المعنى

لقد كثر منا الكلام فيما سبق حول غزوة صفين و تحكيم الحكمين إشارة

[ 253 ]

اجمالية لا تفصيلا ، و قد وصلنا الآن الى الموضع المناسب لبيان تلك القضايا ، و لكن هل في استطاعتنا أن نذكر جميع وقائع صفين ؟ تلك الغزوة الكبيرة التي امتدت ثمانية عشر شهرا ، بما هناك من صراع و صراخ ، و قتل و ذبح ، و كرّ و فر ،

مع العلم أن بيان هذه الوقائع يحتاج الى كتاب خاص ، خارج عن اسلوب كتابنا ، و لكنا نذكر بعض تلك القضايا التاريخية في ضمن كلمات الامام عليه السلام هنا و في المستقبل كي لا يخلو كتابنا عن تلك الفوائد المنتجة من مطالعة التاريخ هذه الخطبة خطب بها الامام عليه السلام بعد تحكيم الحكمين ، و تحكيم الحكمين من جملة المؤمرات التي تشكلت و تأسست ضد الاسلام و المسلمين .

و الآن كيف ندخل في البحث ، و نطلع على الموضوع ؟ و الكلام طويل و القضايا مفصّلة ، و لا بد من ذكر مقدمة موجزة مختصرة لتمهيد الكلام . و نؤجل التفصيل في المستقبل إنشاء اللّه :

لما انتهت غزوة الجمل في البصرة و وضعت الحرب أوزارها ، و رجع الامام عليه السلام إلى الكوفة مظفرا منصورا ، بعث كتابا إلى معاوية يأمره بأخذ البيعة له عليه السلام ، و بعث الكتاب بيد رجل إلى الشام ، جمع معاوية بعض مشاهير الشام و امرهم بإشاعة هذا الخبر و إذاعته فيما بين الناس : « ان عليا قتل عثمان و معاوية ولي دم عثمان ، فيجب الطلب بثار عثمان و دمه » و أعانه على هذه الفكرة عمرو بن العاص كما تقدم ذكره ، فبايعه عمرو على الشروط المتقدمة و بايع أهل الشام معاوية ايضا .

فنهض معاوية بجيشه الجرار و أقبل الى صفين ، و هو اسم ارض كبيرة واسعة ،

مستعدا للقتال و نهض الامام أمير المؤمنين عليه السلام بعسكره الى ذلك المكان و بعد ايام من وصوله استعرت نار الحرب فيما بين الفريقين و جرت أنهار من الدماء ،

[ 254 ]

و تكوّنت أتلال و جبال من الأجساد المضرجة من القتلى من الفريقين و آخر ليلة من تلك الليالي و الايام هي ليلة الهرير ، التي هي من الليالي العظام المشهورة التي يضرب بها المثل ،

فقم يا صاحبي و نرى ما هناك من اخبار :

خرج رجل من معسكر الامام عليه السلام و هو مسلّح لا يرى منه الا عيناه ، لأنه مدجج في الحديد و بيده رمح فجعل يضرب رؤوس اهل العراق برمحه و يقول : سووا صفوفكم ، رحمكم اللّه ، حتى اذا إعتدل الصفوف و الرايات إستقبلهم بوجهه ، و ولى أهل الشام ظهره ، ثم حمد اللّه و اثنى عليه ، ثم قال : الحمد للّه الذي جعل فينا ابن عم نبيه ، اقدمهم هجرة ، و اولهم إسلاما ، سيف من سيوف اللّه صبّه الله على اعدائه . فانظروا اذا حمي الوطيس ، و ثار القتام و تكسر المران و جالت الخيل بالأبطال فلا اسمع الا غمغمة او همهمة ، فاتبعوني و كونوا على أثري .

ثم حمل على اهل الشام فكسر فيهم رمحه ثم رجع ، فهل عرفته ؟ هذا هو الاشتر و خرج رجل من اهل الشام فنادى بين الصفين : يا ابا الحسن يا علي : ابرز الي فخرج اليه علي عليه السلام حتى وصل اليه بين الصفين فقال الرجل : ان لك يا علي : لقدما في الاسلام و الهجرة ، فهل لك في امر اعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء ، و تأخر هذه الحرب حتى ترى رأيك ؟ فقال عليه السلام : و ما هو ؟ قال : ترجع الى عراقك فنخلي بينك و بين العراق ، و نرجع نحن الى شامنا فتخلي بيننا و بين الشام .

فقال عليه السلام . قد عرفت ما عرضت ، ان هذه لنصيحة و شفقة ، و لقد

[ 255 ]

اهمّني هذا الأمر و أسهرني ، و ضربت أنفه و عينه ، فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل اللّه على محمد ، إن اللّه تعالى ذكره لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض و هم سكوت مذعنون ، لا يأمرون بمعروف ، و لا ينهون عن منكر ، فوجدت القتال أهون عليّ من معالجة الاغلال في جهنم فرجع الرجل و هو يسترجع ، و زحف الناس بعضهم إلى بعض ، فارتموا بالنبل و الحجارة حتى فنيت ، ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت و اندقت ، ثم مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسيف و عمد الحديد ، فلم يسمع السامعون إلا وقع الحديد بعضه على بعض ، و هو أشد هولا في صدور الرجال من الصواعق ،

و انكسفت الشمس بالنقع ، و ضلت الألوية و الرايات ،

و أخذ الأشتر يسير فيما بين الميمنة و الميسرة ، فيأمر كل قبيلة أو كتيبة من القرّآء بالاقدام على التي بينها ، فاجتلدوا بالسيوف و عمد الحديد من صلاة الغد من اليوم المذكور إلى نصف الليل : لم يصلوا للّه صلاة ، فلم يزل الأشتر يفعل ذلك حتى اصبح الصباح ، و المعركة خلف ظهره ، و افترقوا عن سبعين الف قتيل في ذلك اليوم و تلك الليلة ، و هي ليلة الهرير المشهورة .

و كان الأشتر في ميمنة الناس ، و ابن عباس في الميسرة ، و أمير المؤمنين عليه السلام في القلب ، و الناس يقتتلون ، ثم استمر القتال من نصف الليل الثاني إلى ارتفاع الضحى ، و الاشتر يقول لأصحابه و هو يزحف بهم نحو أهل الشام ازحفوا قيد رمحي هذا رمحة : فاذا فعلوا ذلك قال : ازحفوا قاب هذا القوس .

فعلوا ذلك . حتى مل اكثر الناس من الاقدام ، فلما رأى الاشتراك ذلك قال :

اعيذكم باللّه ان ترضعوا الغنم سائر اليوم ، ثم دعا بفرسه ، و ركز رايته ، و سار بين الكتائب و افواج الجيوش ، و هو يقول : أ لا من يشتري نفسه للّه ؟ و يقاتل

[ 256 ]

مع الأشتر حتى يظهر أو يلحق باللّه ؟

فلا يزال الرجل من الناس يخرج اليه فيقاتل معه ، و الاشتر يخاطبهم قائلا :

شدّوا فداءا لكم عمي و خالي شدة ترضون بها اللّه ، و تعزّون بها الدين ، اذا انا حملت فاحملوا . ثم نزل و ضرب وجه دابته ، و قال لصاحب رايته : اقدم . فتقدم بها ، ثم شد على القوم و شد معه أصحابه فضرب اهل الشام بهم الى معسكرهم ،

فقاتلوا عند المعسكر قتالا شديدا ، و قتل صاحب رايتهم ، و أخذ امير المؤمنين عليه السلام لما رأى الظفر قد جاء من قبله يمده بالرجال و العساكر ، و قام عليه السلام فيهم خطيبا ، فحمد اللّه و اثنى عليه و قال :

ايها الناس : قد بلغ بكم الأمر و بعدوكم ما قد رايتم ، و لم يبق منهم الا آخر نفس و ان الامور اذا اقبلت اعتبرت آخرها بأولها ، و قد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغنا منهم ما بلغنا ، و انا عاد عليهم بالغداة احاكمهم الى اللّه .

فبلغ ذلك معاوية ، فدعا معاوية عمر بن العاص و قال : يا عمرو : انما هي الليلة حتى يغدو علي علينا بالفصل فما ترى ؟ فقال ابن العاص إن : رجالك لا يقومون لرجاله و لست مثله ، هو يقاتلك على امر و انت تقاتله على غيره ، و انت تريد البقاء و هو يريد الفناء ، و اهل العراق يخافون منك ان ظفرت بهم ، و اهل الشام لا يخافون عليا ان ظفر بهم ، و لكن الق الى القوم امرا ان قبلوه اختلفوا و ان ردوه اختلفوا : ادعهم الى كتاب اللّه حكما فيما بينك و بينهم ، فانك بالغ به حاجتك في القوم ، و اني لم ازل اؤخر هذا الامر لوقت حاجتك اليه .

فعرف معاوية ذلك . قال : صدقت يوم الهرير لا يقل عن ليلة الهرير خوفا و جزعا ، و اضطرابا في النفوس ، حتى روي عن ربيعة بن لقيط قال : شهدنا صفين ، فمطرت السماء علينا دما عبيطا .

[ 257 ]

و في حديث : كانوا ليأخذون الدم بالصحاف و الاواني فتمتلى‏ء من الدم ، و فزع اهل الشام ، و هموا ان يتفرقوا فقام عمرو بن العاص فيهم خطيبا فقال : ايها الناس :

انما هذه آية من آيات اللّه ، فاصلح امرؤ بينه و بين اللّه ثم لا عليه ان ينتطح هذان الجبلان و اما أمير المؤمنين عليه السلام فلما رأى كثرة القتلى من الفريقين قال لأصحابه : حتى متى نخلي بين هذين الحيين ؟ قد فنينا و انتم وقوف تنظرون ؟ اما تخافون مقت اللّه ؟ ثم استقبل و رفع يديه الى السماء و نادى :

يا اللّه يا رحمن يا رحيم ، يا واحد يا احد يا صمد يا الله ، يا اله محمد ، اللهم اليك نقلت الاقدام و افضت القلوب ، و رفعت الأيدي ، و مدت الاعناق ،

و شخصت الابصار ، و طلبت الحوائج ، اللهم انا نشكو اليك غيبة نبينا و كثرة عدونا ، و تشتت اهوائنا ، ربنا افتتح بيننا و بين قومنا بالحق ، و انت خير الفاتحين سيروا على بركة الله .

ثم نادى : لا إله إلا اللّه و اللّه اكبر ، كلمة التقوى . قال جابر بن نمير . فلا و الذي بعث محمدا بالحق نبيا ما سمعنا رئيس قوم منذ خلق اللّه السموات و الأرض اصاب بيده في يوم واحد ما اصاب : إنه قتل فيما ذكره العادون زيادة على خمسمائة من اعلام العرب ، يخرج بسيفه منحنيا ، فيقول : معذرة إلى اللّه و إليكم من هذا لقد هممت أن افلقه السيف و لكن يحجزني عنه اني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول : لا سيف إلا ذو الفقار ، و لا فتى إلا علي . و انا اقاتل به دونه صلى اللّه عليه و آله ، قال جابر : فكنا نأخذه فنقوّمه ، ثم يتناوله من أيدينا فيقتحم به في عرض الصف .

يوم الهرير من أيام الصيف شديد الحر ، و قد عزم الفريقان على انهاء الحرب

[ 258 ]

فقال أصحاب معاوية : و اللّه لا نبرح العرصة حتى نموت أو يفتح لنا . و قال أصحاب علي عليه السلام : لا نبرح العرصة حتى نموت او يفتح لنا .

و لهذا تبادروا إلى القتال ، ذلك القتال الذي لم يشهد التاريخ نظيره من استمرار القتال و كثرة القتلى حتى مرت اربع صلوات ما يسجد فيهن للّه إلا تكبيرا ،

و نادت المشيخة في تلك الغمرات . يا معشر العرب . اللّه اللّه في الحرمات من النساء و البنات .

أمر معاوية اصحابه في جوف الليل أن يربطوا المصاحف على رؤوس الرماح .

فثار أهل الشام في سواد الليل ينادون عن قول معاوية و امره : يا اهل العراق :

من لذرارينا إن قتلتمونا ؟ و من لذراريكم إذا قتلناكم ؟ اللّه اللّه في البقية . و اصبحوا .

اصبح الصباح ، و اذا أشباه الرايات أمام اهل الشام ، و اذا هي المصاحف ،

و قد ربطوا مصحف المسجد الاعظم على ثلاثة رماح جميعا يحمله عشرة رجال ،

و سائر المصاحف على رؤوس الرماح و اطراف القناة ، و جميعها خمسمائة مصحف .

و هم ينادون : يا معشر العرب : اللّه اللّه في النساء و في البنات و الأبناء من الروم و الاتراك و اهل فارس غدا اذا فنيتم ، اللّه اللّه في دينكم ، هذا كتاب اللّه بيننا و بينكم .

فقال علي عليه السلام . اللهم انك تعلم انهم ما الكتاب يريدون ، فاحكم بيننا و بينهم انك انت الحكم الحق المبين ،

فاختلف أصحاب علي عليه السلام في الرأي ، فطائفة قالت القتال . و طائفة قالت المحاكمة الى الكتاب ، و لا يحل لنا الحرب و قد دعينا الى حكم الكتاب .

فعند ذلك بطلت الحرب ، و وضعت أوزارها ، و اقبل ابو الأعور السلمي

[ 259 ]

على برذون ابيض ، و قد وضع المصحف على رأسه ينادي : يا أهل العراق . كتاب اللّه بيننا و بينكم .

و جاء عدي بن حاتم الطائي فقال : يا أمير المؤمنين . انه لم يصب منا عصبه الا و قد اصيب منهم مثلها ، و كل مقروح ، و لكنا أمثل بقية منهم ، و قد جذع القوم ، و ليس بعد الجزع الا ما تحب النصر و الفتح فناجزهم و قام الاشتر و قال : يا أمير المؤمنين . إن معاوية لا خلف له من رجاله ،

و لكن بحمد اللّه لك الخلف ، و لو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك فاقرع الحديد بالحديد ، و استعن باللّه الحميد .

ثم قام عمرو بن الحمق و قال . يا أمير المؤمنين . إنا و الله ما أجبناك و لا نصرناك على الباطل ، و لا أجبناك الا للّه ، و لا طلبنا الا الحق ، و لو دعانا غيرك الى ما دعوتنا اليه لاستشرى فيه اللجاج ، و طالت فيه النجوى ، و قد بلغ الحق مقطعه ، و ليس لنا معك رأي .

فقام الاشعث بن قيس مغضبا و قال : يا امير المؤمنين . انا لك اليوم على ما كنا عليه امس ، و ليس آخر امرنا كأوله ، و ما من القوم احد احنى على اهل العراق و لا اوثر لاهل الشام مني ، فأجب القوم الى كتاب الله عز و جل ، فانك أحق به منهم ، و قد احب الناس البقاء و كرهوا القتال .

فقال علي عليه السلام : هذا امر ينظر فيه ، فنادى الناس من كل جانب .

الموادعة . فقال علي عليه السلام . ايها الناس . اني احق من اجاب الى كتاب الله ،

و لكن معاوية و عمرو بن العاص و ابن ابي معيط و ابن ابي سرح و ابن مسلمة ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، اني أعرف بهم منكم ، صحبتهم صغارا و رجالا ،

فكانوا شر صغار و شر رجال ،

[ 260 ]

ويحكم انها كلمة حق يراد بها الباطل ، انهم ما رفعوها انهم يعرفونها و يعملون بها و لكنها الخديعة و الوهن و المكيدة ، أعيروني سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة ، فقد بلغ الحق مقطعه ، و لم يبق الا ان يقطع دابر الذين ظلموا .

فجائه من اصحابه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد ، شاكي سيوفهم على عواتقهم ، و قد اسودت جباههم من كثرة السجود ، يتقدمهم مسعر بن فذكي و زيد بن حصين ، و عصابة من القرّآء الذين صاروا خوارج من بعد ، فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين . يا علي اجب القوم الى كتاب اللّه اذ دعيت اليه ، و الا قتلناك كما قتلنا ابن عفان ، فو اللّه لنفعلنها إن لم تجبهم فقال عليه السلام . ويحكم انا اول من دعا الى كتاب اللّه و اول من اجاب اليه ، و ليس يحل لي و لا يسعني في ديني ان أدعى الى كتاب الله فلا أقبله ، اني انما اقاتلهم ليدنوا بحكم القرآن ، فانهم قد عصوا الله فيما امرهم و نقضوا عهده ،

و نبذوا كتابه ، و لكني قد أعلمتكم انهم قد كادوكم ، و أنهم ليس العمل بالقرآن يريدون قد ذكرنا ان عليا عليه السلام امر اصحابه بالهجوم على اهل الشام في صبيحة ليلة الهرير حين وصل الاشتر الى معسكر معاوية ، و قربوا من خيمته ،

فدعا معاوية بفرس لينهزم ، و في تلك الساعة كان الاشتر في جبهة القتال ، و قد استعرت نار الحرب بأشد ما تكون ، فالرؤوس تسقط ، و الايدي تطير ،

و الدماء تسيل و تجرى ،

في ذلك الوقت كان الاشتر يقرب الى الفتح ساعة بعد ساعة و الى التقدم لحظة بعد لحظة ، و جيش معاوية في الانسحاب و الانقراض و التقهقر ، فلو امهلوا الاشتر ساعة واحدة لانتهت الحرب ، و تم الامر لامير المؤمنين عليه السلام ،

[ 261 ]

و لكن رجال السوء افسدوا الأمر على أمير المؤمنين ، و أرادوا الاضرار و الخسائر على الاسلام و المسلمين ، تلك الماسي و المصائب و المجازر التي عمّت العباد و البلاد و ستعرف بعضها في المستقبل ، و قد عرفت فيما سبق بعض الجنايات و الجرائم التي ارتكبها عملاء معاوية بأمر منه .

في ذلك الوقت الذي قارب الاشتر الفتح و الظفر ، و قرب و لما يقع صاح المجادلون المنافقون : يا أمير المؤمنين : ابعث الى الاشتر ليأتيك ، فبعث الامام عليه السلام يزيد بن هاني الى الاشتر : ان ائتني .

الاشتر : إئته ، فقال له : ليس هذه بالساعة التي ينبغي لك ان تزيلني عن موقفي ، اني قد رجوت الفتح فلا تعجلني .

رجع الرسول الى الامام فأخبره ، و شد الاشتر في القتال ، فارتفعت الاصوات و علت الرهج من قبل الأشتر ، و ظهرت دلائل الفتح و النصر لاهل العراق ، و دلائل الخذلان و الادبار على اهل الشام ، و لكن لما رجع الرسول الى الامام و ابلغه مقالة الاشتر ، قال :

القوم : لأمير المؤمنين و اللّه ما نراك أمرته الا القتال الامام : أ رأيتموني شاورت رسولي اليه ؟ ا ليس انما كلمته ، على رؤوسكم علانية و انتم تسمعون ؟

القوم : ابعث اليه فليأتينك ، و الا فو اللّه اعتزلناك الامام : ويحك يا يزيد : قل له : اقبل الى فان الفتنة قد وقعت .

الاشتر : أ برفع هذه المصاحف ؟

يزيد : نعم .

الاشتر : و اللّه لقد ظننت انها حين رفعت ستوقع خلافا و فرقة ، انها مشورة ابن النابغة ، ويحك يا يزيد : ا لا ترى ما يلقون ؟ ، ا لا ترى الى ما يصنع اللّه لنا ا ينبغي ان ندع هذا و ننصرف عنه ؟

[ 262 ]

يزيد : ا تحب انك ظفرت ههنا و ان أمير المؤمنين بمكانه الذي هو فيه يفرج عنه ، و يسلم الى عدوه ؟

الاشتر : سبحانه الله ، لا و الله ، لا احب ذلك .

يزيد : فانهم قد قالوا له و حلفوا عليه : لترسلن الى الاشتر فليأتينك ، او لنقتلك بأسيافنا كما قتلنا عثمان ، او لنسلمنك الى عدوك .

اقبل الاشتر و قد وصل اليهم ، فصاح الاشتر : يا اهل الذل و الوهن : ا حين علوتم القوم و ظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم الى ما فيها ، و قد و اللّه تركوا ما امر اللّه به فيها ،

و تركوا سنة من انزلت عليه ، فلا تجيبوهم ، امهلوني فواقا ، فاني قد احسست بالفتح .

القوم : لا نمهلك .

الاشتر : فامهلوني عدوة الفرس ، فاني قد طمعت في النصر .

القوم : اذن ندخل معك في خطيئتك الاشتر : فحدثوني عنكم ، و قد قتل اماثلكم ، و بقي اراذلكم : متى كنتم محقين ؟ ا حين كنتم تقتلون اهل الشام فانتم الآن حين امسكتم عن قتالهم مبطلون ؟ ام انتم الآن في امساككم عن القتال محقون ؟ فقتلاكم اذن الذين لا تنكرون فضلهم و انهم خير منكم في النار القوم : دعنا منك يا أشتر ، قاتلناهم في اللّه ، و ندع قتالهم في اللّه ، انا لسنا نطيعك فاجتنبنا .

[ 263 ]

الاشتر : خدعتم و اللّه فانخدعتم ، و دعيتم الى وضع الحرب فأجبتم ، يا اصحاب الجباه اسود كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا ، و شوقا الى لقاء اللّه ، فلا أرى فراركم الا الى الدنيا من الموت الا فقبحا يا اشباه النيب الجلاّلة ، ما انتم برائين بعدها عزا ابدا ، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون .

فسبّوه و سبهم ، و ضربوا بسياطهم وجه دابته ، و ضرب بسوطه وجوه دوابهم و صاح بهم علي ، فكفوا .

الاشتر : يا أمير المؤمنين إحمل الصف على الصف تصرع القوم .

القوم تصايحوا إن امير المؤمنين قبل الحكومة و رضي بحكم القرآن .

الاشتر : ان كان أمير المؤمنين قد قبل و رضي فقد رضيت بما رضي به أمير المؤمنين أقبل الناس يقولون : قد رضي أمير المؤمنين ، قد قبل أمير المؤمنين .

و الامام ساكت لا يتكلم مطرق برأسه الى الارض ، ثم قام فسكت القوم كلهم فقال الامام : أيها الناس : إن امري لم يزل معكم على ما احب إلى ان أخذت منكم الحرب ، و قد و اللّه أخذت منكم و تركت ، و أخذت من عدوكم و لم تترك و إنها فيهم انكي و أنهك ، ا لا اني كنت أمس أمير المؤمنين ، فاصبحت اليوم مأمورا و كنت ناهيا فاصبحت منهيا ، و قد أحببتم البقاء ، و ليس لي ان احملكم على ما تكرهون . ثم قعد عليه السلام .

فتكلم رؤساء القبائل ، فكل ما يراه و يهواه ، إما من الحرب أو من السلم فقال :

كردوس بن هاني البكري : أيها الناس : إنا و اللّه ما تولينا معاوية منذ

[ 264 ]

تبرأنا منه ، و لا تبرأنا من علي منذ توليناه ، و ان قتلانا لشهداء ، و ان أحيائنا لأبرار ، و إن عليا لعلى بينة من ربه ، و ما احدث الا الانصاف ، فمن سلم له نجا ، و من خالفه هلك .

شفيق بن ثور البكري : ايها الناس : إنا دعونا أهل الشام الى كتاب اللّه فردّوه علينا ، فقاتلناهم عليه ، و إنهم قد دعونا اليوم اليه ، فان رددناه عليهم حل لهم منا ما حل لنا منهم ، و لسنا نخاف ان يحيف الله علينا و رسوله ، ا الا ان عليا ليس بالراجع الناكس ، و لا الشاك الواقف ، و هو اليوم على ما كان عليه امس ،

و قد أكلتنا هذه الحروب ، و لا نرى البقاء الا في الموادعة .

إنتشرت هذه الكلمة المحاكمة فيما بين الجيش العلوي ، و جعلوا يدخلون على الامام و يطلبون منه الموافقة على المحاكمة الى القرآن ، و أقبل الأشعث بن قيس رأس الفتنة ، و منشأ الفساد و الخلاف ، و موجد التفرقة ، و دخل على الامام عليه السلام و قال .

الأشعث . يا أمير المؤمنين . ما أرى الناس الا و قد رضوا ، و سرهم ان يجيبوا القوم الى ما دعوهم اليه من حكم القرآن ، فان شئت أتيت انا معاوية فسألته ما يريد ، و نظرت ما الذي يسأل ؟

الامام : إئته ان شئت . فجاء الأشعث حتى دخل على معاوية ، و قال :

الاشعث : يا معاوية : لأي شي‏ء رفعتم هذه المصاحف ؟

معاوية : لنرجع نحن الى ما امر اللّه به فيها ، فابعثوا رجلا منكم ترضون به ، و نبعث رجلا منا و نأخذ عليهما ان يعملا بما في كتاب اللّه ، و لا يعدوانه ، ثم نتبع ما اتفقا عليه .

الأشعث : هذا هو الحق . و انصرف إلى الامام فأخبره ، فبعث علي عليه السلام

[ 265 ]

قرّاء اهل العراق و بعث معاوية قراء اهل الشام ، فاجتمعوا بين الصفين ،

و معهم المصحف ، فنظروا فيه و تدارسوا و اجتمعوا على ان يحيوا ما أحيي القرآن و يميتوا ما أمات القرآن ، و رجع كل فريق إلى اصحابه ، فقال أهل الشام : إنا قد رضينا عمرو بن العاص ، و قال الاشعث و القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك و قد رضينا نحن و اخترنا ابا موسى الأشعري .

الامام : اني لا ارضى بأبي موسى ، و لا أرى ان اوليه .

الاشعث و جماعة : انا لا نرضى الا به ، فانه قد كان حذرنا ما وقعنا فيه .

الامام : فانه ليس لي برضى ، و قد فارقني ، و خذل الناس عني ، و هرب مني ، آمنته بعد اشهر ، و لكن هذا إبن عباس اوليه ذلك .

القوم : و اللّه ما نبالي اكنت او ابن عباس ، و لا نريد الا رجلا و هو منك و من معاوية على حد سواء ، ليس إلى واحد منكما ادنى من الآخر .

الامام : فاني اجعل الاشتر .

الاشعث : و هل سعر الارض علينا الا الاشتر ؟ و هل نحن الا في حكم الاشتر ؟

الامام : و ما حكمه ؟

الاشعث : ان يضرب بعضنا بعضا بالسيف حتى يكون ما اردت و اراد الامام : ان معاوية لم يكن ليضع لهذا الامر احدا هو اوثق برأيه و نظره من عمرو بن العاص ، و انه لا يصلح للقرشي الا مثله ، فعليكم بعبد اللّه بن عباس فارموه به ، فان عمروا لا يعقد عقدة الا حلها عبد اللّه ، و لا يحل عقدة ، الا عقدها و لا يبرم امرا الا نقضه ، و لا ينقض امرا الا أبرمه .

الاشعث : لا و اللّه ، لا يحكم فينا مضريان حتى تقوم الساعة ، و لكن اجعل رجلا من اهل اليمن اذا جعلوا رجلا من مضر .

[ 266 ]

الامام : اني اخاف ان يخدع يمينكم ، فان عمرا ليس من اللّه في شي‏ء اذا كان له في امر هوى الاشعث : لان يحكما بعض ما نكره واحدهما من اهل اليمن احب الينا من ان يكون بعض ما نحب في حكمهما و هما مضريان الامام : قد ابيتم الا ابا موسى ؟

القوم : نعم .

الامام : فاصنعوا ما شئتم .

و كان عليهم السلام يصفق بيديه و يقول : يا عجبا اعصي و يطاع معاوية ؟ فبعثوا الى ابي موسى و هو بأرض الشام فأتاه غلام له و قال : ان الناس قد اصطلحوا . فقال : الحمد للّه . قال : و قد جعلوك حكما . فقال : انا للّه و انا اليه راجعون .

جاء ابو موسى حتى دخل معسكر الامام عليه السلام ، و جاء الاشتر الى أمير المؤمنين و قال : يا امير المؤمنين : الزني بعمرو بن العاص ، فو الذي لا اله غيره لئن ملأت عيني منه لاقتلنه . و جاء الأحنف بن قيس الى الامام و قال :

يا امير المؤمنين : انك قد رميت بحجر الارض ، و من حارب اللّه و رسوله و انف الاسلام ، و اني قد عجنت هذا الرجل ابا موسى الأشعري و حلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر ، و انه لا يصلح لهؤلاء القوم الا رجل يدنو منهم حتى يكون في اكفهم ، و يتباعد منهم حتى يكون بمنزلة النجم منهم ، فان شئت ان تجعلني حكما فاجعلني ، و ان شئت ان تجعلني ثانيا او ثالثا ، فان عمرا لا يعقد عقدة الا حللتها ، و لا يحل عقدة الا عقدت لك اشد منها .

فعرض الامام عليه السلام ذلك على الناس فأبوه ، و قالوا : لا يكون

[ 267 ]

الا ابا موسى .

بعت أيمن بن خزيم الاسدي بهذه الأبيات ، و كان معتزلا لمعاوية ، و كان رجلا عابدا مجتهدا :

لو كان للقوم رأي يعصمون به
من الضلال رموكم بابن عباس

للّه درّ أبيه أيما رجل
ما مثله لفصال الخطب من ناس

لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن
لا يهتدي ضرب اخماس لأسداس

ان يخل عمرو به يقذفه في لجج
يهوى به النجم ينشأ بين أتياس

ابلغ لديك عليا غير عاتبة
قول امري لا يرى بالحق من بأس

ما الاشعري بمأمون ابا حسن
فاعلم هديت و ليس العجز كالراس

فاصدم بصاحبك الادنى زعيمهم
ان ابن عمك عباس هو الآسي .

فلما بلغ الناس هذا الشعر طارت اهواء قوم من الشيعة الى ابن عباس ، و أبت القرّاء الا أبا موسى ، و تم القرار على تعيين الحكمين : الاشعري و ابن العاص ،

و ارادوا كتابة الكتاب ، كتاب الموداعة ، و كان عبيد اللّه بن ابي رافع كاتب امير المؤمنين عليه السلام ، و كانت صورته كما يلي :

هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين و معاوية بن ابي سفيان . . .

فقال معاوية : بئس الرجل انا قررت ان امير المؤمنين ثم قاتلته و قال عمر بن العاص : بل نكتب اسمه و اسم ابيه ، انما هو اميركم فاما اميرنا فلا .

ايها القارى‏ء : اسمع هذا و اعلم ان عمرو بن العاص من جملة شعراء الغدير ،

و من جملة الذين بايعوا الامام عليه السلام يوم الغدير ، و سلموا عليه بأمرة المؤمنين ، و لكن . . .

[ 268 ]

أعيد الكتاب مع ابن العاص الى أمير المؤمنين عليه السلام ، فأمر الامام بمحو هذه الكلمة أمير المؤمنين عن الكتاب ، فقال الأحنف لا تمح إسم أمير المؤمنين عنك ، فاني أتخوف إن محوتها أن لا ترجع اليك أبدا ، فلا تمحها و قال الأشعث : امح هذا الأسم نزحه اللّه 1 فقال الأمام : عليه السلام : ان هذا اليوم كيوم الحديبية ، حين كتب الكتاب عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه و سهيل بن عمرو . . .

فقال سهيل : لو أعلم انك رسول اللّه لم أقاتلك و لم أخالفك ، اني اذن لظالم لكان منعتك أن تطوف ببيت اللّه الحرام و أنت رسوله ، و لكن اكتب : من محمد بن عبد اللّه ، فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : يا علي اني لرسول اللّه ،

و انا محمد بن عبد اللّه ، و لن يمحو عني الرسالة كتابي لهم .

إن ذلك الكتاب انا كتبته بيننا و بين المشركين ، و اليوم أكتبه الى أبنائهم كما كان رسول اللّه كتبه الى آبائهم شبها و مثلا .

فقال عمرو بن العاص : سبحان اللّه . أ تشبّهنا بالكفار و نحن مسلمون ؟ فقال الأمام عليه السلام : يا ابن النابغة : و متى لم تكن للكافرين وليا و للمسلمين عدوا ؟

و لما أراد تنظيم الكتاب سألوا الامام عليه السلام : أ تقرّ أنهم مسلمون مؤمنون ؟

فقال الامام : ما أقر لمعاوية و لا لأصحابه انهم مؤمنون و لامسلمون ، و لكن يكتب معاوية ما شاء ، و يقرّ بما شاء لنفسه و لأصحابه ، و يسمي نفسه بما شاء و اصحابه .

-----------
( 1 ) انظر الى وقاحة الأشعث و خبث ضميره و سوء لسانه

[ 269 ]

فكتبوا الكتاب و هذه صورته على رواية الامام الباقر عليه السلام :

هذا ما تقاضى عليه علي بن ابي طالب و معاوية بن ابي سفيان ،

قاضى علي بن ابي طالب على اهل العراق و من كان معه من شيعته من المؤمنين و المسلمين ، و قاضي معاوية بن ابي سفيان على اهل الشام و من كان معه من شيعته من المؤمنين و المسلمين :

أننا ننزل عند حكم اللّه تعالى و كتابه ، و لا يجمع بيننا إلا إياه ، و ان كتاب اللّه سبحانه بيننا من فاتحته الى خاتمته ، نحيي ما أحياه القرآن ، و نميت ما امات القرآن ، فان وجد الحكمان ان ذلك في كتاب اللّه إتباعه ، و ان لم يجداه أخذا بالسنة العادلة غير المفرّقة ، و الحكمان : عبد اللّه بن قيس الاشعري و عمرو بن العاص ، و قد اخذ الحكمان من علي و معاوية و من الجندين انهما أمينان على انفسهما و أموالهما و اهلهما ، و الامة لهما انصار ،

و على الذي يقضيان عليه و على المؤمنين و المسلمين من الطائفتين عهد الله ان يعملوا بما يقضيان عليه مما وافق الكتاب و السنة ، و أن الأمن و الموادعة ، و وضع السلاح متفق عليه بين الطائفتين ، الى ان يقع الحكم ، و على كل واحد من الحكمين عهد اللّه ليحكم بين الامة بالحق لا بالهوى ، و اجل الموادعة سنة كاملة ، فإن احب الحكمان ان يعجلا الحكم عجلاه ، و ان توفي أحدهما فلأمير شيعته ان يختار مكانه رجلا لا يألو الحق و العدل ، و ان توفي احد الاميرين كان نصب غيره الى اصحابه ممن يرضون امره و يحمدون طريقته .

اللهم : انا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة ، و اراد فيها إلحادا و ظلما .

الى هنا انتهت صررة الكتاب بناء على الرواية المتقدمة ، و كان في اعلى الكتاب

[ 270 ]

خاتم امير المؤمنين عليه السلام ، و في أسفله خاتم معاوية .

و قد رويت صورة الكتاب على غير هذا النهج مع زيادة يسيرة ، و لما كتبت هذه الصحيفة ، و شهد الشهود عليها دعي الاشتر ليشهد مع الشهود فقال الاشتر :

لا صحبتني يميني و لا نفعتني بعدها الشمال إن كتب لي في هذه الصحيفة اسم على صلح او موادعة ، ا و لست على بينة من امري و يقين من ضلالة عدوي ؟ أ و لستم قد رأيتم الظفر إن لم تجمعوا على الخور ؟

فقال الأشعث : ما رأيت ظفرا و لا خورا ، هلم فاشهد على نفسك ، و اقرر بما كتبت في هذه الصحيفة ، فانه لا رغبة لك عن الناس .

فقال الاشتر : بلى و اللّه إن لي رغبة عنك في الدنيا و في الآخرة للاخرة ، و لقد سفك اللّه بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي بخير منهم و لا أحرم دما ،

لكني رضيت بما يرضي به أمير المؤمنين ، و دخلت فيما دخل فيه ، و خرجت مما خرج منه ، فانه لا يدخل إلا في الهدى و الصواب .

و لما تم الكتاب و شهدت فيه الشهود و خرج الأشعث و معه ناس بنسخة الكتاب يقرأها على الناس ، و يعرضها عليهم فمرّ بالكتاب على صفوف من اهل الشام و هم على رايتهم ، فاسمعهم إياه فرضوا به ، ثم مرّ على صفوف أهل العراق و هم على راياتهم فأسمعهم إياه فرضوا به ، حتى مر برايات عنزة ، و كان مع أمير المؤمنين عليه السلام من عنزة بصفين أربعة الاف مجفف ، فلما مر بهم الأشعث يقرأ عليهم الكتاب ، قال فتيان منهم : لا حكم إلى للّه .

ثم حملا على اهل الشام بسيوفهما ، فقاتلا حتى قتلا على باب رواق معاوية .

و من تلك الساعة ظهرت الفتنة و التفرقة ، و تكوّنت الخوارج ، إذ خرج رجل يقال له : عروة بن اذينة . فقال : ا تحكمون الرجال في حكم اللّه ؟ لا حكم إلا للّه فاين

[ 271 ]

قتلانا يا اشعث ؟ ثم شد بسيفه ليضرب به الأشعث فأخطأه ، و ضرب عجز دابته ضربة خفيفة ، فصاح به الناس : ان امسك يدك . فكف و رجع الاشعث إلى قومه ثم انطلق إلى امير المؤمنين عليه السلام و قال : يا امير المؤمنين : إني قد عرضت الحكومة على صفوف أهل الشام و اهل العراق فقالوا جميعا : رضينا .

حتى مررت برايات بني راسب و نبذ من الناس سواهم فقالوا : لا نرضى ،

لا حكم إلا للّه ، فمل بأهل العراق و اهل الشام عليهم حتى نقتلهم فقال الامام عليه السلام : هل هي غير راية او رايتين او نبذ من الناس ؟ قال الاشعث : لا . قال الامام : فدعهم . و اذا بجماهير من اصحابه قد اقبلوا من كل جهة و من كل ناحية ، و هم ينادون لا : حكم إلا للّه ، الحكم للّه يا علي لا لك ، لا نرضى بأن يحكم الرجال في دين اللّه ، إن اللّه قد أمضى حكمه في معاوية و اصحابه ان يقتلوا ، او يدخلوا تحت حكمنا عليهم ، و قد كنا زللنا و اخطأنا حين رضينا بالحكمين ، و قد بان لنا زللنا و خطؤنا ، فرجعنا إلى اللّه ربنا و تبنا ، فارجع أنت يا علي كما رجعنا ، و تب إلى اللّه كما تبنا ، و إلا برئنا منك قال الامام : ويحكم ابعد الرضا و الميثاق و العهد نرجع ا ليس اللّه تعالى قد قال : اوفوا بالعقود ؟ و قال : اوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم ، و لا تنقضوا الايمان بعد توكيدها ، و قد جعلتم اللّه عليكم كفيلا .

فأبى عليه السلام ان يرجع ، و امتنعت الخوارج إلا تضليل التحكيم و الطعن فيه ، فبرئت من علي عليه السلام ، و برى‏ء علي عليه السلام منهم .

و قام محمد بن جريش : و قال : يا امير المؤمنين : اما الى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل ؟ فو اللّه اني اخاف ان يورث ذلا . فقال عليه السلام : ابعد ان كتبناه ننقضه ؟ ان هذا لا يحل .

[ 272 ]

و جاءت قبيلة همدان بسكون الميم كأنها ركن حصين ، فيهم سعيد بن قيس و غيره ، فقال سعيد : ها انا ذا و قومي لا نرد امرك ، فقل ما شئت نعمله .

فقال عليه السلام : ا ما لو كان هذا قبل سطر الصحيفة لازلتهم عن عسكرهم ،

او تنفرد سالفتي ، و لكن انصرفوا راشدين .

و قال قوم : يا امير المؤمنين : ان الاشتر لم يرض بما في الصحيفة ، و لا يرى الا قتال القوم . فقال عليه السلام : بلى ان الاشتر ليرضى اذا رضيت ، و قد رضيت و رضيتم ، و لا يصلح الرجوع بعد الرضا ، و لا التبديل بعد الاقرار ،

الا ان يعصى اللّه او يتعدى ما في كتابه ، و اما الذي ذكرتم من تركه امري و ما انا عليه فليس من اولئك و لا اعرفه على ذلك ، و ليت فيكم مثله اثنين . بل ليت فيكم مثله واحدا يري في عدوي مثل رأيه ، اذن لخفت مؤونتكم عليّ و رجوت ان يستقيم لي بعض اودكم .

فلما تم القرار على تحكيم الحكمين ، و انتخبوا أبا موسى الاشعري الحمار ان يكون حكما على كره من الامام عليه السلام جاء ابن عباس اليه و عنده وجوه الناس و اشرافهم ، فقال ابن عباس : يا ابا موسى . ان الناس لم يرضوا بك ، و لم يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه و ما اكثر اشباهك من المهاجرين و الانصار ،

و المتقدمين قبلك ، و لكن أهل العراق ابوا الا ان يكون الحكم يمانيا ، و رأوا أن معظم أهل الشام يمان ، و ايم اللّه ، اني لاظن ذلك شرا لك و لنا ، فانه قد ضمّ اليك داهية العرب ، و ليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة ، فان تقذف بحقك على باطلة تدرك حاجتك منه ، و ان يطمع باطلة في حقك يدرك حاجته منك ،

و اعلم يا ابا موسى . ان معاوية طليق الاسلام ، و ان اباه رأس الاحزاب ،

[ 273 ]

و انه يدعي الخلافة لا من مشورة و لا بيعة ، فان زعم لك ان عمر و عثمان إستعملاه فلقد صدق ، استعمله و هو الوالي عليه بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي ، و يوجره ما يكره ، ثم استعمله عثمان برأي عمر ، ما اكثر من استعملا ممن لم يدع الخلافة و اعلم ان لعمرو مع كل شي‏ء يسرّك خبأ يسؤك ، و مهما نسيت فلا تنس ان عليا بايعه القوم الذين بايعوا ابا بكر و عمر و عثمان ، و ليس فيه خصلة تباعده من الخلافة ، انها بيعة هدى ، و انه لم يقاتل الا العاصين و الناكثين .

فقال ابو موسى : رحمك اللّه ، و للّه ما لي امام غير علي ، و اني لواقف عند ما رأي ، و ان حق الله احب الي من رضا معاوية و اهل الشام ، و اما انت و انا الا باللّه .

و تكلّم معه جماعة آخرون يحذرونه عن عمرو ، و مكايده و خدعه ، و أبو موسى يجيبهم بجواب تطمئن قلوبهم به و لكن . . .

و من جملة الذين اختبروا الاشعري و اطلعوا على مكنون ضميره هو الاحنف ابن قيس كان الاحنف آخر من ودع ابا موسى الاشعري يوم وصوله بدومة الجندل و لما ارادوا الافتراق اخذ الاحنف بيد الاشعري ثم قال له : يا ابا موسى .

اعرف خطب هذا الامر ، و اعلم ان له ما بعده ، و انك ان اضعف العراق فلا عراق ، اتق اللّه فانها تجمع لك دنياك و آخرتك و اذا لقيت غدا عمرا ابن العاص فلا تبدأه بالسلام فانها و ان كانت سنة الا انه ليس من اهلها ، و لا تعطه يدك فانها امانة ، و اياك ان يقعدك على صدر الفراش فانها خدعة و لا تلقه الا وحده ،

و احذر ان يكلمك في بيت فيه مخدع تخبأ لك فيه الرجال و الشهود .

ثم اراد الاحنف ان يختبر ما في نفس الاشعري لأمير المؤمنين عليه السلام

[ 274 ]

فقال له : فان لم يستقم لك عمرو على الرضى بعلي فليختر اهل العراق من قريش الشام من شاؤوا او فليختر اهل الشام من قريش العراق من شاؤوا .

فقال الاشعري : قد سمعت ما قلت . ( و لم ينكر الاشعري ما ذكره الاحنف من ازالة الخلافة من علي عليه السلام ( فرجع الاحنف الى الامام و قال : اخرج ابو موسى و الله زبدة سقائه في اول مخضة ، لا ارانا الا بعثنا رجلا لا ينكر خلعك : فقال علي عليه السلام : الله غالب على امره .

كانت الحرب من يوم شروعها الى صبيحة ليلة الهرير مائة و عشرة ايام ،

و كان عدد القتلى من اهل الشام تسعين الفا ، و من اهل العراق عشرين الفا ،

و المجموع مائة و عشرة الآف من الناس 1 و قيل اكثر من ذلك ، و لا تسأل عن الجرحى و عن الارامل و الايتام . كل ذلك بسبب معاوية ، اذ لو كان معاوية يبايع لأمير المؤمنين عليه السلام كما بايعه المهاجرون و الانصار ، و سائر اصحاب رسول الله صلى اللّه عليه و آله لما كانت هذه المجازر ، و ما كانت انهار الدماء تجري لاجل الطلب بدم عثمان فلو كان عثمان نبيا مرسلا ، و كان من اولي العزم هل كان ينبغي ان تراق هذه الدماء و تزهق تلك النفوس لاجل الطلب بدمه ، فهناك وقعة الجمل و كثرة الضحايا فيها ، و بلغ عددهم خمسة و عشرين الفا سوى الايدي و الارجل التي قطعت لاجل الطلب بدم عثمان ، و هذه واقعة صفين كذلك ، و منها تكونت وقعة النهروان و قتل فيها في يوم واحد اربعة الاف رجل ، و قتل بسر بن ارطاة ثلاثين الفا في غارته لاجل الطلب بدم عثمان ، فالمجموع مائة و تسعة و ستون الف قتيل طيلة اربع سنوات و اشهر ، اضف الى ذلك الغارات التي شنّها عملاء معاوية على

-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي

[ 275 ]

بلاد المسلمين و كثرة القتلى كما تقدم .

احفظ هذا الرقم و اذكر كلام الامام أمير المؤمنين عليه السلام و وصيته لولديه الحسن و الحسين عليهما السلام و سائر اولاده في ليلة وفاته : « لا ألفينكم يا بني عبد المطلب تخوضون دماء المسلمين ، تقولون : قتل أمير المؤمنين ، ا لا .

لا يقتلن بي الا قاتلي ، انظروا ان انا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ،

و لا يمثل بالرجل ، فاني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول . اياكم و المثلة و لو بالكلب العقور » رجعنا الى كلامنا :

لما طاف الاشعث بذلك الكتاب و قرأه على الناس ، و ظهر فيهم اختلاف الكلمة ، و تباغضوا جميعا ، و اقبل بعضهم يتبرأ من بعض يتبرأ الأخ من اخيه ،

و الابن من ابيه ، و تضاربوا بالمقارع و نعال السيوف ، و تسابوا ، و لام كل فريق منهم الآخر في رأيه ، لهذا ارتحل الامام عليه السلام من صفين الى الكوفة ،

و فرّق عساكره ، فلحق كل جندي منهم ببلده ، و رجع معاوية الى الشام ،

و الناس ينتظرون قرار الحكمين : نتيجة تلك القضية .

دومة الجندل : حصن عادي بين المدينة و الشام ، يقرب من تبوك ، و هي أقرب الى الشام ، و هي الفصل و الحد بين الشام و العراق .

كان التقاء الحكمين في دومة الجندل ، توجه الاشعري الى دومة الجندل و معه ابن عباس ، و شريح بن هاني في اربعمائة رجل ، و سار عمرو بن العاص و معه شر شرحبيل بن السمط في اربعمائة ، و أوصاه معاوية بوصاياه ليزيده خدعة على خدعة ،

و مكرا على حيلة و لكن ابن العاص كان في غنى من تعليمات معاوية ابتدأت المحاربة في صفين من اول شهر صفر سنة سبع و ثلاثين من الهجرة ،

[ 276 ]

و كان اجتماع الحكمين في دومة الجندل في شهر رمضان سنة ثمان و ثلاثين ،

اجتمع الحكمان في المكان المعد لهم ، فلنذهب الى ذلك المكان لنسمع و نرى ما يصنع الحمار مع الشيطان عمرو : تكلم يا ابا موسى و قل خيرا .

ابو موسى ، بل تكلم انت يا عمرو .

عمرو : ما كنت لافعل و اقدم نفسي قبلك ، و لك حقوق كلها واجبة :

لسنّك و صحبتك رسول اللّه ، و انت ضيف ابو موسى حمد اللّه و اثنى عليه و ذكر الحدث الذي حل بالاسلام ، و الخلاف الواقع بأهله ، ثم قال :

ابو موسى : هلم إلى امر يجمع اللّه به الألفة ، و يلم الشعث ، و يصلح ذات البين عمر : جزاك اللّه خيرا ، ان للكلام اولا و اخرا ، و متى تنازعنا الكلام خطبا لم نبلغ اخره حتى ننسى اوله ، فاجعل ما كان من كلام بيننا في كتاب يصير اليه امرنا ابو موسى : اكتب .

دعي عمرو بصحيفة و كاتب ، و كان الكاتب غلاما لعمرو ، و قد تقدم اليه قبل ذلك ان يبدأ بعمرو دون ابي موسى اعمالا للمكر و الحيلة و جاء الكاتب عمرو بحضرة الجماعة : اكتب ، فانك شاهد علينا ، و لا تكتب شيئا يأمرك به احدنا حتى تستأمر الآخر فيه ، فاذا امرك فاكتب ، و اذا نهاك فانته حتى يجتمع راينا ، اكتب :

بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه فلان و فلان فكتب الكاتب و بدأ باسم عمرو بن العاص حسب القرار بينهما

[ 277 ]

عمرو : لا ام ا تقدمني قبله ؟ كأنك جاهل بحقه فبدأ الكاتب باسم ابي موسى الاشعري و اسمه عبد اللّه بن قيس ، و كتب . . .

تقاضيا على انهما يشهدان ان لا اله الا اللّه وحده لا شريك له ، و ان محمدا عبده و رسوله ، ارسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون ،

ثم قال : و نشهد ان ابا بكر خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ، و عمل بكتاب اللّه و سنة رسوله ، حتى قبضه اللّه اليه ، و قد ادى الحق الذي عليه ابو موسى : اكتب ، و كتب في عمر مثل ذلك ابو موسى : اكتب .

عمرو : و ان عثمان ولي هذا الامر بعد عمر ، على إجماع من المسلمين و شوري من اصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ، و رضا منهم ، و انه كان مؤمنا ،

ابو موسى ليس هذامما قعدنا له .

عمرو : و اللّه لا بد من ان يكون مؤمنا او كافرا ابو موسى : كان مؤمنا .

عمرو : فمره يكتب . ابو موسى : اكتب عمرو : فظالما قتل عثمان او مظلوما ؟

ابو موسى : بل قتل مظلوما عمرو : ا فليس قد جعل اللّه لولي المظلوم سلطانا يطلب بدمه ؟

ابو موسى : نعم .

عمر : أ فليس لمعاوية ان يطلب قاتله حيثما كان ، حتى يقتله او يعجز ؟

ابو موسى : بلى .

عمر : للكاتب اكتب ، و أمره ابو موسى فكتب .

عمرو : فانا نقيم البيّنة ان عليا قتل عثمان

[ 278 ]

ابو موسى : هذا أمر قد حدث في الاسلام ، و انما اجتمعنا لغيره ، فهلم الي امر يصلح اللّه به أمر أمة محمد .

عمرو : و ما هو ؟

ابو موسى قد علمت ان اهل العراق لا يحبون معاوية ابدا ، و ان اهل الشام لا يحبون عليا ابدا ، فهلم نخلعهما جميعا ، و نستخلف عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ؟

عمرو أ يفعل ذلك عبد اللّه بن عمر ؟

ابو موسى : نعم . اذا حمله الناس على ذلك فعل .

عمرو : هل لك في سعد بن ابي وقاص ؟

ابو موسى : لا . فعدد له عمرو جماعة و ابو موسى لا يوافق عليهم الا ابن عمر ، فأخذ عمرو الصحيفة و طواها ، و جعلها تحت قدمه بعد ان ختماها جميعا ثم قال :

عمرو : ا رأيت ان رضي اهل العراق بعبد اللّه بن عمرو اباه لم يقبله اهل الشام و لم يرضوا به أ تقاتل اهل الشام ؟

ابو موسى : لا .

عمرو : فان رضي اهل الشام و ابى اهل العراق ا تقاتل اهل العراق ؟

ابو موسى : لا .

عمرو : اذا رأيت الصلاح في هذا الأمر و الخير للمسلمين فقم و اخطب الناس ،

و اخلع صاحبينا معا ، و تكلم باسم هذا الرجل الذي تستخلفه .

ابو موسى : بل انت قم فاخطب ، فانت احق بذلك عمرو : ما احب ان اتقدمك و ما قولي و قولك للناس الا قول واحد ،

[ 279 ]

فقم راشدا فقام ابو موسى خطيبا في تلك الطائفتين الطائفة التي كانت معه و الطائفة التي كانت مع ابن العاص ، فحمد اللّه و اثنى عليه ، و صلى على نبيه صلى اللّه عليه و آله ثم قال :

ايها الناس : إنا قد نظرنا في أمرنا قرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن و الصلاح و لمّ الشعث و حقن الدماء و جمع الالفة خلعنا عليا و معاوية ، و قد خلعت عليا كما خلعت عمامتي هذه ثم اهوى إلى عمامته فخلعها و استخلفنا رجلا قد صحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم بنفسه ، و صحب ابوه النبي ، فبرز في سابقته ، و هو عبد اللّه بن عمر و جعل يمدح ابن عمر ، و يرغب الناس فيه ثم نزل .

فقام عمرو : فحمد اللّه و اثنى عليه ، و صلى على رسوله ثم قال :

ايها الناس : إن أبا موسى عبد اللّه بن قيس قد خلع عليا ، و أخرجه من هذا الأمر الذي يطلب ، و هو اعلم به ، أ لا : و إني خلعت عليا ، و أثبت معاوية عليّ و عليكم ، و إن أبا موسى قد كتب في الصحيفة : أن عثمان قتل مظلوما شهيدا ،

و ان لوليه سلطانا ، أن يطلب بدمه حيث كان ، و قد صحب ابوه النبي ، و جعل عمرو يمدح معاوية و يرغّب الناس فيه ، ثم قال : هو الخليفة علينا ، و له طاعتنا و بيعتنا على الطلب بدم عثمان .

ابو موسى : كذب عمرو ، لم نستخلف معاوية ، و لكنا خلعنا معاوية و عليا معا .

عمرو : بل كذب عبد الله بن قيس ، قد خلع عليا و لم اخلع معاوية .

ابو موسى : ما لك ؟ لا وفقك الله ، غدرت و فجرت ؟ انما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث .

[ 280 ]

عمرو : بل إياك يلعن الله ، كذبت و غدرت ، انما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا فضرب عمرو ابا موسى ، فسقط ابو موسى ، فلما رأى ذلك شريح بن هاني ضرب عمرا بالسوط ، فركب ابو موسى راحلته ، و توجه الى مكة ،

و حلف ان لا ينظر الى وجه علي عليه السلام مدة حياته 1 .

و في تلك الايام كثرت اقوال الشعراء و اشعارهم حول هذه المأساة ، و الذم و التوبيخ للمرشحين أبا موسى الأشعري للحكم ، و تركهم ابن عباس و الاشتر و محمد بن ابي بكر و غيرهم من امراء الكلام ، و اصحاب الجدل و الفهم و العرفان ، و لكن ما الفائدة في ذلك و قد جرى ما جرى وصلت هذه الاخبار الى الامام أمير المؤمنين عليه السلام و هو في الكوفة ،

فاغتمّ غمّا شديدا ، فقام و خطب بهذه الخطبة التي مرّ ذكرها و هي :

« الحمد للّه و ان اتى الدهر بالخطب الفادح و الحدث الجليل » لقد تقدم الكلام منا فيما يتعلق بإسناد الأمور الى الدهر و الزمان ، و كذلك هنا إذ وقعت تلك النوائب العظيمة ، و هي نتيجة التحكيم ، تحكيم الحكمين القاسطين الظالمين في الحكم ، الذين خالفا كتاب اللّه و نبذاه وراء ظهرهما فأبو موسى كان منحرفا عن أمير المؤمنين عليه السلام كما ذكرنا في الجزء الأول من كتابنا ، و من رجال المؤامرة ضد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله كما شرحنا ذلك هناك ، فهو بالرغم من الوصايا التي اوصاه بها علماء الصحابة كابن عباس و الاحنف و غيرهما خلع عليا عليه السلام عن الخلافة ، و انخدع بمكائد ابن العاص فهل هو إلا حمار ؟

و أما ابن العاص ، فهو باع دينه لمعاوية و استراح من كل شي‏ء ، فلا عجب و لا عتب ، فقد عرفت اباه ، بل آبائه الخمسة ، و عرفت أمه النجيبة العفيفة . ذات

-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي

[ 281 ]

القدرة المدهشة التي كانت يركبها أربعون رجلا في يوم واحد ، فعمرو ، وليد هذه الام و ربيبها ، فالأعمال التي صدرت منه انما هي على الاصل ، و ليست ذلك منه بعجيبة ، و ما ذلك من الظالمين ببعيد ، و كل إناء بالذي فيه ينضح ، و لو كان ينجب لكان عجبا فأمير المؤمنين عليه السلام يحمد الله على السراء و الضراء ، و الشدة و الرخاء ،

و يحمده على كل حال من الاحوال كما هو شأن اولياء الله المقربين ،

و اشهد ان لا إله إلا الله‏وحده لا شريك له ليس معه إله غيره و ان محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و اله » افتتح عليه السلام كلامه بعد الحمد على الله تعالى بالشهادتين كما هو دأبه في اكثر خطبه و كلماته في مواقفه ، ثم انتقل الى الكلام الاصلي المقصود بيانه فقال « أما بعد : فان معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحسرة و تعقب الندامة » لا شك ان الامام عليه السلام كان انصح الناس بالناس ، و لهذا كان ينهاهم عن قبول التحكيم حبا لصلاحهم ، و شفقة بهم كيلا يفشلوا و يخجلوا ، لانه كان عالما بنتيجة التحكيم ، فانه كان قد عرف هؤلاء الانذال من ايام صغرهم ، كالأشعري الحمار و ابن العاص و معاوية و نظائرهم ، و قد جرب دينهم و مقدار ورعهم ، و لهذا كان ينهي اصحابه عن موافقة التحكيم ، و يخبرهم بأن رفع المصاحف حيلة و خديعة و مكر و تزوير ، و لكن اصحاب الجباه السود سود الله وجوههم كقلوبهم أجبروه على ذلك و عصوه و خالفوه ، فآل امرهم الى الندم و الحسرة و الخسران ،

كما قال عليه السلام . « و كنت امرتكم في هذه الحكومة امري و نخلت لكم مخزون رأيي » كما تقدم الكلام فيما مضى ، نعم اظهر الامام رأيه الصحيح المصاب « لو كان يطاع لقصير أمر » هذا مثل مشهور عند العرب يومئذ ، و ذلك ان جذيمة ملك الحيرة قتل أبا الزياء ملكه الجزيرة ، فبعثت إليه ليتزوج بها خدعة

[ 282 ]

و سألته القدوم عليها ، فأجابها الى ذلك ، و خرج في الف فارس ، و خلف باقي جنوده مع ابن اخته ، و كان له عبد اسمه . قصير بن سعد . فأشار قصير على جذيمة ان لا يتوجه اليها . فلم يقبل رأيه ، فلما قرب جذيمة من الجزيرة استقبله جنود الزياء بالعدة و السلاح ، و لم ير منهم إكراما له ، فأشار قصير عليه بالرجوع عنها ، و قال . انها امرأة و من شأن النساء الغدر . فلم يقبل ، فلما دخل عليها غدرت به و قتلته ، فعند ذلك قال قصير . « لا يطاع لقصير امر » فصار قوله مثلا يضرب لكل ناصح عصي ، و هو مصيب في رأيه ، لأن اصحابه كما قال عليه السلام . « فأبيتم عليّ إباء المخالفين الجفاة و المنابذين العصاة » و هم المتجاهرون بالمعصية المكاشفون للخلاف ، كأنهم كانوا متعمدين على خلافه عليه السلام و كان الخلاف قبل ذلك مكمنا في صدورهم ، و لكنهم كاشفوا ما في صدورهم من المخالفة له « حتى ارتاب الناصح بنصحه » قد يتفق للانسان ان ينصح جماعة غافلين عن شي‏ء ، و لكنهم لا يقبلون منه ، بل يقومون في وجهه بخلاف ما نصحهم حتى يشك الناصح في نصحه هل هو صواب ام لا ؟ فيظن نفسه على الباطل و هم على الحق ، و ذلك من كثرة مخالفة تلك الجماعة له ، و عدم موافقتهم له في رأيه ،

فعند ذلك يفسد رأيه ، و يضل قلبه .

و هذه الكلمة مثل يضرب لمن نصح قوما فاستغشوه و اتهموه ، فشك في نصحه .

و هذا المعنى لا يتصور في الامام أمير المؤمنين عليه الصلوة و السلام ، لانه القائل . « ما شككت في الحق مذ رأيته » و قوله . « و اني لعلى بيّنة من ربي و غير شبهة من ديني » و كلامه . « و ان معي لبصيرتي » ثم ان الامام أمير المؤمنين كان يعلم تلك القضايا و الوقائع ، اخبره بها رسول الله صلى الله عليه و آله كما مر في السابق

[ 283 ]

« و ضن الزند بقدحه » و هذا ايضا مثل يضرب لمن بخل عن إظهار آرائه للناس لعدم وجود الأهلية و القابلية فيهم ، و معنى الزند : العود الذي يقدح به النار ، و منه سمي الزناد ، و هو المقدحة و هي الحديدة او الحجر الذي توري النار بالاحتكاك و الاصطكاك ، فقد يبخل الزند عن النار ، يقول عليه السلام :

انكم افسدتم عليّ رأيي فصرت لا احب إظهار الرأي بسبب مخالفتكم امري و عصيانكم قولي ، ثم تمثل عليه السلام بقول دريد بن الصمة من هوازن :

امرتهم امري بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

و هنا انتهت الخطبة الخامسة و الثلاثون