المعنى

كانت واقعة مقتل عثمان من الوقائع التي كثرت تبعاتها ، و اختلفت فالأقوال حولها ، و أريقت الاطنان من الدماء و زهقت مئات الالوف من النفوس لاجلها ، و ثارت الفتن ، و وقعت الحروب ، و تشتت الامور ، و اضطربت الاحوال نتيجة مقتل عثمان و لقد أشترك في مقتله امور كثيرة و اسباب عديدة ، و نجى المرتكب للقتل ،

و إنّهم البري‏ء ، و الاحسن ان نذهب الى قاعة المحكمة محكمة التاريخ ، لننظر الى محاكمة عثمان ، و ننظر الى اضباراته المحفوظة في محفظة التاريخ ، و ان تلاعبت بها الابدى الاثيمة من توجيه اعماله و الاعتذار منها ، و التعليق على صفحات التاريخ ،

فليكن كل هذا ، فان التاريخ الصحيح محفوظ عند المسلمين و غيرهم ، و الامر واضح لا ريب فيه عند كل ذى قلب سليم نستمع الى شي‏ء من تلك الاضبارات لنعلم الاسباب التي اورثت الهياج ضد عثمان ، و نطلع على الواقعة كما هي ، فيظهر لنا البري‏ء من المرتكب لتلك الجريمة نستمع الآن الى بعض الامور التي حدثت في النصف الاخير من ايام خلافته ، فتلك الامور هي التي زرعت الضغائن في قلوب المسلمين ، و الاحقاد في

[ 193 ]

صدور المؤمنين و الاستياء العام في عامة الناس .

نحن الآن في قاعة المحكمة ، و قد احضر عثمان ، و جمع كثير من بني امية و جماعة غفيرة من الشهود و لا تسأل عن سائر الناس المتفرّجين المستمعين الى المحاكمة و الآن نستمع الى البيان الذي يلقى قبل الشروع في المحاكمة ، استمع يا صاحبي ، و اجمع فكرك و قلبك :

بسم اللّه الحكم العدل العقوبات الشرعية التي كانت تقع في ذلك الزمان زمان عثمان ما كانت الا عن اغراض شخصية من الخليفة او بطانته ، و قد امسكت هذه البطانة و هم المرافقون لعثمان زمام عثمان ، فلا يفعل شيئا الا بتعليم من البطانة و ايعاز منهم ، و من اشهر تلك البطانة : الوزغ ابن الوزغ ابن الزرقاء الزانية مروان بن الحكم طريد رسول اللّه فسلم عثمان اليهم زمام نفسه ، فهو الخليفة اسما ، و هم الخلفاء فعلا و معنى و إرادة .

و من هذه الاضبارة الاولى يا صاحبي ظهرت لنا نفسيّة عثمان و عقليته ،

و كيفية تدبيره أمور الناس ، و كثرة اهتمامه بما يتعلق بالدين . استمع استمع جعل عثمان الوليد بن عقبة بن ابي معيط واليا على الكوفة ، و الوالي في ذلك الزمان هو الشخص الاولى في البلدة ، و عليه المسؤولية التامة تجاه البلدة و أهلها ،

فالوالي هو المتصرف ، مدير الشرطة ، مدير التجنيد ، الحاكم ، مدير المال ، مدير

[ 194 ]

المعارف ، امام الجمعة و الجماعة ، و غير ذلك من المناصب الشرعية و العرفية لا تقل : ان هذه الاعمال و التكاليف فوق طاقة رجل واحد ، و ذلك لان الامور ما كانت بهذه التوسعة كهذا الزمان الذي نحن فيه من تقسيم الادارات ،

و كثرة موظفيها ، و قلة مدة الدوام و تأجيل المحاكمات من شهر الى شهر ، و من سنة الى سنة ، و كثرة المحاكم و الحكام و المحامين ، و اختلاف المذاهب ، و تطور القانون ، و التشدد على المراجعين و المترافعين ، و التصعب على ذوي الحاجات و استيفاء الرسوم منهم بعناوين مختلفة بل كان المترافعان يتقدمان الى الوالي الذي تقدم ذكره ، فيستمع الوالي الى كلام المدعي ثم يستمع الى كلام المدعي عليه ، ثم يطالب بالبيّنة من المدعي ،

فان عجز عن الاثبات يطالب الوالي من المنكر اليمين ، و يحكم بحكم اللّه ، كل ذلك في دقائق سواء كانت الدعوى حول درهم او دينار او دار او عقار ، او مقاطعة او الحقوق المالية او الجزائية ، او كانت الدعوة حول جريمة قتل عمدا أو خطأ ، او سرقة او نهب ، او غير ذلك ، قلّ او كثر ، صغر او كبر ،

لان الحكم كان واضحا معلوما فتجري الاحكام طبق القانون السماوي :

القرآن الحكيم و السنه هذه أهمية تلك الوظيفة الدينية ، و المنصب الروحاني الالهي ، اذن فلا يستحق هذا المقام الشامخ إلا العالم العادل التقي الورع ، العاقل الامين ، الصادق البصير الذي لا يتهم في دينه ، و لم تكن له سابقة سيئة ، و صحيفة سوداء ، و لكن عثمان كان لا يبالي و لا يراعي هذه الجهات و المؤهلات في العامل ، بل يكتفي بوصف واحد يكفيه عن سائر الاوصاف ، و هو القرابة و كون الوالي من بني امية فقط ، و أحدهم الوليد بن عقبة اخو عثمان من امه فلنقرأ إضبارته لنطلع

[ 195 ]

على سوابقه و لواحقه منادي المحكمة : المجرم وليد بن عقبة الوليد في قفص الاتهام الادعاء العام :

بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله الوليد بن عقبة الى بني المصطلق لجمع الصدقات كالجابي ، فرجع الى النبي فأخبره عنهم إنهم ارتدوا ، و أبوا من اداء الصدقة ، و السبب في ذلك أنهم خرجوا اليه فهابهم ، و لم يعرف ما عندهم ،

فانصرف إلى النبي فأخبره بما تقدم ، فبعث النبي خالد بن الوليد للتحقيق و التبيين ، فأخبره خالد انهم متمسّكون بالاسلام . فنزلت هذه الآية في شأن الوليد : ان جائكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة ،

فتصبحوا على ما فعلتم نادمين و شهد القرآن شهادة ثانية بفسق هذا الوالي بقوله تعالى : أ فمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون قال سعيد بن جبير : انها نزلت في علي بن ابي طالب و الوليد ، اي شهد القرآن بايمان علي بن ابي طالب و فسق الوليد ، و قد روى المسعودي في مروج الذهب : أن النبي صلى اللّه عليه و آله أخبر بأن الوليد من اهل النار .

هذا الرجل كان واليا على الكوفة من قبل عثمان ، اما عبادته في الليل فكان يشرب الخمر مع ندمائه و مغنيه و مغنياته من اول الليل الى الصباح ، فاذا طلع الفجر و اذّن المؤذّن للصلاة خرج الرجل من ملهي داره الى المسجد و هو سكران و تقدم في المحراب ليصلي بالمسلمين المساكين صلاة الصبح ، و كانت الخمرة قد لعبت بعقله و مشاعره ، فصلى بهم صلاة الصبح اربع ركعات ، ثم تمثل بهذا البيت

[ 196 ]

رافعا صوته ، متغزّلا ببغيّة من بغايا الكوفة :

علق القلب الربابا
بعد ما شابت و شابا

بدلا عن سورة الحمد ، فاذا سجد أطال السجود و قال في سجوده : إشرب فاسقني . عوضا من ذكر السجود ، ثم يرفع رأسه عن السجود ، و يخاطب المأمومين ، و هو في الصلاة قائلا : ( أ تريدون ان ازيدكم ؟ ) فقال له احد من خلفه : ما تريد ؟ لا زادك اللّه بخير ، و اللّه ما اعجب الا ممن بعثك الينا واليا ،

و علينا أميرا و قال له عبد اللّه بن مسعود ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم و الى هذا أشار شاعرهم الحطيئة :

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه
ان الوليد احق بالعذر

نادى و قد تمت صلاتهم
أ أزيدكم ؟ سكرا و ما يدري

فأبوا أبا وهب : و لو اذنوا
لقرنت بين الشفع و الوتر

كفوا عنانك اذ جريت و لو
تركوا عنانك لم تزل تجرى

و قال ايضا :

تكلم في الصلاة و زاد فيها
علانية و اعلن بالنفاق

و مجّ الخمر في سنن المصلي
و نادى و الجميع الى افتراق :

أزيدكم على ان تحمدوني ؟
فما لكم و ما لي من خلاق

و هذا الرجل اراد ان يخطب بعد تلك المخازي ، و لكن المسلمين رموه بالحصى حتى نزل ،

و أحد ندمائه الذين كانوا يشاركونه في ملاهيه : ابو زبيد النصراني . . .

منادي المحكمة : المجرم : ابا زبيد النصراني ابا زبيد :

النصراني في قفص الاتهام

[ 197 ]

الذي كان شرّيب الخمر ، دائم السكر كصاحبه ، فدخل الكوفة ، و كان لعقيل بن ابي طالب دار عند باب مسجد الكوفة ، فاستوهبها الوليد من عقيل ،

و انزل ابا زبيد في تلك الدار ، و هذا شأن كرماء ، بني امية انهم كانوا يهبون ما ينهبون و ما لا يملكون كان هذا النصراني يجعل المسجد طريقا له الى دار الوليد ، فيستمر عنده ،

و يشرب فيسكر ، ثم يشق المسجد متوجها الى داره و من جملة ما كان يستأنس به سيادة الوالي في ملهى داره المجاورة للمسجد :

انه كان رجل ساحر مشعبذ في الكوفة ، يحضر مجلس الوليد ، و يريه الالعاب السحرية ، فيريهم انه يدخل في فم الحمار ، و يخرج من دبره ، و يدخل من إست الحمار و يخرج من فمه ، او يريهم انه يقطع رأس نفسه ، فيرمي بالرأس ثم يركض فيأخذه ثم يعيده الى مكانه فحضر في ذلك المجلس رجل من المسلمين اسمه جندب بن كعب ، و كان له سيف عند الصيقل ، فأخذ السيف و اشتمل به ، ثم جاء الى الساحر و هو مشغول ببعض ألعابه ، فضرب جندب رأس الساحر فسقط الرأس ، و خر الساحر صريعا نظرا لقول النبي صلى اللّه عليه و آله « ساحر المسلمين يقتل » و هذا مما نغّص على الوالي عيشته ، فتفرّق اصحاب الوليد من المجلس ، و امر الوليد بحبس جندب و اصحابه ، فقال للسجّان : قد عرفت السبب الذي سجّنا فيه ، فخل سبيل احدنا حتى يأتي عثمان . فخلى السجان سبيل احدهم ، فخرج قاصدا المدينة ، فأخبر عثمان بذلك فكتب كتابا الى الوليد يأمره باطلاق سراح جندب و اصحابه ، و قبل ذلك بلغ الوليد ان السجان اطلق سراح احد المسجونين فقتله و صلبه بالكناسة .

[ 198 ]

و في يوم من تلك الايام كان الوليد قد افرط من شرب الخمر ، و حضر الصلاة ، و تقيأ في المحراب ، ثم دخل داره ، فهجم عليه جماعة من المسجد منهم :

ابو زينب بن عوف ، و ابو جندب بن زهير الازديّان و غيرهما ، فوجدوه سكرانا مضطجعا على سريره لا يعقل ، فأيقظوه من رقدته فلم يستيقظ ، بل تقيأ عليهم ما بقي من الخمر في معدته ، فانتزعوا خاتمه من يده ، و خرجوا من فورهم الى المدينة فاتوا عثمان ، فشهدوا عنده ان الوليد شرب الخمر فقال عثمان : و ما يدريكم انه شرب الخمر ؟ اراد عثمان ان يسمع من هؤلاء الشهود جوابا يثبت الجريمة في عنقهم لأن الخمر لا يعرفها الا شاربها ، و لكن الشهود اجابوه بجواب ذكروه ماضي عهده ماضي عهده قالوا : هي الخمرة التي كنا نشربها في الجاهلية و اخرجا خاتم الوليد فدفعاه اليه ، فأغلظ لهما عثمان ، و دفع في صدورهم و قال تنحّيا عني . فخرج الرجلان حتى أتيا امير المؤمنين عليه السلام فاخبراه الخبر ، فاتى عليّ عليه السلام الى عثمان و قال : دفعت الشهود ، و ابطلت الحدود فقال له عثمان ما ترى ؟ قال . ارى ان تبعث الى صاحبك فتحضره ، فإن اقاما الشهادة عليه في وجهه و لم يدل بحجة و لم يدرأ بنفسه اقمت عليه الحد . فبعث عثمان الى الوليد فحضر من الكوفة ، فاقاما الشاهدان الشهادة عليه ، و لم يدل بحجة ، فالقى عثمان السوط الى أمير المؤمنين قائلا . قم يا ابا الحسن فاجلده .

التفت الامام الى رجل في المجلس و قال . قم فاقم عليه ما اوجب اللّه عليه .

فقال الرجل : ما لك و لهذا ؟ يكفيك غيرك . فقال الامام . لست اذن مسلما .

و لما نظر الامام الى إمتناع الجماعة من اقامة الحد على الوليد توقيا من غضب عثمان لقرابته منه اخذ عليه السلام السوط و اقبل نحو الوليد و دنى منه ، فسبّه

[ 199 ]

الوليد ، فسمع عقيل كلامه ، و كان حاضرا فقال : انك تتكلم يابن ابي معيط كأنك لا تدري من انت ؟ و انت علج من اهل صفورية ، كان ذكوان اباه يهوديا .

فاقبل الوليد يروغ يذهب يمنة و يسرة ليهرب خديعة من علي ،

فاجتذبه علي و ضرب به الأرض و علاه بالسوط فقال له عثمان : ليس لك ان تفعل به هذا فقال علي عليه السلام : بلى و شر من هذا إذا فسق . و منع حق اللّه ان يؤخذ منه .

فقال الوليد : يا علي انشدك اللّه و القرابة . فقال عليه السلام : اسكت ابا وهب فانما هلك بنو اسرائيل لتعطيلهم الحدود ، و اقام عليه السلام عليه الحد ،

و قيل : الذي اقام عليه الحد هو عبد اللّه بن جعفر و قيل غيره و اللّه العالم لنترك إضبارة الوليد و لنرجع إلى إضبارة عثمان لنرى ما هناك ، و لنفتح اضبارة الحكم بن ابي العاصي لنطلع على شي‏ء من شخصيّته . . .

منادي المحكمة : المجرم الحكم بن ابي العاصي ، الحكم :

الحكم في قفص الاتهام الحكم بن ابي العاصي عم عثمان ، و له صحيفة سوداء ملؤها المخازي و المساوءى :

هذا الرجل كان جارا لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بمكة ، و كان من الأشدّاء عليه ، المبالغين في ايذائه ، نظير ابي لهب و ابي جهل ، و لما هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله الى المدينة قدم الحكم الى المدينة بعد فتح مكة ، فكان يمرّ خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فيغمز به و يحكيه ، و يخلج بأنفه و فمه فاذا صلى النبي قام خلفه فأشار بأصبعه إستهزاء برسول اللّه و سخرية به و في ذلك اليوم التفت النبي فرآه بتلك الحالة حالة الاستهزاء فقال صلى

[ 200 ]

اللّه عليه و آله : اللهم اجعل به وزغا ارتعاشا فرجف مكانه ، و ارتعش و مكث شهرا يغشى عليه ، و في يوم من تلك الايام اطلع هذا الرجل على رسول اللّه ،

و هو في بعض حجرات نسائه ، فعرفه النبي ، و خرج اليه بعنزة و قال : من عذيري من هذا الوزغة اللعين ؟ ثم قال : لا يساكنني و لا ولده .

فغربهم جميعا الى الطائف ، و كانوا في الطائف الى ان توفي رسول الله ، و كان يقال له : طريد رسول الله و لعينه ، لأن النبي طرده الى الطائف بعد ان لعنه و لعنه القرآن الكريم بقوله : و الشجرة الملعونة في القرآن . و في تفسير الآلوسي : قالت عائشة لمروان : لعن الله أباك و انت في صلبه ، فانت بعض من لعنه الله ، ثم قالت : و الشجرة الملعونة في القرآن ،

هذه أسطر من إضبارة الحكم بن ابي العاصي عم عثمان ،

و أما ما في إضبارة عثمان في هذا الموضوع و حول هذا الشخص :

لمّا قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله جاء عثمان إلى ابي بكر ، و سأله أن يرد عمّه إلى المدينة ، فقال ابو بكر : لا احل عقدة عقدها رسول الله ،

فقال عثمان : عمي . قال ابو بكر : عمك في النار ، هيهات هيهات ان اغير شيئا فعله رسول اللّه و الله لا رددته ابدا .

و لما مات ابو بكر جاء عثمان إلى عمر ، و سأله ذلك ، فأجابه بجواب ابي بكر و زاده و قال : ويحك يا عثمان : تتكلم في لعين رسول الله و طريده و عدو الله و عدوّ رسول اللّه .

فلما ولي عثمان رده الى المدينة ، و لم يكتف بذلك حتى اعطاه في ذنوب متفرقة 000 300 ثلثمائة الف درهم من بيت مال المسلمين ، فانكر ذلك عليه أعيان الصحابة ، و مات الحكم في ايام خلافة عثمان و صلى عليه و نصب على

[ 201 ]

قبره فسطاطا .

عبد اللّه بن مسعود كان من اصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله المستحفظين معه ، و كان يتعلم منه القرآن ، و ياخذ منه علومه ، و تفسيره و تنزيله و تاويله حتى قال النبي صلى اللّه عليه و آله في حقه : « من سره ان يقرا القرآن غضا او رطبا كما انزل فليقراه على قرائة ابن ام عبد » و قال أمير المؤمنين عليه السلام في حقه : « علم القرآن و علم السنة ثم انتهى ، و كفى به علما » .

و اجتمع ناس عند علي عليه السلام فأثنوا على عبد اللّه بن مسعود ، فقال علي عليه السلام : اقول فيه مثل ما قالوا ، و افضل : من قرأ القرآن ، و احل حلاله و حرم حرامه ، فقيه في الدين عالم بالسّنة .

و قال حذيفة بن اليمان و هو يحلف باللّه ما اعلم احدا اشبه دلا و هديا برسول اللّه من حين يخرج من بيته إلى ان يرجع من عبد اللّه بن مسعود ، و لقد علم المستحفظون من اصحاب محمد صلى اللّه عليه و آله انه من اقربهم وسيلة اليه يوم القيامة .

و قال ابو نعيم : كان سادس الاسلام ، و صح ان ابن مسعود قال . اخذت من في رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله سبعين سورة .

هذه نبذة من فضائل الرجل و سوابقه الحسنة ، و اليك بعض مواقفه في الاسلام :

لما هاجر رسول الله صلى اللّه عليه و آله من مكة الى المدينة ، و صار المسلمون مستضعفين ، كان المشركون يسومونهم اشد العذاب و سوء العقاب ، و في يوم اجتمع اصحاب النبي صلى اللّه عليه و آله فقالوا : و الله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط ، فمن رجل يسمعهموه ؟

[ 202 ]

فقال عبد اللّه مسعود : انا . فقالوا : انا نخشاهم عليك ، انما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم ان ارادوه .

فقال عبد اللّه بن مسعود : دعوني فان الله يمنعني . فغدا إبن مسعود حتى اتى المقام في الضحى ، و قريش في أنديتها ، حتى قام عند المقام ثم قرأ رافعا صوته :

بسم اللّه الرحمن الرحيم ، الرّحمن علم القرآن ، فجعل يقرأها ، فاجتمع إليه المشركون و تأملوه و قالوا : ما ذا قال ابن ام عبد ؟ ثم قالوا : انه ليتلو بعض ما جاء به محمد فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه ، و جعل يقرأ ، حتى بلغ منها ما شاء اللّه ان يبلغ ، ثم انصرف إلى أصحابه ، و قد اثرو في وجهه ، فقالوا هذا الذي خشينا عليك .

فقال : ما كان أعداؤ اللّه أهون علي منهم الآن ، و لئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا ، فقالوا : لا حسبك قد اسمعتهم ما يكرهون .

هذا الرجل كان في الكوفة ايام كان الوليد واليا عليها ، و كان خازن بيت المال ، فجاء و القى مفاتيح بيت المال إلى الوليد ، و هو يقول : من غيّر غيّر اللّه ما به و من بدل اسخط اللّه عليه ، و ما ارى صاحبكم إلا و قد غير و بدل ا يعزل ،

سعد بن ابي وقاص ، و يولي الوليد ؟

و كان يتكلم بكلام لا بقلبه يدعو و هو : إن اصدق القول كتاب اللّه و احسن الهدى هدى محمد صلى اللّه عليه و آله ، و شر الامور محدثا لثها ، و كل محدث بدعة ،

و كل بدعة ضلالة ، و كل ضلالة في النّار فكتب الوليد إلى عثمان بذلك ، و قال : إنه يعيبك و يطعن عليك ، فكتب اليه عثمان يأمره بإشخاصه ، فاجتمع الناس اليه فقالوا : اقم ، و نحن نمنعك أن يصل اليك شي‏ء تكرهه . فقال : ان له عليّ حق الطاعة ، و لا احب اكون اول من فتح باب الفتن .

[ 203 ]

و شيعة أهل الكوفة ، فأوصاهم بتقوى اللّه و لزوم القرآن ، فقالوا له : جزيت خيرا ، فلقد علّمت جاهلنا ، و ثبّت عالمنا ، و أقرأتنا القرآن ، و فقهّتنا في الدين ،

فنعم اخو الاسلام انت و نعم الخليل . ثم و دعوه و انصرفوا .

و قدم ابن مسعود المدينة و عثمان يخطب على منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فلما رآه عثمان قال : الا انه قد قدمت عليكم دويبة سوء من يمشي على طعامه يقي‏ء و يسلح فقال ابن مسعود : لست كذلك ، و لكني صاحب رسول اللّه يوم بيعة الرضوان .

و نادت عائشة : أي عثمان : أ تقول هذا لصاحب رسول اللّه ؟ ثم أمر عثمان فأخرج من المسجد اخراجا عنيفا و ضرب به عبد اللّه بن زمعة الأرض فكسر ضلعا من اضلاعه ، فقال ابن مسعود . قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان .

بقي ابن مسعود في المدينة ، و عثمان لا يسمح له بالخروج من المدينة ، و قد قطع عطائه منذ سنتين ، الى أن مرض عبد اللّه بن مسعود مرضه الذي توفي فيه ، فجائه عثمان يعوده فقال : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي . قال : فما تشتهي ؟ قال : رحمة ربي . قال الا أدعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني . قال . ا فلا آمر لك بعطائك ؟ قال : ؟ قال منعتنيه و انا محتاج اليه ، و تعطينيه و أنا مستغن عنه ؟ قال . تكون لولدك قال : رزقهم على اللّه . قال : استغفر لي يا ابا عبد الرحمن . قال اسأل اللّه أن يأخذ منك بحقي .

و اوصى أن لا يصلي عليه عثمان ، فدفن بالبقيع و عثمان لا يعلم ، فلما علم غضب ، فقال له عمار بن ياسر : انه اوصى ان لا تصلي عليه ، و قال ابن الزبير :

لأعرفنك بعد الموت تندبني
و في حياتي ما زودتني زادي

عمار بن ياسر من اعاظم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و من السابقين

[ 204 ]

الى الاسلام و من الذين نالتهم الأذى في سبيل الاسلام ، و ذلك ان جعل مشركو مكة و كفار قريش يعذبون المسلمين بأنواع العذاب ، و منهم ياسر و سمية والدا عمار ، فان المشركين أكرهوهما على رفض الدين الاسلامي ، و التبري من النبي ،

فامتنعا ، فقتلهما المشركون شر قتلة ، ثم قصدوا عمارا ، و عرضوا عليه التبري فأجابهم بلسانه لا يقبله ، فتركوه ، فنزلت الآية في ايمان عمار بقوله تعالى : الا من اكره و قلبه مطمئن بالايمان .

فقال بعض الناس : ان عمارا كفر . فقال النبي صلى اللّه عليه و آله . كلا ، ان عمارا ملى‏ء ايمانا من قرنه الى قدمه .

اضف الى ذلك الاحاديث الواردة عن النبي صلى اللّه عليه و آله في فضل عمار فمنها :

اشتاقت الجنة الى اربعة . علي بن ابي طالب ، و عمار بن ياسر ، و سلمان الفارسي ، و المقداد .

دم عمار و لحمه حرام على النار أن تأكله او تمسه .

ان عمار جلدة ما بين عينيّ و انفي . . .

ما لقريش و لعمار ؟ يدعوهم الى الجنة و يدعونه الى النار ، قاتله و سالبه في النار .

من عادي عمارا عاداه الله ، و من ابغض عمارا أبغضه الله .

انك لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية الناكبة عن الحق ، يكون اخر زادك من الدنيا شربة لبن الى غير ذلك من فضائله و مناقبه ، و مواقفه في الاسلام ،

و جهاده في سبيل الله .

فلنأت الى اضبارة عثمان لنرى صنيعه بهذا الرجل الصحابي العظيم .

[ 205 ]

كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلى و جوهر ، فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله فأظهر المسلمون الطعن عليه في ذلك ، و كلموه فيه بكلام شديد ،

حتى اغضبوه ، فخطب فقال . لنأخذن حاجتنا من هذا الفئي و ان رغمت فيه انوف اقوام فقال علي عليه السلام . اذن تمنع من ذلك و يحال بينك و بينه . و قال عمار اشهد أن انفي اول راغم من ذلك .

فسبه عثمان سبا قبيحا ، ثم قال . خذوه فأخذوا عمارا ، فدخل عثمان داره و دعا به فضربه حتى غشي عليه من الفتق الذي اصابه لانه كان شيخا هرما ضعيفا و عمره حوالي التسعين ، ثم طرحوه في الطريق حتى اتى به الى منزل ام سلمة زوجة النبي ، فلم يصل الظهر و العصر و المغرب ، لانه كان مغشيا عليه فلما افاق توضأ و صلى و قال : الحمد لله ، ليس اول يوم اوذينا في الله :

و اخرجت عائشة شعرا من رسول الله و نعله و ثيابا من ثيابه ثم قالت ما اسرع ما تركتم سنة نبيكم .

و قال عمر بن العاص : هذا منبر نبيكم ، و هذا ثيابه و هذا شعره لم يبل فيكم و قد بدلتم و غيرتم ، فغضب عثمان حتى لم يدر ما يقول 1 ابو ذر و عثمان لنا في المستقبل مجال واسع لترجمة حياة سيدنا ابي ذر الغفاري ، و نذكر الآن ما تيسر من قيامه بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

ذكر الواقدي : لما رأى ابو ذر عثمان يتصرف في بيت المال كيف ما شاء

-----------
( 1 ) البلاذري

[ 206 ]

جعل ابو ذر يقول بين الناس ، و في الطرقات و الشوارع : « بشّر الكافرين بعذاب اليم ، و يرفع بذلك صوته ، و يتلو قوله تعالى : و الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل اللَّه فبشرهم بعذاب اليم فسمع عثمان ذلك ،

فهدّده و نهاه ، فقال ابو ذر : أ ينهاني عثمان عن قرائة كتاب اللّه تعالى ، و عيب من ترك امر الله لان ارضي الله بسخط عثمان أحب الي و خير لي من ان اسخط الله برضى عثمان ، فغضب عثمان ، و كان ينتظر الفرصة ، حتى قال عثمان يوما و الناس حوله : أ يجوز للامام ان يأخذ من بيت المال قرضا ، فاذا أيسر قضى ؟

قال كعب الأحبار : لا بأس بذلك .

فقال له ابو ذر : يابن اليهوديين أ تعلمنا ديننا ؟ فقال عثمان : قد كثر أذاك لي . و تولعك بأصحابي ، إلحق بالشام .

خرج ابو ذر الى الشام ، و بقي هناك اياما ، حتى صدرت الارادة العثمانية بإرجاعه الى المدينة ، على بعير بلا وطاء ، و وكّل رجلا يسير به سيرا حثيثا بلا نزول و لا راحة و لا نوم حتى وصل المدينة ، و قد تناثر لحم فخذيه و رجليه ،

ورد ابو ذر الى المدينة بعد تلك الشدائد و المآسي ، و في يوم من تلك دخل على عثمان فقال له عثمان . لا انعم الله بك عينا يا جندب ابو ذر . انا جندب ، و سماني رسول الله صلى اللّه عليه و آله عبد الله ،

فاخترت إسم رسول الله الذي سماني به على إسمي .

عثمان . انت الذي تزعم انا نقول . يد الله مغلولة ، و ان الله فقير و نحن اغنياء ؟

ابو ذر . لو كنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال الله على عباده ، و لكني اشهد لسمعت رسول الله يقول : اذا بلغ بنو ابي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا

[ 207 ]

و عباد الله خولا . . .

عثمان لمن حضر ا سمعتموها من رسول اللّه ؟

الحاضرون : لا عثمان . ويلك يا ابا ذر . أ تكذب على رسول الله ؟

ابو ذر . لمن حضر ما تدرون أني صدقت ؟

الحاضرون : لا و الله ما ندري عثمان : ادعوا لي عليا . فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فقال عثمان : يا ابا ذر . اقصص عليه حديثك في بني ابي العاص .

ابو ذر يعيد الحديث بمحضر من أمير المؤمنين عثمان : لعلي عليه السلام ا سمعت هذا من رسول اللّه ؟

الامام : لا ، و صدق ابو ذر عثمان : و كيف عرفت ؟

الامام : اني سمعت رسول الله صلى اللّه عليه و آله يقول . ما اظلت الخضراء و لا اقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي ذر .

الحاضرون : اما هذا فسمعناه كلنا من رسول الله ابو ذر : احدثكم اني سمعت هذا من رسول الله فتتّهموني ؟ ما كنت اظن اني اعيش حتى اسمع هذا من اصحاب محمد صلى اللّه عليه و آله .

و في يوم لما دخل ابو ذر على عثمان جعل يعاتبه .

عثمان : انت الذي فعلت و فعلت . . .

ابو ذر : نصحتك فاستغششتني ، و نصحت صاحبك معاوية فاستغشني ،

عثمان : كذبت و لكنك تريد الفتنة و تحبها ، فد انغلت الشام علينا .

[ 208 ]

ابو ذر : اتبع سنة صاحبك ، لا يكن لأحد عليك كلام عثمان : ما لك و ذلك ؟ لا امّ لك ابو ذر : ما وجدت لي عذرا الا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عثمان لمن حوله اشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذاب ، اما ان اضربه ،

او احبسه ، او اقتله ، فانه فرّق جماعة المسلمين ، او انفيه من ارض الاسلام ؟

أمير المؤمنين : أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون فان يك كاذبا فعليه كذبه ، و ان يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ، ان اللّه لا يهدي من هو مسرف مرتاب .

فاجابه عثمان بكلمة قبيحة ، فاجابه أمير المؤمنين بمثلها نهى عثمان المسلمين ان يجالسوا أبا ذر او يكلّموه ، فدخل ابو ذر يوما على عثمان و قال :

ابو ذر : يا عثمان : أ ما رأيت رسول اللّه و رأيت ابا بكر و عمر هل هديك كهديهم ؟ ا ما انك لتبطش بي بطش جبّار عثمان : اخرج . عنّا من بلادنا .

ابو ذر : ما أبغض الي جوارك ، فالى اين اخرج ؟

عثمان : حيث شئت ابو ذر : اخرج الى الشام ارض الجهاد ؟

عثمان : انا جلبتك من الشام لما قد افسدتها ، فاردك اليها ؟

ابو ذر : فأخرج الى العراق ؟

عثمان : لا ، إنك ان تخرج اليها تقدم على قوم أولي شبه و طعن على الائمة و الولاة

[ 209 ]

ابو ذر : فاخرج الى مصر ؟

عثمان : لا .

ابو ذر : فالى اين اخرج ؟

عثمان الى البادية ابو ذر اصير : بعد الهجرة اعرابيا ؟

عثمان : نعم .

ابو ذر : فاخرج الى بادية نجد ؟

عثمان : امض لوجهك هذا . و لا تعدون الربذة .

خرج ابو ذر إلى الربذة ، و هي أرض قفراء لا زرع فيها و لا ضرع فماتت اغنامه ، و مات ابنه ، و مات و هو جوعا ، و سيأتيك التفصيل .

و منها احراقه المصاحف إلى مصحف زيد بن ثابت 1 و كان من الممكن لعثمان ان يجمع المصاحف القرائين و يدفنها او يطرحها في البحر او البئر ، و ما كان الطريق منحصرا بالاحراق هذه القضايا التي مرت ، و غيرها مما لم نقصصها هي التي اورثت النقمة و الثورة و الهياج ضد عثمان :

اخرج البلاذري و غيره : انه التقى اهل الأمصار الثلاثة : الكوفة و البصرة و مصر في المسجد الحرام : قبل مقتل عثمان بعام ، فتذاكروا سيرة عثمان و تبديله و تركه الوفاء بما اعطى من نفسه و عاهد اللّه عليه ، و قالوا : لا يسعنا الرضا بهذا فاجتمع رأيهم على أن يرجع كل واحد من هؤلاء الثلاثة الى مصره و بلده فيكون رسول من شهد اهل مكه من اهل الخلاف على عثمان الى من كان على مثل رأيهم ،

-----------
( 1 ) تفسير القرطبي

[ 210 ]

و ان يوافوا عثمان في العام المقبل في داره ، فيسمعوه ، فان اعتب و إلا رأوا رأيهم ،

حضر موسم الحج في العام المعين ، خرج الاشتر مع اهل الكوفة إلى المدينة في مائتين او الف رجل .

و خرج حكيم بن جبلة العبدي في مائة من اهل البصرة ، و جاء أهل مصر و هم اربعمائة او خمسمائة او الف أو الفان ، على اختلاف الروايات ، و كتبوا إلى عثمان مذكرة ، فبعثوها بيد رجل اليه ، فلم يرد عليه شيئا ، و أمر فأخرج من الدار .

أتو المدينة و قصدوا عثمان ، و وثب معهم رجال من اهل المدينة من المهاجرين و الأنصار .

و احاطوا بدار عثمان ، و اتى المغيرة بن شعبة فقال له : دعني آت القوم فانظر ما يريدون ؟ فمضى نحوهم ، فلما دنى منهم صاحوا به . يا أعور : ورائك ،

يا فاجر ورائك ، يا فاسق ورائك .

فرجع ، و دعا عثمان عمرو بن العاص فقال له : ائت القوم فادعهم الى كتاب اللّه ، و العتبي مما سائهم . فلما دني منهم سلّم عليهم ، فقالوا : لا سلم اللّه عليك ارجع يا عدوا اللّه ، ارجع يابن النابغة ، فلست عندنا بأمين و لا مأمون .

فرجع ، فقال ابن عمر و غيره : ليس لهم الا علي بن ابي طالب . فلما اتاه قال يا ابا الحسن ائت هؤلاء القوم فادعهم الى كتاب اللّه و سنة نبيه قال : نعم ، ان اعطيتني عهد اللّه و ميثاقه على انك تفى لهم بكل ما ضمنت عنك . قال نعم . فأخذ علي عليه عهد اللّه و ميثاقه على اؤكد ما يكون و اغلظ ، و خرج الى القوم ،

فقالوا : ورائك .

قال . لا بل امامي ، تعطون كتاب اللّه ، و تعتبون من كل ما اسخطتم

[ 211 ]

و عرض عليهم ما بذل عثمان ، فقالوا : ا تضمن ذلك عنه ؟

قال : نعم . قالوا رضينا . و اقبل وجوههم و اشرافهم مع علي حتى دخلوا على عثمان و عاتبوه من كل شي‏ء ، فقالوا : اكتب بهذا كتابا . فكتب :

بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد اللّه عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين و المسلمين ان لكم أن اعمل فيكم بكتاب اللّه و سنة نبيه ، يعطى المحروم و يؤمن الخائف ، و يرد المنفي ، و لا تجمر لا تحبس البعوث ، و يوفي الفيئي ،

و علي بن ابي طالب ضمين المؤمنين و المسلمين على عثمان بالوفاء في هذا الكتاب ،

شهد زبير بن العوام ، و طلحة بن عبيد اللّه و سعيد بن مالك ، و كتب في ذي القعدة سنة خمس و ثلاثين .

فأخذ كل قوم كتابا فانصرفوا ، و قال أمير المؤمنين علي عليه السلام لعثمان اخرج فتكلم كلاما يسمعه الناس و يحملونه عنك ، و اشهد اللّه ما في قلبك ، فان البلاد قد تمخضت عليك و لا تأمن أن يأتي ركب آخر من الكوفة ، أو من مصر ، فتقول . يا علي اركب اليهم ، فان لم افعل قلت . قطع رحمي ،

و استخف بحقي .

فخرج عثمان فخطب الناس فأقر بما فعل ، فاستغفر الله منه ، و قال :

سمعت رسول الله صلى اللّه عليه و آله يقول . من زل فليتب ، فانا اول من اتعظ فاذا نزلت فليأتني اشرافكم ، فليردوني برأيهم . . . الخ 1 فسر الناس بخطبته ، و اجتمعوا إلى بابه مبتهجين لما كان منه ، فخرج اليهم مروان فزبرهم ، و قال : شاهت الوجوه ، ما اجتماعكم ؟ أمير المؤمنين مشغول عنكم ، فان احتاج الى احد منكم فسيدعوه ، فانصرفوا 2 كل انسان آخذ

-----------
( 1 ) البلاذري .

-----------
( 2 ) الطبرى

[ 212 ]

باذن صاحبه ، جئتم تريدون ان تنزعوا ملكنا من ايدنا ؟ ، اخرجوا عنا ، اما و اللّه لئن رمتمونا ليمرّن عليكم منا أمر لا يسركم ارجعوا الى منازلكم ، فانا و اللّه ما نحن مغلوبين على في ايدينا .

فرجع الناس . و خرج بعضهم الى علي بن ابي طالب فأخبره الخبر فجاء علي مغضبا ، حتى دخل على عثمان فقال : ا ما رضيت من مروان و لا رضي منك الا بتحرفك عن دينك و عن عقلك مثل جمل الضعينة ، يقاد حيث يسار به ،

و اللّه ما مروان بذي رأي في دينه ، و لا نفسه و ايم اللّه لأراه سيوردك ثم لا يصدرك ، و ما انا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، اذهبت شرفك و غلبت على امرك .

خرج علي من دار عثمان ، و دخلت نائلة زوجة عثمان عليه فقالت : اتكلم او اسكت ؟ فقال . تكلمي . فقالت : قد سمعت قول علي لك ، و انه ليس يعاودك . . . فأرسل الى علي ، فاستصلحه ، فان له قرابة منك ، و هو لا يعصى .

فارسل عثمان الى علي يدعوه ، فأبى علي ان يأتيه ، و قال بصوت عال مغضب قد اعلمته اني لست بعائد .

و بعد ليلتين جاء عثمان الى دار امير المؤمنين عليه السلام فقال . اني غير عائد و اني فاعل . فقال له الامام . بعد ما تكلمت به على منبر رسول اللّه و اعطيت من نفسك ، ثم دخلت بيتك و خرج مروان الى الناس فشتمهم على بابك ؟ 1 فخرج عثمان مغضبا ،

و اما المصريون الذين اخذوا كتاب عثمان فانهم توجهوا الى مصر ، و لما

-----------
( 1 ) الطبري و ابن الاثير في الكامل

[ 213 ]

وصلوا الى ايلة و هي في حدود الحجاز و الشام رأوا راكبا خلفهم يريد مصر ،

فقالوا له من أنت ؟ فقال . رسول أمير المؤمنين عثمان ، الى عبد اللّه بن سعد ،

و انا غلام أمير المؤمنين . و كان أسود ، فقال بعضهم لبعض . لو أنزلناه و فتشناه أ لا يكون صاحبه قد كتب فينا بشي‏ء ، ففعلوا فلم يجدوا معه شيئا ، فقال بعضهم لبعض . خلوا سبيله . فقال كنانة بن بشر . ا ما و اللّه دون ان انظر في إداوته فلا . فقالوا . سبحان اللّه أ يكون كتاب في ماء ؟ قال . ان للناس حيلا ،

ثم حل الاداوة ، فاذا فيها قارورة مختومة ، مضمومة ، في جوف القارورة كتاب في انبوب رصاص ، فاخرجه ، فقرى‏ء ، فاذا هو كتاب من عثمان الى ابن أبي سرح والي مصر .

اما بعد . فاذا أتاك محمد بن أبي بكر و فلان و فلان فاحتل لقتلهم ، أبطل كتاب محمد ، و قرّ على عملك ، فاذا قدم عليك عمرو بن بديل فاضرب عنقه ،

و اقطع أيدي ابن عديس و كنانة و عروة ، ثم دعهم يتشحطون في دمائهم حتى يموتوا ، ثم اوثقهم ، على جذوع النخل 1 فلما عرفوا ما في الكتاب رجعوا عودهم على بدئهم حتى دخلوا المدينة ،

فلقوا عليا بالكتاب فدخل به علي عليه السلام على عثمان ، فحلف باللّه ما هو كتابه و لا يعرفه ، و قال : اما الخط فخط كاتبي و اما الخاتم فعلى خاتمي ، فقال علي عليه السلام . ا فالخاتم خاتمك ؟ قال . نعم . قال . فكيف يخرج غلامك ببعيرك بكتاب عليه خاتمك و لا تعلم به ؟ فحلف به . ما كتبت الكتاب و لا امرت به و لا وجهت هذا الغلام الى مصر قط . قال علي . فمن تتهم ؟ قال أتهم كاتبي و اتهمك يا علي لانك مطاع عند القوم و لم تردهم عني . فخرج علي مغضبا و هو يقول . بل هو امرك 2

-----------
( 1 ) البلاذري .

-----------
( 2 ) البلاذري

[ 214 ]

جاء المصريون و حاصروا دار عثمان ، فأشرف عليهم عثمان فقالوا : يا عثمان :

أ هذا كتابك ؟ فجحد و حلف . فقالوا : هذا شر يكتب عنك بما لا تعلمه ؟

ما مثلك يلى امور المسلمين فاختلع من الخلافة . قال عثمان : ما كنت لأنزع قميصا قمّصنيه اللّه ، و قالت بنو امية : يا علي : افسدت علينا امرنا ، و دسست و البت .

فقال عليه السلام : يا سفهاء : إنكم لتعلمون انه لا ناقة لي في هذا و لا جمل ، و انني رددت اهل مصر عن عثمان ، ثم اصلحت أمره مرة بعد اخرى ، فما حيلتي ؟

و انصرف و هو يقول : اللهم : إني بريئى مما يقولون ، و من دمه ان حدث به حدث .

و كتب عثمان حينما كان محصورا كتابا قرأه ابن الزبير على الناس يقول فيه :

و الله ما كتبت الكتاب ، و لا امرت به ، و لا علمت بقصته و انتم معتبون من كل ما سائكم فأمروا على مصركم من احببتم ، و هذه مفاتيح بيت مالكم فادفعوها الى من شئتم .

قالوا : قد إتهمناك بالكتاب فاعتزلنا .

حاصر الناس عثمان ، و محمد بن ابي بكر يدعوا الناس الى الثورة ، و اعانه على ذلك طلحة ، و عائشة تقرّصه كثيرا ، و لم يبق في المدينة احد الا غضب على عثمان بسبب ذلك الكتاب ، و كانت القلوب مملؤة غيضا و غضبا على عثمان من سوء صنيعه لابن مسعود و عمار بن ياسر و ابي ذر و غيرهم من صلحاء الصحابه كان دخول امير المؤمنين عليه السلام على عثمان مع طلحة و الزبير و سعد و عمار و نفر من اصحاب النبي صلى اللّه عليه و آله ، و معهم ذلك الكتاب ، و الغلام و البعير ،

و بعد ان اعترف : ان الغلام غلامه و البعير بعيره ، و الخاتم خاتمه ، و حلف انه

[ 215 ]

ما كتب الكتاب و ما امر به . عرف هؤلاء ان الخط خط مروان و الفعل فعله .

فقال المصريون ادفع لنا مروان حتى نبحثه عن الامر ، و نعرف حال الكتاب و كيف يأمر بقتل رجال من أصحاب رسول الله بغير حق ؟ فان يكن عثمان كتب الكتاب عزلناه ، و ان يكن مروان كتبه عن لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في امر مروان .

لكن عثمان امتنع أن يدفع اليهم مروان ، فخرج هؤلاء الجماعة من دار عثمان غضابا ، و اشتدت المحاصرة ، و قد اختلف المحدثون و المؤرخون في مدة الحصار ، فقال الواقدي . حاصروه تسعة و اربعين يوما و قيل . شهرين و عشرين يوما او اربعين ليلة ، او شهر و عشرين ليلة او اقل او اكثر ، و لعل الاختلاف ناشي‏ء عن بيان مدة الحصارين او الحصار الأول او الثاني .

و على كل تقدير فلقد كان المتظاهرون محيطين بدار عثمان . محدقين بها و في الايام الاخيرة ضيّقوا عليه الأمر فما كانوا يدعون احدا يدخل و لا احد يخرج ،

لأن عثمان كتب رسائل الى الشام و حمص و غيرهما يطلب منهم الجيوش و العساكر ليقضي على الثوار المجاهدين و اليك بعض رسائله التي ارسلها الى معاوية في الشام ،

كما رواه الطبري في تاريخه :

بسم اللّه الرحمن الرحيم اما بعد فان اهل المدينة قد كفروا و اخلفوا الطاعة و نكثوا البيعة فابعث اليّ من مقاتلة اهل الشام على كل صعب و ذلول .

و كتب كتابا الى اهل الشام و كتابا الى اهل البصرة و كتابا الى اهل الكوفة و كتابا الى اهل مكة من الحجاج و غيرهم ، و غيرها يستمد منهم الجيش لأخماد

[ 216 ]

الثورة ، و يدعوهم الى نصرته و قد قرأت كتابه الى معاوية ، و رأيت كيف ينسب الكفر الى اصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من المهاجرين و الأنصار كذلك قس عليه سائر كتبه الى اهل الامصار .

تحركت الجيوش و العساكر من الشام و البصرة و غيرهما متوجهين الى المدينة فلما قاربوا المدينة بلغهم خبر مقتل عثمان فرجعوا مظفرين لما دخل المحاصرون دار عثمان ليعاتبوه في موضوع الكتاب الذي وجدوه عند غلامه على بعيره ، و حلف لهم أنه لا يعلم الكتاب قال له المصريون : فمن كتبه ؟ قال : لا ادري قالوا : أ فيجترأ اعليك فيبعث غلامك و جمل من صدقات المسلمين ، و ينقش خلقك ، و يكتب الى عاملك بهذه الامور العظام و أنت لا تعلم ؟ قال : نعم . قالوا : فليس مثلك يلي ، إخلع نفسك من هذا الامر كما خلعك اللّه منه . قال . لا أنزع قميصا البسنيه الله عز و جل . و كثرت الاصوات و اللغط فقام المصريون و خرجوا .

و اشتدت المحاصرة بعثمان ، و منع المتجمهرون الناس من ايصال الماء الى دار عثمان ، لأن طلحة قال لهم . ان عثمان ما حضرتموه ، و هو يدخل اليه الطعام و الشراب ، فامنعوه الماء ان يدخل عليه 1 فأشرف عليهم عثمان و سألهم قائلا . ا فيكم علي ؟ قالوا . لا قال . أ فيكم سعد ؟ قالوا . لا . فسكت ، ثم قال . ا لا احد يبلغ عليا فيسقينا ماء ؟

فبلغ ذلك أمير المؤمنين فبعث اليه بثلاث قرب مملوة ماء مع ولديه الحسن و الحسين و غلامه قنبر ، و اراد المتظاهرون ان يمنعوا هؤلاء من ايصال الماء الى عثمان و لكن رعاية لهما اذنوا و سمحوا لهما بالدخول .

-----------
( 1 ) الامامة و السياسة

[ 217 ]

بلغ الخبر الى المحاصرين بأن الجيوش و العساكر التي جائت لنصرة عثمان قد قاربوا المدينة ، و لهذا أصبح صباح يوم الجمعة ، و اشعلوا النار في المشاعل ، و توجهوا إلى الدار عثمان ، فاحرقوا الأبواب و اراد الهجوم إلى دار ، و طلحة قد استولى على قيادة المحاصرين 1 و أمّا بنو امية فشمروا و استعدوا للدفاع ، و اشتعل الحرب في الدار ، فقتل جمع من حرس الخليفة ، و جرح مروان بجراح ثقيل ، و ارادوا ذبحه ، لكنهم تركوه ظنا بموته ، غير أنه حمل إلى الدار و عولج و عوفي ، و كان الثوار و المدافعون عن الخليفة بين كرّ و فر .

كانت في جنب دار عثمان دار عمرو بن حزم الأنصاري فلما رأى الأنصارى أن الامر لا ينجح فتح لهم باب داره و نادى الناس فاقبلوا إلى دار الأنصاري و تسلقوا على دار عثمان و دخلوا جوف الدار ، فانهزم اصحاب عثمان هرابا في طرق المدينة ، و بقي عثمان في أهل بيته و بعض غلمانه ، و قتل الغلمان ،

دخل محمد بن أبي بكر على عثمان كما ذكره ابن عساكر فقال محمد : على أي دين أنت يا نعثل ؟ قال : على دين الاسلام ، و لست بنعثل ، و لكنّي أمير المؤمنين ،

قال : غيرت كتاب اللّه قال : كتاب اللّه بيني و بينكم .

فتقدم محمد بن ابي بكر و أخذ بلحيته ، و قال : إن اللّه لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول : ربنا انا اطعنا سادتنا و كبرائنا فأضلونا السبيل . و شحطه يده من البيت الى باب الدار و عثمان يقول : يا ابن اخي ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي .

دخل عليه كنانة بن بشر هو الذي فتّش غلام عثمان في الطريق فوجد عنده ذلك الكتاب المزبور و ضربه بنصال السهام ، تم علاه بالسيف ، و ضربه سودان بن حمران المرادي بالسيف حتى قتله ، فانا للّه و إنا اليه راجعون

-----------
( 1 ) البلاذري

[ 218 ]

و اما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره و به رمق فطعنه تسع طعنات ، و قال : اما ثلاث منهن فاني طعنتهن للّه ، و أما ست فاني طعنت إياهم لما كان في صدري عليه .

و اقبل عمير بن ضابى‏ء فكسر ضلعا من اضلاعه ، و قال : سجنت ضائبا ابى حتى مات في السجن ، و ارادا قطع راسه فالقت زوجتاه بنفسهما عليه ، فقال ابن عديس : اتركوه . فتركوه .

و ذكر الحلبي : إن عثمان القي على المزبلة ثلاثة ايام ، و قيل اغلق عليه بابه بعد قتله ثلاثة ايام ، لا يستطيع احد ان يدفنه ، ثم حملوه على باب ، و ان رأسه ليقول طق طق . من سرعة السير و أرادوا دفنه في حش كوكب ، و كانت اليهود تدفن فيه موتاهم 1 و قال ابن ابي الحديد لم يغسل و كفن في ثيابه .

و قال الطبري : ان الذين تولوا تجهيزه كانوا خمسة او ستة .

هذه جملات مقتطفة من إضبارة عثمان المحفوظة في محفظة التاريخ ، و لقد اطلعنا على افعال عثمان ، و عرفنا الأسباب التي سببت قتله ، و ثارت العواطف في اهل المدينة ، و سائر البلاد الاسلامية ، و قد ظهر لنا ان طلحة كان مستوليا على الثوار و كذا الدعايات التي قامت بها عائشة ضد عثمان .

و اليكم قرار المحكمة محكمة التاريخ ، محكمة العدالة الإسلامية ، محكة الضمير الحر المسلم :

بسم اللّه الحكم العدل لقد ثبت ان اعمال عثمان ، و عدم اهتمامه بالولاة و المتصرفين الذين

-----------
( 1 ) الطبري

[ 219 ]

كان يسلطهم على دماء الناس و اموالهم و تصرفه في بيت المال بما شاء ، و بذله تلك الاموال لاقاربه و حاشيته الفاسدة ، تلك الاموال التي بلغت اربعة ملايين و ثلاثمائة و عشرة الاف دينار ، و مائة و ستة و عشرين مليون و سبعمائة و سبعين الف درهم . و ضربه عمارا و ابن مسعود ، و تسفيره ابا ذر ، و شتمه صلحاء الصحابة . و اخيرا ذلك الكتاب الذي وجدوه عند غلامه الى والي مصر . و غير ذلك كلها اشتركت في قتل عثمان و اما الافراد الذين وقعت الواقعة من سوء سياستهم فهو مروان و اشباهه .

و اما الذي دافع عن عثمان . و نصحه و دفع عنه الشر فهو الامام أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب و هو برى‏ء من دم عثمان كل البرائة .

و كل من نسب قتل عثمان الى أمير المؤمنين علي بن ابي طالب فهو إما جاهل بالتاريخ ، او معاند ، تحت اغلال التقليد الباطل و العصبيّة العمياء .

الى هنا انتهت المحاكمة ، و رجع المتهمون الى مكانهم الذي كانوا فيه .

و اما شرح الخطبة و معناها : فيقول عليه السلام .

« لو امرت به لكنت قاتلا » يدفع الامام عليه السلام عن نفسه تهمة قتل عثمان ، فيقول لو كنت آمرا لقتل عثمان لكنت المباشر للقتل ، بلا خوف من أحد ، كما قتلت صناديد العرب و شجعان قريش مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لأن اللّه فوق كل شي‏ء ، و هو أحق بالخشية منه او نهيت عنه لكنت ناصرا » اي كما اني ما امرت بقتل عثمان كذلك ما نهيت عن قتله ، لأن قتله إن كان حراما لوجب علي ان انصره ، فلو وجب عليّ النهي عن قتله لوجب عليّ الدفاع عنه و النصرة له ، و يستفاد من الجملة الأولى انه عليه السلام ما امر بقتل عثمان لما كان يعلم من المفاسد التي تترتب على قتله ، و المستفاد من الجملة الثاني . انه عليه

[ 220 ]

السلام ما نهى عن قتله لعلمه ان كلامه لا تأثير له في المتظاهرين و الثوار ، و خاصته بعد ان ظفروا بذلك الكتاب الموجه الى والي مصر ، و قد تقدم ذكره ، و يمكن أن نقول : ان الامام عليه السلام إنما لم ينه الناس عن قتل عثمان لأنه كان يراهم محقين ، لأن عثمان انما صار خليفة بشروط . و هي العمل بكتاب اللّه و سنة النبي و سيرة الشيخين . و الاعمال التي صدرت منه كانت مخالفة صريحة للقرآن و للسنة ،

و للسيرة ايضا ، و قد عرفت بعض تلك الاعمال ، و لما عرضوا عليه ان يستقيل عن الخلافة ، و يخلع نفسه . قال . لا انزع قميصا ألبسنيه اللّه . فعند ذلك ذهبت عنه حرمة الخلافة ، و لم يبق للبيعة وزن ، فيكون كحال الناس ، و الافعال التي صدرت عنه عمّت العباد و البلاد فسادا كما عرفت .

ثم قال عليه السلام . « غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول : خذله من انا خير منه » اي الذين نصروا عثمان و دافعوا عنه لا يستطيعون ان يقولون .

نحن خير من الذين خذلوا عثمان ، لأن الناصرين لعثمان كانوا فساقا مثل مروان ابن الحكم و اشباهه ، و الذين خذلون عثمان و لم ينصروه هم المهاجرون و الأنصار و لا نستطيع ان نقول . ان المهاجرين و الانصار كانوا على الضلالة و الباطل ، و ان ابن الزرقاء الزانية كان على الحق « و من خذله لا يستطيع ان يقول : نصره من هو خير مني » و معنى الجملتين . ان الخاذلين و التاركين لنصرة عثمان كانوا خير من الناصرين له ، و لا يمكن ان يقول الناصرون . انهم خير من الخاذلين و لا يستطيع الخاذلون ان يقولوا : ان الناصرين لعثمان خير منهم .

ثم قال عليه السلام . « و انا جامع لكم امره » اي مبيّن لكم شأنه بكلام موجز قليل اللفظ كثير المعنى . « استأثر فأساء الاثرة » اي استبد برأيه في كل شي‏ء من الامور ، و أساء في الاستبداد و الدكتاتوريّة لأنه استبد في تولية الولاة ،

[ 221 ]

و التصرف في بيت مال المسلمين ، و سائر الاعمال التي هيّجت عامة القلوب عليه ،

فآل امره الى القتل ، « و جزعتم فأسأتم الجزع » الخطاب موجه الى المسلمين الثوار إذ انهم لم يرضوا بأعماله ، فثاروا عليه فقتلوه ، و كان من المناسب ان يثوروا عليه قبل ذلك ، و ينهوه عن اعماله في اوائل الأمر ، حتى لا ينجر الامر الى ما صار .

« و للّه حكم واقع في المستأثر و الجازع » اي . للّه حكم ثابت محقق ، يحكم به في الآخرة في حق عثمان و قاتليه ، و لا يخفى ما في هذه الكلمات من الايجاز و الابهام ، و الاشارة و التلويح ، على العارف الفطن الذكي .

و هنا انتهت الخطبة الثلاثون