القسم الثالث مبايعة علي

فما راعني إلاّ و النّاس كعرف الضّبع ( 124 ) إليّ ، ينثالون ( 125 ) عليّ من كلّ جانب ، حتّى لقد وطى‏ء الحسنان ، و شقّ عطفاي ( 126 ) ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم ( 127 ) . فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ( 128 ) ،

و مرقت أخرى ( 129 ) ، و قسط آخرون ( 130 ) : كأنّهم لم يسمعوا اللّه سبحانه يقول : « تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا ، و العاقبة للمتّقين » بلى و اللّه لقد سمعوها و وعوها ، و لكنّهم حليت الدّنيا ( 131 ) في أعينهم ، و راقهم زبرجها ( 132 ) أمّا و الّذي فلق الحبّة ، و برأ النّسمة ( 133 ) ، لولا حضور الحاضر ( 134 ) ،

و قيام الحجّة بوجود النّاصر ( 135 ) ، و ما أخذ اللّه على العلماء ألاّ يقارّوا ( 136 ) على كظّة ( 137 ) ظالم ، و لا سغب ( 138 ) مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ( 139 ) ، و لسقيت آخرها بكأس أوّلها ، و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ( 140 ) قالوا : و قام إليه رجل من أهل السواد ( 141 ) عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته ، فناوله كتابا [ قيل : إن فيه مسائل كان يريد الإجابة عنها ] ،

فأقبل ينظر فيه [ فلما فرغ من قراءته ] قال له ابن عباس : يا أمير المؤمنين ، لو اطّردت خطبتك ( 142 ) من حيث أفضيت ( 143 )

[ 59 ]

فقال : هيهات يابن عبّاس تلك شقشقة ( 144 ) هدرت ( 145 ) ثمّ قرّت ( 146 ) قال ابن عباس : فو اللّه ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ألاّ يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد . قال الشريف رضي اللّه عنه : قوله عليه السلام « كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم ، و إن أسلس لها تقحم » يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام و هي تنازعه رأسها خرم أنفها ،

و ان أوخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها ، يقال : أشنق الناقة ، إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه ، و شنقها أيضا : ذكر ذلك ابن السكيت في « إصلاح المنطق » ، و إنما قال :

« اشنق لها » و لم يقل « أشنقها » لأنّه جعله في مقابلة قوله « أسلس لها » فكأنه عليه السلام قال :

إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها بالزمام .