المتن

و من خطبة له عليه السلام :

أيّها النّاس : إنّا قد أصبحنا في دهر عنود ، و زمن كنود ،

يعدّ فيه المحسن مسيئا ، و يزداد الظّالم فيه عتوّا ، لا تنتفع بما عملنا ، و لا نسأل عمّا جهلنا ، و لا نتخوّف قارعة حتّى تحلّ بنا .

فالنّاس على أربعة أصناف :

منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه ، و كلالة حدّه ، و نضيض وفره .

و منهم المصلت لسيفه ، و المعلن بشرّه ، و المجلب بخيله و رجله ، قد أشرط نفسه ، و أوبق دينه ، لحطام ينتهزه ، أو مقنب يقوده ، أو منبر يفرعه ، و لبئس المتجر أن ترى الدّنيا لنفسك

[ 227 ]

ثمنا ، و ممّا لك عند اللّه عوضا .

و منهم من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة ، و لا يطلب الآخرة بعمل الدّنيا ، قد طأمن من شخصه ، و قارب من خطوه ، و شمّر من ثوبه ، و زخرف من نفسه للأمانة ، و اتّخذ ستر اللّه ذريعة إلى المعصية .

و منهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه ، و إنقطاع سببه ،

فقصّرته الحال على حاله ، فتحلّى باسم القناعة ، و تزيّن بلباس أهل الزّهادة ، و ليس من ذلك في مراح و لا مغدى .

و بقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع ، و أراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين شريد نادّ ، و خائف مقموع ، و ساكت مكعوم و داع مخلص ، و ثكلان موجع ، قد أخملتهم التّقيّة ،

و شملتهم الذّلّة ، فهم في بحر أجاج ، أفواههم ضامزة و قلوبهم قرحة ، قد وعظوا حتّى ملّوا ، و قهروا حتّى ذلّوا ، و قتلوا حتّى قلّوا .

[ 228 ]

فلتكن الدّنيا في أعينكم أصغر من حثالة القراظ ( القرظ خ ل ) و قراضة الجلم ، و اتّعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم ، و ارفضوها ذميمة ، فإنّها قد رفضت من كان أشغف بها منكم . قال الرضى رحمه اللّه : اقول : هذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له الى معاوية و هي من كلام أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا يشك فيه . و اين الذهب من الرغام ، و العذب من الاجاج ؟ و قد دل على ذلك الدليل الخريت ، و نقدّه الناقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ ، فانه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان و التبيين و ذكر من نسبها الى معاوية ، ثم قال : هي بكلام علي عليه السلام اشبه ،

و بمذهبه في تصنيف الناس و بالاخبار عما هم عليه من القهر و الاذلال و من التقية و الخوف أليق ، قال : و متى وجدنا معاوية في حال من الاحوال يسلك في كلامه مسلك الزهاد و مذاهب العبّاد .