و هو في المدينة أن غانمة قد قربت منه أمر بدار ضيافته فنظفت ، و ألقي فيها فرش ، فلما قربت من المدينة إستقبلها يزيد في حشمه و مماليكه ، فلما دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم ، فقال لها يزيد إن ابا عبد الرحمن معاوية يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته و كانت لا تعرفه فقالت : من انت ؟ كلاك اللّه . قال : يزيد بن معاوية . و قالت : فلا رعاك يا ناقص لست بزائد . فتعمر لون يزيد ، فأتى اباه فأخبره ، فقال معاوية :

هي أسنّ قريش و أعظمهم . فقال يزيد : كم تعد لها يا امير المؤمنين ؟ كم عمرها ؟ قال : كانت تعدّ على عهد رسول اللّه اربعمائة عام ، و هي من بقية الكرام . فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلّم عليها ، فقالت : على المؤمنين السلام و على الكافرين الهوان . ثم قالت من منكم ابن العاص فقال عمرو : ها أنا ذا فقالت و أنت تسبّ قريشا و بني هاشم ؟ . و انت اهل السب ، و فيك السب ، و إليك يعود السب .

يا عمرو : اني و الله لعارفه بعيوبك و عيوب امك ، و إني اذكر لك عيبا عيبا : ولدت من أمه سوداء مجنونة حمقاء ، تبول من قيام ، و تعلوها اللئام اذا لامسها الفحل كانت نطفتها انفذ من نطفته ، ركبها في يوم واحد اربعون رجلا .

و اما انت : فقد رأيتك غاويا غير راشد ، و مفسدا غير صالح ، و لقد رأيت فحل زوجتك على فراشك ، فما غرت و لا انكرت ،

[ 144 ]

و أما انت يا معاوية : فما كنت في خير ، و لا ربيّت في خير ، فما لك و لبني هاشم ؟ أ نساء أمية كنسائهم . . . الخ من كتاب المحاسن و الأضداد و هذا إبن عباس حبر الامة يذكر شيئا من نفسيات الرجل ، كما روي ابن ابي الحديد :

إن عمرو بن العاص قام بالموسم فأطرى معاوية و بني امية ، و تناول بني هاشم ، و ذكر مشاهده بصفين ، و يوم ابى موسى فقام إليه ابن عباس فقال يا عمرو انك بعت دينك من معاوية فاعطيته ما في يدك ، و مناك ما في يد غيرك ، فكان الذي اخذه فوق الذي اعطاك ، و كان الذي اخذت منه دون ما اعطيته ،

و كل راض بما أخذ و أعطى ، فلما صارت مصر في يدك تتبعك بالنقص عليك ،

و التعقب لأمرك ، ثم بالعزل لك ، حتى لو أن نفسك في يدك لأرسلتها .

و ذكرت يومك مع ابي موسى ، فلا أراك فخرت إلا بالغدر ، و لا منيت الا بالفجور و الغش ، و ذكرت مشاهدك بصفين ، فو اللّه ما ثقلت علينا وطأتك ،

و لا نكأت فينا جرأتك و لقد كنت فيها طويل اللسان قصير البنان ، آخر الحرب إذا أقبلت ، و أولها اذا أدبرت لك يدان : يد ، لا تقبضها عن شر ، و يد ، لا تبسطها الى خير ، و وجهان ، وجه مونس و وجه موحش ، و لعمري ان من باع دينه بدنيا غيره لحري حزنه على ما باع و اشترى .

أ ما ان لك بيانا ، و لكن فيك خطل ، و ان لك لرأيا و لكن فيه فشل ،

و ان اصغر عيبك فيك لأعظم عيب في غيرك ،

كان هذا الامر مشهورا معروفا عند الجميع في ذلك الزمان ، لم يجهله احد و لا ينكره رجل ، و لقد احضر معاوية إمامنا الحسن عليه السلام في مجلسه ، و فيه أجلاف بني امية ، كعمرو ، و مروان و اشباههما ، فقابلوا الامام الحسن

[ 145 ]

بالكلام السيى‏ء ، فأجاب ابن امير المؤمنين كل واحد منهم بجواب فالقمه حجرا ،

ثم التفت الامام الحسن الى عمرو بن العاص ، و قال : أما انت يابن العاص . فان أمرك مشترك ، وضعتك أمك مجهولا ، من عهر و سفاح ، فتحاكم فيك خمسة من قريش ، فغلب عليك جزارها ، ألأمهم حسبا ، و أخبثهم منصبا ، ثم قام ابوك فقال . أنا شانئي محمد الابتر . فأنزل الله فيه ما أنزل و قاتلت رسول الله صلى اللّه عليه و آله في جميع المشاهد ، و هجوته و آذيته بمكة و كدت كيدك كله ، و كنت من أشد الناس له تكذيبا و عداوة ، ثم خرجت تريد النجاشي ملك الحبشة مع اصحاب السفينة لتأتي بجعفر و اصحابه الى اهل مكة ، فلما أخطأك ما رجوت ، و رجعك الله خائبا ، و أكذبك واشيا جعلت حسدك على صاحبك عمارة بن الوليد ، فوشيت به الى النجاشي حسدا لما ارتكب من حليلته ، ففضحك الله و فضح صاحبك ، فانت عدو بني هاشم من الجاهلية و الاسلام ، ثم انك تعلم ، و كل هؤلاء الرهط يعلمون . انك هجوت رسول الله صلى اللّه عليه و آله بسبعين بيتا من الشعر . فقال رسول الله . إني لا أقول الشعر ، و لا ينبغي لي ، اللهم : العنه بكل حرف لعنة . فعليك إذن من الله ما لا يحصى من اللعن .

و أما الوشاية التي ذكرها الامام الحسن عليه السلام من كلامه فهي . ان عمرا و عمارة بن الوليد ركبا البحر إلى الحبشة ، و كان عمارة جميلا و سيما ، تهواه النساء ، و كان مع عمرو بن العاص إمرأته ، فلما صاروا في البحر ليالي اصابا من خمر معها ، فانتشى عمارة و قال لامرأة عمرو . فقال لها . عمرو . قبّلينى ابن عمك فقبلته . فهواها عمارة ، و جعل يراودها عن نفسها ، فامتنعت منه ثم ان عمرا جلس على سكان السفينة ليبول ، فدفعه عمارة في البحر ، فلما

[ 146 ]

وقع عمرو سبح حتى اخذ بمنجاف السفينة ، و ضغن على عمارة في نفسه ، و علم انه كان اراد قتله و مضيا حتى نزلا الحبشة ، فلما اطمأنا في الحبشة لم يلبث عمارة ان دب لامرأة النجاشي فادخلته فاختلف اليها ، و جعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمرا بما كان من امره ، فيقول عمرو . لا اصدقك انك قدرت على هذا .

إن هذه المرأة ارفع من ذلك . فلما اكثر عليه عمارة كان يخبره . و رأى عمرو من حاله و هيئته و مبيته عندها حتى يأتي اليه السحر عرف به ذلك . قال له ان كنت صادقا فقل لها فلتدهنك بدهن النجاشي الذي لا يدهن به غيره . فاني اعرفه .

و آتني بشي‏ء منه حتى اصدقك . قال عمارة . افعل . فسألها ذلك . فدهنته منه و اعطته شيئا في قارورة . فقال عمرو . اشهد انك قد صدقت . لقد اصبت شيئا ما اصاب احد من العرب مثله قط . امرأة الملك ما سمعنا بمثل هذا . ثم سكت عنه حتى اطمأن . و دخل على النجاشي فأعلمه شأن عمارة . و قدم اليه الدهن .

فلما ائبت امره دعا بعمارة . و دعا نسوة اخر . فجردوه من ثيابه . ثم امرهن أن ينفخن في احليله حتى خلي سبيله . فخرج هاربا . و قيل غير ذلك هذه جملات مختصرة مما يتعلق بعمرو بن العاص . من شرافة اصله و كرم مولده و فضائل احد آبائه الخمسة العاص و هذه فضائل الرجل و نفسياته و نلتقي بك في هذا الموضوع مرة اخرى ان شاء اللّه . و الان نشرع في شرع الكلمات من الخطبة .

« و لم يبايع حتى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمنا » يعني إن عمرو بن العاص لم يبايع لمعاوية حتى إشترط عليه الاجرة و الثمن ، و هو ولاية مصر ، اي إشترط عمرو بن العاص على معاوية أنه اذا بايعه و اعانه على حرب الامام امير المؤمنين عليه السلام ، و أخرجوا مصر من تحت سلطة امير المؤمنين عليه السلام يكون عمرو بن

[ 147 ]

العاص واليا و اميرا على مصر ، ثم دعا عليه السلام عليهما معا فقال : « فلا ظفرت يد البائع » و هو عمرو « و خزيت أمانة المبتاع » و هو معاوية .

و اما ما يتعلق بهذه البيعة بيعة عمرو بن العاص لمعاوية فخلاصة الكلام :

أن الامام أمير المؤمنين عليه السلام بعد ما فرغ من حرب الجمل في البصرة كتب كتابا إلى معاوية يدعوه إلى البيعة ، و بعث ذلك الكتاب بيد رجل من أصحابه و سيأتي شرحه إسمه جرير بن عبد اللّه البجلي ، فلما وصل الكتاب إلى معاوية إغتم بما فيه ، و ذهبت به أفكاره كل مذهب ، و لم يزل يماطل الرسول بالجواب حتى تكلم معاوية مع قوم من اهل الشام للقيام بالطلب بدم عثمان . فأجابوه و بايعوه على ذلك ، و كان جرير يطالبه بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام و معاوية يستمهله ،

و لكنه كان يتفكر حول الموضوع ، و حول التخلص من البيعة لأمير المؤمنين عليه السلام ، و لأنه يعلم أن امير المؤمنين لا يبقيه على منصبه ، و لم يسمح له أن يلعب بأموال المسلمين و دمائهم .

و بعد أن شاور معاوية عملائه حول هذا الموضوع أشاروا عليه أن يستعين بعمرو بن العاص ، لدهائه ، و حيث أن عمرو بن العاص كان بمعزل عن قتل عثمان ، فهو لا شك لا يتداخل في الطلب بدم عثمان إلا بمواعيد و ثمن باهظ ،

حتى يشتري منه دينه ان كان له دين لأن عمرو بن العاص كان مغرما بالدنيا و يحب المال حبا جما ، و حب الدنيا رأس كل خطيئة كما في الحديث :

فكتب اليه معاوية هذا الكتاب :

اما بعد : فانه قد كان من امر علي و طلحة و الزبير ما قد بلغك ، و قد سقط الينا مروان بن الحكم في نفر من اهل البصرة ، و قدم علينا جرير بن عبد اللّه في بيعة علي ، و قد حبست نفسي عليك لاجلك حتى تأتيني ، فأقبل اذكرك

[ 148 ]

امورا لا تعدم مغبّتها انشاء اللّه .

وصل الكتاب إلى ابن العاص ، فشاور ولديه : عبد اللّه و محمدا ، فقال له عبد اللّه : ارى ان نبي اللّه قبض و هو عنك راض ، و الخليفتان من بعده ، و قتل عثمان و انت عنه غائب ، فقرّ في منزلك ، فلست مجعولا خليفة ، و لا تريد ان تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة ، او شكتما ان تهلكا ، فتستويا في عقابها .

و قال محمد ابنه : ارى انك شيخ قريش ، و صاحب امرها ، و ان تصرم هذا الامر و انت عنه غافل تصاغر امرك ، فالحق بجماعة اهل الشام . و كن يدا من ايديها ، و اطلب بدم عثمان فانه سيقوم بذلك بنو امية .

فقال ابن العاص : اما انت يا عبد اللّه فأمرتني بما هو خير لي في ديني . و اما انت يا محمد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي و انا ناظر فيه .

فلما جنّه الليل رفع صوته ينشد ابياتا في ذلك ، فقال ابنه عبد اللّه : ترحل الشيخ ، و دعي ابن العاص غلاما اسمه : وردان ، و كان داهيا ماردا ، فقال ارحل يا وردان ، ثم قال : احطط يا وردان . ثم قال ارحل يا وردان . فقال له وردان خلطت ابا عبد اللّه ؟ اما انك ان شئت انبأتك بما في نفسك قال : هات ويحك قال : إعتركت الدنيا و الآخرة على قلبك ، فقلت : علي معه الاخرة في غير الدنيا ، و في الآخرة عوض من الدنيا ، و معاوية معه الدنيا بغير آخرة و ليس في الدنيا عوض من الاخرة ، فانت واقف بينهما .

قال : فانك و اللّه ما اخطأت ، فما ترى يا وردان ؟ قال ارى ان تقيم في بيتك ، فان ظهر اهل الدين عشت في عفو دينهم ، و ان ظهر اهل الدنيا لم يستغنوا عنك .

قال ابن العاص . الآن ؟ و قد شهدت العرب مسيري الى معاوية .

[ 149 ]

ارتحل عمر بن العاص الى الشام حتى دخلها و عرف حاجة معاوية اليه فباعده من نفسه . و كل منهما يكايد صاحبه ، الى ان دخل ابن العاص على معاوية فقال معاوية : ابا عبد اللّه : طرقتنا في ليلتنا هذه ثلثة اخبار ليس فيها ورد و لا صدر .

قال : و ما ذاك . قال : منها ان محمد بن حذيفة كسر سجن مصر ، فخرج هو و اصحابه ، و هو من آفات هذا الدين ، و منها ان قيصر زحف بجماعة الروم ليغلب على الشام ، و منها ان عليا نزل الكوفة متهيئا للمسير الينا .

قال عمرو : كل ما ذكرت ؟ اما امر ابن حذيفة فما يعظمك من رجل خرج في اشباهه ؟ ان تبعت اليه رجلا يقتله ، او يأتيك به ، و ان قاتل لم يضرك .

و اما قيصر : فاهد له الوصائف و آنية الذهب و الفضة ، و سله الموادعة ، فانه اليها سريع و اما علي : فلا و اللّه يا معاوية لا يسوي العرب بينك و بينه في شي‏ء من الاشياء و ان له في الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش ، و انه لصاحب ما هو فيه الا ان تظلمه .

فقال معاوية يا ابا عبد اللّه اني ادعوك الى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه ،

و شق عصا المسلمين ، و قتل الخليفة ، و اظهر الفتنة ، و فرق الجماعة ، و قطع الرحم فقال عمرو . و من هو ؟ قال معاوية علي قال عمرو : و اللّه يا معاوية ما انت و علي حملي بعير ،

ما لك هجرته و لا سابقته ، و لا صحبته ، و لا فقهه و لا علمه ، و اللّه ان له مع ذلك جدا و جدودا و حظا و حظوة ، و بلاء من اللّه حسنا ، فما تجعل لي على ان شايعتك على ما تريد ؟ قال معاوية حكمك . قال عمرو مصر طعمة . فتلكأ معاوية ،

و قال يا ابا عبد اللّه : اما تعلم ان مصر مثل العراق ؟ قال بلى ، و لكنها انما تكون لي اذا كانت لك ، و انما تكون لك اذا اغلبت عليا على العراق

[ 150 ]

فدخل عتبه بن ابي سفيان اخو معاوية و قال يا معاوية اما ترضى ان تشتري عمرا بمصر ان هي صفت لك ؟ فوافق معاوية على ذلك ، و ارسل الى ابن العاص و اعطاه كتابا بذلك .

ذكرنا مقدار الحاجة من الموضوع و باقي الخطبة واضح لا يحتاج الى شرح قد تمت المقطوعة الثالثة من الخطبة السادسة و العشرين هذه المقطوعات الثلاث التي مرّ ذكرها و شرحها هي من خطبة مفصّلة نذكرها بتمامها ، كما ذكرها شيخنا المجلسي و ابن ابي الحديد :

انه دخل عمر بن الحمق ، و حجر بن عدي ، و حبة العرني ، و الحرث الاعور و عبد اللّه بن سبا على امير المؤمنين عليه السلام بعد ما افتتحت مصر ، و هو مغموم حزين فقالوا له : بيّن لنا ما قولك في ابي بكر و عمر ؟ فقال لهم هل فزعتم لهذا و هذه مصر قد افتتحت و شيعتي قد قتلت ، انا مخرج اليكم كتابا أخبركم فيه عما سألتكم ، و اسئلكم ان تحفظوا من حقي ما ضيّعتم ، فاقرئوه على شيعتي ،

و كونوا على الحق ، و هذه نسخة الكتاب :

تمام الخطبة السادسة و العشرين من عبد اللّه علي امير المؤمنين إلى قرّاء كتابي من المسلمين و المؤمنين :

السلام عليكم ، فاني احمد اليكم اللّه الذي لا اله الا هو ،

اما بعد : فان اللّه بعث محمدا نذيرا للعالمين امينا على التنزيل ، و شهيدا على هذه الامة و انتم معاشر العرب يومئذ على شر دين ، و في شر دار ، منيخون على حجارة خشن ، و جنادل صم ، و سوك مبثوث في البلاد ، تشربون الماء الخبيث ،

[ 151 ]

و تأكلون الطعام الجشب ، و تسفكون دمائكم و تقتلون اولادكم و تقطعون ارحامكم و تأكلون اموالكم بينكم بالباطل ، سبلكم خائفة ، و الأصنام فيه منصوبة و لا يؤمن اكثركم باللّه الا و هم مشركون .

فمنّ الله عز و جل عليكم بمحمد فبعثه اليكم رسولا من انفسكم و قال فيما انزل من كتابه هو الذي بعث في الاميّين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و ان كانوا من قبل لفي ضلال مبين لقد جائكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم و قال لقد من اللّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من انفسهم و قال :

ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم فكان الرسول اليكم من انفسكم بلسانكم فعلّمكم الكتاب و الحكمة ،

و الفرائض و السنة و امركم بصلة ارحامكم و حقن دمائكم و صلاح ذات البين ،

و ان تؤدوا الأمانات إلى اهلها و ان توفوا بالعهد ، و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، و تبارّوا و تباشروا و تباذلوا و تراحموا و نهاكم عن التناهب و التظالم و التحاسد و التباغي و التقاذف و عن شرب الحرام و بخس المكيال و نقص الميزان و تقدم اليكم فيما تلي عليكم : ان لا تزنوا و لا تربوا و لا تأكلوا اموال اليتامى ظلما و ان تؤدوا الامانة الى اهلها و ان لا تعثوا في الارض مفسدين ، و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين فكل خير يدني الى الجنة و يباعد من النار أمركم به و كل شر يدني الى النار و يباعد من الجنة نهاكم عنه فلما استكمل مدته من الدنيا توفاه الله سعيدا حميدا فيا لها مصيبة خصت الاقربين ، و عمّت جميع المسلمين ، ما اصيبوا بمثلها ، و لن يعاينوا بعدها اختها

[ 152 ]

فلما مضى لسبيله صلى اللّه عليه و آله تنازع المسلمون الامر من بعده . فو اللّه ما كان يلقى في روعي . و لا يخطر على بالي ان العرب تعدل هذا الامر بعد محمد صلى اللّه عليه و آله عن اهل بيته . و لا أنهم ينحّوه عني من بعدي فما راعني إلا إنثيال الناس على ابي بكر ، و اجفالهم اليه ليبايعوه ، فأمسكت يدي ، و رأيت اني احق بمقام محمد صلى اللّه عليه و آله ، و ملة محمد في الناس ممن تولى الأمر بعده ، فلبثت بذلك ما شاء اللّه حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الاسلام تدعو الى محق دين اللّه و ملة محمد ، فخشيت ان لم انصر الاسلام و اهله ان ارى فيه ثلما و هدما تكون المصيبة بهما اعظم من فوات ولاية أموركم التي هي متاع ايام قلائل ، ثم يزول كما يزول السراب ، و كما ينقشع السحاب فتولى ابو بكر تلك الامور ، و سدّد و بسّ ، و قارب و اقتصد ، فصحبته مناصحا ، و اطعته فيما أطاع اللّه فيه جاهدا ، و ما طمعت ان لو حدث به حدث و انا حي ان يرد الي الامر الذي بايعته فيه طمع مستيقن ، و لا يئست منه ياس من لا يرجوه ، و لو لا خاصته ما كان بينه و بين عمر لظننت ان لا يدفعها عني ،

فلما احتضر بعث الى عمر فولاه ، فسمعنا و اطعنا ، و ناصحنا ، و تولى عمر . . . فلما احتضر قلت في نفسي : لم يعتد لها عني ، و ليس يدافعها عني . فجعلني سادس ستة ، فما كانوا لولاية احد اشد كراهية منهم لولايتي عليهم ، فكانوا يسمعون عند وفاة الرسول احاج ابا بكر و اقول : « يا معشر قريش : إنا اهل البيت احق بهذا الأمر منكم ، أ ما كان فينا من يقرأ القرآن و يعرف السنة و يدين بدين الحق ؟ ) فخشي القوم ان انا وليت عليهم ان لا يكون لهم من الأمر نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية الى عثمان ، و اخرجوني منها رجاء ان يناولوها و يتداولها ، إذ يئسوا ان ينالوها من قبلي

[ 153 ]

ثم قالوا : هلم فبايع ، و إلا جاهدناك . فبايعت مستكرها ، و صبرت محتسبا فقال قائلهم : يا بن ابي طالب : انك على هذا الامر لحريص . فقلت : إنهم احرص مني و ابعد ، أينا احرص ؟ انا الذي طلبت تراثي و حقي الذي جعلني اللّه و رسوله اولى به ؟ إذ تضربون وجهي دونه ، و تحولون بيني و بينه . فبهتوا و اللّه لا يهدي القوم الظالمين اللهم . اني استعديك على قريش ، فأنهم قطعوا رحمي ، و أضاعوا أناتي ،

و صغّروا عظيم منزلتي ، و اجمعوا على منازعتي حقا كنت اولى به منهم فسلبونيه ثم قالوا . الا ان في الحق أن تأخذه ، و في الحق ان تمنعه . فاصبر كمدا ، أو مت أسفا و حنقا فنظرت فاذا ليس لي معي رافد ، و لا ذاب و لا ناصر و لا مساعد الا اهل بيتي فضننت بهم عن المنيّة ، فاغضيت على القذى ، و تجرعت ريقي من الشجى و صبرت من كظم الغيظ على امرّ من العلقم و الم للقلب من حز الشفار حتى اذا نقمتم على عثمان ، اتيتموه فقتلتموه ، ثم جئتموني لتبايعوني ،

فأبيت عليكم ، و امسكت يدي ، فنازعتموني و دافعتموني ، و بسطتم يدي فكففتها ، و مددتموها فقبضتها ، و ازدحمتم عليّ حتى ظننت ان بعضكم قاتل بعض و انكم قاتلي ، فقلتم . بايعنا . لا نجد غيرك . و لا نرضى الا بك . بايعنا لا نفترق و لا تختلف كلمتنا .

فبايعتكم ، و دعوت الناس الى بيعتي . فمن بايع طوعا قبلته منه . و من أبى لم اكرهه و تركته . فبايعني فيمن بايعني طلحة و الزبير . و لو أبيا ما اكرهتهما كما لم اكره غيرهما فيما لبثنا الا يسيرا حتى بلغني انهما خرجا من مكة متوجهين الى البصرة في جيش ما منهم رجل الا قد اعطاني الطاعة . و سمح لي بالبيعة . فقدما

[ 154 ]

على عاملي ، و خزّان بيت مالي . و على اهل مصر الذين كلهم على بيعتي و في طاعتي فشتّتوا كلمتهم . و افسدوا جماعتهم . ثم وثبوا على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم غدرا و طائفة صبرا ، و طائفة منهم غضبوا للّه فشهروا سيوفهم ، و ضربوا بها حتى لقوا اللّه صادقين ، فو اللّه لو لم يصيبوا منهم الا رجلا واحدا متعمدين لقتله لحل لي قتل ذلك الجيش بأسره ، فدع ما انهم قد قتلوا من المسلمين اكثر من العدة التي دخلوا بها عليهم ، و قد ادال اللّه منهم ، فبعدا للقوم الظالمين ثم اني نظرت في امر اهل الشام ، فاذا أعراب احزاب . و اهل طمع جفاة طغاة . يجتمعون من كل ادب من كان ينبغي ان يؤدّب ، او يولى عليه . و يؤخذ على يديه . ليسوا من المهاجرين و لا الانصار . و لا التابعين باحسان . فسرت اليهم فدعوتهم الى الطاعة و الجماعة فأبوا إلا شقاقا و فراقا . و نهضوا في وجوه المسلمين .

ينظمونهم بالنبل . و يشجرونهم بالرماح . فهناك نهدت اليهم بالمسلمين فقاتلتهم . فلما عضهم السلاح و وجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف يدعونكم الى ما فيها فأنبأتكم انهم ليسوا بأهل دين و لا قرآن . و انهم قد رفعوها غدرا و مكيدة . و خديعة و وهنا و ضعفا . فامضوا على حقكم وقتا لكم . فأبيتم عليّ و قلتم . اقبل منهم فان أصابوا الى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من الحق . و ان ابوا كان اعظم لحجتنا عليهم فقبلت منهم . و كففت عنهم اذ ونيتم و أبيتم . و كان الصلح بينكم و بينهم على رجلين . يحييان ما احيى القرآن . و يميتان ما أمات القرآن . فاختلف رأيهما و تفرّق حكمهما و نبذا حكم القرآن . و خالفا ما في الكتاب . فجنّبهما الله السداد . و ولاهما في الضلالة ، فنبذا حكمهما . و كانا اهله . فانخزلت فرقة منا فتركناهم ما تركونا . حتى اذا عتوا في الأرض يقتلون و يفسدون اتيناهم . فقلنا ادفعوا لنا قتلة اخواننا . ثم كتاب الله بيننا و بينكم قالوا : كلنا قتلهم . و كلنا

[ 155 ]

استحل دمائهم و دمائكم و شدت علينا خيولهم و رجالهم . فصرعهم الله مصارع الظالمين . فلما كان ذلك من شأنهم امرتكم ان تمضوا من فوركم ذلك الى عدوّكم . فقلتم : كلّت سيوفنا و نفذت نبالنا . و نصلت اسنّة رماحنا . . فارجع بنا الى مصرنا لنستعد بأحسن عدّتنا . فاذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا و فارقنا . فان ذلك اقوى لنا على عدونا فاقبلت بكم . حتى اذا ظللتم على الكوفة امرتكم ان تنزلوا النخيلة . و ان تلزموا معسكركم . و ان تضمّوا قواضيكم . و ان توطنوا على الجهاد أنفسكم و لا تكثروا زيارة أبنائكم و نسائكم ، فان أهل الحرب لمصابروها ، و اهل الفشيم فيها غاضية .

فلا من بقي منكم صبر و ثبت ، و لا من دخل المصر عاد و رجع ، فنظرت الى معسكري و ليس فيه خمسون رجلا ، فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم ، فما قدر لي ان تخرجوا الى يومنا هذا فما تنتظرون ؟ ا ما ترون اطرافكم قد انتقضت ؟

و الى مصركم قد فتحت ؟ و الى شيعتي بها قد قتلت ؟ و الى مسالحكم تغرى ؟ و الى بلادكم تغزى ؟ و انتم ذوو عدد كثير ، و شوكة و بأس شديد ، فما بالكم ؟ للّه انتم من أين تؤتون ؟ و ما لكم تسحرون ؟ و انى تؤفكون ، و لو عزمتم و اجمعتم لم تراموا .

أ لا : إن القوم قد اجتمعوا ، و تناشبوا و تناصحوا ، و انتم قد ونيتم ،

و تغاششتم و افترقتم ، ما انتم ان اتممتم عندي على هذا بمنقذين ، فانتهوا عما نهيتم ، و اجمعوا على حقكم ، و تجردوا لحرب عدوكم ، قد أبدت الرغوة من التصريح ، و بيّن الصبح لذي عينين ، و انما تقاتلون الطلقاء و ابناء الطلقاء ، و أولي

[ 156 ]

الجفاء ، و من اسلم كرها ، فكان لرسول اللّه أنف الاسلام كله حربا ، اعداء اللّه و السنة و القرآن ، و اهل البدع و الاحداث ، و من كانت بوائقة تتقى ، و كان على الاسلام و اهله مخوفا ، آكلة الرشا و عبدة الدنيا لقد انهى الي ان ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى اعطاه و شرط به ان يؤتيه ما هي اعظم مما في يده سلطانه ، الا : صفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا ، و خزيت امانة هذا المشتري بنصرة فاسق غادر بأموال المسلمين ، و ان فيهم من قد شرب فيهم الخمر ، و جلد الجلد ، يعرف بالفساد في الدين ، و في الفعل السيى‏ء ، و ان فيهم من لم يسلم حتى رضخ له رضيخة ، فهؤلاء قادة القوم ، و من تركت ذكر مساويه من قادتهم مثل ما ذكرت منهم ، بل هو شر ، و يود هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم ، فأظهروا فيكم الكفر و الفساد و الفجور و التسلط بالجبرية ، و اتّبعوا الهوى و حكموا بغير الحق .

و لانتم على ما كان فيكم من تواكل و تخاذل خير منهم ، و اهدى سبيلا ،

فيكم العلماء و الفقهاء و النجباء و الحكماء ، و حملة الكتاب ، و المتهجّدون بالأسحار و عمّار المساجد بتلاوة القرآن أ فلا تسخطون ؟ و تهتمون ان ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم و الاشرار الاراذل منكم ، فاسمعوا قولي و اطيعوا امري ،

فو اللّه لئن اطعتموه لا تغورون ، و ان عصيتموه لا ترشدون خذوا للحرب اهبتها ، و عدوا لها عدتها ، فقد شبت نارها و علا سنانها ، و تجرد لكم فيها الفاسقون كي يعذبوا عباد اللّه و يطفؤ نور اللّه أ لا : ليس أولياء الشيطان من اهل الطمع و المكر و الجفاء بأدنى في الجد في غيهم و ضلالهم من اولياء اللّه اهل البر و الزهادة ، و الاخبات بالجد في حقهم ، و طاعة ربهم ، و مناصحة إمامهم

[ 157 ]

إي و اللّه لو لقيتهم فردا و هم ملاء الارض ما باليت ، و لا استوحشت ، و اني من ضلالتهم التي فيها ، و الهدى الذي نحن عليه لعلى ثقة و بينة ، و يقين و بصيرة ،

و اني الى لقاء ربي لمشتاق و لحسن ثوابي لمنتظر ، و لكن اسفا يعتريني و حزنا يخامرني ان يلي امر هذه الامة سفهاؤها و فجارها ، فيتخذوا مال اللّه دولا ،

و عباد اللّه خولا ، و الفاسقين حزبا ، و ايم اللّه لو لا ذلك ما اكثرت تأنيبكم و تحريصكم ، و لتركتكم اذا ونيتم و ابيتم حتى القاهم بنفسي متى حمّ لي لقائهم فو اللّه اني لعلى الحق و اني للشهادة لمحب .

فانفروا خفافا و ثقالا ، و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل اللّه ، ذلك خير لكم ان كنتم تعلمون ، و لا تثاقلوا الى الارض فتقروا بالخسف ،

و تبوّؤا بالذل . . .

ان اخا الحرب ليقظان ، و من ضعف اودى ، و من ترك الجهاد كان كالمغبون المهين .

اللهم اجمعنا و اياهم على الهدى ، و زهّدنا و اياهم في الدنيا ، و اجعل الاخرة خيرا لنا و لهم من الأولي و السلام .

انتهت الخطبة السادسة و العشرون

[ 158 ]