المعنى

لقد وردت أخبار و أحاديث كثيرة جدا في كتب الفريقين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في ذم الخوارج و كفرهم ، و لنا مجال في المستقبل إنشاء اللّه ،

و الآن نقول :

لقد كثر الكلام منا فيما سبق حول ( الخوارج ) و قد وصلنا الى الموضع المناسب لبيان هذا الموضوع و لقد ذكرنا فيما مضى بعض ما يتعلق بتحكيم الحكمين ، و نتيجة ذلك التحكيم هو الفشل العائد إلى أصحاب الامام عليه السلام ،

اولئك الذين أكرهوه و أجبروه على التحكيم ، و لكنهم من قلة حيائهم و ضعف دينهم و ايمانهم ، جعلوا ، يعاتبون الامام ، بالرغم من انه كان كارها للتحكيم ،

[ 285 ]

و هم أجبروه على اصل التحكيم و على انتخاب الحكم و هو ابو موسى الأشعري الخائن ، و مع ذلك جعلوه ذنبا لأمير المؤمنين عليه السلام و اليك الواقعة كما ذكرها الطبري و غيره :

قد ذكرنا فيما سبق انه لما تم أمر المحاكمة خرج الامام من صفين و دخل الكوفة إلى أنتم تحكيم الحكمين بخلع الامام عليه السلام و تثبيت معاوية ، و لهذا تكونت الخوارج ، و كان الامام عليه السلام ينتظر إنقضاء السنة مدة الهدنة التي بينه و بين معاوية ليرجع إلى المقاتلة و الحرب ، و اذا بأربعة الآف فارس من اصحابه العبّاد و النساك قد تكتّلوا كتلة واحدة ضد الامام فخرجوا من الكوفة لاعلان المخالفة ، و قالوا : لا حكم الا للّه ، و لا طاعة لمن عصى اللّه و انضمت إليهم جماعة أخرى و هم ثمانية الاف ممن يرى رأيهم فصاروا إثني عشر الفا ، من أهل الكوفة و البصرة و غيرها و ساروا إلى ان نزلوا الحروراء .

و نادى مناديهم : ان أمير القتال شبث بن ربعي ، و امير الصلاة عبد اللّه ابن الكوا ، و الأمر شورى بعد الفتح ، و البيعة للّه على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .

فدخل زرعة الطائي و حرقوص بن زهير ذو الثدية فقال : لا حكم الا للّه فقال علي عليه السلام : كلمة حق يراد بها الباطل . قال ذو الثدية : فتب من خطيئتك ، و ارجع عن قصتك ، و اخرج بنا الى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا .

فقال عليه السلام : قد اردتكم على ذلك فعصيتموني ، و قد كتبنا بيننا و بين القوم كتابا و شروطا ، و اعطينا عليها عهودا و مواثيق ، و قد قال اللّه تعالى : و اوفو بعهد اللّه اذا عاهدتم .

قال ذو الثدية : ذلك ذنب ينبغي ان نتوب عنه . فقال عليه السلام : ما هو

[ 286 ]

بذنب و لكنه عجز من الرأي و ضعف في العقل ، و قد تقدمت فنهيتكم عنه .

فقال ابن الكوا : الآن صح عندنا انك لست بامام ، و لو كنت اماما لما رجعت فقال عليه السلام : ويلكم قد رجع رسول اللّه عام الحديبية عن قتال اهل مكة .

و قال زرعه : اما و اللّه لئن لم تتب من تحكيمك الرجال لاقتلنك اطلب بذلك وجه اللّه و رضوانه فقال عليه السلام بؤسا لك ما اشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليه الرياح ، قال زرعة : وددت أنه كان ذلك .

بعث الأمام أمير المؤمنين عليه السلام صعصعة بن صوحان مع زياد بن نضر و عبد اللّه بن العباس إلى القوم فلم يرتدعوا ، فدعى الامام صعصعة و قال له : بأي القوم رأيتم أشد طاعة ؟ فقال صعصعة : بيزيد بن قيس الأرحبى ، فركب عليه السلام إلى حروراء حتى وصل إلى خيمة يزيد بن قيس ، فصلى فيه ركعتين ثم خرج ، فاتكأ على قوسه ، و أقبل على الناس فقال : هذا مقام من فلج فيه إلى يوم القيامة ، ثم كلمهم وناشدهم فقال لهم :

أ لا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم : إن هذه مكيدة و وهن ، و لو أنهم قصدوا إلى حكم المصاحف لأتوني و سئلوني التحكيم ؟ أ فتعلمون أن احدا اكره على التحكيم مني ؟ قالوا : صدقت . قال : فهل تعلمون انكم استكرهتموني على ذلك حتى اجبتكم ، فاشرطت ان حكمهما : نافذ ما حكما بحكم اللّه ، فمتى خالفاه فانا و انتم من ذلك برآء ، و انتم تعلمون ان حكم اللّه لا يعدوني .

فقال ابن الكواء : حكّمت في دين اللّه برأينا ، و نحن مقرون بانا كفرنا و لكن الآن تائبون فاقرر بمثل ما اقررنا به ، و تب ننهض معك الى الشام . فقال عليه السلام : اما تعلمون ان اللّه قد امر بالتحكيم في شقاق بين الرجل و امرأته

[ 287 ]

فقال سبحانه فابعثوا حكماً من اهله و حكماً من اهلها . و في صيد « كأرنب » يساوي نصف درهم فقال . يحكم به ذوا عدل منكم .

فقالوا له : فان عمرا ابن العاص لما ابى عليك ان تقول في كتابك : هذا ما كتبه عبد الله علي أمير المؤمنين محوت إسمك من الخلافة و كتبت علي بن ابي طالب ، فقد خلعت نفسك . فقال عليه السلام : لي اسوة برسول اللّه حين ابى عليه سهيل بن عمرو ان يكتب : هذا ما كتبه محمد رسول الله و سهيل بن عمرو ،

و قال لو اقررت بانك رسول الله ما خالفتك ، و لكني اقدمك لفضلك ، فاكتب محمد بن عبد الله . فقال لي : يا علي : امح رسول الله . فقلت : يا رسول الله . لا تشجعني نفسي على محو إسمك من النبوة . فقضى عليه فمحاه بيده ثم قال : اكتب محمد بن عبد الله . ثم تبسم الي و قال : انك ستسام مثلها فتعطي .

فقالوا : أنا أذنبنا ذنبا عظيما بالتحكيم ، و قد تبنا ، فتب الى اللّه كما تبنا نعد لك فقال علي عليه السلام : استغفر اللّه من كل ذنب ، فرجعوا معه منهم ستة آلاف فلما استقروا بالكوفة اشاعوا : أن عليا رجع عن التحكيم و رآه ضلالا ، و قالوا إنما ينتظر ، أن يسمن الكراع و يجي‏ء المال ثم ينهض بنا الى الشام . فأتى الاشعث عليا عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين : إن الناس قد تحدثوا : انك رايت الحكومة تحكيم الحكمين ضلالا و الاقامة عليها كفرا ، فقام علي عليه السلام فخطب فقال : من زعم اني رجعت عن الحكومة فقد كذب ، و من رآها ضلالة فقد ضلّ . فخرجت الخوارج من المسجد ، ثم توجهت إلى النهروان .

و وقعت لهم في طريقهم إلى النهروان طرايف و قضايا عجيبة مضحكة مبكية ،

فمنها : انهم وجدوا مسلما و نصرانيا في طريقهم ، فقتلوا المسلم لأنه عندهم كافر إذ كان على خلاف معتقدهم ، و استوصوا بالنصراني و قالوا احفظوا ذمة نبيكم

[ 288 ]

وثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فمه فصاحوا به ،

فلفظها تورّعا .

و رأى أحدهم خنزيرا فضربه و قتله ، فقالوا : هذا فساد في الأرض ، و انكروا قتل الخنزير .

و ساوموا رجلا نصرانيا بنخلة له فقال : هي لكم . فقالوا : ما كنا لنأخذها إلا بثمن ، فقال النصراني : وا عجباه أ تقتلون مثل عبد اللّه بن خباب و لا تقبلون منا نخلة إلا بثمن ؟ ؟ و اما عبد اللّه بن خباب الازدي ، فانه كان راكبا على حمار و معه زوجته و هي حامل فقالوا له :

حدثنا . قال سمعت ابي يقول : قال رسول اللّه : ستكون بعدي فتنة ،

يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه ، يمسي مؤمنا و يصبح كافرا ، فكن عند اللّه المقتول و لا تكن القاتل .

قالوا : فما تقول في ابي بكر و عمر ؟ فأثنى خيرا . قالوا : فما تقول في علي قبل التحكيم ؟ و في عثمان في السنين الست الاخيرة ؟ فأثني خيرا : قالوا : فما تقول في علي بعد التحكيم و الحكومة ؟ قال : ان عليا اعلم باللّه و اشد توقيا على دينه ، و انفذ بصيرة .

قالوا : إنك تتبع الهوى ، انما تتبع الرجال على أسمائهم . ثم قربوه إلى شاطى‏ء النهر فأضجعوه و ذبحوه ، ثم عمدوا إلى امرأته فشقوا بطنها و هي حامل وصل القوم إلى النهروان و توجه الامام بجيشه إليهم ، فقال عليه السلام :

يا ابن عباس إمض إلى هؤلاء القوم ، فانظر ما هم عليه ، و لما ذا اجتمعوا فلما وصل اليهم قالوا : له

[ 289 ]

الخوارج : ويحك يا ابن عباس : كفرت بربك كما كفر صاحبك علي بن ابي طالب و خرج خطيبهم عتاب بن الأعور الثعلبي فقال ابن عباس : من بنى الاسلام ؟

عتاب : اللّه و رسوله ابن عباس : النبي أحكم أموره و بيّن حدوده ام لا ؟

عتاب : بلى .

ابن عباس : فالنبي بقي في دار الاسلام ام ارتحل ؟

عتاب : بل ارتحل .

ابن عباس : فامور الشرع ارتحلت معه ام بقيت ؟

عتاب : بل بقيت بعده ابن عباس : فهل أقام أحد بعده بعمارة ما بناه ؟

عتاب : نعم ، الذرّية و الصحابة ابن عباس : فعمروها أو خربوها .

عتاب : بل عمروها ابن عباس : فالآن هي معمورة أم خراب .

عتاب : بل خراب .

ابن عباس : خربها ذريته ام أمته ؟

عتاب : بل امته .

ابن عباس : أنت من الذرية او من الامة ؟

عتاب : من الامة ابن عباس : انت من الامة و خربت دار الاسلام فكيف ترجوا الجنة ؟

[ 290 ]

فقالوا . ليخرج الينا علي بنفسه لنسمع كلامه عسى ان يزول ما بأنفسنا اذا سمعناه فرجع ابن عباس فأخبره ، فركب عليه السلام في جماعة و مضى اليهم ،

فركب ابن الكواء في جماعة منهم ، فلما التقوا قال الامام عليه السلام : يابن الكوا إن الكلام كثير ، فابرز اليّ من أصحابك لاكلّمك . فقال . و أنا آمن من سيفك ؟ قال عليه السلام . نعم . فخرج إليه في عشرة من أصحابه ، فقال له علي عليه السلام . . . أ لم أقل لكم إن أهل الشام انما يخدعونكم بها الحكومة و رفع المصاحف و غير ذلك فان الحرب قد عضّهم ، فذروني أناجزهم فأبيتم أ لم أرد نصب ابن عمي ابن عباس و قلت . إنه لا ينخدع فأبيتم ؟ الا ابا موسى .

و قلتم . رضينا به حكما . فاجبتكم كارها ؟ و لو وجدت في ذلك الوقت أعوانا غيركم لما أجبتكم ، و شرطت على الحكمين بحضوركم . ان يحكما بما أنزل اللّه من فاتحته الى خاتمته . و السنة الجامعة ، و إنهما ان لم يفعلا فلا طاعة لهما عليّ ؟ كان ذلك أو لم يكن ؟

قال ابن الكواء . صدقت ، كان هذا كله ، فلم لا ترجع الآن الى حرب القوم ؟ قال الامام عليه السلام . حتى تنقضي المدة التي بيننا و بينهم . قال ابن الكوا . و انت مجمع على ذلك ؟ قال عليه السلام . نعم ، لا يسعني غيره . فعاد ابن الكوا و العشرة الذين معه الى اصحاب علي عليه السلام راجعين عن دين الخوارج و تفرّق الباقون و هم يقولون لا حكم الا للّه . و أمروا عليهم عبد اللّه بن واهب الراسبي و ذا الثدية ، و عسكروا بالنهروان ، و خرج الامام عليه السلام حتى بقي على فرسخين منهم ، و كاتبهم و راسلهم ، فلم يرتدعوا ، فأمر الامام عليه السلام ابن عباس أن يركب إليهم ، و قال : سلهم ما الذي نقموه ؟ و أنا ردفك فلا تخف منهم . فلما جائهم ابن عباس قال : ما الذي نقمتم من أمير المؤمنين ؟

[ 291 ]

قالوا : نقمنا أشياء لو كان حاضرا لكفّرناه بها و الامام يسمع كلامهم فقال ابن عباس : يا أمير المؤمنين قد سمعت كلامهم و انت أحق بالجواب .

فتقدم عليه السلام و قال : ايها الناس انا علي بن ابي طالب ، فتكلموا بما نقمتم عليّ . قالوا : نقمنا عليك اولا .

انا قاتلنا بين يديك بالبصرة ، فلما أظفرك اللّه بهم أبحتنا ما في عسكرهم ،

و منعتنا النساء و الذرية ، فكيف حل لنا ما في العسكر و لم يحل لنا النساء ؟

فقال عليه السلام . يا هؤلاء . ان اهل البصرة قاتلونا بالقتال ، فلما ظفرتم بهم قسمّتم سلب من قاتلكم ، و منعتكم من النساء و الذرية ، فان النساء لم يقاتلن ،

ولدوا على الفطرة ، و لم ينكثوا و لا ذنب لهم ، و لقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله منّ على المشركين ، فلا تعجبوا إن مننت على المسلمين فلم أسب نسائهم و لا ذريتهم .

قالوا . نقمنا عليك يوم صفين كونك محوت اسمك من إمرة المؤمنين ،

فاذن لم تكن أميرنا ، و لست أميرا لنا قال عليه السلام . يا هؤلاء . إنما اقتديت برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله حين صالح سهيل بن عمرو و قد تقدمت قالوا : نقمنا عليك . انك قلت للحكمين . انظرا كتاب اللّه ، فان كنت افضل من معاوية فأثبتاني في الخلافة . فاذا كنت شاكا في نفسك فنحن فيك اشد و اعظم شكا قال عليه السلام . انما اردت بذلك النصفة الانصاف فاني لو قلت .

احكما لي دون معاوية لم يرض و لم يقبل ، و لو قال النبي لنصارى نجران لما قدموا عليه . تعالوا نبتهل فأجعل لعنة اللّه عليكم . لم يرضوا ، و لكن أنصفهم من نفسه

[ 292 ]

كما امره اللّه فقال : فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين ، فأنصفهم من نفسه ، فكذلك فعلت انا و لم اعلم بما اراد عمرو بن العاص من خدعة ابي موسى .

قالوا . فانا نقمنا عليك انك حكمت حكما في حق هو لك .

فقال عليه السلام : إن رسول اللّه حكم سعد بن معاذ في بني قريظة و لو شاء لم يفعل ، و انا اقتديت به ، فهل بقي عندكم شي‏ء ؟

فسكتوا و صاح جماعة منهم من كل جانب : التوبة التوبة يا أمير المؤمنين فأعطى امير المؤمنين راية امان مع ابي ايوب الانصاري ، فناداهم ابو ايوب :

من جاء إلى هذه الراية او خرج من الجماعة فهو آمن .

فرجع منهم ثمانية الآف ، فأمر عليه السلام المستأمنين بالاعتزال عنهم في ذلك الوقت .

و بقي اربعة الاف منهم مستعدين للقتال ، فخطبهم الامام و وعّظهم فلم يرتدعوا ، و صاح مناديهم فيهم دعوا مخاطبة علي و أصحابه ، و بادروا الجنة .

و صاحوا : الرواح إلى الجنة و تقدم حرقوص ذو الثدية و عبد اللّه بن وهب و قالا : ما نريد بقتالنا إياك إلا وجه اللّه و الدار الآخرة ، فقال عليه السلام : هل انبئكم بالاخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، و هم يحسبون انهم يحسنون صنعا ،

فكان اول من خرج اخنس بن العزيز الطائي ، فقتله الامام عليه السلام و خرج عبد اللّه بن وهب و مالك بن الوضاح ، و خرج أمير المؤمنين وضاح من جنب و ذو الثدية من جانب ، فقتل الامام الوضاح و ضرب ضربة حيدرية على رأس الحرقوص فقطعه ، فشرد ، و رجله في الركاب حتى اوقعه في مكان على جرف شط النهروان و أمر الامام عليه السلام أصحابه بالهجوم على العدو .

[ 293 ]

عند ذلك استعرت الحرب و التهبت نيرانها ، و اما عبد اللّه بن وهب الراسبي فصاح : يا ابن ابي طالب : و اللّه لا نبرح من هذه المعركة حتى تأتي على انفسنا و نأتي على نفسك ، فابرز الي و ابرز اليك ، و ذر الناس جانبا ، فلما سمع الامام كلامه تبسم و قال : قاتله اللّه من رجل ما اقل حياه ، أما انه ليعلم اني لحليف السيف و خدين الرمح ، و لكنه قد يئس من الحياة ، و انه ليطمع طمعا كاذبا ، ثم حمل على الامام عليه السلام و حمل عليه الامام فضربه و قتله و الحقه بأصحابه في النار و اختلط الجيشان فلم تكن الا ساعة حتى قتلوا بأجمعهم ، و كانوا اربعة الاف ،

و لم ينج منهم إلا تسعة أنفس : رجلان هربا إلى خراسان إلى ارض سجستان و بها نسلهما ، و رجلان صارا إلى اليمن و فيها نسلهما و هم الاباضية ، و رجلان صارا إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يعرف بالسن و البواريخ نواحي التكريت في شمال العراق و رجلان صارا إلى اليمن و رجل صار إلى تل موزن .

و غنم أصحاب الامام عليه السلام غنائم كثيرة .

و قتل من أصحاب علي عليه السلام تسعة بعدد من سلم من الخوارج هذه صورة مصغرة من وقعة النهروان ، و في المستقبل نذكر ما يتعلق بها بالمناسبة إنشاء اللّه .

و اما شرح الخطبة يقول عليه السلام : فانا نذير لكم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر ، باهضمام هذا الغائط » هذا إخبار منه عليه السلام و إنذار للقوم ،

بأنهم يقتلون قرب ذلك النهر ، و في ذلك الوادي المنخفض ، و قد مر الكلام في صدر الجزء الأول في البحث عن علم الامام عليه السلام ، كما و انه عليه السلام كان يعلم بعدد القتلى من أصحابه ، و الناجين من القتل من الخوارج ، و ليس ذلك منه بعجيب ، فهو باب مدينة العلم النبوي ، و معدن الأسرار الالهية ، ثم ذكر عليه

[ 294 ]

السلام أن قتلهم لم يكن في سبيل اللّه ، و ليس لهم أجر الشهيد ، بل مصيرهم إلى النار ، بقوله : « على غير بيّنة من ربكم ، و لا سلطان مبين معكم » إذ لم يجز لهم أن يحاربوا إمام زمانهم ، بغير حدث و لا ذنب ، فان كان ذنبه بزعمهم تحكيم فهم كانوا يعملون بأنه ما كان راضيا ، بل كان ينهاهم عن ذلك نهيا شديدا ، و انما أجبروه و أكرهوه على ذلك كما سبق ، و إن كان ذنبه بزعمهم ترك الجهاد و المحاربة مع معاوية ، فأن الامام كان عازما على العود و الرجوع الى صفين ، و انما كان ينتظر انتهاء مدة الهدنة ، فعلى جميع التقادير لم يكن للخوارج برهان و لا سلطان و لا حجة و لا دليل على جواز قتال الامام عليه السلام ، اضف الى ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله : يا على : حربك حربي . . . الخ . « قد طوّحت بكم الدار ، و احتبلكم المقدار » يشير الى أن الدار الدنيا هي ذهبت بهم هيهنا و هيهنا ، و ان القدر هو الذي اوقعهم في الحبال ، حبال الشك و الشبهة و الضلالة ، ثم ذكر برائته من قضية التحكيم بقوله : « و قد كنت نهيتكم عن الحكومة ، فأبيتم عليّ اباء المخالفين المنابذين » كأنهم عامدين مصرين على خلافه و عصيانه ، و لم يكن له في ذلك اليوم عدد من الجيش يكفيه لردّ الأشعث و اضرابه و دفعهم ، و لهذا فوّض الأمر اليهم فقال : « حتى صرفت رأيي الى هواكم » قهرا و جبرا ، و لو كان هؤلاء اصحاب عقل و تدبير لأطاعوا أمر الامام عليه السلام في أصل التحكيم ، أو وافقوه على انتخاب الحكم ، كأبن عباس و الأشتر و الأحنف و محمد بن أبي بكر و امثالهم ، بل اصروا على انتخاب الحمار ابي موسى الأشعري ، لانهم كما قال عليه السلام : « و انتم معاشر أخفاء الهام » يقال : رجل خفيف الهامة . أي الرأس ، كناية عن قلة عقله « و سفهاء الاحلام » أشارة الى عدم الثبات و الانائة ، و الرأي السليم ،

[ 295 ]

ثم قال عليه السلام : « و لم آت لا ابا لكم بحرا ، و لا أردت بكم ضرا » . و أود أن اختم هذا البحث بهذا الخبر الظريف الذي لا يخلو من فائدة ، كما في البحار عن الكافي .

أن عبد اللّه بن نافع الأزرق كان يقول : لو اني علمت أن بين قطريها أحدا تبلّغني إليه المطايا يخصمني أن عليا عليه السلام قتل أهل النهروان و هو لهم غير ظالم لرحلت اليه .

فقيل له : و لا ولده ؟ فقال : أ في ولده عالم ؟ فقيل له : هذا أول جهلك ،

و هم لا يخلون من عالم ؟ قال : فمن عالمهم اليوم ؟ قيل محمد بن علي بن الحسين بن علي ( الباقر ) عليهم السلام . فرحل إليه في صناديد أصحابه ، حتى أتى المدينة ،

فاستأذن على أبي جعفر ( الباقر ) عليه السلام فقيل له : هذا عبد اللّه بن نافع . فقال عليه السلام : و ما يصنع بي ؟ و هو يبرأ مني و من ابي طرفي النهار ؟ فقال له ابو بصير الكوفي : جعلت فداك ، إن هذا يزعم أنه لو علم ان بين قطريها أحدا تبلغه المطايا اليه يخصمه أن عليا عليه السلام قتل أهل النهروان و هو لهم غير ظالم لرحل اليه .

فقال له ابو جعفر ( الباقر ) عليه السلام : أ تراه جائني مناظرا ؟ قال : نعم .

قال : يا غلام اخرج ، فحطّ رحله ، و قل له : اذا كان الغد فأتنا .

قال : فلما أصبح عبد اللّه بن نافع غدى في صناديد اصحابه ، و بعث ابو جعفر إلى جميع أبناء المهاجرين و الأنصار ، فجمعهم ، ثم خرج الى الناس في ثوبين ،

و اقبل على الناس كأنه فلقة قمر ، فقال : الحمد للّه محيّث الحيث ، و مكيّف الكيف و مؤيّن الأين الحمد للّه الذي لا تأخذه سنة و لا نوم ، له ما في السموات و ما في

[ 296 ]

الأرض الى آخر الآية .

و أشهد ان لا إله إلا اللّه ، و اشهد ان محمدا صلى اللّه عليه و آله عبده و رسوله ،

إجتباه و هداه الى صراط مستقيم ، الحمد للّه الذي اكرمنا بنبوّته ، و اختصنا بولايته يا معشر أبناء المهاجرين و الأنصار ، من كانت عنده منقبة لعلي بن ابي طالب فليقم ليتحدث .

قال : فقام الناس ، فسرّدوا تلك المناقب ، فقال عبد اللّه : أنا اروى لهذه المناقب من هؤلاء ، و إنما أحدث عليّ الكفر بعد تحكيمه الحكمين حتى انتهوا في المناقب الى حديث خيبر : لأعطين الراية رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله ، كرارا غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح اللّه على يديه ،

فقال ابو جعفر عليه السلام : ما تقول في هذا الحديث ؟ فقال : هو حق لا شك فيه و لكن أحدث الكفر بعد . فقال له ابو جعفر عليه السلام : ثكلتك امك اخبرني عن اللّه عز و جل : احب علي بن ابي طالب يوم احبه و هو يعلم انه يقتل اهل النهروان ام لم يعلم ؟ ؟ قال : فان قلت : لا . كفرت . فقال : قد علم قال : فأحبه اللّه على ان يعمل بطاعته ، او على ان يعمل بمعصيته ؟ ؟ فقال : على ان يعمل بطاعته . فقاله ابو جعفر عليه السلام : فقم مخصوما ، فقام و هو يقول :

حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الأسود من الفجر ، اللّه اعلم حيث يجعل رسالته .

[ 297 ]