بسط مقال لرفع شبهة و اشكال

اعلم أنّه أجمعت الفرقة المحقّة و أكثر المخالفين على عصمة الملائكة صلوات اللّه عليهم أجمعين من صغائر الذنوب و كبائرها ، و سيأتي الكلام في ذلك في كتاب السماء و العالم ، و طعن فيهم بعض الحشويّة بأنّهم قالوا : « أتجعل » 58 و الاعتراض على اللّه من أعظم الذنوب و أيضا نسبوا بني آدم إلى القتل و الفساد و هذا غيبة و هي من الكبائر ،

و مدحوا أنفسهم بقولهم : وَ نَحْنُ نُسِبِّحُ بِحَمْدِكَ 59 و هو عجب ، و أيضا قولهم :

لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَناَ » 60 اعتذار و العذر دليل الذنب ، و أيضا قوله [ تعالى ] :

إِنْ كُنْتُمْ صَادِقرينَ 61 دلّ على أنّهم كانوا كاذبين فيما قالوه ، و أيضا قوله [ تعالى ] : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ 62 يدلّ على أنّهم كانوا مرتابين في علمه تعالى بكلّ المعلومات ، و أيضا علمهم بالإفساد و سفك الدماء إمّا بالوحي و هو بعيد و إلاّ لم يكن لإعادة الكلام فائدة ، و إمّا بالاستنباط و الظنّ و هو منهيّ عنه .

و أجيب عن اعتراضهم على اللّه بأنّ غرضهم من ذلك السؤال لم يكن هو الإنكار و لا تنبيه اللّه على شي‏ء لا يعلمه ، و إنّما المقصود من ذلك أمور :

منها : أنّ الإنسان إذا كان قاطعا بحكمة غيره ثمّ رآه يفعل فعلا لا يهتدي ذلك الإنسان إلى وجه الحكمة فيه استفهم عن ذلك متعجّبا فكأنّهم قالوا : إعطاء هذه النعم

-----------
( 57 ) الاعراف : 21 .

-----------
( 58 ) البقرة : 30 33 .

-----------
( 59 ) البقرة : 30 33 .

-----------
( 60 ) البقرة : 30 33 .

-----------
( 61 ) البقرة : 30 33 .

-----------
( 62 ) البقرة : 30 33 .

[ 47 ]

العظام من يفسد و يسفك لا تفعله إلاّ لوجه دقيق و سر غامض ، فما أبلغ حكمتك و منها : أنّ إبداء الإشكال طلبا للجواب غير محظور ، فكأنّه قيل : إلهنا أنت الحكيم الّذي لا تفعل السفه البتّة ، و تمكين السفية من السفة قبيح من الحكيم ، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين ؟ أو أنّ الخيرات في هذا العالم غالبة على شرورها ، و ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شر كثير ، فالملائكة نظروا إلى الشرور ، فأجابهم اللّه تعالى بقوله : إِنِّي أَعْلَم مَا لاَ تَعْلَمُونَ 63 أي من الخيرات الكثيرة الّتي لا يتركها الحكيم لأجل الشرور القليلة .

و منها : أنّ سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام اللّه تعالى فإنّ العبد المخلص لشدّة حبّه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه .

و منها : أنّ قولهم : « أتجعل » مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحا ، نحو قول موسى : أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الشُّفَهَاءُ مَنَّا 64 أي لا تهلك ،

فقال تعالى : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ من صلاحكم و صلاح هؤلاء ، فبيّن أنّه اختارلهم السماء و لهؤلاء الأرض ليرضى كلّ فريق بما اختار اللّه له .

و منها : أنّ هذا الاستفهام خارج مخرج الإيجاب كقول جرير « ألستم خير من ركب المطايا » أي أنتم كذلك و إلاّ لم يكن مدحا ، فكأنّهم قالوا : إنّك تفعل ذلك و نحن مع هذا نسبّح بحمدك ، لأنّا نعلم في الجملة أنّك لا تفعل إلاّ الصواب و الحكمة ،

فقال تعالى : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ فأنتم علمتم ظاهرهم و هو الفساد و القتل ،

و أنا أعلم ظاهر هم و ما في باطنهم من الأسرار الخفيّة الّتي يقتضي اتّخاذهم .

و الجواب عن الغيبة أنّ من أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرّض لمحلّ الإشكال ،

فلذلك ذكروا الفساد و السفك مع أنّ المراد أنّ مثل تلك الأفعال يصدر عن بعضهم ،

و مثل هذا لا يعدّ غيبة ، و لو سلّم فلا نسلّم ذلك في حقّ من لم يوجد بعد ، و لو سلّم فيكون غيبة للفسّاق و هي مجوّزة ، و لو سلّم فلا نسلّم أنّ ذكر مثل ذلك لعلاّم الغيوب يكون محرّما لا سيّما من الملائكة الّذين جماعة منهم مأمورون بتفتيش أحوال الخلائق و إثباتها في

-----------
( 63 ) البقرة : 30 .

-----------
( 64 ) الأعراف : 155 .

[ 48 ]

الصحف و عرضها على الباري‏ء جلّ اسمه .

و عن العجب بأنّ مدح النفس غير ممنوع منه مطلقا ، كما قال تعالى : وَ أَمِّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ 65 على أنّهم إنّما ذكروه لتتمّة تقرير الشبهة .

و عن الاعتذار بأنّه لا يستلزم الذنب بل قد يكون لترك الأولى .

ثمّ إنّ العلماء ذكروا في إخبار الملائكة عن الفساد و السفك وجوها .

منها : أنّهم قالوا ذلك ظنّا لما رأوا من حال الجنّ الّذين كانوا قبل آدم عليه السلام في الأرض ، و هو المرويّ عن ابن عبّاس و الكلبيّ ، و يؤيّده ما رويناه عن تفسير الإمام عليه السلام سابقا ، أو أنّهم عرفوا خلقته و علموا أنّه مركّب من الأركان المتخالفة و الأخلاط المتنافية الموجبة للشهوة الّتي منها الفساد و الغضب الّذي منه سفك الدماء .

و منها أنّهم قالوا ذلك على اليقين ، لما يروى عن ابن مسعود و غيره أنّه تعالى لمّا قال للملائكة : إِنِّي جِاعرلٌ فِي اْلأَرْضِ خَلِيفَةً 66 قالوا : ربّنا و ما يكون الخليفة ؟

قال : تكون له ذرّيّة يفسدون في الأرض ، و يتحاسدون ، و يقتل بعضهم بعضا ، فعند ذلك قالوا : ربّنا أتجعل فيها ، أو أنّه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنّه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها و يسفك الدماء [ 67 ] ، أو أنّه لمّا كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلّهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك ، أو لأنّ معنى الخليفة إذا كان النائب عن اللّه في الحكم و القضاء ، و الاحتياج [ 68 ] إنّما يكون عند التنازع و التظالم [ 69 ] كأنّ الاخبار عن وجود الخليفة إخبار عن وقوع الفساد و الشرّ بطريق الالتزام .

و قيل : لمّا خلق اللّه النّار خافت الملائكة خوفا شديدا فقالوا : « لم خلقت هذه

-----------
( 65 ) الضحى : 11 .

-----------
( 66 ) البقرة : 30 .

[ 67 ] في المطبوع : و أسفكوا الدماء .

[ 68 ] أي و الاحتياج بوجود الخليفة .

[ 69 ] الحديث ضعيف بمقاتل بن سليمان ، و الرجل هو مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني ابو الحسن البلخي المفسر نزيل مرو ، يقال له : ابن دوال دوز ، عدوّه أصحابنا في كتبهم الرجاليّة من البتريّة و من العامّة ، و رماه العامّة بالكذب و التجسيم . راجع تقريب ابن حجر ، ص 505 .

[ 49 ]

النار ؟ قال : لمن عصاني من خلقي . » و لم يكن يومئذ للّه خلق إلاّ الملائكة ، فلمّا قال :

« إنّي جاعل في الأرض خليفة » عرفوا أنّ المعصية منهم .

و جملة القول في ذلك أنّه لمّا ثبت بالنصوص و إجماع الفرقة المحقّة عصمة الملائكة لا بدّ من تأويل ما يوهم صدور المعصية منهم على نحو ما مرّ في عصمة الأنبياء عليهم السلام . 70 [ هذا بيان آخر في صفة خلق آدم عليه السلام : ] توضيح : « استأدى وديعته » أي طلب أداءها ، و الوديعة اشارة الى قوله تعالى : وَ إذْ قَالَ رَبُّكَ لَلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً . 71 و « الخنوع » الخضوع . و « القبيل » في الأصل ، الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتّى ، فإن كانوا من أب واحد فهم قبيلة ، و ضمّ القبيل 72 هنا إلى ابليس غريب فانّه لم يكن له في هذا الوقت ذرّيّة و لم يكن أشباهه في السماء فيمكن أن يكون المراد به أشباهه من الجنّ في الارض بأن يكونوا مأمورين بالسجود أيضا ، و عدم ذكرهم في الآيات و سائر الاخبار لعدم الاعتناء بشأنهم ، أو المراد به طائفة خلقها اللّه تعالى في السماء غير الملائكة ، و يمكن أن يكون المراد بالقبيل درّيّته و يكون إسناد عدم السجود إليهم لرضاهم بفعله كما قال عليه السلام في موضع آخر : إنّما يجمع الناس الرضا و السخط و إنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللّه بالعذاب لمّا عمّوه بالرضا فقال سبحانه : فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوانَادِمينَ ( الشعراء : 157 ) . 73 « اعترتهم » أي غشيتهم . و « التعزّز » التكبّر . و « استوهنه » أي عدّه و هنا ضعيفا . « نفاسة » أي بخلا . 74

-----------
( 70 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 11 ، ص 123 126 .

-----------
( 71 ) الحجر : 28 .

-----------
( 72 ) قد عرفت أنّ النسخة المطبوعة بمصر و الشرح لابن أبي الحديد هما خاليان عنها .

-----------
( 73 ) نهج البلاغة ، ج 1 ، ص 442 .

-----------
( 74 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 63 ، باب ذكر إبليس و قصصه ، ص 213 .

[ 50 ]