المعنى

خطب الامام عليه السلام بهذه الخطبة بعد فراغه من واقعة النهروان مع الخوارج ، فحمد للّه و أثنى عليه ، ثم قال : أما بعد : فان اللّه قد أحسن نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام .

[ 244 ]

فقاموا إليه و قالوا له : يا امير المؤمنين : قد نفدت نبالنا ، وكّلت سيوفنا ،

إرجع بنا إلى مصرنا لنصلح عدّتنا ، و لعل أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا ، لنستعين به . فأجابهم عليه السلام : يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب اللّه لكم ، و لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين .

فقالوا : ان البرد شديد . فقال عليه السلام : إنهم يجدون البرد كما تجدون فتلكأوا و ابوا .

فقال عليه السلام : أف لكم انها سنة جرت . ثم تلى قوله تعالى : قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبّارين ، و انا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فإنا داخلون فقام ناس منهم و اعتذروا بكثرة الجراح في الناس و طلبوا ان يرجع بهم الى الكوفة اياما ، ثم يخرج . فرجع عليه السلام بهم غير راض و انزلهم النخيله ، و امر الناس ان يلزموا معسكرهم ، و يقلوا زيارة اهلهم و ابنائهم حتى يسير بهم الى عدوهم ، فلم يقبلوا و دخلوا الكوفة ، حتى لم يبق معه من الناس الا رجال من وجوههم قليل ، و بقي المعسكر خاليا ، فلا من دخل الكوفة رجع اليه و لا من اقام معه صبر ، فلما رأى ذلك دخل الكوفة فخطب الناس ، فقال :

ايها الناس : استعدوا القتال عدو في جهادهم القربة الى اللّه ، و درك الوسيلة عنده ، قوم حيارى عن الحق لا ينصرونه ، موزعين بالجور و الظلم لا يعدلون به و جفاة عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان ، و يتسكعون في غمرة الضلال ، فاعدّوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ، و توكلوا على اللّه ، و كفى باللّه وكيلا .

فلم ينفروا فتركهم اياما ثم خطبهم فقال : « اف لكم لقد سئمت عتابكم » و تعبت و مللت من كثرة مخالفتكم و تثاقلكم عن الجهاد ، « ا رضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا » لانكم تحبون البقاء في الحياة الدنيا عوضا عن الثواب الجزيل

[ 245 ]

و الاجر الكثير و الدرجات الرفيعة للمجاهدين و الشهداء في سبيل اللّه « و بالذل من العز خلفا » اي رضيتم بالذل عوض العز لان العدو يستولي على بلادكم و يجعل اعزة اهلها اذلة ، بسبي نسائكم و ذراريكم و كما فعله بسر بن ارطاة و سفيان بن عوف .

« اذا دعوتكم الى جهاد عدوكم دارت اعينكم ، كأنكم من الموت في غمرة و من الذهول في سكرة » وصف الامام عليه السلام حالهم اذا دعاهم الامام الى الجهاد ، و ما يستولي عليهم من شدة الخوف ، كالذي يعالج سكرات الموت ،

عيناه مفتوحتان شاخصتان بدون تحرك ، من الغفلة و الذهول عن كل شي‏ء ،

كالفاقد شعوره من السكر « يرتج عليكم حواري فتعمهون » اي اذا خاطبتكم و امرتكم بالجهاد تحيرتم عن جوابي و اغلق عليكم مجاوبني و مخاطبتي ، لا تعلمون بما ذا تجيبون اذ لا جواب لكم و لا تعلمون كيف تعتذرون اذ لا عذر لكم عن القعود و التثاقل عن الجهاد ، « فكأن قلوبكم مألوسة فانتم لا تعقلون » كأن قلوبكم مجنونة لا تدرك و لا تعقل و لا تشعر ، و لا تفهمون كلامي ، و لا تعرفون ما يصلحكم ، و لا تميزون بين المحسن و القبيح ، و الجيد و الردى‏ء ، « ما انتم لي بثقة » و لا اعتمد عليكم « سجيس الليالي » هذه الكلمة تقال للابد ، اي لا اعتمد على مواعيدكم ابدا و الى النهاية ، و ذلك لما شاهدت منكم من الخيانة و خلف الوعد و عدم الوفاء بالعهد .

« و ما انتم بركن يمال بكم » فان الجدار اذا اشرف على السقوط اسند اليه عمود او شي‏ء آخر يمنعه من السقوط اذا مال ، يقول عليه السلام : لستم ممن ينتفع بكم ، لدفع الخطر ، او حفظ البلاد .

[ 246 ]

و لا زوافر عز يفتقر اليكم » و اي لستم من يرجى منكم العز ، كأنصار الرجل و عشيرته الذين يعتزّ بهم ، و يفتقر اليهم ليمنعوا عنه العدو ، و يدافعوا عنه ،

و يعاضدوه و ينصروه ،

« ما انتم الا كإبل ضل رعاتها » شبه الامام عليه السلام اولئك المتقاعدين عن الجهاد بالابل او قطيعة الغنم في القفر ، و قد ضل رعاتها ، لا يعرفون الطريق ،

فبقوا حيارى واقفين ، لا يدرون ما يصنعون و من اين يذهبون و ما الابل في تلك الساعة « فكلما جمعت من جانب إنتشرت من آخر » شأن البهائم و الحيوانات أن بعضها اذا إنفصل عن القطيعة و أراد الراعي جمعه و رده الى مكانه ، انفصل القسم الآخر و انتشر الجانب الثالث ، و هذه كلها كنايات عن آرائهم المتفرقة ،

و أهوائهم المتشتة ، و عدم إجتماعهم على أمر إمامهم و اطاعته في اصلاح حالهم السياسية و الدينية و الاقتصادية .

لبئس لعمر الله سعر الحرب أنتم » الجيش هو الذي يسعر نار الحرب يوقدها ، بشجاعته و بطولته و بسالته ، و إقدامه ، فاذا كان الجيش هكذا فنعم سعر الحرب هو ، و اذا كان خائفا من العدو ، جبان القلب ، ضعيف النفس و التدبير ، سيي‏ء الرأي ، فبئس سعر الحرب هو .

« تكادون و لا تكيدون » يمكر بكم العدو و يخدعكم و لا تمكرون به « و تنتقص اطرافكم فلا تمتعضون » يغير العدو على بلادكم بالقتل و الحرق و التدمير فلا تغضبون و لا تهتمون به و لا تأنفون لا يغيضكم ذلك « لا ينام عنكم و انتم في غفلة ساهون » اي العدو منتبه يتربص بكم الدوائر ، و ينتظر الفرصة للايقاع بكم و لكنكم غافلون ، كأن لم يكن لكم عدو .

« غلب و الله المتخاذلون » يحلف الامام عليه السلام بالله تعالى ان

[ 247 ]

المتخاذلين او هم التاركون للنصرة مغلوبون مقهورون ، ثم حلف مرة اخرى فقال : « و ايم الله اني لاظن بكم ان لو حمس الوغى و استحر الموت قد انفرجتم عن ابن ابي طالب انفراج الرأس » يقول عليه السلام بعد القسم باللّه اني اظن ان الحرب اذا اشتدت ، و كثر الموت تتفرقون عن علي بن ابي طالب تفرقا لا ترجعون اليه ابدا ، و اما كلمة انفراج الرأس فهي مثل يضرب ، و في تفسيرها وجوه كثيرة و معاني مختلفة ، و خلاصة تلك الوجوه انفصال شي‏ء بلا رجوع و لا عود كانفصال الرأس عن البدن ، و الطفل عن بطن امه ، و ما اشبه ذلك .

و الله ان امرء يمكّن عدوه من نفسه يعرق لحمه . و يهشم عظمه . و يفري جلده لعظيم عجزه . ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره » كأن احدا اعترض على الامام كثرة اهتمامه بالجهاد . و امره اصحابه بمحاربة العدو . مع ذلك التشجيع و التعبير و التوبيخ . و التأكيد و الترغيب فيرد عليه السلام ذلك الاعتراض على المعترض بأنه لا ينبغي ان يقعد عليه السلام عن قتال عدوه يفسح له المجال ليصنع ما يريد و يمكن العدو من نفسه . و يسلطه عليه . ليعرق لحمه اي لا يبقى على العظم من اللحم شيئا . و يكسر عظمه . و يقطع جلده . فيقول عليه السلام : ان الذي يسلط العدو على نفسه ليصنع به ما تقدم ذكره عاجز عظيم العجز . و ضعيف القلب . و هو ما ضمت اليه اضلاع الصدر « انت فكن ذاك ان شئت » قيل : كان هذا الخطاب موّجها الى الاشعث بن قيس ذلك اللعين الذي كان كثيرا ما يعترض على الامام في اقواله و افعاله . و قيل الخطاب عام مجمل بلا تعيين للمخاطب . و كيف كان فان الامام عليه السلام يذكر ابائه عن تحمّل الضيم . و تسليط العدو على نفسه . فكأنه يخاطب اصحابه بأنه هكذا و لا يصبر على الضيم . و اما غيره فليكن كيف شاء . و لهذا قال

[ 248 ]

عليه السلام : « فاما انا فو اللّه دون أن اعطي ذلك ضرب بالمشرفية ، تطير منه فراش الهام و تطيح السواعد و الأقدام . و يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء » أي اما انا فلا اقعد عن العدو ، و لا امكنه من نفسي ، و دون أن اعطى ذلك ، اي الأقرب من الخضوع للعدو هو الضرب بالسيوف المشرفية اليمانية ، المعروفة بالجودة و الاحكام ، حتى تطير من ذلك الضرب الرؤس و تسقط الأيدي و الأرجل ،

و مع ذلك فالأمر للّه و الحكم له ، ينصرنا أو ينصر عدونا علينا ، يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد ، حسب ما تقتضيه الحكمة الالهية و المشية الربانية ، و انما الواجب على العبد اداء الوظيفة و إسقاط التكليف ، و السعي بمقدار الجهد و أما النتيجة و الغلبة فهي تابعة لارادة اللّه و حكمته .

« ايها الناس : إن لي عليكم حقا » لا شك أن للامام حقوقا على رعيته ، كما و أن للرعية حق علي الامام : « و لكم علي حق » ، ثم ذكر عليه السلام حق الناس على الامام فقال : « فاما حقكم علي : فالنصيحة لكم » الحق الاول النصيحة الخلوص بخلاف الغش ،

الحق الثاني : ( و توفير فيئكم عليكم أي تكثير غنائمكم و توزيعها عليكم بالعدل و السوية ، بلا ظلم و اجحاف ، و الحق الثالث : « و تعليمكم كيلا تجهلوا » و هو نشر الثقافة فيما بينكم ، و انقاذكم من ظلمات الجهل و الاميّة ، و تعليمكم الأحكام الشرعية ، و الواجبات الالهية ، من الاصول و الفروع ، و غير ذلك .

و الحق الرابع « تأديبكم كيما تعلموا » التأديب بالاداب الشرعية ، فيما يتعلق بالمنطق و المأكل و المشرب و الملبس و المسكن ، و غير ذلك من نواحي الحياة ،

و الآداب الاسلامية الواردة عن اهل البيت عليهم السلام ، في التعاليم التربوية و سائر ما يتعلق بحياة الفرد و المجتمع كثيرة جدا ، و لعلنا نتطرق اليها في المستقبل بالمناسبة

[ 249 ]

هذه حقوق أربعة للناس على إمامهم ، و للامام عليه السلام ايضا حقوق واجبة على الناس يسألون عنها يوم القيامة ، و يعاقبون عليها عند التقصير ، و عدم القيام بتلك الحقوق الواجبة ، فقال عليه السلام : « و أما حقي عليكم : فالوفاء بالبيعة » الحق الثاني : « و النصيحة في المشهد و المغيب » النصيحة لفظ حامل لمعاني كثيرة ، فالنصيحة لله : الاعتقاد في وحدانيّته ، و إخلاص النية في عبادته ، و نصرة الحق فيه . و النصيحة لكتاب الله : هو التصديق به ، و العمل بما فيه ، و الذب عنه دون تأويل الجاهلين ، و تحريف الغالين ، و إنتحال المبطلين ، و النصيحة لرسول اللّه : التصديق بنبوّته و رسالته ، و الانقياد لما أمر به و نهى عنه .

فالنصيحة للامام هو الدفاع عنه بحضرته و غيبته ، و نصرته باليد و اللسان و المال و الحياة ، عند الحاجة إلى ذلك . « و الاجابة حين ادعوكم » تجب إجابة الامام فورا ، سواء كانت الدعوة إلى حرب او الهدنة او الهجوم او الانسحاب ، او غير ذلك ، و لا يجوز إظهار الرأي عند الامام المعصوم من الخطأ ، بعد ان ثبت ان الامام لا يفعل شيئا من تلقاء نفسه ، و لا مجال للسهو و الخطأ في فعله عند ذلك وجب الاسراع إلى امتثال امره . و إطاعته بلا تريث و تأمل « و الطاعة حين آمركم » .

لا شك ان هذا الخطاب الذي صدر من الامام عليه السلام إلى اصحابه انما كان لأجل إصلاح انفسهم ، و إعلاء كلمة الاسلام ، و رفع راية العدل بين عباد اللّه في الارض الفسيحة ، لا جلبا للمال او حفظا للجاه و الرئاسة ، او تشفّيا للصدر من الانتقام من العدو ، كما هو واضح ظاهر من كلامه عليه السلام ، و سيرته المتلألأة و كلما كان هناك من تضجّر و تنفّر و تأسّف فهو من غلبة الباطل و إستيلائه على الحق ، و تسلط الفساق و الفجار المناصب الدينية الخطيرة ، و شيوع الظلم و الفساد

[ 250 ]

في العباد و البلاد .

أضف إلى ذلك تثاقل أصحاب الامام عن الجهاد مع اولئك الظلمة و تقاعدهم عن محاربة معاوية دفعا للغارات التي شنها معاوية على بلاد امير المؤمنين و أهلك الحرث و النسل ، و هدم و دمّر و احرق ، بعد ان قتل و ذبح و نهب و سلب .

فهل يصبر علي عليه السلام على تلك الفجائع و المصائب ؟ فلا بد من العلاج للوقاية من تلك المؤامرات و الغارات ، و احسن العلاج ان يسير الامام بأصحابه الى صفين لانقاذ العباد من مخالب الشيطان الغوي ، و لهذا جعل عليه السلام يثير الحمية و الغيره و الشجاعة و يهيج فيهم روح النشاط بالذم و التعيير و التوبيخ بعد بيان المواعظ و النصائح ، و الدعوة بالحكمة و الموعظة الحسنة .

فان افاد الكلام و ثار القوم فنعم المطلوب ، و الا فقد أدى الامام عليه السلام ما عليه ، و اتم الحجة على العباد ، لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل .

و ضمنا فقد استفاد البشر كيفية التكلم مع الناس ، فان قائد الجيش لو خطب بهذه الكلمات المهيجة المثيرة في المعسكر ، و مزج كلامه بالتعيير و التوبيخ و تحقير العدو و تعظيم جنده و عدته ، لأوجد فيهم روحا جبارة لا ترضي و لا تسكن الا بعد القضاء على العدو ، و انفجرت فيهم قوة القيام بما يجب و بما تصدره القيادة العليا للجيش ،

و خاصة اذا كانت الثورة عليها صبغة الدين و الايمان ، و كان الجهاد عن عقيدة و ايمان ، لا عن جبر و اكراه ، و خوف و اضطرار ، فان الجندي اذا علم انه ان قتل العدو فهو في الجنة و العدو في النار ، و ان قتله العدو فكذلك ، ان حصلت هذه العقيدة لكل مقاتل في ساحة الوغى فمصيره الظفر ، و حليفه النجاح ، و غايته الغلبة و النصرة ، فالمصيبة كل المصيبة اذا انقلبت عقيدة الجندي المقاتل ، بأن اعتقد

[ 251 ]

أنه لا يجوز قتال خصمه ، فان كان قاتلا او مقتولا فهو في النار ، فالجيش الذي يعتقد هكذا يؤول أمره إلى الحرمان و الخسران و الانكسار و الاضمحلال فلو طالعنا خطب الامام عليه السلام في هذه المناسبات لوجدناها تشير الى هذه النكات ، بعناية و رعاية ، و لنا في المستقبل ايضا مجال لبيان بعض الخطط الحربية التي خطّطها الامام عليه السلام في ميادين حروبه .

و اللّه ولي التوفيق