المعنى

ايها الناس انا قد اصبحنا في دهر عنود و زمن شديد » و في نسخة . زمن كنود . إسناد الخير و الشر الى الزمان انما هو باعتبار وقوعهما فيه ، كالغلاء و الرخص ، و العدالة و الظلم ، و العلم و الجهل ، و لهذا ترى القرآن الكريم يسند الجهل الى زمان قبل الاسلام ، باعتبار كثرة الجهل و الجاهلين ، و في اليوم الحاضر ينسب العلم و التقدم الى الزمان فيقال . عصر النور ، عصر الحضارة و التمدن و هكذا ، فالدهر العنود هو الزمان الذي مال عن الاعتدال ، إعتدال كل شي‏ء و بيان ذلك .

« يعد فيه المحسن مسيئا ، و يزداد الظالم عتوا » لما انتشر الباطل و الضلالة بين الناس و ضعف الحق و اهله ، و غلب الظلم و الجور على المجتمع تغيرت الاشياء و انقلبت ،

فصار الحسن قبيحا و القبيح حسنا ، فصار المحسن و هو كل من احسن بيده و لسانه و ماله مسيئا ، و اظهر المصاديق في هذا الزمان هو الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر ، فانك ترى الامر بالمعروف الذي احسن الى الناس و ارشدهم و نبّههم و اوقظهم ، و حرص على سلامة دينهم و اعراضهم و شرفهم قد اسند اليه الرجعية تارة و سائر الكلمات القبيحة اخرى .

[ 230 ]

ثم الظالم و هو الذي يظلم الناس حقوقهم و اموالهم و كل ما عندهم ينبغي ان يكون خجلا منفعلا من اعماله ، مستحيا من جرائمه و جناياته و لكن بالعكس تراه يزداد تجبرا و تكبرا يوما بعد يوم ، فهل الظلم يمنح الظالم هذا الوسام . و هو و سام الجبروت و الطغيان ؟

« لا ننتفع بما علمنا ، و لا نسأل عما جهلنا ، و لا نتخوف قارعة حتى تحل بنا » هذه نتائج الغفلة ، او ثمرات العجب و الرضا بالنفس ، و هذا الكلام و ان كان بصيغة المتكلم ظاهرا ، و لكن الواقع هو الاخبار عن حال الناس او طائفة مخصوصة ، و الا فلا يتصور ان يكون أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام موصوفا بهذه الأوصاف ،

و الاوصاف . علم بلا عمل ، اي عدم الانتفاع بالمعلومات الموجودة ، كالطبيب يمترض و لا يعالج نفسه و هو يعرف العلاج ، و الرجل الفنان يتحمل الفقر و لا يستفيد من فنونه و علومه ، و كذلك المسلم المؤمن يعلم ما اوجب اللّه تعالى عليه من التكاليف فلا يعمل ، او جهل مطبق مخيم عليه ، فيستنكف ان يسأل ، و يبقى على جهله و تقصيره فتارة يقع في الحرام و لا يستطيع الخروج ، و لا خلاص و لا مناص ، أو تستولي الغفلة عليه ، فلا يخاف من المصائب و البلايا الى ان تجري عليه ، مثلا .

نرى دار الظالم قد صارت خرابا و لا نخاف من الظلم ، نرى ذلك الذي قطع رحمه قد قصر عمره فلا نصل ارحامنا ، نرى الزاني آل امره الى الفقر ، و اللائط الى العمى ، و المسرف و المترف الى زوال النعمة ، فلا نعتبر ، و لا نخاف و لا نزال نستمر على المعاصي حتى ينزل علينا العذاب ، فعند ذلك لا ينفع الندامة ثم ان الامام امير المؤمنين عليه السلام قسّم الناس على خمسة اصناف فقال :

[ 231 ]

« الناس على اربعة اصناف » الصنف الاول « منهم من لا يمنعه الفساد في الارض الا مهانة نفسه » حيث ان الظلم كمين في كل احد ، فاذا حصلت القوة ظهر الظلم ،

و اذا حصل العجز خفي الظلم ، كذلك سائر المعاصي ، فترى بعض الناس يخاف من الظلم لحقارة نفسه ، « و كلالة حده » أي عجزه « و نضيض وفره » اي فقره و قلة ماله .

و الصنف الثاني . « و منهم المصلت لسيفه » و هو الذي يريد الاستيلاء و السلطة على الناس بالقوة و القدرة ، فيشهر سيفه استعدادا لاراقة الدماء « و المعلن بشره ،

و المجلب بخيله و رجله » اي العصابة و الجماعة من الهمج ، و أذناب الاقوياء الظالمين ،

« قد اشرط نفسه » و اعدها للفساد في الارض فساد كل شي‏ء ، فساد الاخلاق و غير الاخلاق « ، و اوبق دينه » اي ضيع دينه و اهلكه ، لما ذا ؟ « لحطام ينتهزه » اي لمتاع الدنيا يغتنمه لاجل الدنيا ، و لكنه يبيع آخرته ، مثلا . صاحب المقهى يهيّأ في محله آلات القمار و سائر المنكرات جلبا لاموال الناس ، جلبا لحطام الدنيا فيشتري الدنيا و يبيع الدين و الآخرة ، و تارة يكون هلاك الدين و ضياعه بأمور اخرى « او مقنب يقوده او منبر يفرعه » اي للرياسة و السيادة ، بالخيالة يقودها للغزو و النهب و الحرب او منبر الامارة و الخلافة يصعده و يعلوه ، او يعلو اسمه على المنابر و يهتف باسمه للخلافة و الرئاسة و الملك و السلطنة « و لبئس المتجر ان ترى الدنيا لنفسك ثمنا » اي بئست التجارة ان الشخص يبيع نفسه بالدنيا ، و يجعل ثمن نفسه حطام الدنيا ، مع العلم ان ثمن المؤمن الاخرة ، و ثواب اللّه و الدرجات العالية في الجنة ، « و مما لك عند اللّه عوضا » ان الانسان يكون عوضه من الله في الدنيا فقط ، و لا يكون له آخرة ، كما قال تعالى . من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً

[ 232 ]

و الصنف الثالث « و منهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ، و لا يطلب الآخرة بعمل الدنيا » و هو المرائي المحتال ، الذي يتظاهر بالصلاح و الزهادة جلبا لقلوب الناس إليه لأغراضه الشخصية الدنيوية ، فانه يطلب الدنيا بعمل الآخرة و هو الزهادة و العبادة ، و لكن المسكين لا يطلب الآخرة و الجنة بالعمل في الدنيا ، و لا شك أن الذي يريد جلب القلوب إلى نفسه لا بد و ان يتواضع لكل احد « قد طأمن من شخصه » و هو الانحناء للناس أمامهم او « و قارب من خطوه » اي يمشي على وقار و سكينة ، و متانة و رزانة ، « و شمر من ثوبه » أي قصر ثيابه إحترازا عن النجاسة و إظهارا للطهارة بزعمه « و زخرف نفسه » اي زينها بزينة عباد اللّه الصالحين ،

فالقرآن تحت ابطه و السبحة بيده يديرها متمتما بلسانه ، « و اتخذ ستر اللّه ذريعة الى المعصية » كل ذلك ليرغب إليه الناس ، و يطمئنوا به ، و يعظم قدره عندهم ،

و أحسن مثال و أظهر مصداق للرجل المرائي الذي يطلب الدنيا بعمل الآخرة هو عبد اللّه بن الزبير ، فانه لما مات معاوية و استولى يزيد على الخلافة ، رشح ابن الزبير نفسه للخلافة ، و هرب من المدينة الى مكة ، و لزم جانب الكعبة فهو قائم يصلى عندها و يطوف ، و كان الحسين عليه السلام ايضا بمكة ، و كان اثقل خلق اللّه على ابن الزبير ، لانه عرف أن اهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين في البلد ، و قد اخبر الامام عليه السلام في بعض كلماته عن ابن الزبير بقوله عليه السلام :

خب ضب ، يروم أمرا فلا يدركه ، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا ، و هو مصلوب قريش .

و الصنف الرابع : « و منهم من اقعده عن طلب الملك ضؤلة نفسه » لأن الانسان انما يرقى الى المعالي و السمو بقوة نفسه ، فاذا كانت النفس حقيرة ضعيفة دنيئة فلا طريق لها الى الملك بسبب الحقارة و الضعف ، « و انقطاع سببه » من

[ 233 ]

الفقر و عدم الاسباب المعدّة للرئاسة و لهذا اتخذ لنفسه طريق الخدعة و ذلك « فقصرته الحال على حاله » اي وقف على حاله إذ لم يبلغ الى ما اراد ، و اما الحيلة التي احتالها انه « تحلي باسم القناعة و تزين بلباس اهل الزهادة » و عرف نفسه بانه زاهد لا يرغب الى الدنيا و ما فيها ، و انه يقنع بالقليل بما في يده من المال ، و الحال انه كاذب في دعواه « و ليس من ذلك في مراح و لا مغدى » فليس هو من اهل القناعة و لا الزهادة ، فلا يومه كيوم الزهاد في الصوم ، و لا ليله كليالي العباد في الصلاة و العبادة .

الى هنا كان الكلام في تقسيم اهل الدنيا و اوصافهم ، ثم ذكر عليه السلام أوصاف اهل الآخرة و اهل الحق و اليقين فقال عليه السلام : « و بقي رجال » غير الأصناف الأربعة و هم موصوفون بهذه الأوصاف : « غضّ ابصارهم ذكر المرجع » اي ذكر القيامة غض ابصارهم عن الحرام ، و التوجه الى غير اللّه تعالى ،

« و اراق دموعهم خوف المحشر » كما هو شأن أولياء اللّه الذين يرون انفسهم بين الياس و الرجاء ، ثم قسم عليه السلام انواعهم فقال : « فهم بين شريد ناد » اي مطرود خائف ، او متوحش من الخلق « و خائف مقموع » و هو المغلوب على حقه « و ساكت مكعوم » كانه مشدود الفم لا يستطيع الكلام خوفا و تقيّة ،

« و داع مخلص و ثكلان موجع » داع يدعو اللّه تعالى الفرج و النجاة ، او ثكلان مصاب ، قد اوجعت المصيبة قلبه ، اما مصيبة الدين ، او سائر مصائب الحياة ،

« قد اخملتهم التقية » و الخوف من الظالمين « و شملتهم الذلة » بسبب التقية ،

« فهم في بحر اجاج » لأن ماء البحر مالح حاد لا يصلح للشرب و حال هؤلاء « افواههم ضامزة » اي شفاههم ساكتة ساكنة من الكلام ، و قلوبهم قرحة مما

[ 234 ]

يشاهدون من المنكرات مع عدم التمكن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر « قد وعظوا حتى ملوا » لعدم توجه الناس الى كلامهم ، و عدم تاثير المواعظ فيهم « و قهروا حتى ذلوا » لأن الذي يعارض أهواء الناس لا يرى إلا القهر و الذلة ،

كما هو شأن عباد اللّه الصالحين « و قتلوا حتى قلوا » كما صنعه معاوية و زياد بن ابيه ،

و ابن زياد و غيرهم من الذين قتلوا أولياء اللّه المقربين ، و اسملوا عيونهم ، و عذّبوهم بأنواع التعذيب .

فاذا كانت الدنيا هكذا « فلتكن الدنيا في اعينكم أصغر من حثالة القرظ » و هي ما يسقط من الدباغ « و من قراضة الجلم » و هي ما يسقط من أوبار الابل عند قرضها و قطعها ، « و اتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم » فان الانسان اذا نظر و فكر في احوال السابقين الذي اختطفتهم المنية ، فصاروا رهائن التراب ، و تركوا ما جمعوا حصلت له حالة إنزجار و توبه ، و ينبغي الاتعاظ قبل الموت ، فاذا مات اتعظ به من بعده ،

« و ارفضوها ذميمة فانها قد رفضت من كان أشغف بها منكم » اذا كانت الدنيا هكذا فينبغي تركها ، لأنها مذمومة عند الأنبياء و الأوصياء و اهل البصائر و اولى الألباب ، و لأنها قد رفضت و تركت الذين كانوا اشد لها حبا ، و اجمع منها مالا ، فان الانسان اذا لم يترك الدنيا تركته الدنيا ،

هذه الخطبة من اولها إلى آخرها في المواعظ و النصائح و التزهيد و الترغيب ،

و خاصة بيان حال جماعة من عباد اللّه الذين أخملتهم التقية و الخوف ، فلا يشك عاقل في إسناد الكلام الى أمير المؤمنين ، و لا يناسب هذا الكلام مع معاوية السفاك الغدار الكافر ، الذي حارب وصي رسول اللّه ، و اراق دماء مائة و ستين الفا من الناس لأجل الرئاسة و حب الدنيا و هنا انتهت الخطبة الثانية و الثلاثون

[ 235 ]