بيان

الفقرة الأولى إقرار بالعجز عن الحمد باللسان كما أنّ الثانية اعتراف بالقصور عن الشكر بالجنان ، و الثالثة عن العمل بالأركان . و « الهمّة » القصد و الإرادة و « بعدها » علوّها و تعلّقها بالأمور العالية ، أي لا تدركه الهمم العالية المتعرّضة لصعاب الأمور الطائرة إلى إدراك عوالي الأمور . و « الفطن » بكسر الفاء و فتح الطاء جمع « فطنة » بالكسر ، الحذق و جودة استعداد الذهن لتصور ما يرد عليه ، أي لا يصل إلى كنه حقيقته الفطن الغائصة في بحار الأفكار .

قوله عليه السلام « الّذي ليس لصفته » أي لا يدخل في صفاته الحقيقيّة حدّ محدود من الحدود و النهايات الجسمانيّة ، و يحتمل أن يكون الصفة بمعنى التوصيف أي لا يمكن توصيفه بحدّ . و وصف الحدّ بالمحدود إمّا لأنّ كلّ حدّ من الحدود الجسمانيّة فله حدّ أيضا كالسطح ينتهي إلى الخطوط مثلا ، أو على المبالغة كقولهم : شعر شاعر .

و يمكن أن يقرأ على الإضافة و إن كان خلاف ما هو المضبوط ، و يمكن أن يكون المعنى : أنّه ليس لتوصيفه تعالى بصفات كماله حدّ ينتهى إليه بل محامده أكثر من أن تحصى . [ 1 ] و لا يوصف أيضا بنعت موجود أي بالصفات الزائدة ردّا على الأشعريّ ، و إنّما قيّد بقوله « موجود » إذ لا ضير في توصيفه بالصفات الاعتباريّة و الإضافيّة ، و يحتمل أن يكون المراد نعت موجود في المخلوقين ، أو يكون الموجود من الوجدان أي نعت يحيط به العقل . و احتمال الإضافة فيها و في قرينتيها باق مع بعده . و لا يمكن وصفه أيضا بالوقت و الأجل ،

و الفرق بينهما باعتبار الابتداء و الانتهاء أي ليس له وقت معدود من جهة الأزل و لا أجل مؤجّل ممدود من جهة الأبد .

و قال ابن أبي الحديد : يعني بصفته ههنا كنهه و حقيقته ، يقول : ليس لكنهه حدّ

[ 1 ] أو كان المعنى كما حكي عن أبي الحسن الكيدري بأن يؤوّل حد محدود على ما يؤوّل به كلام العرب : « و لا يرى الضبّ بها ينحجر » أي ليس بها ضبّ فينحجر ، حتّى يكون المراد أنّه ليس له صفة فتحدّ ، إذ هو تعالى واحد من كلّ وجه ، منزّه عن الكثرة بوجه ما ، فيمتنع أن يكون له صفة تزيد على ذاته كما في سائر الممكنات ، و صفاته المعلومة ليست من ذلك في شي‏ء ، إنّما هي نسب و اضافات لا يوجب وصفه بها كثرة في ذاته ، قال : و ممّا يؤكّد هذا التأويل قوله بعد ذلك « فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه » .

[ 24 ]

فيعرف بذلك الحدّ قياسا على الأشياء المحدودة لأنّه ليس بمركّب و كلّ محدود مركّب .

ثمّ قال : « و لا نعت موجود » أي لا يدرك بالرسم كما يدرك الأشياء برسومها و هو أن يعرف بلازم من لوازمها وصفة من صفاتها . ثمّ قال : « و لا وقت معدود و لا أجل ممدود » ،

و فيه إشارة إلى الردّ على من قال : إنّا نعلم كنه الباري تعالى لا في هذه الدنيا بل في الآخرة .

و قال ابن ميثم : المراد أنّه ليس لمطلق ما يعتبره عقولنا له من الصفات السلبيّة و الإضافيّة نهاية معقولة تقف عندها فيكون حدّا له ، و ليس لمطلق ما يوصف به أيضا وصف موجود يجمعه فيكون نعتا له و منحصرا فيه . ثمّ قال : ليس لصفته حدّ أي ليس لها غاية بالنسبة إلى متعلّقاتها كالعلم بالنسبة إلى المعلومات ، و القدرة إلى المقدورات .

انتهى . و لا يخفى بعد تلك الوجوه .

و « الفطر » الابتداع ، و « الخلائق » جمع خليقة بمعنى المخلوق أو الطبيعة ، و الأوّل أظهر . « و نشر الرياح » [ 2 ] أي بسطها برحمته أي بسبب المطر أو الأعمّ ، و يؤيّد الأوّل قوله تعالى : « و هو الّذي يرسل الرّياح بشرا بين يدي رحمته » 1 . « و تّد بالصخور » يقال : « وتّد » أي ضرب الوتد في حائط أو غيره ، و « الصخور » الحجارة العظام . و « الميدان » بالتحريك ، الحركة بتمائل و هو الاسم من « ما ديميد ميدا » ، و هو من إضافه الصفة إلى موصوفها و التقدير : « وتّد بالصخور أرضه المائدة » ، و إنّما أسند إلى الصفة لأنّها العلّة في إيجاد الجبال كما قال تعالى : « و ألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم » 2 و قال : « و الجبال أوتادا » 3 ثمّ اعلم أنّهم اختلفوا في أنّه لم صارت الجبال سببا لسكون الأرض على أقوال :

[ 2 ] قال ابن ميثم : إنّ نشر الرياح و بسطها لما كان سببا عظيما من أسباب بقاء أنواع الحيوان و النبات و استعدادات الأمزجة للصحّة و النموّ و غيرها حتّى قال كثير من الأطبّاء : إنّها تستحيل روحا حيوانيّا ، و كانت عناية اللّه سبحانه و تعالى و عموم رحمته شاملة لهذا العالم و هي مستند كلّ موجود لا جرم كان نشرها برحمته ، و من أظهر آثار الرحمة الالهيّة بنشر الرياح حملها للسحاب المقرع بالماء و إثارتها له على وفق الحكمة لتصيب الأرض الميتة فينبت بها الزرع و يملأ الضرع .

-----------
( 1 ) الأعراف : 57 .

-----------
( 2 ) النحل : 14 .

-----------
( 3 ) النبأ : 7 .

[ 25 ]

الأوّل : أنّ السفينة إذا القيت على وجه الماء فإنّها تميل فإذا وضعت فيها أجرام ثقيلة استقرّت ، و لعلّ غرضهم أنّ الأرض إذا لم توتّد بالجبال لأمكن أن تتحرّك بتموّج الهواء و نحوه حركة قسريّة .

الثاني : ما ذكره الفخر الرازيّ حيث قال : قد ثبت أنّ الأرض كرة و أنّ هذه الجبال بمنزلة خشونات و تضريسات [ 3 ] على وجه الكرة فلو فرضنا أنّ الأرض كانت كرة حقيقة لتحرّكت بالاستدارة بأدنى سبب لأنّ الجرم البسيط المستدير يجب كونه متحرّكا على نفسه بأدنى سبب و إن لم تجب حركته بنفسه عقلا ، أمّا إذا حصل على سطحها هذه الجبال فكلّ واحد إنّما يتوجّه بطبعه إلى المركز فيكون بمنزلة الأوتاد ، و لا يخفى ما فيه من التشويش و الفساد .

الثالث : ما يخطر بالبال و هو أن يكون مدخليّة الجبال لعدم اضطراب الأرض بسبب اشتباكها و اتّصال بعضها ببعض في أعماق الأرض بحيث تمنعها عن تفتّت أجزائها و تفرّقها فهي بمنزلة الأوتاد المغروزة المثبتة في الأبواب المركّبة من قطع الخشب الكثيرة بحيث تصير سببا لا لتصاق بعضها ببعض و عدم تفرّقها ، و هذا معلوم ظاهر لمن حفر الإبار في الأرض فإنّها تنتهي عند المبالغة في حفرها إلى الأحجار الصلبة .

الرابع : ما أوّل بعضهم الآية به و هو أنّ المراد بالأوتاد الأنبياء و العلماء و بالأرض الدنيا فإنّهم سبب استقرار الدنيا ، و لا يخفى أنّه لو استقام هذا الوجه في الآية لا يجري في كلامه عليه السلام إلاّ بتكلّف لا يرتضيه عاقل .

الخامس : أن يقال : المراد بالأرض قطعاتها و بقاعها لا مجموع كرة الأرض و يكون الجبال أوتادا لها أنّها حافظة لها عن الميدان و الاضطراب بالزلزلة و نحوها ، إمّا لحركة البخارات المحتقنة في داخلها بإذن اللّه تعالى أو لغير ذلك من الأسباب الّتي يعلمها مبدعها و منشئها ، و يؤيّده ما سيأتي من خبر ذي القرنين ، و سيأتي تمام القول في ذلك في كتاب السماء و العالم ،

[ 3 ] « تضاريس الأرض » ما برز عليها كالأضراس .

[ 26 ]

قوله عليه السلام « و كمال معرفته التصديق به » الفرق بينهما إمّا بحمل المعرفة على الإذعان بثبوت صانع في الجملة ، و التصديق على الإذعان بكونه واجب الوجود أو مع سائر الصفات الكماليّة أو بحمل الأوّل عليا المعرفة الفطريّة و الثاني على الإذعان الحاصل بالدليل ، أو الأوّل على المعرفة الناقصة و الثاني على التامّة الّتي وصلت حدّ اليقين . و إنّما قال عليه السلام « و كمال التصديق به توحيده » لأنّ من لم يوحّده و أثبت له شريكا فقد حكم بما يستلزم إمكانه فلم يصدّق به بل بممكن غيره . [ 4 ] « فمن وصف اللّه أي بالصفات الزائدة فقد قرنه » أي جعل له شيئا يقارنه دائما . و من حكم بذلك فقد ثنّاه أي حكم باثنينيّة الواجب إذ القديم لا يكون ممكنا ، و من حكم بذلك فقد حكم بأنّه ذو أجزاء لتركّبه ممّا به الاشتراك و ما به الامتياز ، أو لأنّ

[ 4 ] قوله « و كمال توحيده الإخلاص له » أي و كمال توحيده جعله مختارا خالصا من الدنس و تنزيهه عن شوائب العجز و النقص و تقديسه عمّا يلحق الممكنات و يعرضها من التجسّم و التركّب و غيرهما من الصفات السلبيّة . و أمّا قوله « و كمال الإخلاص له نفي الصفات له » يحتمل أن يكون المراد به نفي المعاني و الأحوال .

قال ابن ميثم : « و كمال توحيده الإخلاص له » ففيها إشارة إلى أنّ التوحيد المطلق للمعارف إنّما يتمّ بالإخلاص له و هو الزهد الحقيقي الّذي هو عبارة عن تنحية كلّ ما سوى الحقّ الأوّل عن سنن الإيثار ، و بيان ذلك أنّه ثبت في علم السلوك أنّ العارف مادام يلتفت مع ملاحظة جلال اللّه و عظمته إلى شي‏ء سواه فهو بعد واقف دون مقام الوصول ، جاعل مع اللّه غيرا ، حتّى أن أهل الإخلاص ليعدّون ذلك شركا خفيّا ، كما قال بعضهم :

من كان في قلبه مثقال خردلة
سوى جلالك فاعلم أنّه مرض

أقول : ما قلناه أظهر و أنسب و سياق الكلام يشهد بذلك . و قال في شرح قوله « نفي الصفات عنه » بعد احتماله ما ذكرنا : قلت : قد تقرّر في مباحث القوم بيان أنّ كلّ ما يوصف به [ اللّه ] تعالى من الصفات الحقيقيّة و السلبيّة و الإضافيّة اعتبارات تحدثها عقولنا عند مقايسة ذاته سبحانه إلى غيرها ، و لا يلزم تركيب في ذاته و لا كثرة ، فيكون وصفه تعالى بها أمرا معلوما من الدين ليعمّ التوحيد و التنزيه كلّ طبقة من النّاس ، و لمّا كانت عقول الخلق على مراتب من التفاوت كان الإخلاص الّذي ذكره [ عليّ ] عليه السلام أقصى ما تنتهي إليه القوى البشريّة عند غرقها في أنوار كبرياء اللّه ، و هو أنّ تعتبره فقط من غير ملاحظة شي‏ء آخر ، و كان اثباته عليه السلام الصفة في موضع آخر وصفه في الكتاب العزيز و سنن النبوية إشارة إلى الاعتبارات الّتي ذكرناها ، إذ كان من هو دون درجة الإخلاص يمكن أن يعرف اللّه سبحانه بدونها . انتهى . و قال صدر المتألّهين في شرح قوله عليه السلام : ذلك أراد به نفي الصفات الّتي وجودها غير وجود الذات و إلاّ فذاته بذاته مصدّق لجميع النعوت الكماليّة و الأوصاف الإلهيّة من دون قيام أمر زائد بذاته تعالى فرض أنّه صفة كماليّة له ، فعلمه و قدرته و إرادته و حياته و سمعه و بصره كلّها موجودة بوجودة ذاته الأوّليّة ؟ ، مع أنّ مفهوماتها متغايرة و معانيها متخالفة ، فإنّ كمال الحقيقة الوجوديّة في جامعيّتها للمعاني الكثيرة الكماليّة مع وحدة الوجود .

[ 27 ]

التوصيف بالأوصاف الزائدة الموجودة المتغايرة لا يكون إلاّ بسبب الأجزاء المتغايرة المختلفة ، أو لأنّ إله العالم و مبدعه إمّا أن يكون ذاته تعالى فقط مع قطع النظر عن هذه الصفات أو ذاته معها ، و الأوّل باطل لأنّ الذات الخالية عنها لا تصلح للإلهيّة ، و كذا الثاني لأنّ واجب الوجود إذا يصير عبارة عن كثرة مجتمعة من أمور موجودة فكان مركّبا فكان ممكنا .

قوله عليه السلام « و من أشار إليه » أي بالإشارة الحسّيّة فقد حدّه بالحدود الجسمانيّة أو بالإشارة العقليّة فقد حدّه بالحدود العقلانيّة . « و من حدّه فقد عدّه » أي جعله ذا عدد و أجزاء ، و قيل : « عدّه من الممكنات » و لا يخفى بعده .

قوله عليه السلام « و لا يستوحش » كأنّ كلمة « لا » تأكيد للنفي السابق ،

أي و لا سكن يستوحش لفقده [ 8 ] أو زائدة كما في قوله تعالى : « ما منعك أن لا تسجد » 9 .

و يحتمل كون الجملة حاليّة .

قوله عليه السلام « و ألزمها أشباحها » الضمير المنصوب في قوله « ألزمها » إمّا راجع إلى الغرائز أو إلى الأشياء ، فعلى الأوّل المراد بالأشباح الأشخاص أي جعل الغرائز و الطبائع لازمة لها ، و على الثاني فالمراد بها إمّا الأشخاص أي ألزم الأشياء بعد كونها كلّيّة أشخاصها ، أو الأرواح إذ يطلق على عالمها في الأخبار عالم الأشباح ، و في بعض النسخ « أسناخها » أي اصولها . قوله عليه السلام « بقرائنها » أي بما يقترن بها . و « الأحناء » جمع حنو و هو الجانب و الناحية [ 10 ] ج : في خطبة أخرى له عليه السلام « أوّل عبادة اللّه معرفته ، و أصل معرفته توحيده ، و نظام توحيده نفي الصفات عنه ، جلّ أن تحلّه الصفات لشهادة العقول

[ 8 ] أراد [ عليّ ] عليه السلام أنّه تعالى متوحّد بذاته و منفرد بوحدانيّته ، لا أنّه انفرد عن مثل له ، إذ المتعارف من استعمال لفظة « متوحّد » اطلاقها على من كان له من يستأنس بقربه و يستوحش لبعده .

-----------
( 9 ) الأعراف : 11 .

[ 10 ] و كلّ ما فيه اعوجاج من البدن كالضلع ، أو من غير البدن و هو كناية عمّا خفى ، أو من قولهم « أحناء الأمور » أي مشتبهاتها .

و « القرائن » ما يقترن به على وجه التركيب أو المجاورة أو العروض أو ما يصدر عنها من الأفعال . و قال ابن أبي الحديد : « القرائن » جمع « قرونة » و هي النفس .

[ 28 ]

أنّ كلّ من حلّته الصفات مصنوع ، و شهادة العقول أنّه جلّ جلاله صانع ليس بمصنوع ، فصنع اللّه يستدلّ عليه ، و بالعقول يعقد معرفته ، و بالفكر تثبت حجّته ، جعل الخلق دليلا عليه فكشف به عن ربوبيّته ، هو الواحد الفرد في أزليّته ، لا شريك له في إلهيّته ، و لا ندّ له في ربوبيّته ، بمضادّته بين الأشياء المتضادّة علم أن لا ضدّ له و بمقارنته بين الأمور المقترنة علم أن لا قرين له .

شا : أبو الحسن الهزليّ عن الزهريّ و عيسى بن زيد عن صالح بن كيسان ، أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال في الحثّ على معرفة اللّه سبحانه و التوحيد له :

أوّل عبادة اللّه معرفته . . . إلى آخر الخبر . 11