المعنى

في الثامن من البحار عن ارشاد المفيد : لما توجه أمير المؤمنين عليه السلام إلى البصره نزل الربذة ، فلقيه بها آخر الحاج ، فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه و هو في خبائه ، قال ابن عباس رضي اللّه عنه : فأتيته فوجدته يخصف نعلا فقلت له : نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منا الى ما تصنع . فلم يكلمني حتى فرغ من نعله ، ثم ضمها الى صاحبتها ، و قال لي : قوّمهما . قلت : ليس لهما قيمة . قال على ذاك .

قلت : كسر درهم . قال : و اللّه لهما أحب الي من أمركم هذا ، الا ان اقيم حدا أو ادفع باطلا .

قلت : ان الحاج اجتمعوا ليسمعوا من كلامك ، فتأذن لي ان اتكلم ؟ فان

[ 237 ]

كان حسنا كان منك ، و ان كان غير ذلك كان مني قال : لا ، انا اتكلم ،

ثم وضع يده على صدري و كان شثن الكف فآلمني ، ثم قام ، فأخذت بثوبه و قلت . نشدتك اللّه و الرحم قال : لا تنشدني ثم خرج ،

فاجتمعوا عليه ، فحمد اللّه و اثنى عليه ثم قال اما بعد : فان اللّه بعث محمدا . . . الخ .

« ان اللّه بعث محمدا و ليس احد من العرب يقرأ كتابا و لا يدعى نبوة » أشار عليه السلام الى انحطاط الناس في الجاهلية من حيث الثقافة و العلم ، او من حيث عدم وجود كتاب سماوي صحيح عندهم ، لان الصحف السماوية التي كانت عندهم قد لعبت بها يد التحريف و التغيير ، من الحذف و الالحاق ،

و الاسقاط و الابدال ،

و لما بعث النبي صلى اللّه عليه و آله « فساق الناس حتى بوّأهم محلتهم » اي ضرب الناس بسيفه على الاسلام حتى أسكنهم منزلهم و مرتبتهم .

« و بلغهم منجاتهم » اي اوصلهم الى محل نجاتهم التي لا خوف عليهم ، اما النجاة من العدو و هم الذين كانوا يعيشون بالغزو و النهب و السلب ، او النجاة من عذاب الآخرة .

« فاستقامت قناتهم » اي اطمأنت احوالهم بعد التزلزل و الاضطراب و العوج « و اطمأنت صفاتهم » اشارة و استعارة و كناية عن حصول القوة و الغلبة لهم و قيام دولتهم ، و استقرار احوالهم بعد تلك الذلة و المسكنة و الخوف الشامل للجميع .

هذه الاضطرابات ما هدأت ، و تلك الفتن ما خمدت ، و الاسلام ما قام و لا استقام إلا بسيف أمير المؤمنين عليه السلام ، و جهاده المتواصل في سبيل اللّه ،

[ 238 ]

و دفاعه عن رسول الله صلى اللّه عليه و آله ، في جبهات القتال ، كما يشهد بذلك التاريخ ، و مواظن الامام أمير المؤمنين عليه السلام و مواقفه في الاسلام ، و في سبيل الحماية على رسول الله كثيرة جدا . و منها يوم أحد ، لما انهزم المنافقون او المخالفون من اصحاب النبي ، و استشهد الصفوة و الزبدة من اصحابه المخلصين ،

و بقي النبي وحده و قد جرح بجروح ، و عصابات العدو تهجم و تحمل ، و كتائب جيش الكفر تريد إغتيال النبي ، و ليس معه احد الا الامام علي ، و حينما تقصده كتائب الجيش للقضاء على القيادة الاسلامية العليا ، كان النبي يتوجه الى ذلك المحامي المجاهد الصادق علي بن ابي طالب قائلا : يا علي اكشفها عني ، فيحمل عليهم حيدرة ، و بيده قاصم الاعمار فيحصد الرئوس ، ثم تهجم كتيبة اخرى من الشجعان و رؤساء الجيش على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فيقول الرسول : يا علي فرّقها عني فلم يزل علي يخوض في غمرات الموت ، و يسقى الأرض من دماء الكفر حتى إنكسر سيفه فرجع إلى النبي بسيفه المكسور معتذرا مشتكيا ، فاعطاه النبي ذا الفقار فقاتل و جاهد و حمل و هجم ، و قطع و حصد حتى هتف أمين الوحي هتافا سمعه كل ذي سمع بقوله : لا فتى إلا علي ، لا سيف الا ذو الفقار .

قال عليه السلام : « أما و اللّه ان كنت لفي ساقتها » اي كنت اطرد و اسوق تلك الكتائب المقبلة لحرب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في حروبه و غزواته « حتى ولت بحذافيرها اي انطردت و انهزمت جميعا ، و لم يبق منها شي‏ء ، ثم اشار عليه السلام الى استقامته في الحروب و ثباته في الزلازل ، و قدرته على مقاتلة الشجعان ، و استعداده للقضاء على صناديد الشرك فقال : « ما ضعفت و لا جبنت » و لا عجزت عن الجهاد و لا انهزمت من العدو ، و لا فررت من الزحف ،

لما ذكر عليه السلام هذه الجملات كمقدمة انتقل إلى الكلام الاصلي فقال :

[ 239 ]

« و ان مسيري هذا لمثلها » اي كما كنت اجاهد و اقاتل و احارب الكفار في سبيل اللّه بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله كذلك اليوم احارب هؤلاء و اسير اليهم كما كنت احارب من كان قبلهم من غير شك و من غير ضعف و عجز و جبن ، بل بذلك القلب القوى و تلك القدرة الالهية و الشجاعة الربانية « و لأنقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه » شبه عليه السلام الباطل بحيوان قد ابتلع شيئا ثمينا ،

و لا طريق الى اخراج ذلك الشي‏ء الثمين الا بشق بطن ذلك الحيوان حتى يخرج منه الشي‏ء الثمين ، ثم قال عليه السلام : « ما لي و لقريش » اي ما الذي يريدون مني ؟

و لما ذا يجحدون حقي ؟ ، و لما ذا غصبوا حقي بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ؟ ثم اوصي أبو بكر بالخلافة للثاني ، و جعله شورى بين ستة ، مع ترجيح جانب عبد الرحمن بن عوف ؟ و لما ذا و لما ذا ؟ ؟ و لما بايعوني لما ذا استحلوا بيعتي و نقضوها ، و هيجوا عليّ الناس ، و أثاروا الفتن ، و اتهموني بقتل عثمان ؟

« و اللّه لقد قاتلتهم كافرين » حينما حاربوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من قبل « و لأقاتلنهم مفتونين » الفتنة : الابتلاء و الامتحان و الاختبار ، كما ورد في الوسائل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله انه قال : يا علي ان اللّه تعالى قد كتب على المؤمنين الجهاد في الفتنة بعدي ، كما كتب عليهم الجهاد مع المشركين معي .

فقلت يا رسول اللّه : و ما الفتنة التي كتب علينا فيها الجهاد ؟ قال : فتنة قوم يشهدون أن لا اله الا اللّه و اني رسول الله ، و هم مخالفون لسنتي ، و طاعنون في ديني . فقلت . و على م نقاتلهم يا رسول الله ؟ و هم يشهدون ان لا اله الا الله ،

و انك رسول الله ؟ فقال : على احداثهم في دينهم ، و فراقهم لأمري و استحلال دماء عترتي .

لا شك بين الامامية ان كل من خرج على إمام زمانه كافر يجوز قتله ،

[ 240 ]

سواء كان واحدا كابن ملجم عليه لعائن الله ، او كانوا جماعة و طوائف كأصحاب الجمل و صفين و النهروان ، و لكن هناك فرق بينهم و بين سائر الكفار و المشركين كما صرح بذلك الامام أمير المؤمنين عليه السلام كما في كتاب الدعائم : ان عليا عليه السلام سئل عن الذين قاتلهم من اهل القبلة : أ كافرون هم ؟ قال عليه السلام : كفروا بالاحكام و كفروا بالنعم ، ليس كفر المشركين الذين دفعوا النبوة ، و لم يقروا بالاسلام ، و لو كانوا كذلك ما حلت لنا مناكحتهم ،

و لا ذبائحهم و لا مواريثهم .

كما و ان عليا عليه السلام عامل مع قتلى اصحاب الجمل و صفين و النهروان معاملة النبي مع قتلى الكفار و المشركين ، فانه عليه السلام ما صلى على قتلاهم و لما امر بها بل اباح مواراة قتلاهم ، كما ذكرنا في الجزء الاول ، و لا شك انه عليه السلام لو كان يقر باسلامهم لما حاربهم ، كما صرح بذلك يوم ارادوا تنظيم الكتاب لتحكيم الحكمين في صفين و ستعرف تفصيله ،

ثم قال عليه السلام : « و اني لصاحبهم بالامس كما انا صاحبهم اليوم » يعني محاربة هؤلاء اليوم كمحاربة المشركين يوم امس مع رسول اللّه ، و شجاعتى و بصيرتي في ديني اليوم كشجاعتي و قدرتي يوم امس ، و كما جاز لي قتالهم امس كذلك اليوم .

و قد ذكر ابن ابي الحديد هذه الجملة في ذيل هذه الخطبة ، فقال : عليه السلام « و اللّه ما تنقم منا قريش الا ان اللّه اختارنا عليهم ، فأدخلناهم في خيرنا فكانوا كما قال الأول :

أدمت لعمري شربك المخص صابحا
و أكلك بالزيد المقشرة البحرا

و نحن وهبناك العلاء و لم تكن
عليا ، و حظنا حولك الجرد و السمرا

[ 241 ]

و معناها : أن الشي‏ء الذي يحدنا قريش عليه هو ان اللّه تعالى إختارنا للنبوة و الخلافة و الوصاية و الوراثة و الولاية ، و اعطانا علوم الأولين و الآخرين ،

و فضلنا على جميع خلقه ، كل ذلك ببركة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، فاكتسبت قريش منا الشرف و الفضيلة ، و افتخرت على العرب بأن محمدا منها ، ثم تمثل عليه السلام بالبيتين لاحد الشعراء يخاطب خصمه مفاخرا عليه : أنك لم تشرب اللبن الذي يحلب صباحا ، و تأكل الزبد مع التمر الذي اخرج منه النوي ، و لم تكن من أهل المجد و السؤددإلا بنا ، و نحن وهبناك العلاء و الشرف و لم تكن من اهل العلى ، و حطنا حولك الفارس و الرامح كناية عن حصول الجلالة و العظمة ،

تمت الخطبة الثالثة و الثلاثون .