خاتمة الكتاب

لقد كثر منا فيما سبق الكلام حول ذم الامام امير المؤمنين عليه السلام اصحابه المتثاقلين عن الجهاد ، المتقاعدين عن الحرب ، و كان الذم متوجها اليهم بسبب عدم إطاعتهم أمر الامام ، و عدم الاسراع في امتثال أوامره ، و بقى هنا كلام :

و هو ان جماعة غير قليلة من اصحاب الامام عليه السلام كانوا يطيعون امره و يضحّون بأنفسهم في سبيل حبه ، و منهم الصحابي المجاهد البطل المقدام طرماح ابن عدي ، عليه الرحمة ، فله مواقف مشهورة مشكورة ، و منها :

كما في البحار : أن أمير المؤمنين عليه السلام لما رجع من وقعة الجمل كتب اليه معاوية ابن ابي سفيان : بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه و ابن عبد اللّه معاوية ابن ابي سفيان ، الى علي بن ابي طالب ، اما بعد : فقد إتبعت ما يضرك ،

و تركت ما ينفعك ، و خالفت كتاب اللّه ، و سنة رسوله فقد انتهى إلى ما فعلت بحواري رسول اللّه طلحة و الزبير ، و ام المؤمنين عايشة ، فو اللّه لارمينك بشهاب لا تطفيه المياه ، و تزعزعه الرياح ، اذا وقع وقب ، و اذا وقب ثقب ، و اذا ثقب نقب ، و اذا نقب إلتهب ، فلا تغرنك الجيوش ، و استعد للحرب ، فاني ملاقيك بجنود لا قبل لك بها و السلام فلما وصل الكتاب إلى أمير المؤمنين عليه فكّه و قرأه ، و دعي بدواة و قرطاس و كتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه و ابن عبده علي بن ابي طالب أخي رسول اللّه و ابن عمه ، و وصيه ، و مغسله و مكفنه ، و قاضي دينه ، و زوج ابنته البتول

[ 298 ]

سبطيه . الحسن و الحسين الى معاوية بن ابي سفيان .

اما بعد . فاني أفنيت قومك يوم بدر ، و قتلت عمك و خالك و جدك ، و السيف الذي قتلتهم به معي ، يحمله ساعدي ، بثبات من صدري ، و قوة من بدني ،

و نصرة من ربي كما جعله النبي صلى اللّه عليه و آله في كفي ، فو اللّه ما اخترت على اللّه ربا ، و لا على الاسلام دينا ، و لا على محمد صلى اللّه عليه و آله نبيا ، و لا على السيف بدلا ، فبالغ من رأيك ، فاجتهد فلا تقصّر ، فقد استحوذ عليك الشيطان و استفزّك الجهل و الطغيان ، و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ، و السلام على من اتبع الهدى ، و خشى عواقب الردى .

ثم طوى الكتاب ، و ختمه ، و دعى رجلا من اصحابه يقال له . الطرماح بن عدي بن حاتم الطائي ، و كان رجلا جسيما طويلا ، اديبا لبيبا فصيحا لسنا ،

متكلما لا يكل لسانه ، و لا يعي عن الجواب ، فعمّمه بعمامته ، و دعى له بجمل بازل وثيق فايق أحمر ، فسوّى راحلته ، و وجّهه الى دمشق ، فقال له .

يا طرماح انطلق بكتابي هذا الى معاوية بن ابي سفيان ، و خذ الجواب .

فأخذ الطرماح الكتاب ، و كور بعمامته ، و ركب مطيته ، و انطلق حتى دخل دمشق فسأل عن دار الامارة ، فلما وصل الى الباب قال له الحجاب . من بغيتك ؟

الطرماح . اريد اصحاب الأمير اولا ، ثم الأمير ثانيا .

الحاجب . من تريد منهم ؟

الطرماح . اريد جشعما ، و جرولا ، و مجاشعا ، و باقعا ، يريد ابا الاعور و ابا هريرة و ابن العاص و مروان الحاجب : هم بباب الخضراء يتنزهون في بستان .

انطلق الطرماح و سار حتى اشرف على ذلك الموضع ، فاذا قوم ببابه ، فقالوا

[ 299 ]

جائنا أعرابي بدوي ، دوين إلى السماء ، تعالوا نستهزي‏ء به . فلما وقف عليهم قالوا :

القوم : يا اعرابي هل عندك من السماء خبر ؟

الطرماح : بلى اللّه تعالى في السماء ، و ملك الموت في الهواء و أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب في القفاء ، فاستعدوا لما ينزل عليكم من البلاء يا اهل الشقاوة الشقاء .

القوم : من اين أقبلت ؟

الطرماح من عند حرّ تقي نقي زكي ، مؤمن رضي مرضي .

القوم : و أي شي‏ء تريد ؟

الطرماح : اريد هذا الدعي الردي المنافق المردي الذي تزعمون أنه اميركم ،

القوم : هو في هذا الوقت مشغول .

الطرماح : بما ذا ؟ بوعد أو وعيد :

القوم : لا ، و لكنه يشاور أصحابه فيما يلقيه غدا .

الطرماح : فسحقا له و بعدا .

فكتبوا الى معاوية بخبره : اما بعد فقد ورد من عند علي بن ابي طالب رجل اعرابي بدوي ، فصيح لسن ، طليق ، يتكلم فلا يكل ، و يطيل فلا يمل ، فاعد لكلامه جوابا بالغا ، و لا تكن عنه غافلا و لا ساهيا و السلام .

فلما علم الطرماح بذلك أناخ راحلته ، و نزل عنها ، و عقلها و جلس مع القوم الذين يتحدثون فلما بلغ الخبر الى معاوية أمر ابنه يزيد أن يخرج و يضرب المصاف على باب داره . فخرج يزيد على وجهه أثر ضربة ، فاذا تكلم كان جهر الصوت ، فأمر بضرب المضاف ، ففعلوا ذلك ، و قالوا للطرماح : هل لك أن تدخل على أمير المؤمنين

[ 300 ]

الطرماح : لهذا جئت ، و به أمرت . قام الطرماح يمشي ، فلما رأى اصحاب المصاف و عليهم ثياب سود قال : من هؤلاء القوم : كأنهم زبانية المالك ، على ضيق المسالك فلما دنى من يزيد نظر اليه فقال : من هذا الميشوم ؟ الواسع الحلقوم ، المضروب على الخرطوم ؟

القوم : مه يا اعرابي ابن الملك يزيد الطرماح : و من يزيد ؟ لا زاده اللّه مزاده ، و لا بلغه مراده ، و من أبوه ؟ كانا قدما غائصين في بحر الجلافة و اليوم استويا على سرير الخلافة .

سمع يزيد ذلك ، فاستشاظ ، و همّ بقتله ، غضبا ، ثم كره أن يحدث دون ابيه فلم يقتله خوفا منه و كظم غيظه ، و خبأ ناره ، و سلّم عليه ، فقال : يا اعرابي ان أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام .

الطرماح : سلامه معي من الكوفة :

يزيد : سلنى عما شئت ، فقد أمرني أمير المؤمنين بقضاء حاجتك .

الطرماح : حاجتي اليه أن يقوم من مقامه ، حتى يجلس من هو اولى منه بهذا الأمر :

يزيد : فما ذا تريد آنفا ؟

الطرماح : الدخول عليه . فأمر يزيد برفع الحجاب ، و ادخله الى معاوية ،

فلما دخل الطرماح و هو منتعل قالوا له اخلع نعليك .

الطرماح يلتفت يمينا و شمالا : هذا رب الواد المقدس فاخلع نعلي ؟

فنظر فاذا هو معاوية قاعد على السرير مع قواعده و خاصته ، و مثل بين يديه خدمه فقال الطرماح : السلام عليك ايها الملك العاصي فقرب إليه عمرو بن العاص ، و قال : يا اعرابى ما منعك ان تدعوه بأمير

[ 301 ]

المؤمنين : الطرماح . ثكلتك امك يا احمق : نحن المؤمنون فمن أمّره علينا بالخلافة معاوية : ما معك يا اعرابي ؟

الطرماح : كتاب مختوم ، من إمام معصوم .

معاوية : ناولنيه .

الطرماح : اكره ان اطأ بساطك .

معاوية : ناوله وزيري . و اشار الى ابن العاص الطرماح : هيهات هيهات ، ظلم الامير ، و خان الوزير معاوية : ناوله ولدي هذا . و اشار الى يزيد .

الطرماح : ما نرضى بابليس فكيف باولاده ؟ معاوية : ناوله مملوكلي هذا . و اشار الى غلام قائم على راسه الطرماح : مملوك اشتريته من غير حل ، و تستعمله في غير حق .

معاوية : ويحك يا اعرابي فما الحيلة ؟ كيف نأخذ الكتاب :

الطرماح : ان تقوم من مقامك ، و تأخذه بيدك ، على غير كره منك ،

فانه كتاب رجل كريم و سيّد عليم ، و حبر حليم ، بالمؤمنين رؤف رحيم فلما سمع منه معاوية وثب من مكانه ، و اخذ منه الكتاب بغضب ، و فكه و قرأه ، و وضعه تحت ركبتيه ثم قال معاوية : كيف خلفت ابا الحسن و الحسين :

الطرماح : خلفته بحمد اللّه كالبدر الطالع ، حواليه أصحابه كالنجوم الثواقب اللوامع ، اذا أمرهم بأمر إبتدروا ، و اذا نهاهم عن شي‏ء لم يتجاسروا عليه ، و هو من بأسه يا معاوية في تجلد بطل شجاع سيد سميدع . ان لقي جيشا هزمه و اراده ، ان لقي قرنا سلبه و افناه ، و ان لقي عدوا قتله و جزّاه .

[ 302 ]

معاوية : كيف خلفت الحسن و الحسين :

الطرماح : خلفتهما بحمد اللّه شابين تقيين نقيّين ، زكيين عفيفين صحيحين سيدين ، فاضلين ، عاقلين ، عالمين ، مصلحين في الدنيا و الآخرة .

فسكت معاوية ساعة ، ثم قال : ما افصحك يا اعرابي الطرماح : لو بلغت باب أمير المؤمنين علي بن ابي طالب لوجدت الادباء الفصحاء البلغاء الفقهاء النجباء ، الاتقياء الأصفياء لرايت رجالا سيماهم في وجوههم من اثر السجود حتى اذا استعرت نار الوغى قذفوا بأنفسهم في تلك الشعل ، لابسين القلوب على مدارعهم ، قائمين ليلهم ، صائمين نهارهم ، لا تأخذهم في اللّه و لا في ولي اللّه ( علي ) لومة لائم فاذا انت يا معاوية رايتهم على هذه الحالة غرقت في بحر عميق لا تنجو من لجته .

فقال عمرو بن العاص لمعاوية سرا : هذا رجل اعرابي بدوي ، و لو ارضيته بالمال لتكلم فيك بخير .

معاوية : يا اعرابي ما تقول في الجائزة ؟ أ تأخذها مني ام لا ؟

الطرماح : آخذها ، فو اللّه أنا اريد استقباض روحك من جسدك ، فكيف باستقباض مالك من خزانتك ؟

فامر له معاوية بعشرة الاف درهم ثم قال معاوية : أ تحب ان أزيدك ؟ ؟

الطرماح : زدنا ، فانك لا تعطيه من مال أبيك ، و ان اللّه تعالى ولي من يزيد معاوية : اعطوه عشرين الفا .

الطرماح : اجعلها وترا ، فان اللّه تعالى هو الوتر ، و يحب الوتر .

معاوية : اعطوه ثلاثين الفا .

[ 303 ]

فمدّ الطرماح بصره إلى إيراده ، فأبطأ عليه ساعة فقال :

الطرماح : يا ملك : تستهزء بي على فراشك ؟

معاوية : لما ذا يا اعرابي ؟

الطرماح : انك امرت لي بجائزة لا اراها و لا تراها ؟ فانها بمنزلة الريح التي تهب من قلل الجبال . فاحضر المال ، فلما قبض المال سكت و لم يتكلم بشي‏ء .

ابن العاص : يا اعرابي كيف ترى جائزة أمير المؤمنين الطرماح : هذا مال المسلمين ، من خزانة رب العالمين ، اخذه عبد من عباد اللّه الصالحين .

التفت معاوية الى كاتبه و قال : اكتب جوابه ، فو اللّه لقد اظلمت الدنيا علي ،

و ما لي طاقة فاخذ الكاتب القرطاس و كتب .

بسم اللّه الرحمن الرحيم . من عبد اللّه و ابن عبده معاوية بن ابي سفيان ، الى علي بن ابي طالب . اما بعد فاني اوجه إليك جندا من جنود الشام ، مقدمته بالكوفة ، و ساقته بساحل البحر ، و لأرمينك بالف حمل من خردل تحت كل خردل مقاتل ، فان أطفأت نار الفتة ، و سلمت إلينا قتلة عثمان و إلا فلا تقل . غال ابن ابي سفيان . و لا يغرنك شجاعة اهل العراق و اتفاقهم ، فان إتفاقهم نفاق فمثلهم كمثل الحمار الناهق ، يميلون مع كل ناعق و السلام .

فلما نظر الطرماح إلى ما يخرج تحت قلمه قال .

الطرماح : سبحان الله لا ادري أيكما اكذب ؟ انت بادعائك ؟ او كاتبك فيما كتب ؟ لو اجتمع أهل الشرق و الغرب من الجن و الانس لم يقدروا به على ذلك معاوية : و الله لقد كتب من غير امري .

الطرماح : إن كنت كاذبا فقد استضعفك ، و إن كنت أمرته فقد استفضحك

[ 304 ]

إن كتب من تلقاء نفسه فقد خانك ، و إن أمرته بذلك فأنتما خائنان كاذبان في الدنيا و الآخرة . يا معاوية : أظنك تهدد البط بالشط .

فدع الوعيد فما وعيدك ضائر
أ طنين اجنحة الذباب تضير

و الله إن لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب لديكا عليّ الصوت ، عظيم المنقار يلتقط الجيش بخيشومه و يصرفه إلى قانصته ، و يحطه إلى حوصلته .

معاوية : و الله كذلك ، هو مالك الاشتر النخعي ، إرجع بسلام مني ، خذ المال و الكتاب ، و انصرف فجزاك الله عن صاحبك خيرا . فأخذ الطرماح الكتاب و حمل المال ، و خرج من عنده و ركب مطيّته و سار .

التفت معاوية الى اصحابه قائلا . لو اعطيت جميع ما املك لرجل منكم لم يؤد عني عشر عشير ما ادى هذا الأعرابي من صاحبه .

عمر بن العاص : لو ان لك قرابة كقرابة امير المؤمنين علي بن ابي طالب و كان معك الحق كما هو معه لأدينا عنك افضل من ذلك اضعافا مضاعفة معاوية : فض اللّه فاك ، و قطع شفتيك ، و اللّه لكلامك علي اشد من كلام الاعرابي ، و لقد ضاقت عليّ الدنيا بحذافيرها .

الى هنا انتهى الجزء الثاني من كتاب شرح نهج البلاغة و الحمد للّه اولا و آخرا و تم طبعه في 20 صفر عام 1381 من الهجرة في مطبعة عمر منيمنة في بيروت لبنان كربلاء المشرفة العراق السيد محمد كاظم القزويني 25 ذي الحجة 1380