المعنى

لقد ذكرنا في الجزء الأول بعض المراسلات التي جرت بين الامام أمير المؤمنين عليه السلام و بين اولئك الثلاثة : عائشة و طلحة و الزبير ، و حيث ان الزبير كان ابن صفية بنت عبد المطلب ، عمة الامام أمير المؤمنين عليه السلام ، فكان ابو طالب خال الزبير ، فأمير المؤمنين ابن خاله و هو ابن عمته ، أضف الى ذلك أن الزبير كان من حزب علي عليه السلام من يوم وفاة رسول الله صلى اللّه عليه و آله كما ذكرنا في قضايا السقيفة ، إلى يوم الشورى حيث وهب حقه من الشورى لابن خاله أمير المؤمنين عليه السلام ، تقوية لجانبه ، و هو الشخص الثاني الذي بايع أمير

[ 223 ]

المؤمنين عليه السلام بعد مقتل عثمان ، فكان من حزب علي المدافعين عنه ، الناصرين له ، و لكن ابنه المشؤم عبد اللّه هو الذي استولى على ابيه و انحرف به عن الطريق كما قال الامام : ما زال الزبير منا أهل البيت حتى شب ابنه عبد اللّه . علاوة على ذلك كان الزبير ممن قاتل مع رسول الله ، فخرج و هو غلام يسعى بسيفه مشهورا .

قال عليه السلام لابن عباس : « لا تلقين طلحة ، فاتك ان تلقه تجده كالثور عاقصا قرنه ، يركب الصعب و يقول : هو الذلول . » نهى الامام عليه السلام ابن عباس انى يلقي طلحة ، فأخبر انه كالثور الملتوي قرنه ، او الثور الذي يرخى رأسه و يطأطأه ، فيعقص قرنيه استعدادا للخصومة و المحاربة ، و هذا اشارة الى استعداده للشر بجميع معنى الكلمة ، و أما قوله عليه السلام : يركب الصعب و يقول : هو الذلول ، فمعناه الاستهانة بالامور المستصعبة ، و التهور في الاقدام و المجازفة في الاعمال ، و شراسة الاخلاق و امثال هذا الشخص لا ينفع معه الكلام لغروره ، و اعجابه بنفسه و اعتماده عليها ، و لهذا نهى أمير المؤمنين عليه السلام ابن عباس ان يتفاهم مع طلحة ، و امره أن يلقي الزبير ، فقال له : « و لكن الق الزبير ، فانه الين عريكة » لأنه امكن التفاهم معه لأنه لين الطبيعة و الجانب ،

ينفع معه الكلام ، كما روى ابن ابي الحديد عن فروة بن الحرث قال : كنت فيمن اعتزل عن الحرب بوادي السباع مع الاحنف بن قيس ، و خرج ابن عم لي يقال له : الجون . مع عسكر البصرة ، فنهيته ، فقال : لا أرغب بنفسي عن نصرة ام المؤمنين و حواري رسول اللّه .

فخرج معهم ، فاني لجالس مع الأحنف ، يستنبي‏ء الأخبار ، اذا بالجون بن قتادة ابن عمي مقبلا ، فقمت اليه و اعتنقته و سألته عن الخبر ، فقال : اخبرك العجب : خرجت و انا لا اريد ان ابرح الحرب ، حتى يحكم الله بين الفريقين ،

[ 224 ]

فبينا انا واقف مع الزبير اذ جائه رجل فقال :

ابشر ايها الامير ، ان عليا لما رأى ما اعد اللّه له من هذا الجمع نكص على عقبية و تفرق عنه اصحابه و اتاه آخر فقال له الزبير : ويحكم ابو حسن يرجع ؟ و اللّه لو لم يجد الا العرفج لدبّ الينا فيه . ثم اقبل رجل فقال : ايها الامير : ان نفرا من اصحاب علي فارقوه ليدخلوا معنا ، منهم عمار بن ياسر . فقال الزبير : كلا و رب الكعبة ، ان عمارا لا يفارقه ابدا . فقال الرجل : بلى و اللّه . مرارا ، فلما رأى الزبير ان الرجل ليس براجع عن قوله بعث معه رجلا آخر و قال : اذهبا فانظرا . فعادا و قال : عمار قد اتاك رسولا من عند صاحبه . قال جون : فسمعت و اللّه الزبير يقول : وا إنقطاع ظهراه ، و اجدع انفاه ، و اسواد وجهاه ، يكرّر ذلك مرارا ، ثم اخذته رعدة شديدة ، فقلت : و اللّه ان الزبير ليس بجبان ، و انه لمن فرسان قريش المذكورين ، ان لهذا الكلام لشأنا و لا اريد ان اشهد مشهدا يقول اميره هذه المقالة ، فرجعت اليكم . . . الخ قال عليه السلام لابن عباس « فقل له : يقول لك ابن خالك » اي الامام نفسه ، و انما قال : ابن خالك و لم يقل يقول لك علي او أمير المؤمنين أو ابو الحسن لما في هذه الكلمة من الاستمالة و الاذكار بالنسب و الرحم ، و لا يخفى ما فيها من الملاطفة ، و التأثير في القلب و النفس .

« عرفتني بالحجاز و انكرتني بالعراق » اي كنت تعرف مكانتي و مقامي و فضائلي حينما كنت في المدينة ، و لهذا جردت سيفك يوم هجم القوم على داري ليأخذوني الى بيعة ابي بكر ، و وهبت حقك من الشورى لي في يوم الشورى ،

و كنت ثاني من بايعني ، هذه اعمالك لي في المدينة ، و الآن خرجت الى البصرة مستعدا لقتالي كانك لم تعرفني ، و لم تعرف لي شيئا من مؤهلات الخلافة « فما

[ 225 ]

عدا مما بدا » أي ما جاوز بك عن بيعتي مما بدا و ظهر لك من تلك الأمور ؟ ؟

أو ما الذي صدك و منعك عن طاعتي بعد اظهارك لها و ما الذي صرفك عن إعتقادك السابق ؟

و قد روى الزبير بن بكار في الموفقيات قال : لما سار علي عليه السلام إلى البصرة بعث ابن عباس فقال له ائت الزبير فاقرأ عليه السلام و قل له : يا ابا عبد اللّه كيف عرفتنا بالمدينة و انكرتنا بالبصرة .

قال ابن عباس : أ فلا اتي طلحة قال : لا ؟ اذن تجده عاقصا قرنه في حزن يقول : هذا سهل . فأتيت الزبير فوجدته في بيت يتروح في يوم حار و عبد اللّه إبنه عنده فقال : مرحبا بك يا ابن لبابة جئت زائرا ام سفيرا قلت : كلا ، ان ابن خالك يقرأ عليك السلام و يقول لك : يا ابا عبد اللّه كيف عرفتنا بالمدينة و انكرتنا بالبصرة فقال : علقتهم أني خلفت عصبة قتادة تعلقت بنشبة لن ادعهم حتى اؤلف بينهم .

قال ابن عباس : فاردت منه جوابا غير ذلك فقال لي ابنه قل له بيننا و بينك دم خليفة ، و وصي خليفة ، و اجتماع اثنين و انفراد واحد و ام مبرورة و مشاورة العشيرة . قال ابن عباس فعلمت انه ليس وراء هذا الكلام الا الحرب فرجعت إلى علي عليه السلام فأخبرته .

و روي عن ابن عباس قال اتيت الزبير فقلت له ، فقال لي قل له اي لعلي عليه السلام اني اريد ما تريد . كأنه يقول : الملك . فلم يزدني على ذلك فرجعت إلى علي فأخبرته .

و هنا انتهت الخطبة الحادية و الثلاثون

[ 226 ]