المعنى

« أما بعد فان الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع » هذه الخطبة في المواعظ و النصائح و التزهيد عن الدنيا و الترغيب إلى الآخرة ، و في الحقيقة الوعظ لا يليق الا للنبي او الامام ، لأن الواعظ يلزم ان يكون متعظا . بأن يعظ نفسه ثم يعظ غيره ، و أن لا يخالف قوله فعله ، و لا لسانه قلبه ، و لا ظاهره باطنه ، و قد كان إمامنا عليه السلام كذلك و فوق ذلك ، انظر الى كلماته في المواعظ و النصائح ، و كلماته القصار في الحكمة و فضائل الاخلاق و غيرها ، ثم انظر إلى حياته المستنيرة من اولها الى آخرها فهل ترى خلافا بين قوله و فعله ؟ او تناقضا بين أوامره و سيرته ؟ او تباينا بين احكامه و أعماله ؟ و بين ارشاداته و اخلاقه ؟

كلا ثم كلا و حاشا ثم حاشا .

يقول عليه السلام : ان الدنيا قد ادبرت اي إنقضت و تنقضي ، فكأنها قد أدبرت ايامها ، و آذنت اي اعلمت و اعلنت الناس بالفراق بفراق كل شي‏ء و فراق كل احد ،

لأنه لا بد من الفراق بين كل حبيبين بفقدان احدهما ، و فراقه عن الآخر ، هذا شأن الدنيا ، و اما الآخرة « و ان الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطلاع » لا شك ان القيامة و الآخرة مقبلة الينا يوما بعد يوم ، و ساعة بعد ساعة ، و ان الآخرة تقرب شيئا فشيئا ، فان المسافر اذا كان متوجها الى بلد كلما سار و مشى قرب منه البلد ،

كأنه أقبل اليه ، و أشرفت باطلاع كأنها تنزل من مكان مرتفع إشارة الى سرعة إنقضاء العمر ، و فناء الزمان و سرعة تقلّب أحوالها ،

[ 180 ]

و لعل المقصود هو إشراف عالم الآخرة على عالم الدنيا ، اي احاطة عالم البرزخ على هذا العالم .

« ا لا : و إن اليوم المضمار ، و غدا السباق » اشار عليه السلام بكلامه الى السباق المتعارف في ذلك اليوم ، و هو سباق الخيل ، لأن الضامر : الفرس الرقيق البطن ، و الحيوان بل الانسان اذا كان كثير اللحم و كان ثقيل الجثة صعب عليه العدو ، اي الركض ، و بالعكس اذا كان قليل اللحم ، نحيف البدن لا من ضعف و مرض فان الركض يسهل عليه ، فالفرس الذي ينتخب للسباق ينبغي ان يكون ضامرا ، لئلا يعجز عن الركض في السباق ، و اما المضمار فهو الموضع او المدة التي يضمّر فيها الخيل للسباق ، و كيفية التضمير : ان الفرس يعلف اربعين يوما بالعلف فقط ، فيصيبه الاسهال و الهزال ، و بعد إنتهاء المدة يطعم قوته الاول و هو الشعير او غيره ، فعند ذلك يأكل الشعير إلى ان يتقوى ، فتحصل القوة ، و يبقى الهزال ،

و حينئذ يسمى ضامرا .

كل ذلك إستعدادا للمسابقة ، رجاء ان يسبق ، فيفوز بالجائزة و المال الذي جرت عليه المعاملة ، إذا عرفت هذا فاعلم ان الامام عليه السلام يقول : « ا لا و إن اليوم المضمار » يعني ما دام الانسان في الحياة فمدة عمره كمدة التضمير ، اي يتحمل المكاره و الشدائد في الدنيا ليستعد للمسابقة الى رضوان الله تعالى و ثوابه ، كما قال تعالى : و السابقون السابقون اولئك المقرّبون .

« و غدا السباق » اي الآخرة او يوم القيامة ، و قد ورد في القرآن الكريم التعبير عن يوم القيامة ب ( غد ) كما قال عز و جل : و ما تدري نفس ما ذا تكسب غداً . سيعلمون غداً من الكذّاب الاشر .

اي يوم القيامة السباق و المسابقة ، فمن كان استعداده في الدنيا اكثر بسبب

[ 181 ]

التضمير و قطع العلاقات القلبية من غير الله كان في ذلك اليوم اسبق من غيره ،

لان الانسان اذا كان زاهدا في الدنيا و لم يلوت يده بالمشتبهات يقلّ وقوفه في يوم القيامة للمحاكمة ، و الانسان اذا كان غير متورع في حياته ، و لا يبالي الى مطعمه و مشربه و ملبسه و منطقه و سائر اعماله ، و انهمك في الدنيا و ما فيها فانه يطول وقوفه يوم القيامة للحساب و السؤآل عن ماله من اين حصله و اين صرفه ؟ و عن افعاله و اعماله ، و لهذا ورد في الحديث : يدخل الفقراء الجنة قبل الاغنياء بنصف يوم ، و مقدار ذلك خمسمائة عام . فلا شك ان الدين قلت تبعاتهم في هذه الدنيا ،

و لم يتدنسوا بالجنايات و الاجرام يسبقون غيرهم الى الجنة ، فيدخلون الجنة و يتنعمون بنعيمها ، و الناس وقوف في المحشر للمحاكمة .

ذكر عليه السلام الموضع الذي يقصده المتسابقون فقال : « و السبقة بفتح السين الجنة » أي مطاردة الخيل لأجل الوصول إلى السبقة ، و هنا هي الجنة ،

فبعض المتسابقين يصل الى السبقة ، و بعضهم يحرم عن الوصول و يخسر خسارة كثيرة لأنه حرم من الوصول الى المقصد ، و كان مصيره الضرر الفادح و ذلك هو الخسران المبين و هو قوله عليه السلام : « و الغاية النار » ثم ذكرنا سيدنا الرضى بعض محاسن هذا الكلام من وجهة الفصاحة و البلاغة ،

و هو الفرق بين السبقة و الغاية ، فانه لا يصح ان يقال : « و السبقة النار » لانه لا يتسابق احد إلى النار بل و لا الى كل شي‏ء مكروه ، و انما السباق و المسابقة إلى أمر مطلوب محبوب ، و ذكر سيدنا الرضي ايضا : و في بعض النسخ : « و السبقة بضم السين الجنة » لان السباق لا بد و ان يجري على مال او متاع او اي شي‏ء آخر ، و يقاله : « السبقة بضم السين » ، فالمعنى على كلا التقديرين صحيح ان قلنا : إن الجنة سبقة بضم السين او سبقة بفتح السين .

[ 182 ]

ثم ندب عليه السلام إلى التوبة ، و هي الرجوع الى اللّه ، و الاقلاع من الذنب و الندم على الذنب لكونه ذنبا ، و قال الامام عليه السلام في بعض كلماته في غير هذا المقام : التوبة يجمعها ستة اشياء : على الماضي من الذنوب الندامة ،

و للفرائض الاعادة ، و رد المظالم ، و إستحلال الخصوم ، و أن تعزم على ان لا تعود ، و أن تذيب نفسك في طاعة اللّه كما ربّيتها في معصية اللّه ، و ان تذيقها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية .

فقال : « أ فلا تائب من خطيئته قبل منيّته ؟ » لأنه التوبة إنما تقبل اذا كانت الحياة باقية موجودة ، فاذا أحس الانسان بالموت و تاب لا يقبل منه التوبة كما قال تعالى : إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ، فاولئك يتوب اللّه عليهم و كان اللّه علياً حكيماً ، و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى اذا حضر احدهم الموت قال : إني تبت الآن ، و الذين يموتون و هم كفار أولئك اعتدنا لهم عذاباً أليماً .

فاذا كانت التوبة لا تقبل عند الموت فبالطريق الأولى لا تقبل بعد الموت ،

لأن اليوم عمل و لا حساب ، و غدا حساب و لا عمل ، و التوبة من جملة الاعمال ثم ندبهم عليه السلام الى العمل للاخرة فقال : « إلا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ؟ » أي أ لا يوجد من يعمل لأجل تعمير آخرته ، لا آخرة غيره لان نتائج الاعمال تعود الى نفس العامل لها قال عز شأنه : ان احسنتم احسنتم لأنفسكم ، و ان أسأتم فلها لأن يوم القيامة للمطيع التقى يوم نعيم و فرح و سرور ، و للعاصي يوم بؤس ،

و البؤس : الشدة و سوء الحال من الحزن و الضر و الخوف من الحساب و العذاب ،

بخلاف النعمة و الرخاء و الرفاهية .

[ 183 ]

ثم قال عليه السلام : « ا لا : و انكم في ايام امل » و في نسخة : « في ايام مهل ،

اي مهلة ، و بناء على الاول فان للامل معاني : منها الرجاء ضد اليأس ، و منها الطلب ، و التأمل و النظر في الشي‏ء للعلم بعاقبتة ، فالمعنى المناسب هنا هو الطلب اي طلب الآخرة بالأعمال الصالحة ، و بناء على النسخة الاخرى . ( ايام مهل ) فيكون المعنى انه ما دامت الحياة موجودة فالانسان في مهلة يستطيع ان يتوب و ان يصلح ما فسد من اعماله ، لأنه « من ورائه اجل » المقصود من الاجل هو الموت . او النهاية ، لأن الاجل هو الوقت المضروب المحدود في المستقبل فمن عمل في ايام امله قبل حضور اجله فقد نفعه عمله و لم يضره اجله » لا شك ان العامل في الدنيا للآخرة و يحصيل الدرجات في الجنة ينتفع من اعماله ، و لا يبالي بالموت اذا كان مستعدا لما بعد الموت « و من قصّر في ايام امله قبل حضور اجله فقد خسر عمله و ضره اجله » لأن التقصير و التكاسل في ايام الحياة هي خسارة فادحة لا تعوّض ، لأن عمر الانسان رأس ماله ، فاذا صرف رأس ماله في ما يربحه فقد فاز و انتفع ، و اذا صرف رأس ماله في الاعمال التي لا تزيده الا وبالا فانه قد خسر ، و ضره الموت الذي اتاه بغتة ، و يمكن ان يكون المقصود من الامل هو الرجاء لان الانسان انما يزرع للأمل و يبني للأمل و يتزوج للأمل و الفلاح يزرع للأمل و الأم ترضع طفلها للأمل .

« ا لا : فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة » الانسان اذا توجه اليه الخطر خطر الموت او خطر القحط او خطر الغرق بان يرى نفسه في سفينة يتلاعب بها الامواج او غير ذلك من انواع المخاوف كالمرض الشديد و الخوف من العدو القاهر لا بد و انه يظهر الخوف من اللّه رجاء النجاة و الخلاص مما هو فيه يكون شديد الاخلاص في العبادة و التضرع ، كذلك في وقت الرخاء و الامن ، ينبغي

[ 184 ]

ان يرغب العبد الى ربه بالسؤال و طلب الغفران و التوبة كما يسئله في وقت الخوف و الشدة .

« أ لا : و اني لم ار كالجنة نام طالبها ، و لا كالنار نام هاربها » اي من اعجب العجائب من يوقن بالجنة كيف ينام و يغفل عنها ؟ ، و من يوقن بالنار كيف لا يهرب منها ، و لا ينبغي ان ينام طالب الجنة ، و لا الهارب من النار ، فيسعى في تحصيل الجنة و النجاة من النار و ذلك كإنسان امامه منفعة عظيمة ، و ورائه عدو مخوف ، فهذا الانسان ينام عن المنافع العظيمة ، و يغفل عن عدوه ،

و الحال يقتضي ان يسعى و يسرع و يجد و يجتهد في الوصول الى تلك الفوائد ،

و يهرب من العدو و لا ينبغي التقصير عن الطلب و الهرب عنهما .

ثم قال عليه السلام : « ا لا ، و انه من لا ينفعه ، الحق يضره الباطل ، و من لا يستقيم به الهدى يجر به الضلال الى الردى » قد يرى الانسان نفسه بين الحق و الباطل ، فيزعم ان الحق لا ينفعه ، فيلتمس الباطل اي كل من لم ينتفع من الحق لم ينتفع من الباطل بل يضره و كذلك الانسان يظن ان امره لا يستقيم على الهدى و الصلاح ، فان الامر اذا لم يستقم على الهدى يجره الضلال الى الهلاك و الدمار ،

لأن ترك الهدى معناه الانحراف عن سبيل الصلاح و الصراط المستقيم .

ثم قال عليه السلام : « ا لا : و انكم قد أمرتم بالظعن و دللتم على الزاد » هذا واضح بان الانسان سيرحل من هذه الدنيا الى الآخرة ، فلا بقاء لأحد في هذه الدنيا ، و قد امر اللّه بالزاد كالمسافر الذي يحتاج الى الزاد فقال تعالى :

و تزوّدوا فان خير الزاد التقوى ، لانه أحسن ذخيرة ليوم القيامة ،

ثم المخاوف في الدنيا كثيرة ، و المعاصي و الذنوب التي توصل الى العذاب و العقاب متنوّعة و لكن « و ان أخوف ما اخاف عليكم إتباع الهوى و طول

[ 185 ]

الامل » أي اتباع النفس الى ما تميل و تحب و تشتهي ، فلو امعنا النظر لوجدنا جميع المعاصي و الذنوب و الجنايات و الجرائم من اجابة النفس الى ما أرادت .

و أما طول الامل فهو الذي يمنع الانسان عن التوبة ، و يرجيه الحياة و البقاء في هذه الدنيا ، فلا يرعوى من الذنوب ، و لا يؤدي ما اوجب اللّه عليه بسبب طول أمله بالحياة الدنيا ،

هذه الامور التي مرت هي كمقدمات ، و النتيجة هذه : « فتزودا في الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا » اي حصّلوا الزاد لانفسكم في هذه الدنيا ، لان الدنيا دار عمل و الآخرة دار حساب شيئا تحفظون انفسكم غدا في القيامة من عذاب اللّه تعالى و عقابه . و في نسخة : فتزوّدوا في الدنيا من الدنيا . . . الخ و هنا انتهت الخطبة الثامنة و العشرون