المعنى

قد ذكرنا فيما سبق غارتين من الغارات التي شنّها معاوية بن آكلة الاكباد على بلاد أمير المؤمنين عليه السلام و شيعته ، و هذه الغارة الثالثة و هي غارة الضحاك بن قيس عليه لعائن اللّه و هو كصاحبيه بسر و سفيان بن عوف عميلي معاوية ، و هما اللذان فعلا ما فعلا بالمسلمين قتلا و حرقا و سلبا و نهبا ، و هذا ثالثهم و لعن اللّه الثلاثة خطب الامام عليه السلام بهذه الخطبة في غارة الضحاك بن قيس ، و هذه الغارة كانت بعد تحكيم الحكمين ، و اليك الواقعة مع رعاية الاختصار :

روى ابن ابي الحديد عن كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي : و هو أن معاوية لما بلغه أن عليا بعد واقعة تحكيم الحكمين تحمل اليه مقبلا توجه اليه هاله أخافه ذلك ، فخرج من دمشق معسكرا ، و بعث الى كور الشام النواحي فصاح فيها : إن عليا قد سار إليكم . و كتب كتابا فقرء عليهم يستنفرهم للخروج و الجهاد . فاجتمع إليه الناس من كل كورة ناحية و أرادوا المسير إلى صفين ، فاستشارهم و قال : إن عليا قد خرج من الكوفة ، و عهد العاهد به أنه فارق النحلة النخيلة فقال حبيب بن مسملة : فاني أرى أن نخرج حتى ننزل منزلنا الذي كنا فيه .

و قال عمرو بن العاص : إني ارى أن تسير بالجنود حتى توغلها في سلطانهم من

[ 188 ]

أرض الجزيرة ، فان ذلك أقوى لجندك و أذل لأهل حربك .

و عند ذلك دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري و قال له : سر حتى تمرّ بناحية الكوفة ، و ترفع عنها ما استطعت ، فمن وجدته من الأعراب في طاعة علي فأوغر عليه ، و إن وجدت مسلحة او خيلا فأوغر عليها ، و اذا أصبحت في بلدة فامسى في أخرى ، و لا تقيمن لخيل بلغك انها قد سرّحت إليك لتلقاها فتقاتلها .

فسرّحه معاوية بين ثلثة الاف إلى اربعة الاف ، فأقبل الضحاك فنهب الأموال ، و قتل من لقي من الاعراب ، حتى مر بالتغلبية فأغار على الحاج ،

فأخذ امتعتهم ، ثم اقبل فلقي عمرو بن عميس بن مسعود و هو ابن اخي عبد اللّه بن مسعود صاحب رسول اللّه فقتله في طريق الحاج ، و قتل ناسا من أصحابه ،

فخرج علي عليه السلام الى الناس و هو يقول على المنبر :

يا أهل الكوفة اخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس ، و إلى جيوش لكم قد اصيب منهم طرف آخر ، اخرجوا فقاتلوا عدوكم ، و امنوا حريمكم إن كنتم فاعلين .

فردوا عليهم ردا ضعيفا ، و راى منهم عجزا و فشلا ، فقال : و اللّه : لوددت أن لي بكل ثمانية منكم رجلا منهم ، ويحكم : اخرجوا معي ثم فروا ما بدا لكم ، فو اللّه ما اكره لقاء ربي ، على نيّتي و بصيرتي ، و في ذلك روح لي عظيم ، و فرج من مناجاتكم ، و لما رأى تثاقل اصحابه خطبهم بهذه الخطبة فقال عليه السلام :

« ايها الناس المجتمعة أبدانهم المختلفة أهواؤهم » اي المتفرقة ارائهم و افكارهم

[ 189 ]

« كلامكم يوهي الصم الصلاب » اي حينما تتكلمون و ترعدون و تبرقون يظن الناس ان فيكم شجاعة و فتوة و إباء و قوة و قدرة ، و لكن « و فعلكم يطمع فيكم الاعداء » لأن افعالكم و اعمالكم تدل على الخلاف و التفرقة و التخاذل فيما بينكم ،

فيطمع العدو فيكم اذا علم منكم التقاعد و التكاسل عن الجهاد .

« تقولون في المجالس : كيت و كيت » أي حينما تحضرون في مجالسكم تقولون :

نغلب عدونا و نقتله ، و ندمر ، و نتصرف في بلاد العدو ، و نحتلها ، و لكن « فاذا جاء الجهاد قلتم : حيدى حياد » كما في المثل : ( اسد عليّ و في الحروب نعامة ) اي اذا شاهدتم و حضرتم ساحة الحرب و القتال ، اظهرتم الخوف و الفزع ، و قلتم .

حيدي حياد . اي اردتم الفرار و التباعد و المجانبه عن الجهاد ، و اردتم الهرب من الحرب .

« ما عزّت دعوة من دعاكم ، و لا إستراح قلب من قاساكم » اي لستم من أسباب العزة لمن يدعوكم لنصرته ، و لا إستراح قلب من كابدكم و تحمل منكم المشاق من التعب و النصب ،

« اعاليل بأضاليل » اي تتعللون بأشياء و هي أعاليل و علل باطلة ضالة بلا فائدة و لا نفع ، كمن يعتذر عن شي‏ء باعتذار غير صحيح ، هكذا يكون إعتذاركم من عدم النهوض الى حرب العدو ، و لأنكم تسألونني التأخير و المماطلة تارة بالصيف و اخرى بالشتاء « و سألتموني التطويل دفاع ذي الدين المطول » اي كما ان المديون يدافع عن نفسه ، و يماطل و يعتذر بأعذار باطله غير مقبولة ، كذلك انتم هكذا ،

تطلبون و تسألون تأجيل الحرب و تأخيرها إلى أجل غير معلوم « لا يمنع الضيم الذليل » اي الذليل الحقير لا يستطيع ان يمنع الضيم عن نفسه ،

اي انتم لا تتمكون ان تعيشوا أعزّاء إذا لم تدفعوا عن نفسكم العدو ، لأن الحق

[ 190 ]

لا يدرك بالباطل و التسويف و المماطلة « و لا يدرك الحق إلا بالجد » اي الاجتهاد و التشمير ، و الاستعداد و الهمة العالية و الحزم و العزم ،

« اي دار بعد داركم تمنعون ؟ » أي اذا لم تحفظوا بلادكم من الغارات التي شنّها عليكم عدوكم ، فأي بلاد تحفظونها من إحتلال العدو الغازي ؟ . « و مع اي امام بعدى تقاتلون ؟ » اي هل تنظرون إماما غيري أفضل مني و اشجع يأتي من بعدي حتى تقاتلون معه عدوكم ؟

« المغرور و اللّه من غررتموه » المخدوع هو الذي ينخدع بكم ، إذ لا ينبغي ان يقبل من أحدكم المواعيد ، و لا يعتمد على كلام أحدكم ، فلستم من اهل الصدق و الصفاء و المحبة و الوفاء ، « و من رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل » أي كما ان السهم اذا انكسرت حديدته لا ينتفع بها في الحرب ، و لا يستفاد منها للقتل ،

كذلك انتم لا فائدة في ارسالكم الى العدو ، و هذه صفاتكم الذمية ، و اخلاقكم الفاسدة ، « اصبحت و اللّه لا اصدّق قولكم » و مواعيدكم لكثرة ما شاهدت منكم خلف الوعد و الكذب في القول ، و كذلك « و لا اطمع في نصركم » مع ما أشاهد من تخاذلكم و تكاسلكم و تقاعدكم « و لا اوعد العدو بكم » اذ قد يتفق أن الملك يهدد خصمه بجيش جرار ، و اسلحة و معدات الحرب ، و لكن اذا علم الملك من جيشه الخيانة و عدم الوفاء و الاخلاص ، و مخالفة امره ، و عصيان حكمه ،

لا يستطيع أن يهدد العدو ، و يوعده بجنوده ،

« ما بالكم ؟ » أي ما شأنكم و ما حالكم ؟ « و ما دوائكم ؟ و ما طبّكم ؟ » أي ما علاجكم حتى اداويكم و اعالجكم ؟

« القوم رجال امثالكم » اي انظروا الى جيش معاوية كيف يطيعون أمره و هم رجال أمثالكم ، لا مزية فيهم عليكم ، و لا فرق بينكم و بينهم في الجسم و القوة و الخلق ، فلما ذا لا تطيعون أمري ، و لما ذا تخافون منهم و هم مثلكم ،

ليس لهم سلاح غير سلاحكم ، و لا شجاعة فوق شجاعتكم

[ 191 ]

ثم عيّرهم بامور اخرى فقال : « أ قولا بغير علم ؟ » و في نسخة : ا قولا بغير عمل ؟ . أي ما هذا التناقص و التباين في قولكم و فعلكم ، تقولون و لا تعملون ،

و تعدونني النهوض الى الحرب و لا تفون بمواعيدكم .

« و غفلة من غير ورع ؟ » أي هكذا تغفلون عن مصالحكم ، او عن عدوكم ،

و في نسخة : اعفة . . من غير ورع ؟ .

« و طمعا في غير حق ؟ » اي هل تطمعون ان ازيدكم في عطائكم بلا استحقاق ، كأن بعض اصحابه كان ينتظر منه عليه السلام توفير العطاء ، فردّ عليهم ذلك الطمع .